تونس - الصباح استجابة إلى طلب إبداء الرأي في الصيغة المعدلة للمبادرة التشريعية المتعلقة بتنظيم الجمعيات التي تم التداول في شأنها مؤخرا من قبل لجنة الحقوق والحريات، اقترحت محكمة المحاسبات على مجلس نواب الشعب تنقيح هذه الصيغة سواء من حيث الشكل وذلك لتحسين مقروئية النص ودعم انسجامه الداخلي والحد من الإشكاليات الممكن بروزها عند التطبيق، أو من حيث الجوهر وذلك لتحقيق التوازن بين ضمان حرية التنظيم والعمل المدني وبين تدعيم مقتضيات الشفافية والمساءلة والرقابة، كما أوصت بتعديل أغلب الفصول منها الفصل الذي أثار الكثير من الجدل صلب اللجنة والمتعلق بالتصنيف.
فعلى مستوى الشكل، لاحظت محكمة المحاسبات أن مقترح القانون في صيغته المعدلة المعروضة حاليا على أنظار اللجنة فيه قاعدة بنائية معقولة وأبواب مرتبة لكنه يحتاج تحريرا تشريعيا نهائيا حتى يصبح في مستوى نسخة قانونية جاهزة للتداول الرسمي، واقترحت الاستغناء عن الإطلاعات وعن عبارة المرسوم وتوحيد المصطلحات والاستغناء عن الفصول المكررة بالنظر إلى أن المبادرة تتعلق بإصدار نص قانوني جديد مع إعادة ترتيب الفصول والتخلي عن الأفعال المبنية إلى المجهول، كما دعت المحكمة إلى تدارك بعض النقائص وإعادة ترتيب بعض الأحكام المتعلقة بتصنيف الجمعيات وبالجمعيات الأجنبية وتلافي الفقرات الطويلة وغيرها من الملاحظات الشكلية. أما على مستوى الجوهر، فترى محكمة المحاسبات أن مقترح القانون الأساسي المتعلق بتنظيم الجمعيات في صيغته المعدلة حافظ مبدئيا على نظام التصريح باعتباره آلية تضمن حرية تكوين الجمعيات وتبسيط إجراءاتها، غير أن بعض الأحكام الإجرائية خاصة في مرحلة التأسيس مازالت تنطوي على قدر من التعقيدات قد تحد من النجاعة العملية لنظام التصريح ويفتح الباب لتباين في التطبيق، كما أن بعض التصنيفات المعتمدة للجمعيات لا تستند إلى وظيفة قانونية واضحة وأن بعض الأنشطة أو الأصناف خاصة ذات البعد الاجتماعي الخصوصي تستوجب ضبطا أدق لمجالها مع تحديد واضح لمسار تأطيرها القانوني والإداري بما يضمن تحقيق التوازن بين حرية المبادرة من جهة ومتطلبات الشفافية وحسن التصرف من جهة أخرى. واستحسنت المحكمة التنصيص على المنصة الرقمية المفتوحة وعلى أحكام صريحة تتعلق بتضارب المصالح لأن ذلك حسب رأيها من شأنه أن يعزز قابلية النفاذ إلى المعطيات المتعلقة بالجمعيات ويدعم مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وهي ترى أن هذا التوجه محمود ويمكن البناء عليه لتطوير حوكمة الجمعيات وتسهيل النفاذ إلى المعلومة وتعزيز النزاهة والوقاية من المخاطر. ويذكر في هذا الصدد أن الصيغة المعدلة لمقترح القانون نصت في الفصل الرابع المتعلق بالالتزامات على أن تتولى الإدارة العامة المعنية بالجمعيات برئاسة الحكومة إحداث منصة رقمية مفتوحة للعموم لتنظيم الجمعيات والمنظمات الوطنية والأجنبية الخاضعة لأحكام هذا القانون تحتوي على قوانينها الأساسية وقوائم مسيريها وبرامجها السنوية وتقاريرها الأدبيّة والماليّة وقوائمها المالية ومصادر تمويلها يقع تحيينها بشكل مستمر