إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

انطلقت بحضور وزيرة الشؤون الثقافية ووالي تونس ونواب بالمجلسين .. «ليالي السهر في الملاسين».. تظاهرة رمضانية فنية تفتح النقاش حول ثقافة القرب واقتصاد الثقافة في الأحياء

 

  • لو تستمر «ليالي الأحياء» ضمن برنامج وطني دائم، فإنها قد تمثل تحولا هاما في تصور العمل الثقافي.
  • التجارب الدولية تشير إلى أن الثقافة قادرة على لعب دور مهم في تنشيط الحياة الاقتصادية المحلية، خاصة عندما ترتبط بالفضاءات العامة وبالأنشطة الليلية.
  • يمكن النظر إلى «ليالي الأحياء» ليس فقط كمشروع ثقافي، بل كمشروع حضري واجتماعي أيضا.
  • يبقى نجاح هذا النموذج رهين قدرته على الانتقال من المبادرة إلى الاستراتيجية.

في سياق حديث يتزايد فيه النقاش عن «ثقافة القرب» وحقّ المواطن في النفاذ إلى الفعل الثقافي، افتتحت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي مساء الاثنين 9 مارس الجاري بالملعب البلدي بالملاسين بالعاصمة فعاليات تظاهرة “ليالي السهر بالملاسين”، وذلك بحضور والي تونس عماد بوخريص وعدد من أعضاء مجلسي النواب والأقاليم والجهات وإطارات الوزارة. وقد كان الموعد الأول مع عرض “الزيارة” للفنان سامي اللجمي، في لقاء جمع متساكني حي الملاسين والأحياء المجاورة بعرض فني اعتاد الجمهور التونسي مشاهدته في المسارح الكبرى والمهرجانات الصيفية.

غير أنّ خصوصية هذا الموعد لا تكمن فقط في طبيعة العرض أو في الحضور الجماهيري الذي رافقه، بل في الفضاء الذي احتضنه: ملعب بلدي داخل حي شعبي تحوّل لليلة إلى مسرح مفتوح للفن والفرجة.

هذا التحول في المكان والمعنى يفتح بابا أوسع للتفكير في دلالات هذه المبادرة الثقافية. فتنظيم تظاهرة فنية في قلب حي شعبي لا يندرج فقط ضمن برمجة رمضانية عابرة، بل يندرج أيضا ضمن خطاب رسمي يتحدث عن “ثقافة القرب” وعن ضرورة تكريس مبدأ الحق في الثقافة وفق ما جاء في بلاغ وزارة الشؤون الثقافية على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «الفايسبوك».

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن لمثل هذه المبادرات أن تتحول من تظاهرات ظرفية مرتبطة بالمناسبات إلى نموذج فعلي لسياسة ثقافية جديدة تقوم على “ليالي الأحياء”؟ وإذا تحقق ذلك، هل يمكن لهذا النموذج أن يتجاوز البعد الثقافي الصرف ليصبح رافعة اقتصادية واجتماعية محلية، بما يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته اقتصاد الثقافة في الأحياء؟

الواقع أن الثقافة في تونس، كما في عديد البلدان، ظلت لفترة طويلة مرتبطة بفضاءات محددة مثل المسارح الكبرى، ودور الثقافة، والمهرجانات الرسمية أو المؤسسات الثقافية المركزية. ورغم ما شهدته البلاد من توسع في الشبكة الثقافية منذ الاستقلال، فإن الفعل الثقافي ظل غالبا محكوما بمنطق المركز، سواء كان ذلك على مستوى المدن أو حتى داخل المدينة الواحدة حيث تتركز العروض في فضاءات محددة يرتادها جمهور معتاد. في المقابل، بقيت الأحياء الشعبية في كثير من الأحيان خارج هذا الحراك، أو لا تستقبله إلا في مناسبات محدودة.

