إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

المدير التنفيذي لمجلس التعاون الاقتصادي التونسي الليبي لـ«الصباح»: المعبر القاري بين تونس وليبيا يربط المتوسط بعمق إفريقيا ويعيد رسم خريطة التجارة القارية

تشهد المبادلات التجارية بين تونس وليبيا ديناميكية واضحة، ما يفسّر عمق الروابط التجارية والاقتصادية بين البلدين، حيث أكد المدير التنفيذي لمجلس التعاون الاقتصادي التونسي الليبي، صابر بوقرة، في حوار لـ«الصباح»، أن حجم المبادلات التجارية خلال الثلاثية الأولى لسنة 2026 تجاوز 500 مليون دينار تونسي، في حين بلغ خلال سنة 2025، 2892 مليون دينار تونسي، وبلغت الصادرات التونسية نحو هذه السوق 2469 مليون دينار تونسي العام الفارط، محققة نموًا بنسبة 11 % مقارنة بـ2024، مع تنوّع واضح للصادرات، إلى جانب تواجد 100 مؤسسة اقتصادية تونسية في ليبيا.

وتوقّع بوقرة أن تسجل المبادلات التجارية التونسية–الليبية خلال سنة 2026 زيادة بنسبة 8 % إلى 12 % مقارنة بسنة 2025، مُشدّدًا على ضرورة إزالة بعض المعوقات اللوجستية وتعزيز حضور المؤسسات المالية التونسية في ليبيا. وفي ما يلي نص الحوار:

*ما مدى تنوّع الصادرات التونسية نحو ليبيا؟

في إطار تطور المبادلات التجارية بين تونس وليبيا، تبرز الصادرات التونسية نحو السوق الليبية كمنظومة اقتصادية متكاملة تتسم بتنوع واضح في القطاعات وارتفاع نسق القيمة المضافة، بما يعكس عمق العلاقة التجارية بين البلدين واتساع مجالات التعاون الاقتصادي.

ويُعدّ القطاع الصناعي المكوّن الأبرز في الصادرات التونسية نحو ليبيا، حيث يمثل ما يفوق 35 % من إجمالي الصادرات، ويشمل طيفا واسعا من المنتجات، على غرار الآلات والمعدات الصناعية مثل آلات التعليب والتغليف، إضافة إلى الأجهزة الكهربائية والإلكترونية ومواد الحديد والصلب، وهو ما يعكس قدرة الصناعة التونسية على تلبية احتياجات السوق الليبية في مجالات الإنتاج والبنية التحتية والخدمات الفنية.

كما يحتل قطاع مواد البناء مكانة محورية ضمن الصادرات التونسية، خاصة في ظل الطلب المرتبط بمشاريع الإعمار داخل ليبيا، ويشمل هذا القطاع الإسمنت، الجير، الجبس، ومواد الأشغال والبنية التحتية، ما يجعله أحد الأعمدة الأساسية في هيكلة الصادرات نحو السوق الليبية.

وفي ما يتعلق بالصناعات الغذائية والفلاحية، فهي تمثل نحو 27 % من إجمالي الصادرات التونسية إلى ليبيا، وتشمل مجموعة متنوعة من المنتجات، على غرار السميد، الكسكسي، المقرونة، الزيوت النباتية، والمواد الغذائية المصنعة والجاهزة للاستهلاك، وهو ما يعكس تنوعا كبيرا في سلة المنتجات الغذائية الموجهة للسوق الليبية.

كما تشمل الصادرات التونسية نحو ليبيا قطاعات إضافية مهمة، من بينها الأدوية والمنتجات الصيدلانية، الورق ومشتقاته، البلاستيك، ومستحضرات التجميل، والأثاث، بما يعكس تنوع القاعدة الإنتاجية وتوسع نطاق الصادرات التونسية.

وسجّلت المبادلات التجارية بين ليبيا وتونس خلال الفترة 2021–2025 رقما تراكميا تجاوز 12 مليار دينار تونسي، في مؤشر قوي يعكس تسارع نسق التبادل التجاري وعمق الترابط الاقتصادي بين البلدين.

