تروم اليوم الدولة، في أعلى هرمها، الارتقاء بقطاع النقل إلى مصاف القطاعات الاستراتيجية القادرة على دفع عجلة التنمية ودعم الاقتصاد الوطني، وترسيخ مقومات العدالة الاجتماعية. فالنقل، وفقًا للسياسات العمومية الراهنة، لم يعد مجرد خدمة لوجستية تؤمّن تنقل المواطنين من نقطة إلى أخرى، وإنما أضحى آلية هامة تكشف نجاعة الأداء الحكومي وقدرة الدولة على إدارة مرافقها الحيوية، وأداة فعالة لتحقيق العدالة والمساواة بين الجهات وفكّ العزلة عن الفئات والمناطق المهمّشة.
ومن هذا المنطلق، يندرج وصول القسط الثاني من صفقة اقتناء الحافلات الجديدة ضمن رؤية أشمل تتجاوز بعدها الإجرائي أو الظرفي، لتجسّد قرارًا سياسيًا واضح المعالم يهدف إلى استعادة هيبة الخدمة العامة وإعادة الاعتبار للمرفق العمومي. وهي خطوة تقطع مع سنوات من التراجع والتهميش الذي طال المؤسسات الوطنية، وتعلن عن مرحلة جديدة يكون فيها النقل ضامنًا فعليًا لحق المواطن في تنقّل كريم وآمن. وهو توجه ينسجم في جوهره مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد التي تقوم على تركيز دولة تضطلع بدورها الاجتماعي كاملًا، وتضع مصلحة المواطن في صدارة أولوياتها وفي صميم سياساتها العامة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الإعلان عن وصول 158 حافلة جديدة إلى تونس، ضمن صفقة صينية تشمل 461 حافلة، عن الرؤية الاستراتيجية الأشمل التي ينتهجها رئيس الجمهورية قيس سعيّد لإعادة هيكلة قطاع النقل برمّته. فالمسألة لا تُختزل في تدعيم الأسطول أو سدّ نقص ظرفي تفاقم خلال السنوات الماضية، وإنما تتعلق بإعادة بناء منظومة تآكلت على مدار سنوات خلت جراء الإهمال وسوء الحوكمة، التي أضعفت قدرة القطاع على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
الحق في النقل
وتمثل هذه الخطوة جزءًا من مسار تصحيحي تسعى من خلاله الدولة إلى استعادة دورها التعديلي في القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها النقل العمومي الجماعي، باعتباره مرفقًا حيويًا يمسّ الحياة اليومية للتونسيين، لاسيما وأن رئيس الجمهورية قيس سعيّد لطالما شدد في معرض لقاءاته الرسمية على أنّ الحقّ في النقل هو جزء لا يتجزأ من الحقوق الاجتماعية التي تكفلها الدولة، وأنّ أيّ إخلال به يُعدّ مسًّا مباشرًا بكرامة المواطن وبمبدأ المساواة بين الجهات.
غير أن هذا التوجه للنهوض بالقطاع لا يقف عند حدود النقل البري، بل يمتد ليشمل مشاريع كبرى تعكس تحوّلًا في مقاربة التخطيط الاستراتيجي. فقد نظر مجلس وزاري مؤخرًا في جملة من المشاريع الهيكلية، على غرار مشروع القطار السريع الذي يربط شمال البلاد بجنوبها، ويُنتظر أن يربط هذا الخط أهم التجمعات السكنية والمرافق العامة ومراكز الشحن، بما في ذلك الموانئ والمناطق اللوجستية، فضلًا عن إرساء ربط فعلي مع دول الجوار، الجزائر وليبيا، بما يعزز موقع تونس كبوابة لوجستية في الفضاء المغاربي.
وفي الإطار ذاته، ناقش المجلس مشاريع ربط مطار تونس قرطاج الدولي بالعاصمة عبر النقل الحديدي، وتوسعة المطار، إضافة إلى مشروع ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات الاقتصادية واللوجستية بالنفيضة، بما يشكل منظومة متكاملة تربط بين النقل البري والحديدي والجوي والبحري.
