انطلقت في الأيام الأخيرة تجربة العلاج عن بعد في اختصاص الأمراض النفسية، كما تم بعث إدارة للصحة النفسية داخل وزارة الصحة. ويتنزل البرنامج الوطني للطب النفسي عن بعد ضمن استراتيجية شاملة لإدماج الصحة النفسية في منظومة الصحة الرقمية. وتهدف المبادرة إلى تقريب الخدمات، وتقليل التنقل، ودعم أطباء الخط الأول عبر الاستشارات الرقمية.
إذ أثبت العلاج عن بعد في اختصاص الطب النفسي فاعلية تعادل الجلسات الحضورية في علاج الاكتئاب والقلق، وفق تأكيد أهل الاختصاص. ويوفر هذا الخيار وسيلة آمنة ومريحة للوصول إلى الرعاية عبر الفيديو أو الهاتف، مما يسهل المتابعة في المناطق النائية، ويقلل الوصم الاجتماعي، كما يضمن خصوصية المريض.
وأفادت ريم غشام عطية، رئيسة قسم الطب النفسي «بينال» بمستشفى الرازي، أن الطب البعادي الرقمي سيمكن عددًا أكبر من المرضى النفسيين من العلاج، كما سيخفف من الضغط على المستشفيات ويقرب الخدمة من المواطن. وأوضحت، في تصريح لها، أن العلاج النفسي عن بعد يشترط رؤية مباشرة للمريض على الأقل مرة واحدة من قبل الطبيب المتابع للحالة، ليقع فيما بعد متابعته عن بعد بحضور طبيبه المباشر في الخط الأول للصحة.
وأوضحت الدكتورة غشام أن كل قسم في مستشفى الرازي بصدد متابعة أو القيام بتوأمة مع خط أول للصحة في مجال جغرافي على مستوى الجمهورية التونسية. فمثلاً قسم «بينال» يشرف على كل من مستشفى سليانة وقرطاج وسيدي بوسعيد والبحر الأزرق وقمرت. ويقوم الطبيب المتابع في المستوصفات الموجودة في هذه المناطق بتشخيص حالة الاضطراب النفسي لدى المريض، ثم يقع توجيهه نحو مستشفى الرازي لمرة واحدة، ليتم لاحقًا متابعة حالته عبر الخضوع لحصص دورية على مستوى المستوصف عن بعد عبر منظومة الطب البعادي الرقمي.
وفندت رئيسة قسم «بينال» بمستشفى الرازي ما يشاع عن ارتفاع حالات المرض النفسي في تونس خلال الفترة الأخيرة، وبينت أن التغير الحاصل هو أن التونسي أصبح يتوجه إلى العلاج النفسي أكثر من ذي قبل فقط.
وكشفت ريم غشام أن الدراسات التي تم إنجازها على المستوى الوطني في فترات مختلفة، في ما يهم الأمراض النفسية، أفادت في نتائجها سنة 1997، من خلال الدراسة التي قام بها الدكتور الهاشمي زهير في أريانة، أن 9 من أصل 10 يعانون من الاكتئاب ولا يتلقون أي علاج. وفي سنة 2005 أفادت الدراسة المنجزة أن 20 % من التونسيين يعانون من حالات اكتئاب و19 % يعانون من حالات الخوف المرضي. وفي سنة 2015، وعبر نفس الدراسة المنجزة منذ عشر سنوات، أظهر نفس الاستجواب أن حالات الاكتئاب تراجعت بعد الثورة، في مقابل ارتفاع في حالات مرض الذهان وحالات الضغط النفسي.
وتعول وزارة الصحة على برنامج الطب البعادي من أجل تحقيق تغطية عالية بجميع المؤسسات الاستشفائية على المستوى الوطني، باعتماد الربط بين المستشفيات الجهوية والمستشفيات والمعاهد الجامعية، حيث يتم توفير متابعة فورية لعدد من التخصصات، منها اختصاص الصحة النفسية.
وقد أشرف وزير الصحة مصطفى الفرجاني مؤخرًا على جلسة عمل موسعة جمعت رؤساء أقسام الطب النفسي وممثلي الجمعيات العلمية، لمراجعة وضع القطاع ووضع خارطة طريق وطنية قابلة للتنفيذ.
وأكدت وزارة الصحة، في بلاغ إعلامي، أنه بما أن التشخيص معروف منذ سنوات فقد تم الاتفاق على المرور إلى مرحلة النتائج عبر إطلاق الطب النفسي عن بعد (Tele-psychiatry) وربط الاختصاص بالصحة الرقمية لتقريب الاستشارات وتقليل التنقل، وذلك لتطوير الطب النفسي الشرعي وتحديث الأطر المنظمة له، وبعث إدارة للصحة النفسية داخل الوزارة لقيادة البرنامج وتنسيق التنفيذ والمتابعة، ودعم اللامركزية والعدالة الصحية (خدمات أقرب للجهات وتقليص الفوارق). إضافة إلى ذلك، تم الاتفاق على تعزيز الموارد البشرية (سد الشغورات، تحفيز الإطار، وتنظيم التكوين) ودعم أطباء الخط الأول بتكوين مستمر وأدوات الكشف والمتابعة الأولية والإحالة السريعة.
