إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إنقاذ المؤسسات العمومية المتعثرة.. تونس تعزز خيارات الإصلاح

يعتبر ملف إصلاح المؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها من بين أهم وأبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية في تونس خلال السنوات الأخيرة، نظرا للدور المحوري الذي تلعبه هذه المؤسسات في دعم الإنتاج الوطني وتوفير مواطن الشغل وتحقيق التوازن التنموي بين الجهات.

وقد مرت العديد من الشركات العمومية بجملة من الصعوبات المتراكمة نتيجة عوامل مختلفة، من بينها تراكم الديون، وضعف الحوكمة، وتراجع الاستثمار، واهتراء التجهيزات، بالإضافة إلى تعقّد الإجراءات الإدارية وتداخل المسؤوليات، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى توقف النشاط أو الاقتراب من الإفلاس.

وفي هذا السياق، برز توجه سياسي واضح نحو إصلاح هذه المؤسسات بدلا من التفكير في التفويت فيها، حيث أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن الدولة مطالبة بالحفاظ على مؤسساتها الاستراتيجية، مشددا على أن المشكلة لا تكمن في الملكية العمومية في حد ذاتها، بل في منظومات التسيير التي عطلت أداءها.

وصرح رئيس الجمهورية قيس سعيد بأن «وجود المؤسسة ليس غاية في حد ذاته، بل يجب أن تحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها وتخدم الاقتصاد الوطني»، مؤكدا في نفس السياق أن المال العام هو ملك للشعب، وأن أي تعطيل متعمد للمرافق العمومية أو سوء تصرف فيها يجب أن يقابل بالمحاسبة الصارمة.

وتندرج هذه التصريحات ضمن رؤية أشمل تقوم على إعادة الاعتبار للدور الاجتماعي والاقتصادي للدولة، وعلى بناء نموذج تنموي يوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، انطلقت الدولة في إعادة بعث عدد من المؤسسات التي توقفت أنشطتها أو كانت مهددة بالاندثار، عبر برامج إصلاح مالي وإداري وتنظيمي تهدف إلى استعادة الإنتاج وتحسين الحوكمة وإعادة الثقة داخل هذه المنشآت.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك استئناف نشاط شركة السكر بباجة بعد توقف دام عاما ونصف، حيث مثّل استئناف الإنتاج خطوة رمزية واقتصادية في آن واحد، إذ أعاد الأمل لعدد كبير من العمال وساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.

ويعكس هذا التطور عمليا ما يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد من أن المؤسسات العمومية يمكن أن تستعيد عافيتها متى توفرت الإرادة السياسية والإدارة النزيهة والمتابعة الدقيقة للموارد.

وفي الاتجاه ذاته، استعادت شركة عجين الحلفاء بالقصرين نشاطها بعد فترة صعبة كادت تؤدي إلى توقفها النهائي.

وتبرز أهمية هذه المؤسسة في ارتباطها بالموارد الطبيعية المحلية وبالنسيج الاجتماعي والاقتصادي للجهة، وهو ما يجعل إعادة تشغيلها أكثر من مجرد قرار اقتصادي، بل خطوة تنموية تعزز الاستقرار الاجتماعي. وقد شدد رئيس الجمهورية في أكثر من تصريح على أن التنمية يجب أن تشمل كل الجهات دون استثناء، وأن الدولة ملزمة بتصحيح الاختلالات التاريخية بين المناطق الساحلية والداخلية.

كما تعد تجربة شركة اسمنت أم الكليل بولاية الكاف نموذجا آخر على إمكانية إنقاذ المؤسسات المتعثرة وتحويلها إلى مؤسسات قادرة على تحقيق نتائج إيجابية، فقد مرت هذه الشركة بمرحلة مالية حرجة، غير أن اعتماد إصلاحات تنظيمية وتحسين الإنتاجية وترشيد النفقات ساهم في إعادة التوازن إلى نشاطها.