وقد أوصى المجلس بالتسريع في إنجاز هذه المشاريع الاستراتيجية الكبرى ضمن مخطط التنمية للفترة 2026-2030، في إشارة واضحة إلى أن تطوير النقل، وبتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، أصبح اليوم ركيزة محورية في التخطيط الوطني الطويل المدى، بما من شأنه أن يدفع بعجلة التنمية العادلة بين الجهات، ويرسّخ موقع تونس كمحور لوجستي إقليمي منفتح على فضائه المغاربي والإفريقي، وقادر على استيعاب التحولات الاقتصادية القادمة.
في هذا الخصوص، جدير بالذكر أن ملف النقل ظل، على مدى سنوات، عنوانًا لأزمة متعددة الأبعاد: أسطول مهترئ، خطوط ملغاة، أعطاب متكررة، واكتظاظ يمسّ من كرامة المواطن ومن هيبة الدولة معًا. ومع تصاعد الطلب، خاصة في مواسم الذروة، تحوّل النقل إلى هاجس يومي للمواطن.
رهان على تموقع الدولة
وفي هذا الإطار، فإن التسريع في وتيرة اقتناء الحافلات الجديدة يمثل أولًا استجابة عملية لحاجة ملحّة، وثانيًا هو تجسيد لخيار سياسي يؤشر إلى أن الدولة عازمة على إعادة الاعتبار للمرفق العمومي، خاصة وأن رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد لقطاع النقل تنطلق من تصوّر أوسع وأشمل لدور الدولة الراعية لمواطنيها. فرئيس الجمهورية، الذي شدّد في خطاباته على ضرورة القطع مع منطق التفريط في المرافق العمومية، يراهن اليوم على إعادة تموقع الدولة كفاعل رئيسي في ضمان جودة الخدمات الأساسية.
وضمن هذه المقاربة، يصبح الاستثمار في النقل العمومي جزءًا من مشروع الدولة الاجتماعية التي يراهن عليها رئيس الدولة قيس سعيّد، أين تسهر مختلف الهياكل والمؤسسات على تأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وفي مقدمتها الحق في التنقل الآمن والمنتظم.
وبالعودة إلى وصول الدفعة الجديدة من الحافلات الصينية، جدير بالذكر أن تدعيم وتعزيز منظومة النقل له انعكاس مباشر على الدورة الاقتصادية، على اعتبار أن الحافلات تتجاوز كونها وسيلة للتنقل لتصبح شريانًا يربط بين مختلف الأنشطة اليومية. فهي تضمن وصول العامل إلى مقر عمله، والطالب إلى مدارج الجامعة، والموظف إلى مكتبه في أوقاته المحددة، وبالتالي فإن الأمر يتعلق بحلقات مترابطة، وأي خلل أو تأخير من شأنه أن ينعكس سلبًا على الإنتاجية ويضعف مناخ الأعمال والاستثمار.
لذلك، فإن تدعيم الأسطول الوطني بحافلات جديدة، تستجيب للمقاييس الدولية وتتوفّر على تجهيزات حديثة، يندرج ضمن مسعى لتحسين البنية التحتية الداعمة للنمو، وهو ما يراهن عليه رئيس الدولة قيس سعيّد، حيث لطالما أكد في خطاباته أن النقل العمومي الفعّال والآمن ليس مجرد خدمة تقنية، وإنما هو رافعة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة، وضمان العدالة الاجتماعية، وتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بحقوق المواطنين في نقل منتظم وخاصة آمن.
من جانب آخر، ومن منظور سياسي، فإن هذه الخطوة تحمل في طياتها رسالة مفادها أن الإصلاح لا يظل حبيس الشعارات، بل يتجسد في قرارات ملموسة. فإرسال تقنيين وفنيين تونسيين إلى الصين لمعاينة الحافلات قبل اقتنائها يعكس حرصًا على الجودة وعلى حسن التصرف في المال العام. وهي إشارة إلى أن الدولة تسعى إلى تفادي أخطاء الماضي، أين كانت بعض الصفقات العمومية تفتقر إلى أبسط معايير الشفافية أو المتابعة التقنية الصارمة.
كما أن توزيع الحافلات بين الشركات الجهوية والشركة الوطنية للنقل بين المدن يعكس توجهًا نحو تحقيق توازن وعدالة بين الجهات، لتخفيف الضغط عن المسالك الأكثر اكتظاظًا.
