إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الأحزاب بعد الانتخابات .. وظيفة أصعب للمعارضة.. وتأثير سياسي غائب

 

 

تونس – الصباح

نجح قيس سعيد الى حدّ كبير في تقليم أظافر الأحزاب وتقليص مساحات حضورها في الفضاء العام بشكل كبير يهدّد جدّيا الحياة الديمقراطية التي مهما ملكت من ضمانات لا يمكن تأثيثها..

هذه الحقيقة التي ينكرها البعض أو لا يريد الاعتراف أو الإقرار بها هي من صعّبت مهمة الأحزاب في استرجاع حصتها من الديمقراطية ومكانتها في صنع القرار السياسي من خلال جنوحها المفرط الى المعارضة التي تسحبها اليها قرارات وخيارات رئيس الجمهورية قيس سعيد، دون أن تفكّر في القيام بمراجعات حقيقية لتقف على الأسباب التي أوصلتها الى هذه المرحلة من الرفض والترذيل وعدم التأثير والفتور في العلاقة بالرأي العام والذي لا يساند في المطلق قيس سعيد ولكنه في المقابل لم يعد يرى في الأحزاب بديلا حقيقيا لانتشال البلاد من الأزمة الحالية.

ومقابل حيرة الأحزاب وفشلها في إيجاد حلول تضمن بقاءها في دائرة الحدث السياسي خاصة وأن الرأي العام والشارع بات لا يكترث لما تقوله أو تفعله أغلب القوى الحزبية..، فإن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يمضي في مشروعه دون تردد ويوظّف استحواذه على كل مراكز القرار في الدولة ليستكمل مشروعه السياسي الذي يلغي الأحزاب تماما، وأهم نقطة في هذا المشروع هو البرلمان القادم والذي سيرى النور بعد أيام وسيؤثث بالأفراد وليس بالأحزاب..، بما قد يزيد في تعقيد وضعية الأحزاب بعد انتخابه رسميا، حيث ستجد نفسها خارج منظومة الحكم تماما وفاقدة حتى لموقع المعارضة في شكلها الديمقراطي السليم.

 

 تحت التنفس الاصطناعي

 

رغم اعتراض أغلب القوى السياسية على القانون الانتخابي الجديد الذي ألغى وجود الأحزاب تماما واختار نظام الاقتراع على الافراد في اطار فكرة الديمقراطية المباشرة التي يدافع ويؤمن بها قيس سعيد..، إلا أن جزءا من هذه الأحزاب حاول التأقلم مع الوضع الجديد وخاصة تلك الأحزاب المؤيدة لمسار 25 جويلية، وهي الأحزاب القومية بالأساس وعلى رأسها حركة الشعب، حيث اختارت أن يكون لها حضور في البرلمان من خلال الترشحات الفردية وليس الحزبية ورأينا نوابا سابقين يترشحون إلى هذا البرلمان كأفراد ودون هوية حزبية رغم أنهم لم يتركوا أحزابهم..

ولكن هذه المناورة الانتخابية للتواجد في البرلمان القادم، يجمع المتتبعون للشأن أنها لن تغيّر كثيرا في واقع الأمر وأن ذلك لن يمنح تلك الأحزاب من خلال تواجد قياداتها في البرلمان القادم لا القوة ولا التأثير في مشهد سياسي بات يحتكره رئيس الجمهورية قيس سعيد بالكامل، فأولئك الأفراد حتى ولو تم انتخابهم يمكنهم ان يتصرّفوا تحت قبة البرلمان ككتلة حزبية برلمانية ولا يمكن لتواجدهم أن يغيّر المعادلة السياسية في برلمان يكاد يكون منزوع الصلاحيات وصلاحياته تقنية بالأساس تقتصر على سنّ التشريعات والقوانين وأنه سيبقى برلمانا محدودا ما دام لم تتوفر له آليات لمراقبة الحكومة والسلطة التنفيذية وهو ما يعني أن تلك الأحزاب التي ناورت انتخابيا ستجني فقط عملية تنفّس اصطناعية مؤقتة ربما تنقضها من الانقراض والزوال كما انتهت أحزاب قبلها وصلت السلطة وسيطرت على الحكم ولكنها انتهت بشكل درامي ولم يبق لها وجود سياسي يُذكر !

 

وجود صوري

 

كانت وما زالت الساحة السياسية تعاني الى اليوم من طفرة حزبية كبيرة من حيث عدد الأحزاب الحاصلة على تأشيرة العمل حيث تجاوز عددها 220 حزبا، وقبل 25 جويلية لم تكن كل هذه الأحزاب في حالة نشاط حيث أن بعضها لم تكن لديه مقرات ولا منخرطين وكان المشهد السياسي برمته حكما ومعارضة، يحتكره عدد محدود من الأحزاب.

