إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بين ذروة رمضان الثقافية وفراغ ما بعده.. لماذا نحسن إدارة اللحظة ولا نجيد بناء الاستمرارية؟

مع حلول العيد، لا يكتفي المشهد الثقافي بطيّ صفحة رمضان، بل يكشف، في لحظة الانتقال هذه، عن مفارقة لافتة: من كثافة العروض والحضور إلى صمت ممتد، كأن ما جرى لم يكن سوى ومضة عابرة في زمن ثقافي متقطع. هذه المفارقة لا تختزل فقط في كثافة البرمجة مقابل ندرتها لاحقًا، بل تطرح سؤالا أعمق حول طبيعة الزمن الثقافي نفسه: لماذا نُحسن إدارة اللحظة ولا نُجيد بناء الاستمرارية؟ ولماذا يبدو النجاح، حين يتحقق، منفصلًا عن أي أفق لاحق يمكن أن يطوره أو يرسخه؟

هنا تحديدا، تتحول مرحلة ما بعد العيد من مجرد استراحة بين موسمين إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الفاعلين الثقافيين على تحويل المكسب الظرفي إلى مشروع، واللحظة إلى مسار.

فإذا كان رمضان قد أثبت مرة أخرى أن الجمهور موجود وأن الإقبال ممكن، فإن الخطأ يكمن في التعامل مع هذا المعطى بوصفه نتيجة نهائية لا نقطة انطلاق، إذ سرعان ما يُعاد إنتاج نفس المنطق في كل دورة: عروض تُصمَّم لتلائم سياقا بعينه، وجمهور يُستدعى ضمن طقس اجتماعي محدد، ثم ينفضّ كل شيء بانتهاء المناسبة، دون أن يطرح بجدية سؤال «ما بعد». والحال أن هذا السؤال لا يتعلق فقط ببرمجة لاحقة، بل بطريقة التفكير في الفعل الثقافي من أساسه، أي في كونه عملية تراكمية لا حدثًا معزولًا، ما يفرض مراجعة عميقة لآليات العمل، من الإنتاج إلى التوزيع وصولًا إلى بناء العلاقة مع الجمهور، وهو ما يرتبط مباشرة بإشكالية أعمق، وهي مدى توفر رؤية استراتيجية مستدامة قادرة على تأطير هذا الفعل ضمن أفق طويل المدى، لا ضمن استجابات ظرفية تفرضها المناسبات.

في هذا الأفق، يبدو أول ما يحتاج إلى التغيير هو الانتقال من منطق البرمجة الموسمية إلى منطق الهندسة الثقافية المستمرة، حيث لا تُبنى العروض على أساس ظرفي، بل على أساس قابلية الامتداد، أي أن يُفكر العمل منذ لحظة ولادته في حياته اللاحقة: أين سيُعرض؟ كيف يمكن أن يتطور؟ ما هي الفضاءات التي يمكن أن تستقبله؟ ومن هو جمهوره المحتمل خارج سياق رمضان؟ هذه الأسئلة، التي غالبًا ما تُهمل لصالح الاستجابة السريعة لمتطلبات الموسم، هي في الواقع ما يحدد قدرة أي مشروع على الاستمرار، لأنها تنقله من كونه عرضًا ناجحًا إلى كونه منتجًا ثقافيًا قابلاً للتداول، غير أن طرحها يفترض وجود رؤية استراتيجية واضحة تضع الاستمرارية كهدف، لا كاحتمال.

كما أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق دون إعادة ترتيب العلاقة بين مختلف الفاعلين في المشهد الثقافي، ذلك أن أحد أبرز أسباب هشاشة الاستمرارية يكمن في تفكك هذه العلاقة، حيث تعمل المؤسسات، في كثير من الأحيان، بشكل متوازٍ لا متكامل، فتنتج العروض دون أن تضمن لها مسارات عرض لاحقة، أو تستضيف أعمالًا ناجحة دون أن تندرج ضمن رؤية طويلة الأمد. لذلك، فإن ما بعد العيد يمكن أن يكون لحظة مناسبة لإعادة التفكير في أشكال التنسيق الممكنة، سواء عبر خلق شبكات توزيع حقيقية، أو عبر بناء برمجة متسلسلة تسمح للعمل بالانتقال من فضاء إلى آخر، بدل أن يتوقف عند حدوده الأولى، وهي مراجعات لا يمكن أن تتم بمعزل عن إدراك محدودية الإمكانات المادية وضرورة توظيفها ضمن رؤية عقلانية تضمن أقصى درجات النجاعة.

