بين السياحة والدبلوماسية خيط رفيع لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يرسم صورة الدول في الذاكرة الجماعية. فالسائح اليوم لا يختار وجهته بناء على المناخ فقط، وإنما وفقا لمعادلة معقدة يتداخل فيها أهمية الشعور بالأمن والاستقرار. أما الدبلوماسية فلم تعد حبيسة قاعات التفاوض المغلقة، بل باتت تُمارس بذكاء عبر الموروث الثقافي وجاذبية الهوية.
وفي هذا السياق فإن الدولة في أعلى هرمها تحدد الاتجاهات الكبرى وتضبط الاستراتيجيات، خاصة وأن تونس استعادت استقرارها وقرارها وبريقها.
وبين هذين المسارين، تقف الدولة لترسم الأولويات وتضبط الاتجاهات، حيث تبرز الرؤية السياسية لرئيس الجمهورية قيس سعيد لتؤكد للعالم أن تونس لم تستعد بريقها السياحي فحسب (وهو ما تعكسه لغة الأرقام للموسم السياحي الفارط)، بل استعادت قبل ذلك سيادتها وقرارها الوطني. وأن الاستقرار وبداية التعافي الذي تنعم به تونس اليوم هو الركيزة التي جعلت من سنة 2027 استحقاقا دوليا يعكس صورة دولة واثقة، آمنة، ومتصالحة مع تاريخها العريق.
وضمن هذا التقاطع، يكتسب اختيار تونس عاصمة للسياحة لعام 2027 بعدا يتجاوز طابعه الاحتفالي أو القطاعي، ليغدو مؤشّرا سياسيا على تموضع جديد تسعى البلاد إلى تكريسه في محيطها الإقليمي والدولي. فالإعلان يتجاوز كونه مجرد تظاهرة سياحية ليكرس في جوهره صورة تونس كوجهة آمنة ومستقرة.
وهو طرح يتبناه رئيس الدولة قيس سعيد الذي لطالما أكد في مناسبات عدة، سواء من خلال خطاباته أو قراراته، على ضرورة أن يلتقي خطاب السيادة مع رهانات القوة الناعمة، وعلى أهمية أن تتحول السفارات من تمثيليات تقليدية إلى منصات ترويجية لصناعة صورة دولة تسعى إلى تثبيت موقعها كوجهة آمنة، مستقلة القرار وواعية بإرثها الحضاري.
حرص على إعادة تموضع تونس
وهنا تكتسي مبادرة رئيس الجمهورية قيس سعيد بجعل سنة 2025 سنة العمل المتعدد الأطراف دلالة خاصة، على اعتبار أن الأمر يتجاوز كونه مجرد انخراط بروتوكولي في الفضاءات الإقليمية والدولية، ليعكس رغبة واضحة في إعادة تموضع تونس داخل المنظومة الأممية.
فحين يربط رئيس الجمهورية بين السيادة الوطنية والانفتاح المتوازن على الشراكات، فإنه يؤسس لمعادلة دقيقة قوامها الاستقلال على مستوى القرار، وحضور وازن في المحافل الدولية.
فكلما تعزز حضور تونس في المنظمات والقمم والمنتديات، كلما ترسخت صورتها كدولة مستقرة فاعلة وقادرة على أخذ زمام المبادرة. وهنا تتكامل معالم رؤية واضحة: دولة في أعلى هرمها تضبط السياسات العامة، ودبلوماسية تنفّذ وتسوق، وقطاع سياحي يترجم الصورة إلى واقع ملموس.
وفي الإطار نفسه، فإن تحديد سنة 2025 كسنة العمل متعدد الأطراف يمكن قراءته أيضًا كتمهيد استراتيجي لمحطة 2027. فقبل استقبال العالم، لا بد من مخاطبته بلغته، والتواجد في فضاءاته، وبناء شبكة علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والندية. وبهذا الطرح، يصبح التتويج السياحي حلقة ضمن مسار شامل عنوانه إعادة تثبيت تونس في قلب التفاعلات الدولية كشريك موثوق يحمل رؤية واضحة المعالم.
في هذا الخصوص، يدرك رئيس الجمهورية قيس سعيد أنه في عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق الصورة كما بمنطق المصالح، لم يعد كافيا التعويل على المزايا الطبيعية أو العمق التاريخي؛ بل بات لزامًا امتلاك القدرة على صياغة «العلامة الوطنية» الخاصة بتونس.
جدلية السياحة والسيادة
ومن هنا يبرز الاستحقاق السياحي المرتقب كمحطة مفصلية تتقاطع فيها الرؤية السياسية مع خيارات القوة الناعمة، حيث يتحول الترويج السياحي من مجرد نشاط قطاعي إلى امتداد طبيعي للدبلوماسية وأداة استراتيجية لتثبيت هيبة الدولة وترسيخ صورتها كمنارة للاستقرار والإشعاع في المحافل الدولية.