وذلك الوجود الصوري لعشرات الأحزاب انتهى تماما بعد 25 جويلية حيث لم نر لهم مواقف مما يحصل سواء بالرفض او التأييد في حين استغلت أطراف مرحلة الاستثناء لتعلن عن نفسها كأحزاب جديدة، ولكنها مثل الأحزاب الصورية القديمة لا قيمة لوجودها ولا معنى لحضورها..، والآن فان أكثر من 200 حزب هي مجرّد أسماء في سجّل الأحزاب لا نشاط ومهام لها، وزادت مسألة إخراج الأحزاب من الحياة البرلمانية تعقيدا لوضعية هذه الأحزاب التي ماتت هذه المرة دماغيا وسريريا.

أحزاب معارضة منزوعة التأثير

رغم كل هذه العتمة التي سيطرت على المشهد الحزبي ما زالت هناك اليوم أحزاب تحاول الصمود والثبات وهي بالأساس الأحزاب الكبرى والجماهيرية او بعض الأحزاب التي ما زالت تملك رصيدا نضاليا تتمسّك به وتصرّ على استكمال دورها مهما كانت العراقيل والدفاع عن حقها وحصتها في الديمقراطية مع رفض مطلق لكل مظاهر الحكم الفردي الذي أسسه رئيس الجمهورية قيس سعيد.

وهذه الأحزاب يعتبر بعضها قطب الصراع الرئيسي مع قيس سعيد وهي بالأساس حزب حركة النهضة التي تؤسس للرئيس سرديته السياسية من خلال مناهضة فكرة الإسلام السياسي التي تمثلها حركة النهضة، وفي فلك حركة النهضة تدور مجموعة من الأحزاب والتحالفات والشخصيات..، ومع حركة النهضة نجد الدستوري الحرّ الذي يقف في مواجهة الرئيس وحركة النهضة معا ويحاول أن يفرض أفكاره كبديل للرئيس والنهضة..

ومع النهضة والدستوري الحرّ هناك الأحزاب الاجتماعية وهي التكتل والتيار والجمهوري والمسار وهي أحزاب تتغذّى من ارثها السياسي والنضالي وتصرّ على أن يكون لها مكان في المشهد..

وكل هذه الأحزاب بمختلف تصنيفاتها ومرجعياتها، تدافع بضراوة عن حياة سياسية ديمقراطية تضمن وجودها واستمرارها، ولكن في المقابل فان مهمتها تبدو صعبة مع تخلّي الشارع عن دعمها وخذلانها في أكثر من مسيرة احتجاجية ولعل أزمتها ستتعمق بعد البرلمان القادم الذي سيخّل بمعادلة المعارضة البرلمانية كما أخل قيس سعيد بمعادلة ديمقراطية الأحزاب.

منية العرفاوي

الأحزاب بعد الانتخابات .. وظيفة أصعب للمعارضة.. وتأثير سياسي غائب

 

 

تونس – الصباح

نجح قيس سعيد الى حدّ كبير في تقليم أظافر الأحزاب وتقليص مساحات حضورها في الفضاء العام بشكل كبير يهدّد جدّيا الحياة الديمقراطية التي مهما ملكت من ضمانات لا يمكن تأثيثها..

هذه الحقيقة التي ينكرها البعض أو لا يريد الاعتراف أو الإقرار بها هي من صعّبت مهمة الأحزاب في استرجاع حصتها من الديمقراطية ومكانتها في صنع القرار السياسي من خلال جنوحها المفرط الى المعارضة التي تسحبها اليها قرارات وخيارات رئيس الجمهورية قيس سعيد، دون أن تفكّر في القيام بمراجعات حقيقية لتقف على الأسباب التي أوصلتها الى هذه المرحلة من الرفض والترذيل وعدم التأثير والفتور في العلاقة بالرأي العام والذي لا يساند في المطلق قيس سعيد ولكنه في المقابل لم يعد يرى في الأحزاب بديلا حقيقيا لانتشال البلاد من الأزمة الحالية.

ومقابل حيرة الأحزاب وفشلها في إيجاد حلول تضمن بقاءها في دائرة الحدث السياسي خاصة وأن الرأي العام والشارع بات لا يكترث لما تقوله أو تفعله أغلب القوى الحزبية..، فإن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يمضي في مشروعه دون تردد ويوظّف استحواذه على كل مراكز القرار في الدولة ليستكمل مشروعه السياسي الذي يلغي الأحزاب تماما، وأهم نقطة في هذا المشروع هو البرلمان القادم والذي سيرى النور بعد أيام وسيؤثث بالأفراد وليس بالأحزاب..، بما قد يزيد في تعقيد وضعية الأحزاب بعد انتخابه رسميا، حيث ستجد نفسها خارج منظومة الحكم تماما وفاقدة حتى لموقع المعارضة في شكلها الديمقراطي السليم.