لكن حتى مع توفر هذه الشروط، يبقى السؤال الحاسم مرتبطًا بالجمهور، لا من حيث حضوره فقط، بل من حيث طبيعة هذا الحضور، إذ أن ما تكشفه السهرات الرمضانية هو وجود جمهور واسع، لكنه غير مستقر، جمهور يستجيب لنداء اللحظة أكثر مما ينخرط في مسار ثقافي متواصل، وهو ما يطرح إشكالية التحول من جمهور مناسبات إلى جمهور دائم، أي جمهور لا يأتي فقط لأن الظرف يسمح، بل لأنه يرى في الفعل الثقافي جزءًا من حياته اليومية. هذا التحول لا يمكن أن يتم عبر البرمجة وحدها، بل يحتاج إلى عمل طويل على مستوى التربية الثقافية، وعلى مستوى إعادة بناء الثقة بين الجمهور والمؤسسات، بما يجعل من الفضاء الثقافي مكانًا مألوفًا لا استثنائيًا، وهو ما يتطلب بدوره استثمارًا مادّيًا وبشريًا لا يقل أهمية عن إنتاج العروض في حد ذاته.

وفي هذا السياق، يبرز تحد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بكيفية مواكبة التحولات في أنماط التلقي، إذ لم يعد الجمهور اليوم يتعامل مع الثقافة بنفس الأدوات التي كان يعتمدها سابقًا، بل أصبح يعيش في فضاء رقمي مفتوح، تتداخل فيه الأشكال والمضامين، وهو ما يفرض على الفاعلين الثقافيين التفكير في طرق جديدة لتمديد أثر العروض خارج لحظة تقديمها، سواء عبر التوثيق، أو عبر إنتاج محتوى موازٍ، أو عبر خلق تفاعل مستمر مع الجمهور، بما يسمح بتحويل التجربة من حدث عابر إلى علاقة ممتدة في الزمن، وهو مسار يحتاج بدوره إلى موارد تقنية ومالية، ما يعيد طرح إشكالية كلفة الفعل الثقافي الهادف في سياق يعاني أصلاً من محدودية التمويل.

ولا يمكن، في هذا الإطار، إغفال البعد الاقتصادي، إذ أن استدامة المشاريع الثقافية تظل رهينة قدرتها على إيجاد نماذج تمويل تتجاوز الدعم الظرفي، نحو صيغ أكثر استقرارًا، سواء عبر الشراكات، أو عبر تطوير آليات إنتاج وترويج أكثر مرونة، تتيح للعمل أن يعيش خارج منطق الإعانة المحدودة زمنا. فالمسألة لا تتعلق فقط بوفرة الموارد، بل بكيفية إدارتها وتوجيهها نحو مشاريع تملك أفقًا، لا مجرد حضور عابر، خاصة وأن كلفة الفعل الثقافي الهادف، بما يتطلبه من جودة في الإنتاج، واستمرارية في البرمجة، واستثمار في الجمهور، تجعل من الاستدامة تحديًا مضاعفًا في ظل غياب رؤية استراتيجية واضحة تدير هذه الموارد بفعالية.

هكذا، يتحول السؤال حول ما بعد العيد إلى سؤال عن معنى الاستمرارية ذاته: هل نريد ثقافة تعيش في شكل موجات متقطعة، أم ثقافة تتنفس في نسق يومي؟ وهل يكفي أن ننجح في ملء القاعات خلال شهر واحد، أو خلال مناسبة واحدة أو مهرجان بعينه، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هذا الامتلاء، ولو بشكل نسبي، على امتداد السنة؟ الإجابة، في نهاية المطاف، لا ترتبط فقط بالإرادة، بل بالقدرة على إعادة صياغة العلاقة بين الزمن الثقافي ومختلف مكوناته، بحيث لا يبقى رمضان لحظة استثنائية، بل يصبح جزءًا من ديناميكية أوسع، تُبنى فيها النجاحات، لا للحظة معينة، بل لتُستثمر وتُطور وتُحول إلى مسارات قادرة على الاستمرار، ضمن رؤية استراتيجية مستدامة تأخذ بعين الاعتبار محدودية الإمكانات، لكنها لا تستسلم لها.