انفتاح على الشرق
من جانب آخر، يحمل اختيار الشريك الصيني لتنفيذ هذه الصفقة (461 حافلة) دلالات جيوسياسية هامة تتعلق بتنويع الشركاء الاستراتيجيين وتغليب منطق «النجاعة». فتوجه تونس نحو الشرق للحصول على تكنولوجيا متطورة تستجيب للمقاييس الدولية يعكس رغبة الدولة، في أعلى هرمها، في الخروج من دوائر الارتهان التقليدية والبحث عن حلول عملية وسريعة، وخاصة ناجعة، للأزمات الهيكلية، وهو طرح يتبناه رئيس الدولة قيس سعيّد عبر تأكيده على أهمية تعزيز منظومة العمل المتعدد الأطراف في كافة المجالات.
كما أن إرسال وفود تقنية وفنية تونسية لمعاينة الحافلات في مصانعها بالصين قبل استلامها يؤسس لثقافة جديدة في الحوكمة تقوم على الرقابة المسبقة وحماية المال العام، وضمان عدم تكرار صفقات «الخردة» التي استنزفت ميزانية الدولة في فترات سابقة.
وفي سياق إقليمي ودولي يتسم بارتفاع أسعار المحروقات، تبرز أهمية حسن توظيف الموارد. فالصفقات الكبرى تطرح غالبًا تساؤلات حول التمويل والكلفة. غير أن الرهان، وفقًا لرؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يتمثل في أن الاستثمار في النقل هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي. إذ كلما تحسن أداء الخدمات الأساسية، كلما تعززت الثقة بين المواطن ومختلف مؤسسات الدولة وهياكلها.
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي لهذه الخطوة. فالحافلات الجديدة، بما تحمله من تجهيزات حديثة كالتكييف وكاميرات المراقبة، تعكس صورة مغايرة للنقل العمومي، صورة ترتبط بالكرامة والإحساس بالأمان. وهي عناصر قد تبدو تقنية، لكنها في جوهرها تعيد صياغة علاقة المواطن بالمرفق العمومي، وتستثني في جوهرها كل مظاهر الاستياء والتذمر.
وهنا جدير بالذكر أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤمن إيمانًا راسخًا بأهمية المرفق العمومي والرقابة عليه كركيزة أساسية لبناء مقومات الدولة الحديثة، وكمؤشر فعلي على كفاءة الإدارة ونزاهة المؤسسات. ويعتبر أن استعادة المرفق العمومي لإشعاعه ولريادته يضمن خدمات أساسية بجودة عالية، ومن شأنه أن يحمي المال العام ويعزز من منسوب الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي هذا الإطار، يدعو رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى إعادة بناء الأجهزة الرقابية وتفعيل دورها بشكل مستقل وفعّال، بما يضمن أداء المرافق العمومية لرسالتها على أكمل وجه وفقًا لمعايير الشفافية والكفاءة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية يظل رهين القدرة على استكمال بقية حلقات الإصلاح. فالتعصير الفعلي يقتضي رؤية شاملة تشمل الرقمنة، واعتماد أنظمة تذاكر ذكية، وتطوير النقل المستدام، وربط مختلف وسائل النقل ضمن شبكة متكاملة.
في هذا الخضم، فإن سعي الدولة إلى النهوض بقطاع النقل كقاطرة للتنمية يؤشر، في جوهره، على توجه سياسي يرمي إلى إعادة الاعتبار للدولة كضامن للخدمات الأساسية. وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يبدو أن رهان تطوير النقل يمثل أحد أعمدة المشروع الوطني الرامي إلى بناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في توزيع خدماتها، وقادرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيّد إلى تثبيته وتجسيمه على أرض الواقع.
وإذا ما تواصلت هذه الخطوات ضمن رؤية إصلاحية متكاملة، فإن قطاع النقل قد يتحول إلى رافعة تنموية حقيقية تشمل تحريك عجلة الاستثمار، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، بما يعكس ترجمة عملية لتوجه الدولة نحو بناء نموذج تنموي أكثر عدلًا وإنصافًا، تكون فيه كرامة المواطن في صدارة الأولويات.