*ماذا عن حجم التبادل التجاري مع ليبيا خلال الربع الأول من هذا العام؟

خلال سنة 2025، بلغت قيمة المبادلات التجارية 2892 مليون دينار تونسي، فيما بلغت الصادرات التونسية نحو السوق الليبية 2469 مليون دينار تونسي خلال نفس السنة، مسجلة نموا بنسبة 11 % مقارنة بسنة 2024، رغم التحديات اللوجستية التي شهدتها المعابر خلال الفترة الماضية.

كما حافظت الصادرات التونسية على نسق تطور سنوي في حدود 7 % خلال الفترة 2021–2025، مع تسجيل رقم مميز سنة 2022 بلغ 3025 مليون دينار تونسي، وهو مستوى مرتفع يعكس ديناميكية المبادلات وقدرتها على تحقيق أرقام نوعية.

وفيما يتعلق بحركية العبور التجاري، أصبح معبر ذهيبة–وازن في الآونة الأخيرة يستحوذ على نحو 70 % من إجمالي المبادلات التجارية بين البلدين، وذلك في أعقاب الإغلاقات التي شهدتها بعض المعابر خلال السنوات الماضية، حيث سجل المعبر انسيابية واضحة في تدفق السلع والبضائع، ما عزز من دوره كمحور رئيسي للتبادل التجاري.

وقد ساهمت هذه الديناميكية في المبادلات مع ليبيا في التقليص النسبي للعجز التجاري لتونس، بما يعزز من مكانة السوق الليبية كشريك اقتصادي محوري.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة تعزيز التنسيق الثنائي ودعم حضور الشركات التونسية داخل السوق الليبية، خاصة في مجالات البنية التحتية والمقاولات العامة، بما يواكب المشاريع التنموية ويترجم توجه البلدين نحو تكامل اقتصادي فعلي، مع العمل على استغلال الإمكانيات المتاحة والانفتاح المشترك على العمق الإفريقي.

وتؤكد المؤشرات المسجلة أن حجم المبادلات التجارية خلال الثلاثية الأولى لسنة 2026 يتجاوز 500 مليون دينار تونسي.

*ما هي توقعاتكم بخصوص نمو حجم التبادل التجاري بين البلدين والصادرات الوطنية نحو ليبيا في 2026؟

من المتوقع أن تسجل المبادلات التجارية التونسية–الليبية خلال سنة 2026 نموًا في حدود 8 % إلى 12 % مقارنة بسنة 2025، مع إمكانية تجاوز نمو الصادرات التونسية نسبة 13 % في حال استمرار تحسن الانسيابية اللوجستية وتوسع حضور الشركات التونسية داخل السوق الليبية.

وفي إطار رؤية مجلس التعاون الاقتصادي التونسي–الليبي، يتمثل طموحنا الاستراتيجي في الارتقاء بالمبادلات التجارية بين البلدين إلى مستويات أعلى من الكفاءة والاستدامة، وذلك من خلال الدفع نحو رقمنة الإجراءات على مستوى المعابر الجمركية وتحديث منظومة العبور بما يضمن سرعة الانسياب وتقليص الزمن اللوجستي.

كما نؤكد على أهمية تحسين وتطوير البنية التحتية الحدودية بما يعزز قدرة المعابر على استيعاب حجم المبادلات المتنامي ويدعم انسيابية حركة السلع والخدمات بين البلدين.

ويتمثل الهدف المركزي في بلوغ حجم مبادلات تجارية يتجاوز 5 مليارات دينار تونسي سنويا، بما يعكس انتقال العلاقة الاقتصادية من نسقها التقليدي إلى شراكة أكثر تكاملًا وفعالية قائمة على التكنولوجيا والكفاءة والتكامل الاقتصادي المستدام.

*ماذا عن حضور المؤسسات التونسية في الخارطة الاقتصادية الليبية؟

على مستوى الحضور الاقتصادي، يُقدَّر عدد المؤسسات التونسية الناشطة فعليا والمستقرة داخل السوق الليبية بنحو 100 مؤسسة، تنشط في قطاعات متعددة أبرزها البناء والخدمات والصناعات الغذائية والصناعات التحويلية.