كلما طرأ تغيير يتعلق بهذه الجمعيات. أما الفصل السابع مكررا المتعلق بتضارب المصالح فنص على ما يلي: "لا يجوز مشاركة أعضاء أو أجراء الجمعية في الإعداد أو التأثير من أجل اتخاذ قرارات من شأنها أن تؤدي إلى تعارض بين مصالحهم الشخصية أو الوظيفية ومصالح الجمعية. ويدخل في باب تضارب المصالح كل حالة يكون فيها للعضو منفعة مباشرة أو غير مباشرة مالية كانت أو معنوية متعارضة مع مصالح الجمعية، سواء تعلّقت به شخصيًا أو بأصوله أو فروعه أو قرينه أو شركائه أو أصهاره. ويترتب عند ثبوت حالة تضارب مصالح: إلغاء القرارات وتعطيل آثارها، تجميد العضوية أو العزل طبقًا لأحكام النظام الأساسي للجمعية، ولا يحول هذا دون التتبع الجزائي لكل من تثبت إدانته في الإضرار بمصالح الدولة العليا أو تحصيل منافع بطريقة مخالفة للتشريع الجاري به العمل.
حسابات الجمعيات وفي علاقة بحسابات الجمعيات فقد لاحظت محكمة المحاسبات أن مقترح القانون سالف الذكر كرس منحى ايجابيا نحو تدعيم المحاسبة والتثبت من الحسابات ونشر القوائم المالية وذلك في علاقة بالشفافية المالية للجمعيات، ولكنها أكدت على أهمية اعتماد مقاربة أكثر تدرجا وتناسبا تراعي حجم الجمعية ومواردها وطبيعة تمويلها ومخاطرها الفعلية بما يضمن فاعلية الرقابة، دون إثقال غير مبرر لكاهل الجمعيات الصغيرة أو الهياكل الرقابية، وأوصت بتدقيق الأحكام المتعلقة بإيداع التقارير المالية لدى محكمة المحاسبات من حيث العتبات المالية والآجال والأشخاص المعنيين وصيغ الإيداع، ودعت إلى تعزيز الرقمنة والتكامل بين المنصات العمومية ونبهت إلى ضرورة مراجعة بعض المقتضيات المتعلقة بمراقبة الحسابات والسجلات والتمويل الأجنبي بما يحقق التوازن بين الشفافية والمرونة وحسن إدارة المخاطر.
نظام العقوبات وبخصوص نظام العقوبات، لاحظت محكمة المحاسبات أن مقترح القانون الأساسي المتعلق بالجمعيات اعتمد من حيث المبدأ سلما تدريجيا يبدأ بالتنبيه ويمر بتعليق النشاط وينتهي عند الاقتضاء إلى الحل القضائي وهو توجه يمكن أن يمثل أساسا مقبولا لمنظومة ردعية متوازنة. وترى المحكمة أن بعض الأحكام مازالت في حاجة إلى مزيد من التدقيق سواء من حيث التمييز بين المخالفات المتعلقة بالتأسيس وتلك المتعلقة بالتمويل أو من حيث تحديد المسؤوليات الفردية على نحو أوضح أو من حيث إزالة أوجه الغموض والتداخل بين بعض الفصول. وتعتبر محكمة المحاسبات أن مراجعة هذه الأحكام من شأنها أن تعزز وضوح القاعدة القانونية وتضمن تناسب الجزاء مع طبيعة الإخلال وخطورته وهو ما يدعم النجاعة الردعية ويحافظ في الآن نفسه على الأمن القانوني. وترى المحكمة أن مقترح القانون يمثل أرضية واعدة لإرساء إطار قانوني أكثر حداثة وشفافية في مجال تنظيم الجمعيات نظرا لما يتضمنه من عناصر إيجابية قابلة للتطوير والتدعيم وهي تعتبر أن إدراج التعديلات المقترحة من قبلها من شأنه أن يسهم في مزيد إحكام توازن النص وتعزيز وضوحه والرفع من قابليته للتطبيق العلمي بما يتيح في نهاية المطاف بلورة قانون يوفق بين حماية حرية العمل الجمعياتي وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة وتعزيز النجاعة الرقابية في سياق قائم على الثقة والمسؤولية المشتركة. وقدمت المحكمة لمجلس نواب الشعب في إطار إبداء الرأي في مقترح القانون الأساسي المتعلق بتنظيم الجمعيات ملاحظات مفصلة في علاقة بتأسيس الجمعيات والشفافية المالية والعقوبات، كما قدمت ملاحظاتها حول فصول هذا المقترح فصلا فصلا واقترحت عديد التعديلات منها على سبيل الذكر الفصل المتعلق بالتصنيف الذي ينص على أن "تخضع الجمعيات الوطنية في تأسيسها للمبادئ العامة في المعاملات والعقود المدنيّة. وتصنف الجمعيات حسب نشاطها وغاياتها كما يلي: - الجمعيّات ذات الصبغة العامّة - الجمعيّات الحقوقية - الجمعيّات الثقافية - الجمعيّات الوداديّة - الجمعيّات التنمويّة - الجمعيات العاملة بالمجال الاجتماعي - الجمعيّات العلمية - جمعيات الطفولة - جمعيات الشباب - جمعيات الصحة والسلامة ويقع التنصيص على هذا ضمن التصريح بالوجود وعند الإعلان بالرائد الرسمي". وترى محكمة المحاسبات أن فقرة "تخضع الجمعيات للمبادئ العامة للعقود" ليست في محلها لأنها قاعدة مدنية عامة لا علاقة مباشرة لها بالتصنيف. ولاحظت أن التصنيف الوارد بالفصل المذكور غير منسجم ويجمع بين تصنيف حسب النشاط وتصنيف حسب الطبيعة وتصنيف حسب الفئة وهو تصنيف غير مرن لا يسمح بإضافة أنواع جديدة مستقبلا. واقترحت محكمة المحاسبات تعديل الفصل المتعلق بالتصنيف في شكل أربعة فصول أولها على النحو التالي:" تصنف الجمعيات، عند التصريح بتأسيسها وفقا لطبيعة أهدافها ومجال نشاطها والفئات المستهدفة من تدخلاتها وذلك طبقا لأحكام هذا القانون. وتصنف الجمعيات إلى الأصناف التالية: ـ الجمعيات ذات الصبغة العامة وهي الجمعيات التي تهدف إلى تحقيق منفعة عامة لفائدة المجتمع ككل دون حصر نشاطها في فئة معينة. ـ الجمعيات الحقوقية وهي الجمعيات التي تعنى بالدفاع عن الحقوق والحريات وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة. ـ الجمعيات الثقافية وهي الجمعيات التي تهدف إلى تنمية الثقافة والفنون وصيانة التراث المادي وغير المادي. ـ الجمعيات الودادية وهي الجمعيات التي تهدف أساسا إلى تحقيق منافع اجتماعية أو مهنية لفائدة أعضائها. ـ الجمعيات التنموية وهي الجمعيات التي تعمل على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخاصة على المستوى المحلي والجهوي. ـ الجمعيات الاجتماعية وهي الجمعيات التي تهدف إلى تقديم خدمات اجتماعية أو إنسانية خاصة لفائدة الفئات الهشة ومحدودة الموارد. ـ الجمعيات العلمية وهي الجمعيات التي تعنى بالبحث العلمي وتطوير المعرفة وغيرها. ـ جمعيات الطفولة وهي الجمعيات التي تعنى بحماية حقوق الطفل وتنمية قدراته. ـ جمعيات الشباب وهي الجمعيات التي تستهدف فئة الشباب وتهدف إلى تأطيرهم وتنمية مهاراتهم وقدراتهم. ـ جمعيات الصحة والسلامة وهي الجمعيات التي تعنى بالصحة العمومية والوقاية وتعزيز السلامة المجتمعية". أما الفصل الموالي المقترح من قبل محكمة المحاسبات في علاقة بتصنيف الجمعيات فينص على أنه "يمكن إسناد الجمعيات