منال حرزي
تروم اليوم الدولة، في أعلى هرمها، الارتقاء بقطاع النقل إلى مصاف القطاعات الاستراتيجية القادرة على دفع عجلة التنمية ودعم الاقتصاد الوطني، وترسيخ مقومات العدالة الاجتماعية. فالنقل، وفقًا للسياسات العمومية الراهنة، لم يعد مجرد خدمة لوجستية تؤمّن تنقل المواطنين من نقطة إلى أخرى، وإنما أضحى آلية هامة تكشف نجاعة الأداء الحكومي وقدرة الدولة على إدارة مرافقها الحيوية، وأداة فعالة لتحقيق العدالة والمساواة بين الجهات وفكّ العزلة عن الفئات والمناطق المهمّشة.
ومن هذا المنطلق، يندرج وصول القسط الثاني من صفقة اقتناء الحافلات الجديدة ضمن رؤية أشمل تتجاوز بعدها الإجرائي أو الظرفي، لتجسّد قرارًا سياسيًا واضح المعالم يهدف إلى استعادة هيبة الخدمة العامة وإعادة الاعتبار للمرفق العمومي. وهي خطوة تقطع مع سنوات من التراجع والتهميش الذي طال المؤسسات الوطنية، وتعلن عن مرحلة جديدة يكون فيها النقل ضامنًا فعليًا لحق المواطن في تنقّل كريم وآمن. وهو توجه ينسجم في جوهره مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد التي تقوم على تركيز دولة تضطلع بدورها الاجتماعي كاملًا، وتضع مصلحة المواطن في صدارة أولوياتها وفي صميم سياساتها العامة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الإعلان عن وصول 158 حافلة جديدة إلى تونس، ضمن صفقة صينية تشمل 461 حافلة، عن الرؤية الاستراتيجية الأشمل التي ينتهجها رئيس الجمهورية قيس سعيّد لإعادة هيكلة قطاع النقل برمّته. فالمسألة لا تُختزل في تدعيم الأسطول أو سدّ نقص ظرفي تفاقم خلال السنوات الماضية، وإنما تتعلق بإعادة بناء منظومة تآكلت على مدار سنوات خلت جراء الإهمال وسوء الحوكمة، التي أضعفت قدرة القطاع على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
الحق في النقل
وتمثل هذه الخطوة جزءًا من مسار تصحيحي تسعى من خلاله الدولة إلى استعادة دورها التعديلي في القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها النقل العمومي الجماعي، باعتباره مرفقًا حيويًا يمسّ الحياة اليومية للتونسيين، لاسيما وأن رئيس الجمهورية قيس سعيّد لطالما شدد في معرض لقاءاته الرسمية على أنّ الحقّ في النقل هو جزء لا يتجزأ من الحقوق الاجتماعية التي تكفلها الدولة، وأنّ أيّ إخلال به يُعدّ مسًّا مباشرًا بكرامة المواطن وبمبدأ المساواة بين الجهات.
غير أن هذا التوجه للنهوض بالقطاع لا يقف عند حدود النقل البري، بل يمتد ليشمل مشاريع كبرى تعكس تحوّلًا في مقاربة التخطيط الاستراتيجي. فقد نظر مجلس وزاري مؤخرًا في جملة من المشاريع الهيكلية، على غرار مشروع القطار السريع الذي يربط شمال البلاد بجنوبها، ويُنتظر أن يربط هذا الخط أهم التجمعات السكنية والمرافق العامة ومراكز الشحن، بما في ذلك الموانئ والمناطق اللوجستية، فضلًا عن إرساء ربط فعلي مع دول الجوار، الجزائر وليبيا، بما يعزز موقع تونس كبوابة لوجستية في الفضاء المغاربي.
وفي الإطار ذاته، ناقش المجلس مشاريع ربط مطار تونس قرطاج الدولي بالعاصمة عبر النقل الحديدي، وتوسعة المطار، إضافة إلى مشروع ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات الاقتصادية واللوجستية بالنفيضة، بما يشكل منظومة متكاملة تربط بين النقل البري والحديدي والجوي والبحري.
