-رمزي القرواشي لـ«الصباح»: «يمكن للدولة التونسية أن تحقق عائدات مالية معتبرة في صورة إيجاد آلية للسوق الموازي تقدم خدمات وعروضا قانونية».
بمناسبة فعاليات الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب، التأمت يوم الثلاثاء 28 أفريل 2026 ندوة فكرية تحت عنوان «القرصنة الرقمية وحقوق الملكية الفكرية»، حيث اجتمع نخبة من الخبراء الدوليين والمسؤولين والمبدعين لتشريح واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الفكر الإنساني في العصر الراهن، ألا وهي انتهاك حقوق الملكية الفكرية والقرصنة العابرة للحدود، التي لم تعد تقتصر على مجرد نسخ مادي، بل تحولت إلى استنزاف رقمي منظم للأفكار والمحتوى دون إذن مسبق.
وقد وضعت الندوة في مقدمة أولوياتها أن التطور المتسارع للإنترنت وسهولة الوصول إلى المحتوى قد خلقا واقعا مريرا يهدد، إلى حد ما، استمرارية المبدعين، مما يستدعي مقاربات جديدة توازن بين التقدم التكنولوجي وصون الحقوق الأدبية والمادية للمؤلفين والناشرين على حد سواء.
وافتتحت رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (IPA) غفانتسا جوبافا، مداخلات الندوة، مشددة في حديثها على أن الاتحاد يرتكز في عمله على ركيزتي حقوق المؤلف وحرية النشر. واعتبرت غفانتسا جوبافا القرصنة في إفريقيا وتونس عائقا جوهريا أمام التنمية الصحية لصناعة النشر، وأوضحت أن الحل يكمن في تدخل الحكومات لسن قوانين فعالة وتطبيق سياسات إنفاذ قوية، ضاربة المثل بالوحدة المتخصصة في بريطانيا التي تحظر المواقع المقرصنة فور صدور قرارات قضائية.
كما حذرت غفانتسا جوبافا من خطر الذكاء الاصطناعي، الذي تدربه شركات التكنولوجيا الكبرى باستخدام نسخ مقرصنة وغير مرخصة، مطالبة بضرورة دفع تعويضات عادلة للناشرين والكتاب مقابل استخدام أعمالهم في تدريب هذه الآلات، ومؤكدة أن القوانين الحالية لحقوق المؤلف كافية ويمكن تكييفها لتغطية مستجدات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى تشريعات جديدة.
تحديات الوجود الثقافي بين مطرقة القرصنة وسندان الذكاء الاصطناعي
وفي سياق متصل، وصف الكاتب والناشط السنغالي ومدير الكتاب السابق، إبراهيم لو (Ibrahima Lo)، معركة حماية حقوق المؤلف بأنها «معركة وجودية» للمبدع الإفريقي، مفندا المزاعم التي تبرر القرصنة كأداة لتسهيل الوصول للمعرفة، ومعتبرا إياها سرقة علنية تقتل قدرة الكاتب على الاستمرار وتوقف عجلة الاستثمار الثقافي، داعيا إلى الانتقال من القوانين النظرية إلى الإنفاذ الفعلي والتعاون الدولي لمواجهة النهب الرقمي. وهو ما أيده رئيس جمعية المؤلفين في بوركينا فاسو كوبا بوباكار داو، الذي استعرض معاناة المبدعين نتيجة ضعف الوعي الجمعي وتفشي النسخ غير القانوني، مشددا على أن حماية التراث الإفريقي من التحول إلى مادة مجانية لتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي تتطلب إرادة سياسية سيادية تتجاوز الإمكانيات المحدودة للمكاتب المحلية.
وبذات النبرة التحذيرية، أكد رئيس اتحاد الكتاب التونسيين محمد سعد برغل، أن السطو على الجهد الفكري في تونس، سواء عبر «القرصنة الورقية» أمام الجامعات أو «القرصنة الرقمية»، بات يهدد الكيان المعنوي والمادي للكتاب، مطالبا بتكاتف الهيئات لحماية المبدع، الذي أصبح مشتتا بين جودة نصه وبين ملاحقة الروابط غير القانونية لمؤلفاته.
بينما استعرضت السيدة ممثلة الوكالة الوطنية للاتصالات منية المازني، الجوانب التقنية لهذا الصراع، مشيرة إلى أن الوكالة تعمل على تعزيز «الوعي الرقمي» وتطوير آليات تقنية لتتبع التجاوزات والتبليغ الفوري عنها، وفرض السيادة القانونية على المنصات الرقمية التي تستغل الثغرات التقنية لترويج المحتوى المقرصن.