بصفة جمعية ذات مصلحة عامة إذا توفرت فيها الشروط التالية: ـ أن يكون نشاطها ذا طابع عام وغير محدود بفئة ضيقة من الأعضاء. ـ أن تعتمد نظاما أساسيا ديمقراطيا في التسيير. ـ أن تضمن شفافية مالية ومحاسبة منتظمة. ـ أن تكون ذات قدرة على الاستمرار والاستقرار المالي. ويتم منح هذه الصفة بقرار من السلطة المكلفة بالجمعيات برئاسة الحكومة وفق شروط تضبط بأمر. ويترتب عن هذا الاعتراف إمكانية الانتفاع بامتيازات في حدود القانون خاصة فيما يتعلق بمجال التبرعات والتمويل العمومي. واقترحت محكمة المحاسبات في الفصل الذي يليه التنصيص على أنه "يمكن منح اعتماد للجمعيات التي تمارس أنشطة في مجالات منظمة أو ذات طابع تقني أو حساس وخاصة في ميادين: الرياضة، الصحة، حماية المستهلك، البيئة، التكوين والتربية. ويمنح الاعتماد بقرار من السلطة المكلفة بالجمعيات برئاسة الحكومة بعد التثبت من توفر شروط الكفاءة والقدرة التنظيمية والمالية للجمعية. ويحدد الاعتماد نطاق تدخل الجمعية وحقوقها وواجباتها". أما الفصل الموالي الذي تم اقتراحه من قبل محكمة المحاسبات في علاقة بتصنيف الجمعيات فهو ينص على أنه "يمكن إسناد "تفويض مرفق عام" إلى بعض الجمعيات بصفة استثنائية للقيام بمهام ذات مصلحة عامة، وذلك بمقتضى اتفاقية تبرم مع الدولة أو الجماعات العمومية أو الهياكل المختصة. ويخضع هذا التفويض إلى: مبادئ الشفافية والمنافسة العامة، الرقابة المالية والإدارية، التقييم الدوري للأداء. ولا يترتب عن هذا التفويض اكتساب الجمعية صفة السلطة العامة مع بقائها خاضعة لقواعد القانون الخاص. وكانت لجنة الحقوق والحريات قد ناقشت مؤخرا الصيغة المعدلة لمقترح القانون الأساسي المتعلق بالجمعيات التي أعدتها جهة المبادرة بناء على ملاحظات النواب والجهات التي استمعت إليها اللجنة خلال الدورات النيابية الماضية، ولتوسيع المشاورات حول هذه الصيغة المعدلة توجهت بطلبات لإبداء الرأي فيها من قبل محكمة المحاسبات والبنك المركزي التونسي ولجنة التحاليل المالية ووزارة المالية ووزارة الشؤون الاجتماعية والمجلس البنكي والمالي وهيئة الخبراء المحاسبين وخبير في القانون الدستوري، كما طلبت اللجنة عقد جلسات استماع في شأنها إلى ممثلي وزارة العدل ووزارة الشؤون الخارجية ومصالح الإدارة العامة للجمعيات برئاسة الحكومة والاتحاد التونسي لإعانة الأشخاص القاصرين ذهنيا والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ومركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات. ويذكر أن مكتب مجلس نواب الشعب قرر تحديد تاريخ 24 جوان 2026 كموعد أقصى أمام لجنة الحقوق والحريات لترفع تقريرها النهائي حول هذه المبادرة التشريعية التي تم إيداعها منذ 10 أكتوبر 2023. وتعقد اللجنة جلسة يوم غد الأربعاء 3 جوان 2026 بقصر باردو لمواصلة النظر في المبادرة المذكورة إضافة إلى مقترح القانون المتعلق بحماية المعطيات الشخصية ومقترح القانون المتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام مجلة الجنسية إلى جانب ضبط برنامج عملها للفترة القادمة.
