*كيف لدولة ترفض الكثير من العملة الصعبة متأتية من ابداعات شبابها بحجة مقاومة تبييض الأموال وهي كلمة حق يراد بها باطل
الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه الحكومات المتعاقبة منذ 2011 ولا يزال مستمرا اليوم وسط غياب رؤية وطنية هو الاهتمام بالسياسة بدل الاقتصاد حيث طرب التونسيون والاحزاب والمنظمات بالحرية فتحررت الحناجر دون الاقتصاد وأصبحنا نعيش شعبوية مقيتة لا تسمن ولا تغني من جوع.
وبعد استنفاد كل الحلول التقليدية والخاطئة لإنقاذ الاقتصاد وعلى رأسها الاقتراض الداخلي والخارجي وإثقال كاهل الموظفين والشركات الصغرى وباعثي المشاريع من الشباب بالضرائب وصلت البلاد الى طريق مسدود ولم يعد ثمة هامش كبير للإنعاش الاقتصادي.
اقتصاد العائلات..
يقوم الاقتصاد التونسي الهش بطبعه على شيئين أساسيين هما اتخاذ الدولة الاقتراض سياسة مالية وخيارا للاستهلاك وليس لخلق الثروة أو التنمية وهذا ما جعل مهمة كل الحكومات بما فيها الحكومة الحالية مهمة تقليدية تنحصر أساسا في تحصيل الجباية وصرف الأجور والخدمات اليومية. وهو خيار فرضه عدم الاستقرار السياسي ما انجر عنه اهتزاز ثقة المستثمرين في المناخ الاقتصادي بصفة عامة. كما تسبّب في مغادرة عشرات مئات الشركات الأجنبية لبلادنا فضلا عن احجام رؤوس الأموال التونسيين عن الاستثمار في مشاريع صناعية أو فلاحية وتوجّههم الى انشاء المشاريع الاستهلاكية كالفضاءات التجارية الكبرى أو شركات الاتصالات والتأمين.
وفي بضع سنوات انحسر الفعل الاقتصادي وتقلّص الاستثمار مقابل احتكار عائلات لقطاعات مربحة مثل التي أشرنا اليها. وهي التي راكمت الثروة لوحدها وتحكمت بالتالي في النسيج البنكي الذي حاد عن مهمته الأساسية في تمويل المشاريع ودفع الاستثمار.
فشل المنوال التقليدي
منذ الاستقلال والى حدود اليوم كان اعتماد الاقتصاد التونسي على قطاعين اهتراء بفعل الزمن وبفعل التغيرات في الأسواق العالمية وبالتالي مواصلة الاعتماد عليهما ومحاولة انعاشهما هو من قبيل النفخ في الرماد. فتعبئة الموارد المالية للميزانية من السياحة والفسفاط لم تعد ممكنة ما جعل الاقتصاد التونسي أعرجا ومقعدا. اذ تراجعت مؤشرات هذين القطاعين حيث انحسرت موارد الفسفاط وكلفت الدولة خسائر بأكثر من8 مليار دولار على مدى الأعوام العشرة الأخيرة. وبعد أن كان الانتاج في 2010 في حدود 8.2 ملايين طن، تراجع العام 2018 إلى أقل من ثلاثة ملايين طن فقط.
وكذلك الحال في قطاع السياحة الأكثر تضرّرا بفعل اهتراء المنظومة السياحية وعدم تجديدها حيث بلغت المداخيل سنة 2013 مبلغ 3221 مليون دينار لتتراجع في سنة 2021 الى 2337 مليون دينار. وهي أرقام بعيدة كل البعد عن أرقام ما قبل 2011 حينما كانت السياحة تغطي 60% من العجز التجاري وتمثل 6,5% من اجمالي الناتج الداخلي. وتوظف حوالي 400ألف شخص.
موانئ اقليمية غير تقليدية(négoce et le commerce maritime)
ويبقى الحل هو ارساء دعائم منوال اقتصاد جديد ليس قائما على القطاعات التقليدية التي لم تعد تغري المستثمرين للقدوم الى تونس وكذلك أصبحت مكلفة كثيرا وعائقا أمام الباعثين الشبان .