وإلى جانب ذلك، يتوسع نطاق التعامل التجاري غير المباشر ليشمل ما يقارب 150 مؤسسة تونسية لديها أنشطة أو تعاملات تجارية دورية مع السوق الليبية عبر التصدير أو الشراكات أو التوريد، بما يعكس عمق الارتباط الاقتصادي بين البلدين واتساع قاعدة التبادل التجاري.

*هل من تحديد لأبرز التحديات التي ينبغي كسبها من أجل رفع حجم الاستثمارات والتبادل التجاري مع ليبيا؟

تشكل بعض المعوقات الهيكلية تحديا أمام تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي في السوق الليبية والتوجه نحو العمق الإفريقي، وفي مقدمتها ضعف حضور المؤسسات المالية (البنوك التونسية) في تمويل المشاريع داخل ليبيا، وهو ما يحدّ من قدرة الشركات، خاصة في قطاع المقاولات، على الحصول على الضمانات البنكية اللازمة، ويؤثر مباشرة على وتيرة توسعها ويبطئ نسق تنفيذ المشاريع المشتركة.

كما تشكل بعض المعوقات اللوجستية تحديا أمام تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي داخل السوق الليبية، حيث يُسجل توقف الخطوط الجوية التونسية عن تسيير رحلاتها نحو المطارات الليبية، وهو ما انعكس على نسق التنقل والتواصل التجاري بين البلدين.

وفي السياق ذاته، يُلاحظ غياب الخطوط البحرية المنتظمة لنقل المسافرين، مع الإشارة إلى أنه تم فتح هذا الخط لفترة قصيرة خلال سنة 2023 قبل أن يتوقف، ما حدّ من استمرارية الربط البحري بين الجانبين. كما يبرز غياب خطوط بحرية منتظمة لنقل البضائع نحو مختلف الموانئ الليبية، خاصة مع تسجيل نقص واضح في الربط البحري الموجه إلى الشرق الليبي، حيث لا توجد خطوط شحن منتظمة تضمن انسيابا مستمرا للسلع والبضائع التونسية نحو تلك المنطقة الحيوية.

*المعبر القاري بين تونس وليبيا المرتقب، ما هي إيجابياته وأي انتظارات اقتصادية من هذا المشروع الواعد؟

المعبر القاري بين تونس وليبيا مشروع يربط المتوسط بعمق إفريقيا ويعيد رسم خريطة التجارة القارية، إذ إنه في إطار رؤية استراتيجية كبرى لتعزيز التكامل الاقتصادي بين تونس وليبيا، يبرز مشروع «المعبر القاري» كأحد أهم المشاريع الهيكلية المستقبلية، القائم على فكرة ربط البحر الأبيض المتوسط بعمق القارة الإفريقية عبر تونس وليبيا، بما يحول البلدين إلى بوابتين استراتيجيتين نحو إفريقيا جنوب الصحراء.

وينطلق هذا المشروع من تطوير ورقمنة معبر رأس جدير بعد تهيئته وفق منظومة لوجستية حديثة، بما يضمن انسيابية العبور وتسهيل حركة السلع والخدمات، ليكون نقطة الانطلاق الأساسية نحو شبكة نقل وتجارة عابرة للحدود، تتكامل مع البنية التحتية القائمة في ليبيا وتلك قيد التطوير.

ويرتكز هذا التوجه على استثمار الموانئ والمناطق الاقتصادية الحيوية في البلدين، وخاصة ميناء جرجيس وميناء سرت، إلى جانب المنطقة الحرة بمصراتة التي تُعد من أكبر المناطق اللوجستية في ليبيا، بما يفتح المجال أمام منظومة نقل وتجارية متكاملة تربط الشمال الإفريقي بالعمق الإفريقي.