سعيدة بوهلال
تونس - الصباح استجابة إلى طلب إبداء الرأي في الصيغة المعدلة للمبادرة التشريعية المتعلقة بتنظيم الجمعيات التي تم التداول في شأنها مؤخرا من قبل لجنة الحقوق والحريات، اقترحت محكمة المحاسبات على مجلس نواب الشعب تنقيح هذه الصيغة سواء من حيث الشكل وذلك لتحسين مقروئية النص ودعم انسجامه الداخلي والحد من الإشكاليات الممكن بروزها عند التطبيق، أو من حيث الجوهر وذلك لتحقيق التوازن بين ضمان حرية التنظيم والعمل المدني وبين تدعيم مقتضيات الشفافية والمساءلة والرقابة، كما أوصت بتعديل أغلب الفصول منها الفصل الذي أثار الكثير من الجدل صلب اللجنة والمتعلق بالتصنيف.
فعلى مستوى الشكل، لاحظت محكمة المحاسبات أن مقترح القانون في صيغته المعدلة المعروضة حاليا على أنظار اللجنة فيه قاعدة بنائية معقولة وأبواب مرتبة لكنه يحتاج تحريرا تشريعيا نهائيا حتى يصبح في مستوى نسخة قانونية جاهزة للتداول الرسمي، واقترحت الاستغناء عن الإطلاعات وعن عبارة المرسوم وتوحيد المصطلحات والاستغناء عن الفصول المكررة بالنظر إلى أن المبادرة تتعلق بإصدار نص قانوني جديد مع إعادة ترتيب الفصول والتخلي عن الأفعال المبنية إلى المجهول، كما دعت المحكمة إلى تدارك بعض النقائص وإعادة ترتيب بعض الأحكام المتعلقة بتصنيف الجمعيات وبالجمعيات الأجنبية وتلافي الفقرات الطويلة وغيرها من الملاحظات الشكلية. أما على مستوى الجوهر، فترى محكمة المحاسبات أن مقترح القانون الأساسي المتعلق بتنظيم الجمعيات في صيغته المعدلة حافظ مبدئيا على نظام التصريح باعتباره آلية تضمن حرية تكوين الجمعيات وتبسيط إجراءاتها، غير أن بعض الأحكام الإجرائية خاصة في مرحلة التأسيس مازالت تنطوي على قدر من التعقيدات قد تحد من النجاعة العملية لنظام التصريح ويفتح الباب لتباين في التطبيق، كما أن بعض التصنيفات المعتمدة للجمعيات لا تستند إلى وظيفة قانونية واضحة وأن بعض الأنشطة أو الأصناف خاصة ذات البعد الاجتماعي الخصوصي تستوجب ضبطا أدق لمجالها مع تحديد واضح لمسار تأطيرها القانوني والإداري بما يضمن تحقيق التوازن بين حرية المبادرة من جهة ومتطلبات الشفافية وحسن التصرف من جهة أخرى. واستحسنت المحكمة التنصيص على المنصة الرقمية المفتوحة وعلى أحكام صريحة تتعلق بتضارب المصالح لأن ذلك حسب رأيها من شأنه أن يعزز قابلية النفاذ إلى المعطيات المتعلقة بالجمعيات ويدعم مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وهي ترى أن هذا التوجه محمود ويمكن البناء عليه لتطوير حوكمة الجمعيات وتسهيل النفاذ إلى المعلومة وتعزيز النزاهة والوقاية من المخاطر. ويذكر في هذا الصدد أن الصيغة المعدلة لمقترح القانون نصت في الفصل الرابع المتعلق بالالتزامات على أن تتولى الإدارة العامة المعنية بالجمعيات برئاسة الحكومة إحداث منصة رقمية مفتوحة للعموم لتنظيم الجمعيات والمنظمات الوطنية والأجنبية الخاضعة لأحكام هذا القانون تحتوي على قوانينها الأساسية وقوائم مسيريها وبرامجها السنوية وتقاريرها الأدبيّة والماليّة وقوائمها المالية ومصادر تمويلها يقع تحيينها