وفي هذا الاطار لابد من استغلال الموقع الجغرافي الذي تتمتع به تونس حيث من الممكن تحويلها الى قطب اقليمي للخدمات وللاقتصاد الرقمي يربط بين ضفتي المتوسط ويشكل معبر لأوروبا نحو افريقيا. وهذا لا يتمّ سوى بوضع خطة وطنية شاملة للنهوض بالموانئ والتجارة البحرية أو ما يعرف بـ(Le négoce et le commerce maritime)، إذ من الممكن أن تتحوّل عدد من الموانئ في تونس الى نقاط اتصال ومخازن كبرى للسلع الأوروبية المتجهة الى افريقيا مثلما يحدث في اليونان أو تركيا وغيرها من الدول الساحلية النامية وعمليات المناولة والوساطة والتخزين هذه تدرّ أموالا كثيرة مقابل خدمات لوجستية تتم عبر استغلال الموقع الجغرافي.
الاقتصاد الرقمي هو الحلّ(économie numérique)
منذ أكثر من عقد من الزّمن أصبح مصطلح “الاقتصاد الرقمي (L’économie numérique)” من أكثر المفاهيم الاقتصادية استعمالا في هذا العصر، فهو متداول بشكل سريع في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والإنترنت وفي ظل التحول الرقمي بسرعة فائقة وباستخدام أحدث التقنيات. وعديد الدّول أصبحت تبني اقتصادياتها عليه مثل سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول الصاعدة.
ويعرّف الاقتصاد الرقمي الاقتصاد الرقمي بأنه هو النشاط الناتج عن الاتصالات اليومية عبر الإنترنت، كما أن العمود الفقري له هو الارتباط التشعبي، ويعني تزايد الارتباط والترابط بين الأشخاص والمؤسسات والآلات، وتكنولوجيا الهاتف المحمول وإنترنت الأشياء.
وهو اقتصاد عابر للقارات ولا يعترف بالحدود بين الدول لكنّنا في تونس لانزال نوصد الأبواب أمام هذا الاقتصاد حيث تعدّ تونس متخلّفة كثيرا في هذا المجال برغم الذكاء الحادّ وروح الخلق والإبداع التي يتمتع بها الشباب والذين بإمكانهم تغيير المنوال التنموي التقليدي الى آخر عصري وغير مكلف ولا يحتاج سوى لحاسوب وأنترنت .
حيث من السّهل تحويل تونس الى مركز مهم لتصدير البرامج الاعلامية والتكنولوجية بما نملكه من مواهب بإمكانها العمل من تونس بدل الهجرة نظرا لمحدودية الافاق في بلادهم اذ يصطدم هؤلاء الشباب بنظام مالي متخلّف يمنع استفادة هؤلاء من الأموال المتأتية من خدماتهم مع الشركات الأجنبية والبعض منهم وجد نفسه أمام القضاء بتهمة تبييض الأموال؟ فهل ثمة تخلّف أكثر من هذا؟ وكيف لدولة ترفض الكثير من العملة الصعبة متأتية من ابداعات شبابها بحجة مقاومة تبييض الأموال وهي كلمة حق يراد بها باطل . وبالتالي فعلى البنك المركزي وعلى الحكومة التونسية أن يغيّرا قانون التحويلات ويحرّرا الشباب التونسي للعمل من تونس مع الشركات الأجنبية، ولابدّ من تعصير كامل للبنوك حتى يمكنها الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
السياحة الطبية(Le commerce médical)
كما أسلفنا الذكر فان السياحة بمفهومها التقليدي لم تعد مغرية للسياح ولم تعد تدرّ الأموال المطلوبة المطلوب هو اثراء السياحة الصحية(Le commerce médical) والتي تعدّ بلادنا متقدّمة كثيرا عن جيرانها العرب وتحتل المرتبة الثانية عالميا بعد فرنسا حيث تلاقي عمليات التجميل وزراعة الشعر وغيرها إقبالا محترما يمكن تطويره.
وتوفر السياحة الطبية والعلاجية في تونس سنويا عائدات مالية تتجاور الـ1 مليار دينار، وتستقبل بلادنا ما لا يقلّ عن 600 ألف سائح، وذلك استنادا إلى معطيات صادرة عن الديوان الوطني التونسي للسياحة.
ويعود ذلك لما تمتلكه بلادنا من كفاءات طبية وشبه طبية ومصحات، وبإمكان هذا المجال خلق ديناميكية جديدة للنشاط السياحي وتعويض حالة الركود والتراجع التي يعيشها منذ سنوات.
التعليم عن بعد (L’enseignement à distance)
هو أحد أذرع الاقتصاد العالمي الجديد ومن الممكن أن تتحوّل تونس الى مركز متوسطي في هذا المجال حيث أن نسبة ارتباط التونسيين بالأنترنت تعد محترمة فضلا عن آلاف الكفاءات في مختلف المجالات القادرة على التدريس والتكوين عن بعد ولا يحتاج الامر الى تفعيله سوى لاطار قانوني ينظمّه وهو قطاع بإمكانه تقليص بطالة أصحاب الشهائد العليا اضافة الى تمويله للمالية العمومية بالعملة الصعبة.