في هذا الخصوص، جدير بالذكر أن خطاب السيادة يتصدر منذ سنوات المشهد السياسي في تونس. فقد جعل رئيس الجمهورية قيس سعيد من استعادة القرار الوطني، ورفض التبعية، وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، عناوين مركزية في خطابه السياسي. وهذا الخطاب لم يكن موجهًا إلى الداخل فقط، بل كان يحمل في طياته رسالة إلى الخارج مفادها أن تونس تعيد تعريف موقعها في العالم.
فاختيار تونس عاصمة للسياحة 2027 يمكن قراءته في هذا الإطار؛ فهو ليس مجرد فوز بتنظيم تظاهرة، وإنما هو إقرار ضمني من المحيط الإقليمي والدولي بأن تونس، ورغم التحديات، حافظت على استقرار مؤسساتها وقدرتها على الفعل. فالاستحقاقات الدولية لا تُمنح لبلدان تعيش عزلة أو فوضى، وإنما لتلك التي يُنظر إليها بوصفها قادرة على التنظيم، وضامنة للأمن، ومؤهلة لاستقبال العالم.
وهنا يتحول الحدث إلى ثمرة من ثمار خطاب سيادي يراهن على «الإرث الوطني» من ذلك التاريخ العميق، التنوع الثقافي، الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والهوية الجامعة. ومن هذا المنطلق، يقدم رئيس الجمهورية في مقاربته تونس كدولة تعتز بخصوصيتها وتطلب شراكات متكافئة. و»تونس 2027» تبدو وكأنها اختبار عملي لهذه الرؤية.
وبهذا الطرح، يصبح الحدث المرتقب «تحديًا وطنيًا» يقوده رئيس الجمهورية قيس سعيد لإعادة الهيبة لصورة تونس في الخارج، وهو ما يترجمه عامل الاستقرار، والانضباط المؤسساتي، والوضوح في الرؤية.
بيوت تونس في الخارج
في هذا الإطار، إذا كانت الدولة في أعلى هرمها تمثل البوصلة، فإن البعثات الدبلوماسية تمثل الأذرع الممتدة في العالم. وهنا تتضح أهمية الربط بين «تونس 2027» والنشاط المكثف مؤخرًا لمختلف البعثات التونسية في الخارج.
لم يعد دور السفارات مقتصرا على إصدار التأشيرات أو متابعة الملفات القنصلية. ففي عالم يحدوه التنافس على الاستثمار والسياحة، يصر رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة أن تتحول الدبلوماسية إلى أداة تسويق لوجهة وصورة تونس في الخارج.
وترجمة لهذا التوجه، تحولت على مدار الأشهر الماضية مختلف البعثات الدبلوماسية إلى منصات ترويجية تتجاوز بعدها السياحي لتقدم رؤية دولة. فتراوحت الأنشطة في مختلف البعثات بين تنظيم أيام ثقافية تونسية، أسابيع اقتصادية، منتديات استثمار، شراكات جامعية، لقاءات مع رجال أعمال، إلى جانب معارض ترويجية للصناعات التقليدية…
ومن هذا المنطلق، تحولت مختلف البعثات في الخارج إلى «بيوت تونسية» تُروى فيها مسارات الاستثمار وبناء شراكات تعليمية وأخرى ثقافية، وغيرها من المجالات التي كانت محل أنشطة مكثفة في الفترة الأخيرة في مختلف البعثات التونسية بالخارج. فالترويج السياحي لا ينفصل في جوهره عن المناخ السياسي، وكلا من السائح والمستثمر يبحثان معًا عن الأمان، والاستقرار، ووضوح الرؤية.
وفي هذا الإطار، وبتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيد، فقد شهدت العديد من السفارات خلال الفترة الأخيرة حركية لافتة في التعريف بالمنتوجات التونسية، من الصناعات التقليدية إلى زيت الزيتون والمنتجات الفلاحية، وصولًا إلى الكفاءات الطبية التي جعلت من السياحة الاستشفائية أحد أبرز عناوين التميز الوطني.
فكل بعثة في مجال اعتمادها، وكل سفير وفق خصوصية البلد الذي ينشط فيه، انخرطوا في ديناميكية تقديم تونس كوجهة متكاملة: اقتصادا وثقافة وصحة وسياحة.
وهذه المقاربة تعكس قناعة راسخة لدى رئيس الجمهورية قيس سعيد مفادها أن تحسين صورة تونس في الخارج هو رافعة للسيادة بامتياز. فالصورة الإيجابية تفتح الأبواب أمام السائح والمستثمر والشريك الدولي، وتحصّن موقع الدولة في معادلات التفاوض. ومن هنا يصبح الترويج للمنتوج الوطني وللسياحة الاستشفائية والثقافية جزءًا من معركة أوسع عنوانها: استعادة الثقة الدولية وترسيخ صورة تونس كدولة آمنة، ذات جودة، وقادرة على المنافسة في أكثر من مجال.