ومن خلال هذا الامتداد الاستراتيجي، يمتد المسار التجاري نحو دول محورية في القارة الإفريقية، من بينها تشاد، النيجر، مالي، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وهي دول تمثل العمق الطبيعي للربط البري والتجاري عبر الأراضي الليبية، بما يجعل من ليبيا وتونس حلقة وصل أساسية بين شمال إفريقيا وداخل القارة.

ويأتي هذا التوجه في إطار الانخراط في مسار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf)، الذي دخل حيز التنفيذ الفعلي منذ سنة 2021، بما يعزز فرص بناء سوق إفريقية موحدة قادرة على استيعاب مشاريع تكاملية كبرى، ويضع تونس وليبيا في موقع متقدم داخل هذا الفضاء الاقتصادي الناشئ.

إن هذا المشروع لا يقتصر على كونه معبرا تجاريا، بل يمثل رؤية اقتصادية متكاملة لإعادة تشكيل سلاسل القيمة في المنطقة، من خلال تطوير البنية اللوجستية، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع قاعدة الإنتاج، بما يفتح المجال أمام طفرة صناعية وتجارية مشتركة.

وعلى هذا الأساس، فإن نجاح هذا المشروع من شأنه أن يخلق تحولا نوعيا في الهيكلة الاقتصادية، عبر توسيع الطاقة الإنتاجية المشتركة وفتح أسواق جديدة، بما يدعم نمو المؤسسات الصناعية والتجارية، ويعزز مكانة تونس وليبيا كمحورين اقتصاديين في شمال إفريقيا، ومنصة عبور رئيسية نحو إفريقيا.

كما أن هذا المشروع سيساهم بشكل مباشر في تقليص الزمن اللوجستي وخفض الكلفة التشغيلية للنقل والتبادل التجاري، بما يمنح تونس وليبيا أفضلية تنافسية واضحة في الأسواق الإفريقية، ويجعل البلدين من أوائل الفاعلين القادرين على اقتحام العمق الإفريقي بكفاءة أعلى وسرعة أكبر مقارنة بالمسارات التقليدية.

درصاف اللموشي

المدير التنفيذي لمجلس التعاون الاقتصادي التونسي الليبي لـ«الصباح»:   المعبر القاري بين تونس وليبيا يربط المتوسط بعمق إفريقيا ويعيد رسم خريطة التجارة القارية

تشهد المبادلات التجارية بين تونس وليبيا ديناميكية واضحة، ما يفسّر عمق الروابط التجارية والاقتصادية بين البلدين، حيث أكد المدير التنفيذي لمجلس التعاون الاقتصادي التونسي الليبي، صابر بوقرة، في حوار لـ«الصباح»، أن حجم المبادلات التجارية خلال الثلاثية الأولى لسنة 2026 تجاوز 500 مليون دينار تونسي، في حين بلغ خلال سنة 2025، 2892 مليون دينار تونسي، وبلغت الصادرات التونسية نحو هذه السوق 2469 مليون دينار تونسي العام الفارط، محققة نموًا بنسبة 11 % مقارنة بـ2024، مع تنوّع واضح للصادرات، إلى جانب تواجد 100 مؤسسة اقتصادية تونسية في ليبيا.

وتوقّع بوقرة أن تسجل المبادلات التجارية التونسية–الليبية خلال سنة 2026 زيادة بنسبة 8 % إلى 12 % مقارنة بسنة 2025، مُشدّدًا على ضرورة إزالة بعض المعوقات اللوجستية وتعزيز حضور المؤسسات المالية التونسية في ليبيا. وفي ما يلي نص الحوار:

*ما مدى تنوّع الصادرات التونسية نحو ليبيا؟

في إطار تطور المبادلات التجارية بين تونس وليبيا، تبرز الصادرات التونسية نحو السوق الليبية كمنظومة اقتصادية متكاملة تتسم بتنوع واضح في القطاعات وارتفاع نسق القيمة المضافة، بما يعكس عمق العلاقة التجارية بين البلدين واتساع مجالات التعاون الاقتصادي.