بشكل مستمر كلما طرأ تغيير يتعلق بهذه الجمعيات. أما الفصل السابع مكررا المتعلق بتضارب المصالح فنص على ما يلي: "لا يجوز مشاركة أعضاء أو أجراء الجمعية في الإعداد أو التأثير من أجل اتخاذ قرارات من شأنها أن تؤدي إلى تعارض بين مصالحهم الشخصية أو الوظيفية ومصالح الجمعية. ويدخل في باب تضارب المصالح كل حالة يكون فيها للعضو منفعة مباشرة أو غير مباشرة مالية كانت أو معنوية متعارضة مع مصالح الجمعية، سواء تعلّقت به شخصيًا أو بأصوله أو فروعه أو قرينه أو شركائه أو أصهاره. ويترتب عند ثبوت حالة تضارب مصالح: إلغاء القرارات وتعطيل آثارها، تجميد العضوية أو العزل طبقًا لأحكام النظام الأساسي للجمعية، ولا يحول هذا دون التتبع الجزائي لكل من تثبت إدانته في الإضرار بمصالح الدولة العليا أو تحصيل منافع بطريقة مخالفة للتشريع الجاري به العمل.
حسابات الجمعيات وفي علاقة بحسابات الجمعيات فقد لاحظت محكمة المحاسبات أن مقترح القانون سالف الذكر كرس منحى ايجابيا نحو تدعيم المحاسبة والتثبت من الحسابات ونشر القوائم المالية وذلك في علاقة بالشفافية المالية للجمعيات، ولكنها أكدت على أهمية اعتماد مقاربة أكثر تدرجا وتناسبا تراعي حجم الجمعية ومواردها وطبيعة تمويلها ومخاطرها الفعلية بما يضمن فاعلية الرقابة، دون إثقال غير مبرر لكاهل الجمعيات الصغيرة أو الهياكل الرقابية، وأوصت بتدقيق الأحكام المتعلقة بإيداع التقارير المالية لدى محكمة المحاسبات من حيث العتبات المالية والآجال والأشخاص المعنيين وصيغ الإيداع، ودعت إلى تعزيز الرقمنة والتكامل بين المنصات العمومية ونبهت إلى ضرورة مراجعة بعض المقتضيات المتعلقة بمراقبة الحسابات والسجلات والتمويل الأجنبي بما يحقق التوازن بين الشفافية والمرونة وحسن إدارة المخاطر.
نظام العقوبات وبخصوص نظام العقوبات، لاحظت محكمة المحاسبات أن مقترح القانون الأساسي المتعلق بالجمعيات اعتمد من حيث المبدأ سلما تدريجيا يبدأ بالتنبيه ويمر بتعليق النشاط وينتهي عند الاقتضاء إلى الحل القضائي وهو توجه يمكن أن يمثل أساسا مقبولا لمنظومة ردعية متوازنة. وترى المحكمة أن بعض الأحكام مازالت في حاجة إلى مزيد من التدقيق سواء من حيث التمييز بين المخالفات المتعلقة بالتأسيس وتلك المتعلقة بالتمويل أو من حيث تحديد المسؤوليات الفردية على نحو أوضح أو من حيث إزالة أوجه الغموض والتداخل بين بعض الفصول. وتعتبر محكمة المحاسبات أن مراجعة هذه الأحكام من شأنها أن تعزز وضوح القاعدة القانونية وتضمن تناسب الجزاء مع طبيعة الإخلال وخطورته وهو ما يدعم النجاعة الردعية ويحافظ في الآن نفسه على الأمن القانوني. وترى المحكمة أن مقترح القانون يمثل أرضية واعدة لإرساء إطار قانوني أكثر حداثة وشفافية في مجال تنظيم الجمعيات نظرا لما يتضمنه من عناصر إيجابية قابلة للتطوير والتدعيم وهي تعتبر أن إدراج التعديلات المقترحة من قبلها من شأنه أن يسهم في مزيد إحكام توازن النص وتعزيز وضوحه والرفع من قابليته للتطبيق العلمي بما يتيح في نهاية المطاف بلورة قانون يوفق بين حماية حرية العمل الجمعياتي وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة وتعزيز النجاعة الرقابية في سياق قائم على الثقة والمسؤولية المشتركة. وقدمت المحكمة لمجلس نواب الشعب في إطار إبداء الرأي في مقترح القانون الأساسي المتعلق بتنظيم الجمعيات ملاحظات مفصلة في علاقة بتأسيس الجمعيات والشفافية المالية والعقوبات، كما قدمت ملاحظاتها حول فصول هذا المقترح فصلا فصلا واقترحت عديد التعديلات منها على سبيل الذكر الفصل المتعلق بالتصنيف الذي ينص على أن "تخضع الجمعيات الوطنية في تأسيسها للمبادئ العامة في المعاملات والعقود المدنيّة. وتصنف الجمعيات حسب نشاطها وغاياتها كما يلي: - الجمعيّات ذات الصبغة العامّة - الجمعيّات الحقوقية - الجمعيّات الثقافية - الجمعيّات الوداديّة - الجمعيّات التنمويّة - الجمعيات العاملة بالمجال الاجتماعي - الجمعيّات العلمية - جمعيات الطفولة - جمعيات الشباب - جمعيات الصحة والسلامة ويقع التنصيص على هذا ضمن التصريح بالوجود وعند الإعلان بالرائد الرسمي". وترى محكمة المحاسبات أن فقرة "تخضع الجمعيات للمبادئ العامة للعقود" ليست في محلها لأنها قاعدة مدنية عامة لا علاقة مباشرة لها بالتصنيف. ولاحظت أن التصنيف الوارد بالفصل المذكور غير منسجم ويجمع بين تصنيف حسب النشاط وتصنيف حسب الطبيعة وتصنيف حسب الفئة وهو تصنيف غير مرن لا يسمح بإضافة أنواع جديدة مستقبلا. واقترحت محكمة المحاسبات تعديل الفصل المتعلق بالتصنيف في شكل أربعة فصول أولها على النحو التالي:" تصنف الجمعيات، عند التصريح بتأسيسها وفقا لطبيعة أهدافها ومجال نشاطها والفئات المستهدفة من تدخلاتها وذلك طبقا لأحكام هذا القانون. وتصنف الجمعيات إلى الأصناف التالية: ـ الجمعيات ذات الصبغة العامة وهي الجمعيات التي تهدف إلى تحقيق منفعة عامة لفائدة المجتمع ككل دون حصر نشاطها في فئة معينة. ـ الجمعيات الحقوقية وهي الجمعيات التي تعنى بالدفاع عن الحقوق والحريات وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة. ـ الجمعيات الثقافية وهي الجمعيات التي تهدف إلى تنمية الثقافة والفنون وصيانة التراث المادي وغير المادي. ـ الجمعيات الودادية وهي الجمعيات التي تهدف أساسا إلى تحقيق منافع اجتماعية أو مهنية لفائدة أعضائها. ـ الجمعيات التنموية وهي الجمعيات التي تعمل على دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخاصة على المستوى المحلي والجهوي. ـ الجمعيات الاجتماعية وهي الجمعيات التي تهدف إلى تقديم خدمات اجتماعية أو إنسانية خاصة لفائدة الفئات الهشة ومحدودة الموارد. ـ الجمعيات العلمية وهي الجمعيات التي تعنى بالبحث العلمي وتطوير المعرفة وغيرها. ـ جمعيات الطفولة وهي الجمعيات التي تعنى بحماية حقوق الطفل وتنمية قدراته. ـ جمعيات الشباب وهي الجمعيات التي تستهدف فئة الشباب وتهدف إلى تأطيرهم وتنمية مهاراتهم وقدراتهم. ـ جمعيات الصحة والسلامة وهي الجمعيات التي تعنى بالصحة العمومية والوقاية وتعزيز السلامة المجتمعية". أما الفصل الموالي المقترح من قبل محكمة المحاسبات في علاقة بتصنيف الجمعيات فينص على أنه "يمكن إسناد