من هذا المنظور يمكن قراءة تظاهرة «ليالي السهر بالملاسين» كجزء من محاولة لإعادة توزيع الفعل الثقافي داخل المدينة. فحين ينتقل عرض مثل «الزيارة» من المسرح إلى ملعب بلدي في حي شعبي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتغيير مكان العرض، بل بتغيير العلاقة بين الثقافة والجمهور. الثقافة هنا لا تنتظر أن يأتي الجمهور إليها، بل تذهب إليه في فضائه اليومي. وهذا التحول يحمل في طياته بعدا رمزيا، وهو السعي نحو الاعتراف بأن الثقافة ليست امتيازا نخبويا أو نشاطا مرتبطا بفضاءات بعينها، بل هي حق يمكن أن يمارس في كل مكان.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمشروعية هذه المبادرة، بل بإمكانية تحويلها إلى سياسة ثقافية مستدامة. فالعديد من التظاهرات الثقافية التي تنظم في الأحياء تظل مرتبطة بالمناسبات، خاصة شهر رمضان أو بعض الاحتفالات الوطنية. وغالبا ما تنتهي بانتهاء المناسبة دون أن تترك أثرا مستداما في المشهد الثقافي المحلي. لذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق «الحدث» أو منطق «المناسبة» إلى منطق «البرنامج».

فلو تتحول «ليالي الأحياء» إلى برنامج وطني دائم، فإنها قد تمثل تحولا مهما في تصور العمل الثقافي. فبدل أن تبقى الثقافة منحصرة في دور الثقافة أو المهرجانات الصيفية، يمكن أن تصبح جزءا من الحياة اليومية للأحياء. ويمكن أن تشمل هذه الليالي عروض الموسيقى والمسرح والسينما في الهواء الطلق، إضافة إلى الفنون الشعبية والفنون المعاصرة. مثل هذا البرنامج يمكن أن يخلق علاقة جديدة بين السكان والثقافة، علاقة تقوم على القرب والاعتياد وليس فقط على الاستثناء.

وانطلاقا من ذلك، من البديهي التأكيد على أنّ الأثر الأهم لمثل هذه المبادرات قد لا يكون ثقافيا فقط، بل اقتصاديا أيضا. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الثقافة قادرة على لعب دور مهم في تنشيط الحياة الاقتصادية المحلية، خاصة عندما ترتبط بالفضاءات العامة وبالأنشطة الليلية. ففي العديد من المدن، أصبح ما يسمى الاقتصاد الليلي للثقافة جزءا من السياسات الحضرية، حيث تتحول العروض الفنية والمهرجانات إلى محركات للحياة الاقتصادية.

في هذا السياق، يمكن لتظاهرات مثل «ليالي السهر» أن تسهم في خلق حركية اقتصادية داخل الأحياء. فتنظيم عرض فني في فضاء مفتوح يجذب عادة مئات أو حتى آلاف المتفرجين، وهو ما ينعكس مباشرة على النشاط التجاري في المنطقة. المقاهي والمطاعم الصغيرة، والباعة المتجولون، وحتى المحلات المجاورة تستفيد من هذه الحركة. ويكفي أن يتحول الحي لبضع ساعات إلى فضاء للفرجة واللقاء حتى تتغير ديناميكيته الاقتصادية.

إضافة إلى ذلك، تلعب مثل هذه الفعاليات دورا في إحياء الفضاء العام ليلا. ففي كثير من الأحياء الحضرية، يظل الليل مرتبطا إما بالسكون أو ببعض الأنشطة المحدودة. لكن عندما تتحول الساحات أو الملاعب إلى فضاءات ثقافية، فإن الليل يكتسب معنى مختلفا: يصبح زمنا للقاء والفرجة والتبادل الاجتماعي. وتصبح له تأثيرات تتجاوز الجانب الثقافي.

من هنا يمكن القول إن تحويل «ليالي الأحياء» إلى سياسة ثقافية دائمة قد يكون خطوة نحو بناء اقتصاد ثقافي محلي. غير أن تحقيق ذلك يتطلب التفكير في مجموعة من الشروط التنظيمية والهيكلية. فالمسألة لا تتعلق فقط ببرمجة عروض فنية، بل ببناء منظومة متكاملة تربط بين الثقافة والتنمية المحلية.