وقد أوصى المجلس بالتسريع في إنجاز هذه المشاريع الاستراتيجية الكبرى ضمن مخطط التنمية للفترة 2026-2030، في إشارة واضحة إلى أن تطوير النقل، وبتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، أصبح اليوم ركيزة محورية في التخطيط الوطني الطويل المدى، بما من شأنه أن يدفع بعجلة التنمية العادلة بين الجهات، ويرسّخ موقع تونس كمحور لوجستي إقليمي منفتح على فضائه المغاربي والإفريقي، وقادر على استيعاب التحولات الاقتصادية القادمة.
في هذا الخصوص، جدير بالذكر أن ملف النقل ظل، على مدى سنوات، عنوانًا لأزمة متعددة الأبعاد: أسطول مهترئ، خطوط ملغاة، أعطاب متكررة، واكتظاظ يمسّ من كرامة المواطن ومن هيبة الدولة معًا. ومع تصاعد الطلب، خاصة في مواسم الذروة، تحوّل النقل إلى هاجس يومي للمواطن.
رهان على تموقع الدولة
وفي هذا الإطار، فإن التسريع في وتيرة اقتناء الحافلات الجديدة يمثل أولًا استجابة عملية لحاجة ملحّة، وثانيًا هو تجسيد لخيار سياسي يؤشر إلى أن الدولة عازمة على إعادة الاعتبار للمرفق العمومي، خاصة وأن رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد لقطاع النقل تنطلق من تصوّر أوسع وأشمل لدور الدولة الراعية لمواطنيها. فرئيس الجمهورية، الذي شدّد في خطاباته على ضرورة القطع مع منطق التفريط في المرافق العمومية، يراهن اليوم على إعادة تموقع الدولة كفاعل رئيسي في ضمان جودة الخدمات الأساسية.
وضمن هذه المقاربة، يصبح الاستثمار في النقل العمومي جزءًا من مشروع الدولة الاجتماعية التي يراهن عليها رئيس الدولة قيس سعيّد، أين تسهر مختلف الهياكل والمؤسسات على تأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وفي مقدمتها الحق في التنقل الآمن والمنتظم.
وبالعودة إلى وصول الدفعة الجديدة من الحافلات الصينية، جدير بالذكر أن تدعيم وتعزيز منظومة النقل له انعكاس مباشر على الدورة الاقتصادية، على اعتبار أن الحافلات تتجاوز كونها وسيلة للتنقل لتصبح شريانًا يربط بين مختلف الأنشطة اليومية. فهي تضمن وصول العامل إلى مقر عمله، والطالب إلى مدارج الجامعة، والموظف إلى مكتبه في أوقاته المحددة، وبالتالي فإن الأمر يتعلق بحلقات مترابطة، وأي خلل أو تأخير من شأنه أن ينعكس سلبًا على الإنتاجية ويضعف مناخ الأعمال والاستثمار.
لذلك، فإن تدعيم الأسطول الوطني بحافلات جديدة، تستجيب للمقاييس الدولية وتتوفّر على تجهيزات حديثة، يندرج ضمن مسعى لتحسين البنية التحتية الداعمة للنمو، وهو ما يراهن عليه رئيس الدولة قيس سعيّد، حيث لطالما أكد في خطاباته أن النقل العمومي الفعّال والآمن ليس مجرد خدمة تقنية، وإنما هو رافعة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة، وضمان العدالة الاجتماعية، وتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بحقوق المواطنين في نقل منتظم وخاصة آمن.
من جانب آخر، ومن منظور سياسي، فإن هذه الخطوة تحمل في طياتها رسالة مفادها أن الإصلاح لا يظل حبيس الشعارات، بل يتجسد في قرارات ملموسة. فإرسال تقنيين وفنيين تونسيين إلى الصين لمعاينة الحافلات قبل اقتنائها يعكس حرصًا على الجودة وعلى حسن التصرف في المال العام. وهي إشارة إلى أن الدولة تسعى إلى تفادي أخطاء الماضي، أين كانت بعض الصفقات العمومية تفتقر إلى أبسط معايير الشفافية أو المتابعة التقنية الصارمة.
كما أن توزيع الحافلات بين الشركات الجهوية والشركة الوطنية للنقل بين المدن يعكس توجهًا نحو تحقيق توازن وعدالة بين الجهات، لتخفيف الضغط عن المسالك الأكثر اكتظاظًا.