إيمان عبد اللطيف

بين ذروة رمضان الثقافية وفراغ ما بعده..   لماذا نحسن إدارة اللحظة ولا نجيد بناء الاستمرارية؟

مع حلول العيد، لا يكتفي المشهد الثقافي بطيّ صفحة رمضان، بل يكشف، في لحظة الانتقال هذه، عن مفارقة لافتة: من كثافة العروض والحضور إلى صمت ممتد، كأن ما جرى لم يكن سوى ومضة عابرة في زمن ثقافي متقطع. هذه المفارقة لا تختزل فقط في كثافة البرمجة مقابل ندرتها لاحقًا، بل تطرح سؤالا أعمق حول طبيعة الزمن الثقافي نفسه: لماذا نُحسن إدارة اللحظة ولا نُجيد بناء الاستمرارية؟ ولماذا يبدو النجاح، حين يتحقق، منفصلًا عن أي أفق لاحق يمكن أن يطوره أو يرسخه؟

هنا تحديدا، تتحول مرحلة ما بعد العيد من مجرد استراحة بين موسمين إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الفاعلين الثقافيين على تحويل المكسب الظرفي إلى مشروع، واللحظة إلى مسار.

فإذا كان رمضان قد أثبت مرة أخرى أن الجمهور موجود وأن الإقبال ممكن، فإن الخطأ يكمن في التعامل مع هذا المعطى بوصفه نتيجة نهائية لا نقطة انطلاق، إذ سرعان ما يُعاد إنتاج نفس المنطق في كل دورة: عروض تُصمَّم لتلائم سياقا بعينه، وجمهور يُستدعى ضمن طقس اجتماعي محدد، ثم ينفضّ كل شيء بانتهاء المناسبة، دون أن يطرح بجدية سؤال «ما بعد». والحال أن هذا السؤال لا يتعلق فقط ببرمجة لاحقة، بل بطريقة التفكير في الفعل الثقافي من أساسه، أي في كونه عملية تراكمية لا حدثًا معزولًا، ما يفرض مراجعة عميقة لآليات العمل، من الإنتاج إلى التوزيع وصولًا إلى بناء العلاقة مع الجمهور، وهو ما يرتبط مباشرة بإشكالية أعمق، وهي مدى توفر رؤية استراتيجية مستدامة قادرة على تأطير هذا الفعل ضمن أفق طويل المدى، لا ضمن استجابات ظرفية تفرضها المناسبات.

في هذا الأفق، يبدو أول ما يحتاج إلى التغيير هو الانتقال من منطق البرمجة الموسمية إلى منطق الهندسة الثقافية المستمرة، حيث لا تُبنى العروض على أساس ظرفي، بل على أساس قابلية الامتداد، أي أن يُفكر العمل منذ لحظة ولادته في حياته اللاحقة: أين سيُعرض؟ كيف يمكن أن يتطور؟ ما هي الفضاءات التي يمكن أن تستقبله؟ ومن هو جمهوره المحتمل خارج سياق رمضان؟ هذه الأسئلة، التي غالبًا ما تُهمل لصالح الاستجابة السريعة لمتطلبات الموسم، هي في الواقع ما يحدد قدرة أي مشروع على الاستمرار، لأنها تنقله من كونه عرضًا ناجحًا إلى كونه منتجًا ثقافيًا قابلاً للتداول، غير أن طرحها يفترض وجود رؤية استراتيجية واضحة تضع الاستمرارية كهدف، لا كاحتمال.

كما أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق دون إعادة ترتيب العلاقة بين مختلف الفاعلين في المشهد الثقافي، ذلك أن أحد أبرز أسباب هشاشة الاستمرارية يكمن في تفكك هذه العلاقة، حيث تعمل المؤسسات، في كثير من الأحيان، بشكل متوازٍ لا متكامل، فتنتج العروض دون أن تضمن لها مسارات عرض لاحقة، أو تستضيف أعمالًا ناجحة دون أن تندرج ضمن رؤية طويلة الأمد. لذلك، فإن ما بعد العيد يمكن أن يكون لحظة مناسبة لإعادة التفكير في أشكال التنسيق الممكنة، سواء عبر خلق شبكات توزيع حقيقية، أو عبر بناء برمجة متسلسلة تسمح للعمل بالانتقال من فضاء إلى آخر، بدل أن يتوقف عند حدوده الأولى، وهي مراجعات لا يمكن أن تتم بمعزل عن إدراك محدودية الإمكانات المادية وضرورة توظيفها ضمن رؤية عقلانية تضمن أقصى درجات النجاعة.