أول هذه الشروط يتمثل في الاستمرارية. فالتظاهرات التي تنظم مرة واحدة في السنة قد تحقق نجاحا جماهيريا، لكنها لا تخلق ديناميكية اقتصادية مستدامة. أما إذا أصبحت الليالي الثقافية موعدا دوريا – أسبوعيا أو شهريا – فإنها يمكن أن تخلق عادة اجتماعية جديدة لدى السكان، وهو ما يسمح للأنشطة التجارية بالتكيف معها والاستفادة منها.

الشرط الثاني يتعلق بتنوع البرمجة. فنجاح عرض مثل «الزيارة» لا يعني بالضرورة أن كل العروض ستلقى الإقبال نفسه. لذلك من المهم أن تشمل البرمجة أنماطا مختلفة من الفنون: الموسيقى، المسرح، السينما، الفنون الشعبية، عروض الأطفال، وحتى الفنون الرقمية. هذا التنوع يضمن استقطاب فئات مختلفة من الجمهور ويمنح التظاهرة طابعا جامعا، وخير دليل على ذلك نجاح تظاهرة «السينما تدور» في تحريك الدورة الاقتصادية المحلية لبعض الأحياء التي حلت بها، بما في ذلك جهة الملاسين وحي هلال ومناطق داخلية عديدة من مختلف ولايات الجمهورية.

أما الشرط الثالث فيتمثل في إشراك الفاعلين المحليين. فنجاح اقتصاد الثقافة في الأحياء لا يمكن أن يقوم فقط على مبادرات الوزارة أو المؤسسات الرسمية، بل يحتاج أيضا إلى مشاركة البلديات والجمعيات الثقافية المحلية والتجار وحتى السكان أنفسهم. هذه الشراكة يمكن أن تخلق شعورا بالملكية الجماعية للتظاهرة، وهو ما يعزز استمراريتها.

في هذا السياق يمكن التفكير في مبادرات موازية مثل تنظيم أسواق حرفية ليلية أو فضاءات لعرض منتجات الصناعات الثقافية المحلية. مثل هذه المبادرات تسمح بربط العروض الفنية بالاقتصاد الإبداعي، وتفتح المجال أمام الفنانين والحرفيين لعرض أعمالهم وبيعها. كما يمكن أن تشجع الشباب على الانخراط في مشاريع ثقافية صغيرة، مثل تنظيم العروض أو إدارة الفضاءات الثقافية المؤقتة.

كما يمكن أن تلعب البلديات دورا مهما في هذا المجال من خلال تهيئة الفضاءات العامة لاستقبال العروض الثقافية. فالساحات والملاعب والحدائق يمكن أن تتحول إلى مسارح مفتوحة إذا توفرت فيها التجهيزات الأساسية مثل الإنارة والتجهيزات الصوتية. هذا الاستثمار في الفضاء العام لا يخدم الثقافة فقط، بل يحسن أيضا جودة الحياة في المدينة.

ولا يمكن إغفال الدور الذي يمكن أن تلعبه مثل هذه المبادرات في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل الأحياء. فالثقافة بطبيعتها نشاط جماعي يجمع الناس حول تجربة مشتركة. وعندما يجتمع سكان الحي لمشاهدة عرض فني في فضاء مفتوح، فإنهم يعيدون اكتشاف فضائهم المشترك بطريقة مختلفة. وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في الأحياء التي تعاني أحيانا من صورة نمطية سلبية أو من الشعور بالتهميش.

وبهذا المعنى يمكن النظر إلى «ليالي الأحياء» ليس فقط كمشروع ثقافي، بل كمشروع حضري واجتماعي أيضا. فهو يعيد الاعتبار للفضاء العام باعتباره مكانا للعيش المشترك، ويمنح الثقافة دورا يتجاوز الترفيه ليصل إلى مجالات التنمية المحلية والاندماج الاجتماعي.

ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النموذج رهين قدرته على الانتقال من المبادرة إلى الاستراتيجية. فالتجارب التي تظل مرتبطة بالأشخاص أو بالمناسبات غالبا ما تختفي مع تغير الظروف. أما إذا تحولت إلى جزء من سياسة ثقافية واضحة المعالم، فإنها يمكن أن تصبح رافعة حقيقية للتغيير.