انفتاح على الشرق
من جانب آخر، يحمل اختيار الشريك الصيني لتنفيذ هذه الصفقة (461 حافلة) دلالات جيوسياسية هامة تتعلق بتنويع الشركاء الاستراتيجيين وتغليب منطق «النجاعة». فتوجه تونس نحو الشرق للحصول على تكنولوجيا متطورة تستجيب للمقاييس الدولية يعكس رغبة الدولة، في أعلى هرمها، في الخروج من دوائر الارتهان التقليدية والبحث عن حلول عملية وسريعة، وخاصة ناجعة، للأزمات الهيكلية، وهو طرح يتبناه رئيس الدولة قيس سعيّد عبر تأكيده على أهمية تعزيز منظومة العمل المتعدد الأطراف في كافة المجالات.
كما أن إرسال وفود تقنية وفنية تونسية لمعاينة الحافلات في مصانعها بالصين قبل استلامها يؤسس لثقافة جديدة في الحوكمة تقوم على الرقابة المسبقة وحماية المال العام، وضمان عدم تكرار صفقات «الخردة» التي استنزفت ميزانية الدولة في فترات سابقة.
وفي سياق إقليمي ودولي يتسم بارتفاع أسعار المحروقات، تبرز أهمية حسن توظيف الموارد. فالصفقات الكبرى تطرح غالبًا تساؤلات حول التمويل والكلفة. غير أن الرهان، وفقًا لرؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يتمثل في أن الاستثمار في النقل هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي. إذ كلما تحسن أداء الخدمات الأساسية، كلما تعززت الثقة بين المواطن ومختلف مؤسسات الدولة وهياكلها.
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي لهذه الخطوة. فالحافلات الجديدة، بما تحمله من تجهيزات حديثة كالتكييف وكاميرات المراقبة، تعكس صورة مغايرة للنقل العمومي، صورة ترتبط بالكرامة والإحساس بالأمان. وهي عناصر قد تبدو تقنية، لكنها في جوهرها تعيد صياغة علاقة المواطن بالمرفق العمومي، وتستثني في جوهرها كل مظاهر الاستياء والتذمر.
وهنا جدير بالذكر أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤمن إيمانًا راسخًا بأهمية المرفق العمومي والرقابة عليه كركيزة أساسية لبناء مقومات الدولة الحديثة، وكمؤشر فعلي على كفاءة الإدارة ونزاهة المؤسسات. ويعتبر أن استعادة المرفق العمومي لإشعاعه ولريادته يضمن خدمات أساسية بجودة عالية، ومن شأنه أن يحمي المال العام ويعزز من منسوب الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي هذا الإطار، يدعو رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى إعادة بناء الأجهزة الرقابية وتفعيل دورها بشكل مستقل وفعّال، بما يضمن أداء المرافق العمومية لرسالتها على أكمل وجه وفقًا لمعايير الشفافية والكفاءة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية يظل رهين القدرة على استكمال بقية حلقات الإصلاح. فالتعصير الفعلي يقتضي رؤية شاملة تشمل الرقمنة، واعتماد أنظمة تذاكر ذكية، وتطوير النقل المستدام، وربط مختلف وسائل النقل ضمن شبكة متكاملة.
في هذا الخضم، فإن سعي الدولة إلى النهوض بقطاع النقل كقاطرة للتنمية يؤشر، في جوهره، على توجه سياسي يرمي إلى إعادة الاعتبار للدولة كضامن للخدمات الأساسية. وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يبدو أن رهان تطوير النقل يمثل أحد أعمدة المشروع الوطني الرامي إلى بناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في توزيع خدماتها، وقادرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيّد إلى تثبيته وتجسيمه على أرض الواقع.
وإذا ما تواصلت هذه الخطوات ضمن رؤية إصلاحية متكاملة، فإن قطاع النقل قد يتحول إلى رافعة تنموية حقيقية تشمل تحريك عجلة الاستثمار، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، بما يعكس ترجمة عملية لتوجه الدولة نحو بناء نموذج تنموي أكثر عدلًا وإنصافًا، تكون فيه كرامة المواطن في صدارة الأولويات.