وتُشخَّص خدمات الصحة النفسية في تونس على أنها غير كافية وغائبة في عدة مناطق من البلاد. وما يزال عدد كبير ممن يعيشون في وضعية هشاشة نفسية يترددون في طلب المساعدة من المختصين، بسبب الوصم الاجتماعي المرتبط بالعلاج النفسي. كما تتركز خدمات الصحة النفسية أساسًا في ولايات تونس الكبرى وبعض الولايات الساحلية، بينما تعاني المناطق الداخلية من نقص كبير في هذه الخدمة، ما يجعل الحق في العلاج النفسي غير متكافئ بين المواطنين.
ويقول معز الشريف، رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل، في تصريح سابق لـ«الصباح» حول هذه المسألة:
«إن الاستثمار الجيد في الصحة النفسية قادر على توفير أضعافه من نفقات العلاج الذي يتحول في الكثير من الأحيان إلى علاج طويل أو مزمن، فالدعم النفسي يقلل الغياب عن العمل ويحسن الإنتاجية. كما أن المجتمعات التي تُكرس ثقافة صحة ومتابعة نفسية تُسجّل نسبًا أقل من الجريمة والعنف المدرسي والعائلي. فضلاً عن أن تمكين الأطفال والمراهقين من خدمات الإرشاد النفسي يمهّد لجيل أكثر قدرة على مواجهة التحديات».
كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة وحق إنساني أصيل، مشيرة إلى أن أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية، مما يستوجب توفير خدمات الدعم والعلاج. ويُعد تحقيق الصحة النفسية للجميع ضرورة لتعزيز الصحة العامة ودعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية وصون حقوق الإنسان، وهي راسخة في التزام الأمم المتحدة بالتغطية الصحية الشاملة وجدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة القائم على الإنصاف والكرامة والإدماج.
وللإشارة، تُقدَّر نسبة البالغين المصابين بالاكتئاب بنحو 5.7 % من البالغين في العالم. ويمكن أن يؤدي الاكتئاب إلى نتائج خطيرة، بما في ذلك محاولة الانتحار. وله علاجات فعّالة، لكن الوصول إليها محدود في كثير من الدول بسبب نقص الموارد أو الوصم الاجتماعي.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن اضطرابات الاكتئاب أصبحت تُصنَّف ضمن الأسباب الكبرى للعبء الصحي على مستوى العالم.
ريم سوودي
انطلقت في الأيام الأخيرة تجربة العلاج عن بعد في اختصاص الأمراض النفسية، كما تم بعث إدارة للصحة النفسية داخل وزارة الصحة. ويتنزل البرنامج الوطني للطب النفسي عن بعد ضمن استراتيجية شاملة لإدماج الصحة النفسية في منظومة الصحة الرقمية. وتهدف المبادرة إلى تقريب الخدمات، وتقليل التنقل، ودعم أطباء الخط الأول عبر الاستشارات الرقمية.
إذ أثبت العلاج عن بعد في اختصاص الطب النفسي فاعلية تعادل الجلسات الحضورية في علاج الاكتئاب والقلق، وفق تأكيد أهل الاختصاص. ويوفر هذا الخيار وسيلة آمنة ومريحة للوصول إلى الرعاية عبر الفيديو أو الهاتف، مما يسهل المتابعة في المناطق النائية، ويقلل الوصم الاجتماعي، كما يضمن خصوصية المريض.
وأفادت ريم غشام عطية، رئيسة قسم الطب النفسي «بينال» بمستشفى الرازي، أن الطب البعادي الرقمي سيمكن عددًا أكبر من المرضى النفسيين من العلاج، كما سيخفف من الضغط على المستشفيات ويقرب الخدمة من المواطن. وأوضحت، في تصريح لها، أن العلاج النفسي عن بعد يشترط رؤية مباشرة للمريض على الأقل مرة واحدة من قبل الطبيب المتابع للحالة، ليقع فيما بعد متابعته عن بعد بحضور طبيبه المباشر في الخط الأول للصحة.
وأوضحت الدكتورة غشام أن كل قسم في مستشفى الرازي بصدد متابعة أو القيام بتوأمة مع خط أول للصحة في مجال جغرافي على مستوى الجمهورية التونسية. فمثلاً قسم «بينال» يشرف على كل من مستشفى سليانة وقرطاج وسيدي بوسعيد والبحر الأزرق وقمرت. ويقوم الطبيب المتابع في المستوصفات الموجودة في هذه المناطق بتشخيص حالة الاضطراب النفسي لدى المريض، ثم يقع توجيهه نحو مستشفى الرازي لمرة واحدة، ليتم لاحقًا متابعة حالته عبر الخضوع لحصص دورية على مستوى المستوصف عن بعد عبر منظومة الطب البعادي الرقمي.