إيمان عبد اللطيف

انطلقت بحضور وزيرة الشؤون الثقافية ووالي تونس ونواب بالمجلسين ..   «ليالي السهر في الملاسين».. تظاهرة رمضانية فنية تفتح النقاش حول ثقافة القرب واقتصاد الثقافة في الأحياء

 

  • لو تستمر «ليالي الأحياء» ضمن برنامج وطني دائم، فإنها قد تمثل تحولا هاما في تصور العمل الثقافي.
  • التجارب الدولية تشير إلى أن الثقافة قادرة على لعب دور مهم في تنشيط الحياة الاقتصادية المحلية، خاصة عندما ترتبط بالفضاءات العامة وبالأنشطة الليلية.
  • يمكن النظر إلى «ليالي الأحياء» ليس فقط كمشروع ثقافي، بل كمشروع حضري واجتماعي أيضا.
  • يبقى نجاح هذا النموذج رهين قدرته على الانتقال من المبادرة إلى الاستراتيجية.

في سياق حديث يتزايد فيه النقاش عن «ثقافة القرب» وحقّ المواطن في النفاذ إلى الفعل الثقافي، افتتحت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي مساء الاثنين 9 مارس الجاري بالملعب البلدي بالملاسين بالعاصمة فعاليات تظاهرة “ليالي السهر بالملاسين”، وذلك بحضور والي تونس عماد بوخريص وعدد من أعضاء مجلسي النواب والأقاليم والجهات وإطارات الوزارة. وقد كان الموعد الأول مع عرض “الزيارة” للفنان سامي اللجمي، في لقاء جمع متساكني حي الملاسين والأحياء المجاورة بعرض فني اعتاد الجمهور التونسي مشاهدته في المسارح الكبرى والمهرجانات الصيفية.

غير أنّ خصوصية هذا الموعد لا تكمن فقط في طبيعة العرض أو في الحضور الجماهيري الذي رافقه، بل في الفضاء الذي احتضنه: ملعب بلدي داخل حي شعبي تحوّل لليلة إلى مسرح مفتوح للفن والفرجة.

هذا التحول في المكان والمعنى يفتح بابا أوسع للتفكير في دلالات هذه المبادرة الثقافية. فتنظيم تظاهرة فنية في قلب حي شعبي لا يندرج فقط ضمن برمجة رمضانية عابرة، بل يندرج أيضا ضمن خطاب رسمي يتحدث عن “ثقافة القرب” وعن ضرورة تكريس مبدأ الحق في الثقافة وفق ما جاء في بلاغ وزارة الشؤون الثقافية على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «الفايسبوك».

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن لمثل هذه المبادرات أن تتحول من تظاهرات ظرفية مرتبطة بالمناسبات إلى نموذج فعلي لسياسة ثقافية جديدة تقوم على “ليالي الأحياء”؟ وإذا تحقق ذلك، هل يمكن لهذا النموذج أن يتجاوز البعد الثقافي الصرف ليصبح رافعة اقتصادية واجتماعية محلية، بما يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته اقتصاد الثقافة في الأحياء؟

الواقع أن الثقافة في تونس، كما في عديد البلدان، ظلت لفترة طويلة مرتبطة بفضاءات محددة مثل المسارح الكبرى، ودور الثقافة، والمهرجانات الرسمية أو المؤسسات الثقافية المركزية. ورغم ما شهدته البلاد من توسع في الشبكة الثقافية منذ الاستقلال، فإن الفعل الثقافي ظل غالبا محكوما بمنطق المركز، سواء كان ذلك على مستوى المدن أو حتى داخل المدينة الواحدة حيث تتركز العروض في فضاءات محددة يرتادها جمهور معتاد. في المقابل، بقيت الأحياء الشعبية في كثير من الأحيان خارج هذا الحراك، أو لا تستقبله إلا في مناسبات محدودة.