لغة الأرقام والسيادة القانونية في المشهد الإبداعي التونسي
ولم تغب لغة الأرقام عن الندوة، حيث قدم المدير العام للمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة رمزي القرواشي، كشفا دقيقا لحجم الخسائر التي نشرتها مؤسسة الوكالة الفرنسية للتنمية، مبينا أن خسائر سوق القرصنة في قطاع الصناعات الثقافية الإبداعية تعادل 798 ألف دولار، مع نسبة تشغيل 40 ألف موطن شغل في السوق الموازية، وما يعادل 366 ألف دولار خدمات ومواد ثقافية مصدرة.
وأرجع القرواشي هذا الانهيار إلى تراجع القدرة الشرائية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الدولة التونسية لا تقف مكتوفة الأيدي، حيث يوفر المرسوم عدد 55 لسنة 2022، في فصله الخامس والعشرين، إطارا ردعيا يفرض غرامات تصل إلى 100 ألف دينار وعقوبات سالبة للحرية. كما أشار إلى التحركات الميدانية الصارمة التي شهدها معرض تونس الدولي للكتاب هذا العام، عبر غلق أجنحة ناشرين عرضوا نسخا مقرصنة، مع الإشارة إلى وجود استثناءات قانونية تسمح لوزارة الثقافة بترخيص طباعة مصنفات بأسعار معقولة تراعي المستهلك دون المساس بجوهر حقوق المؤلف.
وأكد رمزي القرواشي، في تصريح لـ«الصباح»، أنه «يمكن للدولة التونسية أن تحقق عائدات مالية معتبرة في صورة إيجاد آلية للسوق الموازي تقدم خدمات وعروضا قانونية، إذ يمكن بتكاتف مختلف هياكل الدولة إحداث iptv وطنية قانونية بثمن رمزي لحث المواطن على عدم اقتناء العروض المقرصنة».
وأضاف: «اذا اعتبرنا عدد الاشتراكات الشهرية في باقات الأنترنت في حدود 3 مليون اشتراك، مع باقة بعشرة دينار فقط، يكون العائد 30 مليون دينار شهريا، اي 360 مليون دينار سنويا، وهو ما يمثل نقلة نوعية وفرصة لتوفير موارد للإبداع».
إيمان عبد اللطيف
-رمزي القرواشي لـ«الصباح»: «يمكن للدولة التونسية أن تحقق عائدات مالية معتبرة في صورة إيجاد آلية للسوق الموازي تقدم خدمات وعروضا قانونية».
بمناسبة فعاليات الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب، التأمت يوم الثلاثاء 28 أفريل 2026 ندوة فكرية تحت عنوان «القرصنة الرقمية وحقوق الملكية الفكرية»، حيث اجتمع نخبة من الخبراء الدوليين والمسؤولين والمبدعين لتشريح واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الفكر الإنساني في العصر الراهن، ألا وهي انتهاك حقوق الملكية الفكرية والقرصنة العابرة للحدود، التي لم تعد تقتصر على مجرد نسخ مادي، بل تحولت إلى استنزاف رقمي منظم للأفكار والمحتوى دون إذن مسبق.
وقد وضعت الندوة في مقدمة أولوياتها أن التطور المتسارع للإنترنت وسهولة الوصول إلى المحتوى قد خلقا واقعا مريرا يهدد، إلى حد ما، استمرارية المبدعين، مما يستدعي مقاربات جديدة توازن بين التقدم التكنولوجي وصون الحقوق الأدبية والمادية للمؤلفين والناشرين على حد سواء.
وافتتحت رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (IPA) غفانتسا جوبافا، مداخلات الندوة، مشددة في حديثها على أن الاتحاد يرتكز في عمله على ركيزتي حقوق المؤلف وحرية النشر. واعتبرت غفانتسا جوبافا القرصنة في إفريقيا وتونس عائقا جوهريا أمام التنمية الصحية لصناعة النشر، وأوضحت أن الحل يكمن في تدخل الحكومات لسن قوانين فعالة وتطبيق سياسات إنفاذ قوية، ضاربة المثل بالوحدة المتخصصة في بريطانيا التي تحظر المواقع المقرصنة فور صدور قرارات قضائية.
كما حذرت غفانتسا جوبافا من خطر الذكاء الاصطناعي، الذي تدربه شركات التكنولوجيا الكبرى باستخدام نسخ مقرصنة وغير مرخصة، مطالبة بضرورة دفع تعويضات عادلة للناشرين والكتاب مقابل استخدام أعمالهم في تدريب هذه الآلات، ومؤكدة أن القوانين الحالية لحقوق المؤلف كافية ويمكن تكييفها لتغطية مستجدات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى تشريعات جديدة.