ويُعدّ القطاع الصناعي المكوّن الأبرز في الصادرات التونسية نحو ليبيا، حيث يمثل ما يفوق 35 % من إجمالي الصادرات، ويشمل طيفا واسعا من المنتجات، على غرار الآلات والمعدات الصناعية مثل آلات التعليب والتغليف، إضافة إلى الأجهزة الكهربائية والإلكترونية ومواد الحديد والصلب، وهو ما يعكس قدرة الصناعة التونسية على تلبية احتياجات السوق الليبية في مجالات الإنتاج والبنية التحتية والخدمات الفنية.

كما يحتل قطاع مواد البناء مكانة محورية ضمن الصادرات التونسية، خاصة في ظل الطلب المرتبط بمشاريع الإعمار داخل ليبيا، ويشمل هذا القطاع الإسمنت، الجير، الجبس، ومواد الأشغال والبنية التحتية، ما يجعله أحد الأعمدة الأساسية في هيكلة الصادرات نحو السوق الليبية.

وفي ما يتعلق بالصناعات الغذائية والفلاحية، فهي تمثل نحو 27 % من إجمالي الصادرات التونسية إلى ليبيا، وتشمل مجموعة متنوعة من المنتجات، على غرار السميد، الكسكسي، المقرونة، الزيوت النباتية، والمواد الغذائية المصنعة والجاهزة للاستهلاك، وهو ما يعكس تنوعا كبيرا في سلة المنتجات الغذائية الموجهة للسوق الليبية.

كما تشمل الصادرات التونسية نحو ليبيا قطاعات إضافية مهمة، من بينها الأدوية والمنتجات الصيدلانية، الورق ومشتقاته، البلاستيك، ومستحضرات التجميل، والأثاث، بما يعكس تنوع القاعدة الإنتاجية وتوسع نطاق الصادرات التونسية.

وسجّلت المبادلات التجارية بين ليبيا وتونس خلال الفترة 2021–2025 رقما تراكميا تجاوز 12 مليار دينار تونسي، في مؤشر قوي يعكس تسارع نسق التبادل التجاري وعمق الترابط الاقتصادي بين البلدين.

*ماذا عن حجم التبادل التجاري مع ليبيا خلال الربع الأول من هذا العام؟

خلال سنة 2025، بلغت قيمة المبادلات التجارية 2892 مليون دينار تونسي، فيما بلغت الصادرات التونسية نحو السوق الليبية 2469 مليون دينار تونسي خلال نفس السنة، مسجلة نموا بنسبة 11 % مقارنة بسنة 2024، رغم التحديات اللوجستية التي شهدتها المعابر خلال الفترة الماضية.

كما حافظت الصادرات التونسية على نسق تطور سنوي في حدود 7 % خلال الفترة 2021–2025، مع تسجيل رقم مميز سنة 2022 بلغ 3025 مليون دينار تونسي، وهو مستوى مرتفع يعكس ديناميكية المبادلات وقدرتها على تحقيق أرقام نوعية.

وفيما يتعلق بحركية العبور التجاري، أصبح معبر ذهيبة–وازن في الآونة الأخيرة يستحوذ على نحو 70 % من إجمالي المبادلات التجارية بين البلدين، وذلك في أعقاب الإغلاقات التي شهدتها بعض المعابر خلال السنوات الماضية، حيث سجل المعبر انسيابية واضحة في تدفق السلع والبضائع، ما عزز من دوره كمحور رئيسي للتبادل التجاري.

وقد ساهمت هذه الديناميكية في المبادلات مع ليبيا في التقليص النسبي للعجز التجاري لتونس، بما يعزز من مكانة السوق الليبية كشريك اقتصادي محوري.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة تعزيز التنسيق الثنائي ودعم حضور الشركات التونسية داخل السوق الليبية، خاصة في مجالات البنية التحتية والمقاولات العامة، بما يواكب المشاريع التنموية ويترجم توجه البلدين نحو تكامل اقتصادي فعلي، مع العمل على استغلال الإمكانيات المتاحة والانفتاح المشترك على العمق الإفريقي.