وتنسجم هذه التجربة مع رؤية وتوجهات الدولة التونسية عمومًا، التي تعتبر أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتشخيص دقيق للأسباب، ثم اتخاذ قرارات جريئة تقوم على الشفافية والكفاءة.

ولا يزال العمل متواصلا لإصلاح شركة الفولاذ بمنزل بورقيبة من ولاية بنزرت، باعتبارها من أبرز وأهم المؤسسات الصناعية الاستراتيجية في البلاد، لما لها من دور أساسي في الصناعات الثقيلة وفي مشاريع البنية التحتية.

وتشمل خطة الإصلاح المرتقبة إعادة تنظيم خطوط الإنتاج، وتحديث التجهيزات، ومعالجة الاختلالات المالية، وتحسين منظومة التصرف.

ويأتي هذا التوجه منسجما مع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد باستمرار على أن تونس تحتاج إلى مؤسسات منتجة تخلق الثروة وتدعم السيادة الاقتصادية الوطنية.

ويؤكد الخطاب الرسمي في هذا المجال أن المؤسسات العمومية ليست عبئا على المالية العمومية إذا أُحسن تسييرها، بل يمكن أن تكون محركا أساسيا للنمو.

وقد شدد رئيس الدولة قيس سعيد في عديد المناسبات على ضرورة تطهير الإدارة من الفساد ومن شبكات الاحتكار، وعلى أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح دون محاسبة فعلية لكل من يثبت تورطه في تعطيل المشاريع أو إهدار المال العام.

كما دعا رئيس الجمهورية إلى اعتماد طرق جديدة في التسيير تقوم على تبسيط الإجراءات، وتحديث الإدارة، وإدخال الرقمنة، وتحسين كفاءة الموارد البشرية.

أما من الناحية الاجتماعية، يكتسي إصلاح المؤسسات العمومية أهمية خاصة لأنه يرتبط مباشرة بالحفاظ على مواطن الشغل وضمان الاستقرار الاقتصادي للعائلات. فإغلاق مؤسسة عمومية لا يعني فقط خسارة مالية، بل يؤدي إلى تداعيات اجتماعية واسعة تشمل البطالة وتراجع النشاط التجاري المحلي، ولذلك فإن إعادة الهيكلة تُطرح اليوم باعتبارها خيارا سياديا يهدف إلى حماية النسيج الاقتصادي الوطني وضمان استمرارية الإنتاج والخدمات الأساسية.

غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بتوفر شروط أساسية، من بينها وضع استراتيجيات إصلاح واضحة وطويلة المدى، وتعزيز الكفاءة الإدارية، وتطوير منظومات المراقبة، وتحسين مناخ العمل داخل المؤسسات، إلى جانب إشراك الخبراء والنقابات والعمال في صياغة حلول عملية.

كما يتطلب الأمر توفير التمويلات الضرورية للاستثمار في التجديد التكنولوجي وفي تحسين الجودة، حتى تتمكن المؤسسات العمومية من المنافسة في السوق الوطنية والدولية.

وعموما، يمكن القول بأن مسار إصلاح المؤسسات العمومية في تونس يسير نحو مرحلة جديدة عنوانها إعادة التشغيل واستعادة الإنتاج وبعث روح جديدة داخل القطاع العمومي.

كما تمثل تجارب شركة السكر بباجة، وشركة عجين الحلفاء بالقصرين، وشركة إسمنت أم الكليل، إضافة إلى مشروع إصلاح شركة الفولاذ بمنزل بورقيبة، مؤشرات عملية على هذا التوجه. وإذا ما تواصلت هذه المجهودات في إطار حوكمة رشيدة ومتابعة صارمة، فإن المؤسسات العمومية يمكن أن تستعيد موقعها كرافعة أساسية للتنمية الشاملة وكركيزة من ركائز السيادة الاقتصادية الوطنية.