تحديات الوجود الثقافي بين مطرقة القرصنة وسندان الذكاء الاصطناعي
وفي سياق متصل، وصف الكاتب والناشط السنغالي ومدير الكتاب السابق، إبراهيم لو (Ibrahima Lo)، معركة حماية حقوق المؤلف بأنها «معركة وجودية» للمبدع الإفريقي، مفندا المزاعم التي تبرر القرصنة كأداة لتسهيل الوصول للمعرفة، ومعتبرا إياها سرقة علنية تقتل قدرة الكاتب على الاستمرار وتوقف عجلة الاستثمار الثقافي، داعيا إلى الانتقال من القوانين النظرية إلى الإنفاذ الفعلي والتعاون الدولي لمواجهة النهب الرقمي. وهو ما أيده رئيس جمعية المؤلفين في بوركينا فاسو كوبا بوباكار داو، الذي استعرض معاناة المبدعين نتيجة ضعف الوعي الجمعي وتفشي النسخ غير القانوني، مشددا على أن حماية التراث الإفريقي من التحول إلى مادة مجانية لتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي تتطلب إرادة سياسية سيادية تتجاوز الإمكانيات المحدودة للمكاتب المحلية.
وبذات النبرة التحذيرية، أكد رئيس اتحاد الكتاب التونسيين محمد سعد برغل، أن السطو على الجهد الفكري في تونس، سواء عبر «القرصنة الورقية» أمام الجامعات أو «القرصنة الرقمية»، بات يهدد الكيان المعنوي والمادي للكتاب، مطالبا بتكاتف الهيئات لحماية المبدع، الذي أصبح مشتتا بين جودة نصه وبين ملاحقة الروابط غير القانونية لمؤلفاته.
بينما استعرضت السيدة ممثلة الوكالة الوطنية للاتصالات منية المازني، الجوانب التقنية لهذا الصراع، مشيرة إلى أن الوكالة تعمل على تعزيز «الوعي الرقمي» وتطوير آليات تقنية لتتبع التجاوزات والتبليغ الفوري عنها، وفرض السيادة القانونية على المنصات الرقمية التي تستغل الثغرات التقنية لترويج المحتوى المقرصن.
لغة الأرقام والسيادة القانونية في المشهد الإبداعي التونسي
ولم تغب لغة الأرقام عن الندوة، حيث قدم المدير العام للمؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة رمزي القرواشي، كشفا دقيقا لحجم الخسائر التي نشرتها مؤسسة الوكالة الفرنسية للتنمية، مبينا أن خسائر سوق القرصنة في قطاع الصناعات الثقافية الإبداعية تعادل 798 ألف دولار، مع نسبة تشغيل 40 ألف موطن شغل في السوق الموازية، وما يعادل 366 ألف دولار خدمات ومواد ثقافية مصدرة.
وأرجع القرواشي هذا الانهيار إلى تراجع القدرة الشرائية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الدولة التونسية لا تقف مكتوفة الأيدي، حيث يوفر المرسوم عدد 55 لسنة 2022، في فصله الخامس والعشرين، إطارا ردعيا يفرض غرامات تصل إلى 100 ألف دينار وعقوبات سالبة للحرية. كما أشار إلى التحركات الميدانية الصارمة التي شهدها معرض تونس الدولي للكتاب هذا العام، عبر غلق أجنحة ناشرين عرضوا نسخا مقرصنة، مع الإشارة إلى وجود استثناءات قانونية تسمح لوزارة الثقافة بترخيص طباعة مصنفات بأسعار معقولة تراعي المستهلك دون المساس بجوهر حقوق المؤلف.
وأكد رمزي القرواشي، في تصريح لـ«الصباح»، أنه «يمكن للدولة التونسية أن تحقق عائدات مالية معتبرة في صورة إيجاد آلية للسوق الموازي تقدم خدمات وعروضا قانونية، إذ يمكن بتكاتف مختلف هياكل الدولة إحداث iptv وطنية قانونية بثمن رمزي لحث المواطن على عدم اقتناء العروض المقرصنة».
وأضاف: «اذا اعتبرنا عدد الاشتراكات الشهرية في باقات الأنترنت في حدود 3 مليون اشتراك، مع باقة بعشرة دينار فقط، يكون العائد 30 مليون دينار شهريا، اي 360 مليون دينار سنويا، وهو ما يمثل نقلة نوعية وفرصة لتوفير موارد للإبداع».