من هذا المنظور يمكن قراءة تظاهرة «ليالي السهر بالملاسين» كجزء من محاولة لإعادة توزيع الفعل الثقافي داخل المدينة. فحين ينتقل عرض مثل «الزيارة» من المسرح إلى ملعب بلدي في حي شعبي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتغيير مكان العرض، بل بتغيير العلاقة بين الثقافة والجمهور. الثقافة هنا لا تنتظر أن يأتي الجمهور إليها، بل تذهب إليه في فضائه اليومي. وهذا التحول يحمل في طياته بعدا رمزيا، وهو السعي نحو الاعتراف بأن الثقافة ليست امتيازا نخبويا أو نشاطا مرتبطا بفضاءات بعينها، بل هي حق يمكن أن يمارس في كل مكان.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمشروعية هذه المبادرة، بل بإمكانية تحويلها إلى سياسة ثقافية مستدامة. فالعديد من التظاهرات الثقافية التي تنظم في الأحياء تظل مرتبطة بالمناسبات، خاصة شهر رمضان أو بعض الاحتفالات الوطنية. وغالبا ما تنتهي بانتهاء المناسبة دون أن تترك أثرا مستداما في المشهد الثقافي المحلي. لذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق «الحدث» أو منطق «المناسبة» إلى منطق «البرنامج».

فلو تتحول «ليالي الأحياء» إلى برنامج وطني دائم، فإنها قد تمثل تحولا مهما في تصور العمل الثقافي. فبدل أن تبقى الثقافة منحصرة في دور الثقافة أو المهرجانات الصيفية، يمكن أن تصبح جزءا من الحياة اليومية للأحياء. ويمكن أن تشمل هذه الليالي عروض الموسيقى والمسرح والسينما في الهواء الطلق، إضافة إلى الفنون الشعبية والفنون المعاصرة. مثل هذا البرنامج يمكن أن يخلق علاقة جديدة بين السكان والثقافة، علاقة تقوم على القرب والاعتياد وليس فقط على الاستثناء.

وانطلاقا من ذلك، من البديهي التأكيد على أنّ الأثر الأهم لمثل هذه المبادرات قد لا يكون ثقافيا فقط، بل اقتصاديا أيضا. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الثقافة قادرة على لعب دور مهم في تنشيط الحياة الاقتصادية المحلية، خاصة عندما ترتبط بالفضاءات العامة وبالأنشطة الليلية. ففي العديد من المدن، أصبح ما يسمى الاقتصاد الليلي للثقافة جزءا من السياسات الحضرية، حيث تتحول العروض الفنية والمهرجانات إلى محركات للحياة الاقتصادية.

في هذا السياق، يمكن لتظاهرات مثل «ليالي السهر» أن تسهم في خلق حركية اقتصادية داخل الأحياء. فتنظيم عرض فني في فضاء مفتوح يجذب عادة مئات أو حتى آلاف المتفرجين، وهو ما ينعكس مباشرة على النشاط التجاري في المنطقة. المقاهي والمطاعم الصغيرة، والباعة المتجولون، وحتى المحلات المجاورة تستفيد من هذه الحركة. ويكفي أن يتحول الحي لبضع ساعات إلى فضاء للفرجة واللقاء حتى تتغير ديناميكيته الاقتصادية.

إضافة إلى ذلك، تلعب مثل هذه الفعاليات دورا في إحياء الفضاء العام ليلا. ففي كثير من الأحياء الحضرية، يظل الليل مرتبطا إما بالسكون أو ببعض الأنشطة المحدودة. لكن عندما تتحول الساحات أو الملاعب إلى فضاءات ثقافية، فإن الليل يكتسب معنى مختلفا: يصبح زمنا للقاء والفرجة والتبادل الاجتماعي. وتصبح له تأثيرات تتجاوز الجانب الثقافي.

من هنا يمكن القول إن تحويل «ليالي الأحياء» إلى سياسة ثقافية دائمة قد يكون خطوة نحو بناء اقتصاد ثقافي محلي. غير أن تحقيق ذلك يتطلب التفكير في مجموعة من الشروط التنظيمية والهيكلية. فالمسألة لا تتعلق فقط ببرمجة عروض فنية، بل ببناء منظومة متكاملة تربط بين الثقافة والتنمية المحلية.