التكنولوجيا الحربية ( La technologie d’armement)
لاشكّ أن العالم يبقى بحاجة دوما الى التسلّح وابتكار التكنولوجيا الحديثة وقد بدأت عدّة دول عظمى من مصنّعي الاسلحة بالاستغناء عن الصناعات الثقيلة والاعتماد على التكنولوجيا الذكية والخفيفة وذلك بتوظيف كفاءات من مختلف الدول خاصة النامية منها والتي تحوّل البعض منها الى مراكز بحث وتطوير في هذا المجال.
صناعة التكنولوجيا الدقيقة (L’intelligence artificielle)
في تونس يمكن استغلال الجامعات العلمية في تطوير البحث في صناعة التكنولوجيا الحديثة كصناعة الدرون وصناعة البرمجيات وتوجيه اهتمام الطلبة لهاته المجالات بدل النظرة التقليدية للجامعة وللتخرّج واعتبارها بوابة لدخول سوق الشغل التقليدية. بالإضافة إلى صناعة التكنولوجيا الدقيقة L’intelligence artificielle وهي المهيمنة على العالم ويمكن أن تتحوّل تونس الى سوق ذكيّة لصناعة القطارات والسفن فضلا عن استغلال الطاقة الشمسية وتصديرها.
لقد بات واضحا اليوم أن العالم تحوّل الى قرية رقمية وعلى تونس الانضمام اليها بمنوال اقتصادي جديد قائم على ثروة الذكاء والخدمات الرقمية .
وهذا لا يتم سوى بتغيير النصوص المتخلفة والمكبّلة للابتكار والإبداع أمّا التشبّث بخيارات اقتصادية قديمة ومواصلة التعويل على قطاعات تعيش موتا سريريا فهو مواصلة في العبث ومواصلة في سياسة الهروب الى الأمام.
* رئيسة المنتدى التونسي للاستشعار والوقاية من الجريمة اقتصادية
بقلم:د.ريم بالخذيري (*)
*كيف لدولة ترفض الكثير من العملة الصعبة متأتية من ابداعات شبابها بحجة مقاومة تبييض الأموال وهي كلمة حق يراد بها باطل
الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه الحكومات المتعاقبة منذ 2011 ولا يزال مستمرا اليوم وسط غياب رؤية وطنية هو الاهتمام بالسياسة بدل الاقتصاد حيث طرب التونسيون والاحزاب والمنظمات بالحرية فتحررت الحناجر دون الاقتصاد وأصبحنا نعيش شعبوية مقيتة لا تسمن ولا تغني من جوع.
وبعد استنفاد كل الحلول التقليدية والخاطئة لإنقاذ الاقتصاد وعلى رأسها الاقتراض الداخلي والخارجي وإثقال كاهل الموظفين والشركات الصغرى وباعثي المشاريع من الشباب بالضرائب وصلت البلاد الى طريق مسدود ولم يعد ثمة هامش كبير للإنعاش الاقتصادي.
اقتصاد العائلات..
يقوم الاقتصاد التونسي الهش بطبعه على شيئين أساسيين هما اتخاذ الدولة الاقتراض سياسة مالية وخيارا للاستهلاك وليس لخلق الثروة أو التنمية وهذا ما جعل مهمة كل الحكومات بما فيها الحكومة الحالية مهمة تقليدية تنحصر أساسا في تحصيل الجباية وصرف الأجور والخدمات اليومية. وهو خيار فرضه عدم الاستقرار السياسي ما انجر عنه اهتزاز ثقة المستثمرين في المناخ الاقتصادي بصفة عامة. كما تسبّب في مغادرة عشرات مئات الشركات الأجنبية لبلادنا فضلا عن احجام رؤوس الأموال التونسيين عن الاستثمار في مشاريع صناعية أو فلاحية وتوجّههم الى انشاء المشاريع الاستهلاكية كالفضاءات التجارية الكبرى أو شركات الاتصالات والتأمين.
وفي بضع سنوات انحسر الفعل الاقتصادي وتقلّص الاستثمار مقابل احتكار عائلات لقطاعات مربحة مثل التي أشرنا اليها. وهي التي راكمت الثروة لوحدها وتحكمت بالتالي في النسيج البنكي الذي حاد عن مهمته الأساسية في تمويل المشاريع ودفع الاستثمار.