وفندت رئيسة قسم «بينال» بمستشفى الرازي ما يشاع عن ارتفاع حالات المرض النفسي في تونس خلال الفترة الأخيرة، وبينت أن التغير الحاصل هو أن التونسي أصبح يتوجه إلى العلاج النفسي أكثر من ذي قبل فقط.
وكشفت ريم غشام أن الدراسات التي تم إنجازها على المستوى الوطني في فترات مختلفة، في ما يهم الأمراض النفسية، أفادت في نتائجها سنة 1997، من خلال الدراسة التي قام بها الدكتور الهاشمي زهير في أريانة، أن 9 من أصل 10 يعانون من الاكتئاب ولا يتلقون أي علاج. وفي سنة 2005 أفادت الدراسة المنجزة أن 20 % من التونسيين يعانون من حالات اكتئاب و19 % يعانون من حالات الخوف المرضي. وفي سنة 2015، وعبر نفس الدراسة المنجزة منذ عشر سنوات، أظهر نفس الاستجواب أن حالات الاكتئاب تراجعت بعد الثورة، في مقابل ارتفاع في حالات مرض الذهان وحالات الضغط النفسي.
وتعول وزارة الصحة على برنامج الطب البعادي من أجل تحقيق تغطية عالية بجميع المؤسسات الاستشفائية على المستوى الوطني، باعتماد الربط بين المستشفيات الجهوية والمستشفيات والمعاهد الجامعية، حيث يتم توفير متابعة فورية لعدد من التخصصات، منها اختصاص الصحة النفسية.
وقد أشرف وزير الصحة مصطفى الفرجاني مؤخرًا على جلسة عمل موسعة جمعت رؤساء أقسام الطب النفسي وممثلي الجمعيات العلمية، لمراجعة وضع القطاع ووضع خارطة طريق وطنية قابلة للتنفيذ.
وأكدت وزارة الصحة، في بلاغ إعلامي، أنه بما أن التشخيص معروف منذ سنوات فقد تم الاتفاق على المرور إلى مرحلة النتائج عبر إطلاق الطب النفسي عن بعد (Tele-psychiatry) وربط الاختصاص بالصحة الرقمية لتقريب الاستشارات وتقليل التنقل، وذلك لتطوير الطب النفسي الشرعي وتحديث الأطر المنظمة له، وبعث إدارة للصحة النفسية داخل الوزارة لقيادة البرنامج وتنسيق التنفيذ والمتابعة، ودعم اللامركزية والعدالة الصحية (خدمات أقرب للجهات وتقليص الفوارق). إضافة إلى ذلك، تم الاتفاق على تعزيز الموارد البشرية (سد الشغورات، تحفيز الإطار، وتنظيم التكوين) ودعم أطباء الخط الأول بتكوين مستمر وأدوات الكشف والمتابعة الأولية والإحالة السريعة.
وتُشخَّص خدمات الصحة النفسية في تونس على أنها غير كافية وغائبة في عدة مناطق من البلاد. وما يزال عدد كبير ممن يعيشون في وضعية هشاشة نفسية يترددون في طلب المساعدة من المختصين، بسبب الوصم الاجتماعي المرتبط بالعلاج النفسي. كما تتركز خدمات الصحة النفسية أساسًا في ولايات تونس الكبرى وبعض الولايات الساحلية، بينما تعاني المناطق الداخلية من نقص كبير في هذه الخدمة، ما يجعل الحق في العلاج النفسي غير متكافئ بين المواطنين.
ويقول معز الشريف، رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل، في تصريح سابق لـ«الصباح» حول هذه المسألة:
«إن الاستثمار الجيد في الصحة النفسية قادر على توفير أضعافه من نفقات العلاج الذي يتحول في الكثير من الأحيان إلى علاج طويل أو مزمن، فالدعم النفسي يقلل الغياب عن العمل ويحسن الإنتاجية. كما أن المجتمعات التي تُكرس ثقافة صحة ومتابعة نفسية تُسجّل نسبًا أقل من الجريمة والعنف المدرسي والعائلي. فضلاً عن أن تمكين الأطفال والمراهقين من خدمات الإرشاد النفسي يمهّد لجيل أكثر قدرة على مواجهة التحديات».
كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة وحق إنساني أصيل، مشيرة إلى أن أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية، مما يستوجب توفير خدمات الدعم والعلاج. ويُعد تحقيق الصحة النفسية للجميع ضرورة لتعزيز الصحة العامة ودعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية وصون حقوق الإنسان، وهي راسخة في التزام الأمم المتحدة بالتغطية الصحية الشاملة وجدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة القائم على الإنصاف والكرامة والإدماج.
وللإشارة، تُقدَّر نسبة البالغين المصابين بالاكتئاب بنحو 5.7 % من البالغين في العالم. ويمكن أن يؤدي الاكتئاب إلى نتائج خطيرة، بما في ذلك محاولة الانتحار. وله علاجات فعّالة، لكن الوصول إليها محدود في كثير من الدول بسبب نقص الموارد أو الوصم الاجتماعي.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن اضطرابات الاكتئاب أصبحت تُصنَّف ضمن الأسباب الكبرى للعبء الصحي على مستوى العالم.