الجمعيات بصفة جمعية ذات مصلحة عامة إذا توفرت فيها الشروط التالية: ـ أن يكون نشاطها ذا طابع عام وغير محدود بفئة ضيقة من الأعضاء. ـ أن تعتمد نظاما أساسيا ديمقراطيا في التسيير. ـ أن تضمن شفافية مالية ومحاسبة منتظمة. ـ أن تكون ذات قدرة على الاستمرار والاستقرار المالي. ويتم منح هذه الصفة بقرار من السلطة المكلفة بالجمعيات برئاسة الحكومة وفق شروط تضبط بأمر. ويترتب عن هذا الاعتراف إمكانية الانتفاع بامتيازات في حدود القانون خاصة فيما يتعلق بمجال التبرعات والتمويل العمومي. واقترحت محكمة المحاسبات في الفصل الذي يليه التنصيص على أنه "يمكن منح اعتماد للجمعيات التي تمارس أنشطة في مجالات منظمة أو ذات طابع تقني أو حساس وخاصة في ميادين: الرياضة، الصحة، حماية المستهلك، البيئة، التكوين والتربية. ويمنح الاعتماد بقرار من السلطة المكلفة بالجمعيات برئاسة الحكومة بعد التثبت من توفر شروط الكفاءة والقدرة التنظيمية والمالية للجمعية. ويحدد الاعتماد نطاق تدخل الجمعية وحقوقها وواجباتها". أما الفصل الموالي الذي تم اقتراحه من قبل محكمة المحاسبات في علاقة بتصنيف الجمعيات فهو ينص على أنه "يمكن إسناد "تفويض مرفق عام" إلى بعض الجمعيات بصفة استثنائية للقيام بمهام ذات مصلحة عامة، وذلك بمقتضى اتفاقية تبرم مع الدولة أو الجماعات العمومية أو الهياكل المختصة. ويخضع هذا التفويض إلى: مبادئ الشفافية والمنافسة العامة، الرقابة المالية والإدارية، التقييم الدوري للأداء. ولا يترتب عن هذا التفويض اكتساب الجمعية صفة السلطة العامة مع بقائها خاضعة لقواعد القانون الخاص. وكانت لجنة الحقوق والحريات قد ناقشت مؤخرا الصيغة المعدلة لمقترح القانون الأساسي المتعلق بالجمعيات التي أعدتها جهة المبادرة بناء على ملاحظات النواب والجهات التي استمعت إليها اللجنة خلال الدورات النيابية الماضية، ولتوسيع المشاورات حول هذه الصيغة المعدلة توجهت بطلبات لإبداء الرأي فيها من قبل محكمة المحاسبات والبنك المركزي التونسي ولجنة التحاليل المالية ووزارة المالية ووزارة الشؤون الاجتماعية والمجلس البنكي والمالي وهيئة الخبراء المحاسبين وخبير في القانون الدستوري، كما طلبت اللجنة عقد جلسات استماع في شأنها إلى ممثلي وزارة العدل ووزارة الشؤون الخارجية ومصالح الإدارة العامة للجمعيات برئاسة الحكومة والاتحاد التونسي لإعانة الأشخاص القاصرين ذهنيا والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ومركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات. ويذكر أن مكتب مجلس نواب الشعب قرر تحديد تاريخ 24 جوان 2026 كموعد أقصى أمام لجنة الحقوق والحريات لترفع تقريرها النهائي حول هذه المبادرة التشريعية التي تم إيداعها منذ 10 أكتوبر 2023. وتعقد اللجنة جلسة يوم غد الأربعاء 3 جوان 2026 بقصر باردو لمواصلة النظر في المبادرة المذكورة إضافة إلى مقترح القانون المتعلق بحماية المعطيات الشخصية ومقترح القانون المتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام مجلة الجنسية إلى جانب ضبط برنامج عملها للفترة القادمة.