أميرة الدريدي

إنقاذ المؤسسات العمومية المتعثرة..    تونس تعزز خيارات الإصلاح

يعتبر ملف إصلاح المؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها من بين أهم وأبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية في تونس خلال السنوات الأخيرة، نظرا للدور المحوري الذي تلعبه هذه المؤسسات في دعم الإنتاج الوطني وتوفير مواطن الشغل وتحقيق التوازن التنموي بين الجهات.

وقد مرت العديد من الشركات العمومية بجملة من الصعوبات المتراكمة نتيجة عوامل مختلفة، من بينها تراكم الديون، وضعف الحوكمة، وتراجع الاستثمار، واهتراء التجهيزات، بالإضافة إلى تعقّد الإجراءات الإدارية وتداخل المسؤوليات، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى توقف النشاط أو الاقتراب من الإفلاس.

وفي هذا السياق، برز توجه سياسي واضح نحو إصلاح هذه المؤسسات بدلا من التفكير في التفويت فيها، حيث أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن الدولة مطالبة بالحفاظ على مؤسساتها الاستراتيجية، مشددا على أن المشكلة لا تكمن في الملكية العمومية في حد ذاتها، بل في منظومات التسيير التي عطلت أداءها.

وصرح رئيس الجمهورية قيس سعيد بأن «وجود المؤسسة ليس غاية في حد ذاته، بل يجب أن تحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها وتخدم الاقتصاد الوطني»، مؤكدا في نفس السياق أن المال العام هو ملك للشعب، وأن أي تعطيل متعمد للمرافق العمومية أو سوء تصرف فيها يجب أن يقابل بالمحاسبة الصارمة.

وتندرج هذه التصريحات ضمن رؤية أشمل تقوم على إعادة الاعتبار للدور الاجتماعي والاقتصادي للدولة، وعلى بناء نموذج تنموي يوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، انطلقت الدولة في إعادة بعث عدد من المؤسسات التي توقفت أنشطتها أو كانت مهددة بالاندثار، عبر برامج إصلاح مالي وإداري وتنظيمي تهدف إلى استعادة الإنتاج وتحسين الحوكمة وإعادة الثقة داخل هذه المنشآت.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك استئناف نشاط شركة السكر بباجة بعد توقف دام عاما ونصف، حيث مثّل استئناف الإنتاج خطوة رمزية واقتصادية في آن واحد، إذ أعاد الأمل لعدد كبير من العمال وساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.

ويعكس هذا التطور عمليا ما يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد من أن المؤسسات العمومية يمكن أن تستعيد عافيتها متى توفرت الإرادة السياسية والإدارة النزيهة والمتابعة الدقيقة للموارد.

وفي الاتجاه ذاته، استعادت شركة عجين الحلفاء بالقصرين نشاطها بعد فترة صعبة كادت تؤدي إلى توقفها النهائي.

وتبرز أهمية هذه المؤسسة في ارتباطها بالموارد الطبيعية المحلية وبالنسيج الاجتماعي والاقتصادي للجهة، وهو ما يجعل إعادة تشغيلها أكثر من مجرد قرار اقتصادي، بل خطوة تنموية تعزز الاستقرار الاجتماعي. وقد شدد رئيس الجمهورية في أكثر من تصريح على أن التنمية يجب أن تشمل كل الجهات دون استثناء، وأن الدولة ملزمة بتصحيح الاختلالات التاريخية بين المناطق الساحلية والداخلية.

كما تعد تجربة شركة اسمنت أم الكليل بولاية الكاف نموذجا آخر على إمكانية إنقاذ المؤسسات المتعثرة وتحويلها إلى مؤسسات قادرة على تحقيق نتائج إيجابية، فقد مرت هذه الشركة بمرحلة مالية حرجة، غير أن اعتماد إصلاحات تنظيمية وتحسين الإنتاجية وترشيد النفقات ساهم في إعادة التوازن إلى نشاطها.