وتؤكد المؤشرات المسجلة أن حجم المبادلات التجارية خلال الثلاثية الأولى لسنة 2026 يتجاوز 500 مليون دينار تونسي.

*ما هي توقعاتكم بخصوص نمو حجم التبادل التجاري بين البلدين والصادرات الوطنية نحو ليبيا في 2026؟

من المتوقع أن تسجل المبادلات التجارية التونسية–الليبية خلال سنة 2026 نموًا في حدود 8 % إلى 12 % مقارنة بسنة 2025، مع إمكانية تجاوز نمو الصادرات التونسية نسبة 13 % في حال استمرار تحسن الانسيابية اللوجستية وتوسع حضور الشركات التونسية داخل السوق الليبية.

وفي إطار رؤية مجلس التعاون الاقتصادي التونسي–الليبي، يتمثل طموحنا الاستراتيجي في الارتقاء بالمبادلات التجارية بين البلدين إلى مستويات أعلى من الكفاءة والاستدامة، وذلك من خلال الدفع نحو رقمنة الإجراءات على مستوى المعابر الجمركية وتحديث منظومة العبور بما يضمن سرعة الانسياب وتقليص الزمن اللوجستي.

كما نؤكد على أهمية تحسين وتطوير البنية التحتية الحدودية بما يعزز قدرة المعابر على استيعاب حجم المبادلات المتنامي ويدعم انسيابية حركة السلع والخدمات بين البلدين.

ويتمثل الهدف المركزي في بلوغ حجم مبادلات تجارية يتجاوز 5 مليارات دينار تونسي سنويا، بما يعكس انتقال العلاقة الاقتصادية من نسقها التقليدي إلى شراكة أكثر تكاملًا وفعالية قائمة على التكنولوجيا والكفاءة والتكامل الاقتصادي المستدام.

*ماذا عن حضور المؤسسات التونسية في الخارطة الاقتصادية الليبية؟

على مستوى الحضور الاقتصادي، يُقدَّر عدد المؤسسات التونسية الناشطة فعليا والمستقرة داخل السوق الليبية بنحو 100 مؤسسة، تنشط في قطاعات متعددة أبرزها البناء والخدمات والصناعات الغذائية والصناعات التحويلية.

وإلى جانب ذلك، يتوسع نطاق التعامل التجاري غير المباشر ليشمل ما يقارب 150 مؤسسة تونسية لديها أنشطة أو تعاملات تجارية دورية مع السوق الليبية عبر التصدير أو الشراكات أو التوريد، بما يعكس عمق الارتباط الاقتصادي بين البلدين واتساع قاعدة التبادل التجاري.

*هل من تحديد لأبرز التحديات التي ينبغي كسبها من أجل رفع حجم الاستثمارات والتبادل التجاري مع ليبيا؟

تشكل بعض المعوقات الهيكلية تحديا أمام تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي في السوق الليبية والتوجه نحو العمق الإفريقي، وفي مقدمتها ضعف حضور المؤسسات المالية (البنوك التونسية) في تمويل المشاريع داخل ليبيا، وهو ما يحدّ من قدرة الشركات، خاصة في قطاع المقاولات، على الحصول على الضمانات البنكية اللازمة، ويؤثر مباشرة على وتيرة توسعها ويبطئ نسق تنفيذ المشاريع المشتركة.

كما تشكل بعض المعوقات اللوجستية تحديا أمام تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي داخل السوق الليبية، حيث يُسجل توقف الخطوط الجوية التونسية عن تسيير رحلاتها نحو المطارات الليبية، وهو ما انعكس على نسق التنقل والتواصل التجاري بين البلدين.

وفي السياق ذاته، يُلاحظ غياب الخطوط البحرية المنتظمة لنقل المسافرين، مع الإشارة إلى أنه تم فتح هذا الخط لفترة قصيرة خلال سنة 2023 قبل أن يتوقف، ما حدّ من استمرارية الربط البحري بين الجانبين. كما يبرز غياب خطوط بحرية منتظمة لنقل البضائع نحو مختلف الموانئ الليبية، خاصة مع تسجيل نقص واضح في الربط البحري الموجه إلى الشرق الليبي، حيث لا توجد خطوط شحن منتظمة تضمن انسيابا مستمرا للسلع والبضائع التونسية نحو تلك المنطقة الحيوية.