لكن حتى مع توفر هذه الشروط، يبقى السؤال الحاسم مرتبطًا بالجمهور، لا من حيث حضوره فقط، بل من حيث طبيعة هذا الحضور، إذ أن ما تكشفه السهرات الرمضانية هو وجود جمهور واسع، لكنه غير مستقر، جمهور يستجيب لنداء اللحظة أكثر مما ينخرط في مسار ثقافي متواصل، وهو ما يطرح إشكالية التحول من جمهور مناسبات إلى جمهور دائم، أي جمهور لا يأتي فقط لأن الظرف يسمح، بل لأنه يرى في الفعل الثقافي جزءًا من حياته اليومية. هذا التحول لا يمكن أن يتم عبر البرمجة وحدها، بل يحتاج إلى عمل طويل على مستوى التربية الثقافية، وعلى مستوى إعادة بناء الثقة بين الجمهور والمؤسسات، بما يجعل من الفضاء الثقافي مكانًا مألوفًا لا استثنائيًا، وهو ما يتطلب بدوره استثمارًا مادّيًا وبشريًا لا يقل أهمية عن إنتاج العروض في حد ذاته.

وفي هذا السياق، يبرز تحد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بكيفية مواكبة التحولات في أنماط التلقي، إذ لم يعد الجمهور اليوم يتعامل مع الثقافة بنفس الأدوات التي كان يعتمدها سابقًا، بل أصبح يعيش في فضاء رقمي مفتوح، تتداخل فيه الأشكال والمضامين، وهو ما يفرض على الفاعلين الثقافيين التفكير في طرق جديدة لتمديد أثر العروض خارج لحظة تقديمها، سواء عبر التوثيق، أو عبر إنتاج محتوى موازٍ، أو عبر خلق تفاعل مستمر مع الجمهور، بما يسمح بتحويل التجربة من حدث عابر إلى علاقة ممتدة في الزمن، وهو مسار يحتاج بدوره إلى موارد تقنية ومالية، ما يعيد طرح إشكالية كلفة الفعل الثقافي الهادف في سياق يعاني أصلاً من محدودية التمويل.

ولا يمكن، في هذا الإطار، إغفال البعد الاقتصادي، إذ أن استدامة المشاريع الثقافية تظل رهينة قدرتها على إيجاد نماذج تمويل تتجاوز الدعم الظرفي، نحو صيغ أكثر استقرارًا، سواء عبر الشراكات، أو عبر تطوير آليات إنتاج وترويج أكثر مرونة، تتيح للعمل أن يعيش خارج منطق الإعانة المحدودة زمنا. فالمسألة لا تتعلق فقط بوفرة الموارد، بل بكيفية إدارتها وتوجيهها نحو مشاريع تملك أفقًا، لا مجرد حضور عابر، خاصة وأن كلفة الفعل الثقافي الهادف، بما يتطلبه من جودة في الإنتاج، واستمرارية في البرمجة، واستثمار في الجمهور، تجعل من الاستدامة تحديًا مضاعفًا في ظل غياب رؤية استراتيجية واضحة تدير هذه الموارد بفعالية.

هكذا، يتحول السؤال حول ما بعد العيد إلى سؤال عن معنى الاستمرارية ذاته: هل نريد ثقافة تعيش في شكل موجات متقطعة، أم ثقافة تتنفس في نسق يومي؟ وهل يكفي أن ننجح في ملء القاعات خلال شهر واحد، أو خلال مناسبة واحدة أو مهرجان بعينه، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هذا الامتلاء، ولو بشكل نسبي، على امتداد السنة؟ الإجابة، في نهاية المطاف، لا ترتبط فقط بالإرادة، بل بالقدرة على إعادة صياغة العلاقة بين الزمن الثقافي ومختلف مكوناته، بحيث لا يبقى رمضان لحظة استثنائية، بل يصبح جزءًا من ديناميكية أوسع، تُبنى فيها النجاحات، لا للحظة معينة، بل لتُستثمر وتُطور وتُحول إلى مسارات قادرة على الاستمرار، ضمن رؤية استراتيجية مستدامة تأخذ بعين الاعتبار محدودية الإمكانات، لكنها لا تستسلم لها.

إيمان عبد اللطيف