وتنسجم هذه التجربة مع رؤية وتوجهات الدولة التونسية عمومًا، التي تعتبر أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتشخيص دقيق للأسباب، ثم اتخاذ قرارات جريئة تقوم على الشفافية والكفاءة.

ولا يزال العمل متواصلا لإصلاح شركة الفولاذ بمنزل بورقيبة من ولاية بنزرت، باعتبارها من أبرز وأهم المؤسسات الصناعية الاستراتيجية في البلاد، لما لها من دور أساسي في الصناعات الثقيلة وفي مشاريع البنية التحتية.

وتشمل خطة الإصلاح المرتقبة إعادة تنظيم خطوط الإنتاج، وتحديث التجهيزات، ومعالجة الاختلالات المالية، وتحسين منظومة التصرف.

ويأتي هذا التوجه منسجما مع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد باستمرار على أن تونس تحتاج إلى مؤسسات منتجة تخلق الثروة وتدعم السيادة الاقتصادية الوطنية.

ويؤكد الخطاب الرسمي في هذا المجال أن المؤسسات العمومية ليست عبئا على المالية العمومية إذا أُحسن تسييرها، بل يمكن أن تكون محركا أساسيا للنمو.

وقد شدد رئيس الدولة قيس سعيد في عديد المناسبات على ضرورة تطهير الإدارة من الفساد ومن شبكات الاحتكار، وعلى أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح دون محاسبة فعلية لكل من يثبت تورطه في تعطيل المشاريع أو إهدار المال العام.

كما دعا رئيس الجمهورية إلى اعتماد طرق جديدة في التسيير تقوم على تبسيط الإجراءات، وتحديث الإدارة، وإدخال الرقمنة، وتحسين كفاءة الموارد البشرية.

أما من الناحية الاجتماعية، يكتسي إصلاح المؤسسات العمومية أهمية خاصة لأنه يرتبط مباشرة بالحفاظ على مواطن الشغل وضمان الاستقرار الاقتصادي للعائلات. فإغلاق مؤسسة عمومية لا يعني فقط خسارة مالية، بل يؤدي إلى تداعيات اجتماعية واسعة تشمل البطالة وتراجع النشاط التجاري المحلي، ولذلك فإن إعادة الهيكلة تُطرح اليوم باعتبارها خيارا سياديا يهدف إلى حماية النسيج الاقتصادي الوطني وضمان استمرارية الإنتاج والخدمات الأساسية.

غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بتوفر شروط أساسية، من بينها وضع استراتيجيات إصلاح واضحة وطويلة المدى، وتعزيز الكفاءة الإدارية، وتطوير منظومات المراقبة، وتحسين مناخ العمل داخل المؤسسات، إلى جانب إشراك الخبراء والنقابات والعمال في صياغة حلول عملية.

كما يتطلب الأمر توفير التمويلات الضرورية للاستثمار في التجديد التكنولوجي وفي تحسين الجودة، حتى تتمكن المؤسسات العمومية من المنافسة في السوق الوطنية والدولية.

وعموما، يمكن القول بأن مسار إصلاح المؤسسات العمومية في تونس يسير نحو مرحلة جديدة عنوانها إعادة التشغيل واستعادة الإنتاج وبعث روح جديدة داخل القطاع العمومي.

كما تمثل تجارب شركة السكر بباجة، وشركة عجين الحلفاء بالقصرين، وشركة إسمنت أم الكليل، إضافة إلى مشروع إصلاح شركة الفولاذ بمنزل بورقيبة، مؤشرات عملية على هذا التوجه. وإذا ما تواصلت هذه المجهودات في إطار حوكمة رشيدة ومتابعة صارمة، فإن المؤسسات العمومية يمكن أن تستعيد موقعها كرافعة أساسية للتنمية الشاملة وكركيزة من ركائز السيادة الاقتصادية الوطنية.

أميرة الدريدي