فشل المنوال التقليدي
منذ الاستقلال والى حدود اليوم كان اعتماد الاقتصاد التونسي على قطاعين اهتراء بفعل الزمن وبفعل التغيرات في الأسواق العالمية وبالتالي مواصلة الاعتماد عليهما ومحاولة انعاشهما هو من قبيل النفخ في الرماد. فتعبئة الموارد المالية للميزانية من السياحة والفسفاط لم تعد ممكنة ما جعل الاقتصاد التونسي أعرجا ومقعدا. اذ تراجعت مؤشرات هذين القطاعين حيث انحسرت موارد الفسفاط وكلفت الدولة خسائر بأكثر من8 مليار دولار على مدى الأعوام العشرة الأخيرة. وبعد أن كان الانتاج في 2010 في حدود 8.2 ملايين طن، تراجع العام 2018 إلى أقل من ثلاثة ملايين طن فقط.
وكذلك الحال في قطاع السياحة الأكثر تضرّرا بفعل اهتراء المنظومة السياحية وعدم تجديدها حيث بلغت المداخيل سنة 2013 مبلغ 3221 مليون دينار لتتراجع في سنة 2021 الى 2337 مليون دينار. وهي أرقام بعيدة كل البعد عن أرقام ما قبل 2011 حينما كانت السياحة تغطي 60% من العجز التجاري وتمثل 6,5% من اجمالي الناتج الداخلي. وتوظف حوالي 400ألف شخص.
موانئ اقليمية غير تقليدية(négoce et le commerce maritime)
ويبقى الحل هو ارساء دعائم منوال اقتصاد جديد ليس قائما على القطاعات التقليدية التي لم تعد تغري المستثمرين للقدوم الى تونس وكذلك أصبحت مكلفة كثيرا وعائقا أمام الباعثين الشبان .
وفي هذا الاطار لابد من استغلال الموقع الجغرافي الذي تتمتع به تونس حيث من الممكن تحويلها الى قطب اقليمي للخدمات وللاقتصاد الرقمي يربط بين ضفتي المتوسط ويشكل معبر لأوروبا نحو افريقيا. وهذا لا يتمّ سوى بوضع خطة وطنية شاملة للنهوض بالموانئ والتجارة البحرية أو ما يعرف بـ(Le négoce et le commerce maritime)، إذ من الممكن أن تتحوّل عدد من الموانئ في تونس الى نقاط اتصال ومخازن كبرى للسلع الأوروبية المتجهة الى افريقيا مثلما يحدث في اليونان أو تركيا وغيرها من الدول الساحلية النامية وعمليات المناولة والوساطة والتخزين هذه تدرّ أموالا كثيرة مقابل خدمات لوجستية تتم عبر استغلال الموقع الجغرافي.
الاقتصاد الرقمي هو الحلّ(économie numérique)
منذ أكثر من عقد من الزّمن أصبح مصطلح “الاقتصاد الرقمي (L’économie numérique)” من أكثر المفاهيم الاقتصادية استعمالا في هذا العصر، فهو متداول بشكل سريع في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والإنترنت وفي ظل التحول الرقمي بسرعة فائقة وباستخدام أحدث التقنيات. وعديد الدّول أصبحت تبني اقتصادياتها عليه مثل سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول الصاعدة.
ويعرّف الاقتصاد الرقمي الاقتصاد الرقمي بأنه هو النشاط الناتج عن الاتصالات اليومية عبر الإنترنت، كما أن العمود الفقري له هو الارتباط التشعبي، ويعني تزايد الارتباط والترابط بين الأشخاص والمؤسسات والآلات، وتكنولوجيا الهاتف المحمول وإنترنت الأشياء.
وهو اقتصاد عابر للقارات ولا يعترف بالحدود بين الدول لكنّنا في تونس لانزال نوصد الأبواب أمام هذا الاقتصاد حيث تعدّ تونس متخلّفة كثيرا في هذا المجال برغم الذكاء الحادّ وروح الخلق والإبداع التي يتمتع بها الشباب والذين بإمكانهم تغيير المنوال التنموي التقليدي الى آخر عصري وغير مكلف ولا يحتاج سوى لحاسوب وأنترنت .