*المعبر القاري بين تونس وليبيا المرتقب، ما هي إيجابياته وأي انتظارات اقتصادية من هذا المشروع الواعد؟

المعبر القاري بين تونس وليبيا مشروع يربط المتوسط بعمق إفريقيا ويعيد رسم خريطة التجارة القارية، إذ إنه في إطار رؤية استراتيجية كبرى لتعزيز التكامل الاقتصادي بين تونس وليبيا، يبرز مشروع «المعبر القاري» كأحد أهم المشاريع الهيكلية المستقبلية، القائم على فكرة ربط البحر الأبيض المتوسط بعمق القارة الإفريقية عبر تونس وليبيا، بما يحول البلدين إلى بوابتين استراتيجيتين نحو إفريقيا جنوب الصحراء.

وينطلق هذا المشروع من تطوير ورقمنة معبر رأس جدير بعد تهيئته وفق منظومة لوجستية حديثة، بما يضمن انسيابية العبور وتسهيل حركة السلع والخدمات، ليكون نقطة الانطلاق الأساسية نحو شبكة نقل وتجارة عابرة للحدود، تتكامل مع البنية التحتية القائمة في ليبيا وتلك قيد التطوير.

ويرتكز هذا التوجه على استثمار الموانئ والمناطق الاقتصادية الحيوية في البلدين، وخاصة ميناء جرجيس وميناء سرت، إلى جانب المنطقة الحرة بمصراتة التي تُعد من أكبر المناطق اللوجستية في ليبيا، بما يفتح المجال أمام منظومة نقل وتجارية متكاملة تربط الشمال الإفريقي بالعمق الإفريقي.

ومن خلال هذا الامتداد الاستراتيجي، يمتد المسار التجاري نحو دول محورية في القارة الإفريقية، من بينها تشاد، النيجر، مالي، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وهي دول تمثل العمق الطبيعي للربط البري والتجاري عبر الأراضي الليبية، بما يجعل من ليبيا وتونس حلقة وصل أساسية بين شمال إفريقيا وداخل القارة.

ويأتي هذا التوجه في إطار الانخراط في مسار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf)، الذي دخل حيز التنفيذ الفعلي منذ سنة 2021، بما يعزز فرص بناء سوق إفريقية موحدة قادرة على استيعاب مشاريع تكاملية كبرى، ويضع تونس وليبيا في موقع متقدم داخل هذا الفضاء الاقتصادي الناشئ.

إن هذا المشروع لا يقتصر على كونه معبرا تجاريا، بل يمثل رؤية اقتصادية متكاملة لإعادة تشكيل سلاسل القيمة في المنطقة، من خلال تطوير البنية اللوجستية، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع قاعدة الإنتاج، بما يفتح المجال أمام طفرة صناعية وتجارية مشتركة.

وعلى هذا الأساس، فإن نجاح هذا المشروع من شأنه أن يخلق تحولا نوعيا في الهيكلة الاقتصادية، عبر توسيع الطاقة الإنتاجية المشتركة وفتح أسواق جديدة، بما يدعم نمو المؤسسات الصناعية والتجارية، ويعزز مكانة تونس وليبيا كمحورين اقتصاديين في شمال إفريقيا، ومنصة عبور رئيسية نحو إفريقيا.

كما أن هذا المشروع سيساهم بشكل مباشر في تقليص الزمن اللوجستي وخفض الكلفة التشغيلية للنقل والتبادل التجاري، بما يمنح تونس وليبيا أفضلية تنافسية واضحة في الأسواق الإفريقية، ويجعل البلدين من أوائل الفاعلين القادرين على اقتحام العمق الإفريقي بكفاءة أعلى وسرعة أكبر مقارنة بالمسارات التقليدية.

درصاف اللموشي