 

 تحت التنفس الاصطناعي

 

رغم اعتراض أغلب القوى السياسية على القانون الانتخابي الجديد الذي ألغى وجود الأحزاب تماما واختار نظام الاقتراع على الافراد في اطار فكرة الديمقراطية المباشرة التي يدافع ويؤمن بها قيس سعيد..، إلا أن جزءا من هذه الأحزاب حاول التأقلم مع الوضع الجديد وخاصة تلك الأحزاب المؤيدة لمسار 25 جويلية، وهي الأحزاب القومية بالأساس وعلى رأسها حركة الشعب، حيث اختارت أن يكون لها حضور في البرلمان من خلال الترشحات الفردية وليس الحزبية ورأينا نوابا سابقين يترشحون إلى هذا البرلمان كأفراد ودون هوية حزبية رغم أنهم لم يتركوا أحزابهم..

ولكن هذه المناورة الانتخابية للتواجد في البرلمان القادم، يجمع المتتبعون للشأن أنها لن تغيّر كثيرا في واقع الأمر وأن ذلك لن يمنح تلك الأحزاب من خلال تواجد قياداتها في البرلمان القادم لا القوة ولا التأثير في مشهد سياسي بات يحتكره رئيس الجمهورية قيس سعيد بالكامل، فأولئك الأفراد حتى ولو تم انتخابهم يمكنهم ان يتصرّفوا تحت قبة البرلمان ككتلة حزبية برلمانية ولا يمكن لتواجدهم أن يغيّر المعادلة السياسية في برلمان يكاد يكون منزوع الصلاحيات وصلاحياته تقنية بالأساس تقتصر على سنّ التشريعات والقوانين وأنه سيبقى برلمانا محدودا ما دام لم تتوفر له آليات لمراقبة الحكومة والسلطة التنفيذية وهو ما يعني أن تلك الأحزاب التي ناورت انتخابيا ستجني فقط عملية تنفّس اصطناعية مؤقتة ربما تنقضها من الانقراض والزوال كما انتهت أحزاب قبلها وصلت السلطة وسيطرت على الحكم ولكنها انتهت بشكل درامي ولم يبق لها وجود سياسي يُذكر !

 

وجود صوري

 

كانت وما زالت الساحة السياسية تعاني الى اليوم من طفرة حزبية كبيرة من حيث عدد الأحزاب الحاصلة على تأشيرة العمل حيث تجاوز عددها 220 حزبا، وقبل 25 جويلية لم تكن كل هذه الأحزاب في حالة نشاط حيث أن بعضها لم تكن لديه مقرات ولا منخرطين وكان المشهد السياسي برمته حكما ومعارضة، يحتكره عدد محدود من الأحزاب.

وذلك الوجود الصوري لعشرات الأحزاب انتهى تماما بعد 25 جويلية حيث لم نر لهم مواقف مما يحصل سواء بالرفض او التأييد في حين استغلت أطراف مرحلة الاستثناء لتعلن عن نفسها كأحزاب جديدة، ولكنها مثل الأحزاب الصورية القديمة لا قيمة لوجودها ولا معنى لحضورها..، والآن فان أكثر من 200 حزب هي مجرّد أسماء في سجّل الأحزاب لا نشاط ومهام لها، وزادت مسألة إخراج الأحزاب من الحياة البرلمانية تعقيدا لوضعية هذه الأحزاب التي ماتت هذه المرة دماغيا وسريريا.

أحزاب معارضة منزوعة التأثير

رغم كل هذه العتمة التي سيطرت على المشهد الحزبي ما زالت هناك اليوم أحزاب تحاول الصمود والثبات وهي بالأساس الأحزاب الكبرى والجماهيرية او بعض الأحزاب التي ما زالت تملك رصيدا نضاليا تتمسّك به وتصرّ على استكمال دورها مهما كانت العراقيل والدفاع عن حقها وحصتها في الديمقراطية مع رفض مطلق لكل مظاهر الحكم الفردي الذي أسسه رئيس الجمهورية قيس سعيد.

وهذه الأحزاب يعتبر بعضها قطب الصراع الرئيسي مع قيس سعيد وهي بالأساس حزب حركة النهضة التي تؤسس للرئيس سرديته السياسية من خلال مناهضة فكرة الإسلام السياسي التي تمثلها حركة النهضة، وفي فلك حركة النهضة تدور مجموعة من الأحزاب والتحالفات والشخصيات..، ومع حركة النهضة نجد الدستوري الحرّ الذي يقف في مواجهة الرئيس وحركة النهضة معا ويحاول أن يفرض أفكاره كبديل للرئيس والنهضة..

ومع النهضة والدستوري الحرّ هناك الأحزاب الاجتماعية وهي التكتل والتيار والجمهوري والمسار وهي أحزاب تتغذّى من ارثها السياسي والنضالي وتصرّ على أن يكون لها مكان في المشهد..

وكل هذه الأحزاب بمختلف تصنيفاتها ومرجعياتها، تدافع بضراوة عن حياة سياسية ديمقراطية تضمن وجودها واستمرارها، ولكن في المقابل فان مهمتها تبدو صعبة مع تخلّي الشارع عن دعمها وخذلانها في أكثر من مسيرة احتجاجية ولعل أزمتها ستتعمق بعد البرلمان القادم الذي سيخّل بمعادلة المعارضة البرلمانية كما أخل قيس سعيد بمعادلة ديمقراطية الأحزاب.

منية العرفاوي