حيث من السّهل تحويل تونس الى مركز مهم لتصدير البرامج الاعلامية والتكنولوجية بما نملكه من مواهب بإمكانها العمل من تونس بدل الهجرة نظرا لمحدودية الافاق في بلادهم اذ يصطدم هؤلاء الشباب بنظام مالي متخلّف يمنع استفادة هؤلاء من الأموال المتأتية من خدماتهم مع الشركات الأجنبية والبعض منهم وجد نفسه أمام القضاء بتهمة تبييض الأموال؟ فهل ثمة تخلّف أكثر من هذا؟ وكيف لدولة ترفض الكثير من العملة الصعبة متأتية من ابداعات شبابها بحجة مقاومة تبييض الأموال وهي كلمة حق يراد بها باطل . وبالتالي فعلى البنك المركزي وعلى الحكومة التونسية أن يغيّرا قانون التحويلات ويحرّرا الشباب التونسي للعمل من تونس مع الشركات الأجنبية، ولابدّ من تعصير كامل للبنوك حتى يمكنها الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
السياحة الطبية(Le commerce médical)
كما أسلفنا الذكر فان السياحة بمفهومها التقليدي لم تعد مغرية للسياح ولم تعد تدرّ الأموال المطلوبة المطلوب هو اثراء السياحة الصحية(Le commerce médical) والتي تعدّ بلادنا متقدّمة كثيرا عن جيرانها العرب وتحتل المرتبة الثانية عالميا بعد فرنسا حيث تلاقي عمليات التجميل وزراعة الشعر وغيرها إقبالا محترما يمكن تطويره.
وتوفر السياحة الطبية والعلاجية في تونس سنويا عائدات مالية تتجاور الـ1 مليار دينار، وتستقبل بلادنا ما لا يقلّ عن 600 ألف سائح، وذلك استنادا إلى معطيات صادرة عن الديوان الوطني التونسي للسياحة.
ويعود ذلك لما تمتلكه بلادنا من كفاءات طبية وشبه طبية ومصحات، وبإمكان هذا المجال خلق ديناميكية جديدة للنشاط السياحي وتعويض حالة الركود والتراجع التي يعيشها منذ سنوات.
التعليم عن بعد (L’enseignement à distance)
هو أحد أذرع الاقتصاد العالمي الجديد ومن الممكن أن تتحوّل تونس الى مركز متوسطي في هذا المجال حيث أن نسبة ارتباط التونسيين بالأنترنت تعد محترمة فضلا عن آلاف الكفاءات في مختلف المجالات القادرة على التدريس والتكوين عن بعد ولا يحتاج الامر الى تفعيله سوى لاطار قانوني ينظمّه وهو قطاع بإمكانه تقليص بطالة أصحاب الشهائد العليا اضافة الى تمويله للمالية العمومية بالعملة الصعبة.
التكنولوجيا الحربية ( La technologie d’armement)
لاشكّ أن العالم يبقى بحاجة دوما الى التسلّح وابتكار التكنولوجيا الحديثة وقد بدأت عدّة دول عظمى من مصنّعي الاسلحة بالاستغناء عن الصناعات الثقيلة والاعتماد على التكنولوجيا الذكية والخفيفة وذلك بتوظيف كفاءات من مختلف الدول خاصة النامية منها والتي تحوّل البعض منها الى مراكز بحث وتطوير في هذا المجال.
صناعة التكنولوجيا الدقيقة (L’intelligence artificielle)
في تونس يمكن استغلال الجامعات العلمية في تطوير البحث في صناعة التكنولوجيا الحديثة كصناعة الدرون وصناعة البرمجيات وتوجيه اهتمام الطلبة لهاته المجالات بدل النظرة التقليدية للجامعة وللتخرّج واعتبارها بوابة لدخول سوق الشغل التقليدية. بالإضافة إلى صناعة التكنولوجيا الدقيقة L’intelligence artificielle وهي المهيمنة على العالم ويمكن أن تتحوّل تونس الى سوق ذكيّة لصناعة القطارات والسفن فضلا عن استغلال الطاقة الشمسية وتصديرها.
لقد بات واضحا اليوم أن العالم تحوّل الى قرية رقمية وعلى تونس الانضمام اليها بمنوال اقتصادي جديد قائم على ثروة الذكاء والخدمات الرقمية .
وهذا لا يتم سوى بتغيير النصوص المتخلفة والمكبّلة للابتكار والإبداع أمّا التشبّث بخيارات اقتصادية قديمة ومواصلة التعويل على قطاعات تعيش موتا سريريا فهو مواصلة في العبث ومواصلة في سياسة الهروب الى الأمام.
* رئيسة المنتدى التونسي للاستشعار والوقاية من الجريمة اقتصادية