أول هذه الشروط يتمثل في الاستمرارية. فالتظاهرات التي تنظم مرة واحدة في السنة قد تحقق نجاحا جماهيريا، لكنها لا تخلق ديناميكية اقتصادية مستدامة. أما إذا أصبحت الليالي الثقافية موعدا دوريا – أسبوعيا أو شهريا – فإنها يمكن أن تخلق عادة اجتماعية جديدة لدى السكان، وهو ما يسمح للأنشطة التجارية بالتكيف معها والاستفادة منها.

الشرط الثاني يتعلق بتنوع البرمجة. فنجاح عرض مثل «الزيارة» لا يعني بالضرورة أن كل العروض ستلقى الإقبال نفسه. لذلك من المهم أن تشمل البرمجة أنماطا مختلفة من الفنون: الموسيقى، المسرح، السينما، الفنون الشعبية، عروض الأطفال، وحتى الفنون الرقمية. هذا التنوع يضمن استقطاب فئات مختلفة من الجمهور ويمنح التظاهرة طابعا جامعا، وخير دليل على ذلك نجاح تظاهرة «السينما تدور» في تحريك الدورة الاقتصادية المحلية لبعض الأحياء التي حلت بها، بما في ذلك جهة الملاسين وحي هلال ومناطق داخلية عديدة من مختلف ولايات الجمهورية.

أما الشرط الثالث فيتمثل في إشراك الفاعلين المحليين. فنجاح اقتصاد الثقافة في الأحياء لا يمكن أن يقوم فقط على مبادرات الوزارة أو المؤسسات الرسمية، بل يحتاج أيضا إلى مشاركة البلديات والجمعيات الثقافية المحلية والتجار وحتى السكان أنفسهم. هذه الشراكة يمكن أن تخلق شعورا بالملكية الجماعية للتظاهرة، وهو ما يعزز استمراريتها.

في هذا السياق يمكن التفكير في مبادرات موازية مثل تنظيم أسواق حرفية ليلية أو فضاءات لعرض منتجات الصناعات الثقافية المحلية. مثل هذه المبادرات تسمح بربط العروض الفنية بالاقتصاد الإبداعي، وتفتح المجال أمام الفنانين والحرفيين لعرض أعمالهم وبيعها. كما يمكن أن تشجع الشباب على الانخراط في مشاريع ثقافية صغيرة، مثل تنظيم العروض أو إدارة الفضاءات الثقافية المؤقتة.

كما يمكن أن تلعب البلديات دورا مهما في هذا المجال من خلال تهيئة الفضاءات العامة لاستقبال العروض الثقافية. فالساحات والملاعب والحدائق يمكن أن تتحول إلى مسارح مفتوحة إذا توفرت فيها التجهيزات الأساسية مثل الإنارة والتجهيزات الصوتية. هذا الاستثمار في الفضاء العام لا يخدم الثقافة فقط، بل يحسن أيضا جودة الحياة في المدينة.

ولا يمكن إغفال الدور الذي يمكن أن تلعبه مثل هذه المبادرات في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل الأحياء. فالثقافة بطبيعتها نشاط جماعي يجمع الناس حول تجربة مشتركة. وعندما يجتمع سكان الحي لمشاهدة عرض فني في فضاء مفتوح، فإنهم يعيدون اكتشاف فضائهم المشترك بطريقة مختلفة. وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في الأحياء التي تعاني أحيانا من صورة نمطية سلبية أو من الشعور بالتهميش.

وبهذا المعنى يمكن النظر إلى «ليالي الأحياء» ليس فقط كمشروع ثقافي، بل كمشروع حضري واجتماعي أيضا. فهو يعيد الاعتبار للفضاء العام باعتباره مكانا للعيش المشترك، ويمنح الثقافة دورا يتجاوز الترفيه ليصل إلى مجالات التنمية المحلية والاندماج الاجتماعي.

ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النموذج رهين قدرته على الانتقال من المبادرة إلى الاستراتيجية. فالتجارب التي تظل مرتبطة بالأشخاص أو بالمناسبات غالبا ما تختفي مع تغير الظروف. أما إذا تحولت إلى جزء من سياسة ثقافية واضحة المعالم، فإنها يمكن أن تصبح رافعة حقيقية للتغيير.

إيمان عبد اللطيف