رسالة تتجاوز الشواطئ
تونس لا تبيع «شمسًا وبحرًا» فقط. وهو ما كان قد أكده سابقًا رئيس الدولة قيس سعيد، فهذه الصورة، ورغم جاذبيتها، لم تعد تجدي نفعًا في زمن تتنافس فيه عشرات الوجهات المتوسطية. فما يمكن أن يميز تونس من وجهة نظر رئيس الدولة قيس سعيد هو قدرتها على تسويق «تاريخ»، و»استقرار»، وصورة مشعة في أكثر من مجال.
إرساء لمقومات دولة ناجعة
وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيد إلى تجسيمه عبر جملة من الإصلاحات التي يقودها في أكثر من مجال. فمن تطهير الإدارة من براثن البيروقراطية إلى تطوير البنية التحتية وتحسين مناخ الاستثمار والأعمال وصولًا إلى مكافحة الفساد وتجفيف منابعه، يروم رئيس الدولة قيس سعيد إرساء مقومات دولة ناجعة قادرة على الإيفاء بتعهداتها داخليًا وخارجيًا. فالصورة التي تُسوَّق في العواصم لا يمكن أن تنفصل عن واقع يُعاش في الداخل؛ وكل حديث عن وجهة آمنة وجاذبة يفترض وجود مؤسسات فعّالة، وإدارة مرنة، ومناخًا اقتصاديًا يُطمئن المستثمر قبل السائح.
وضمن هذه المقاربة لا تبدو الإصلاحات معزولة عن رهانات 2027، بل تشكل أرضيتها الصلبة. فتنظيم حدث دولي بحجم «عاصمة السياحة» لا يُقاس فقط بجودة الاستقبال، بل بمدى انسجام السياسات العمومية وقدرتها على تقديم نموذج دولة في طور إعادة البناء. ومن هنا يتقاطع المسار الإصلاحي مع المعركة الرمزية حول صورة تونس التي يراد ترويجها: دولة تُقاوم الفساد، تسعى إلى عصرنة إدارتها، وتفتح اقتصادها على أسس شفافة، حتى يكون ما يُروج له في الخارج انعكاسًا حقيقيًا لواقع يتشكل في الداخل.
ومن هنا، فإن شعار «الاستثناء التونسي» يمكن أن يتحول إلى خطاب ترويجي رسمي تتبناه الدولة في أعلى هرمها وتسوّقه دبلوماسيتها في مختلف العواصم. استثناء يرتكز إلى مقاربة متكاملة تُبرز عمق التاريخ، وصلابة المؤسسات، وخيارات سيادية تسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. فحين تلتقي السياحة بالدبلوماسية، لا تعود الوجهة مجرد مكان يُزار، بل تصبح فكرة تُروى ونموذجًا يُقدَّم.
في هذا الإطار، تتجلى رؤية رئيس الجمهورية في بعدها الإيجابي، كون تونس ليست بلد أزمات كما تُختزل أحيانًا، وإنما هي دولة تراهن على أمنها واستقرارها، وعلى مخزونها الحضاري، وعلى قدرة مؤسساتها على التطور. وإذا كانت السياحة بوابة استقبال العالم، فإن الدبلوماسية هي الجسر الذي يعبر منه هذا العالم نحو صورة تونس الجديدة.
هكذا تتحول سنة 2027 إلى أكثر من موعد سياحي؛ لتكون محطة لترسيخ خطاب دولة تعرف كيف توظف قوتها، وتنسّق بين رؤيتها السياسية وحركية بعثاتها في الخارج، وبين النزل التي تستقبل السياح والسفارات التي تحمل الرسالة، تتشكل معالم رؤية وطنية متجددة، عنوانها الثقة، ومضمونها الاستقرار، وغايتها تثبيت تونس كوجهة آمنة ومؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي.
منال حرزي
بين السياحة والدبلوماسية خيط رفيع لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يرسم صورة الدول في الذاكرة الجماعية. فالسائح اليوم لا يختار وجهته بناء على المناخ فقط، وإنما وفقا لمعادلة معقدة يتداخل فيها أهمية الشعور بالأمن والاستقرار. أما الدبلوماسية فلم تعد حبيسة قاعات التفاوض المغلقة، بل باتت تُمارس بذكاء عبر الموروث الثقافي وجاذبية الهوية.
وفي هذا السياق فإن الدولة في أعلى هرمها تحدد الاتجاهات الكبرى وتضبط الاستراتيجيات، خاصة وأن تونس استعادت استقرارها وقرارها وبريقها.
وبين هذين المسارين، تقف الدولة لترسم الأولويات وتضبط الاتجاهات، حيث تبرز الرؤية السياسية لرئيس الجمهورية قيس سعيد لتؤكد للعالم أن تونس لم تستعد بريقها السياحي فحسب (وهو ما تعكسه لغة الأرقام للموسم السياحي الفارط)، بل استعادت قبل ذلك سيادتها وقرارها الوطني. وأن الاستقرار وبداية التعافي الذي تنعم به تونس اليوم هو الركيزة التي جعلت من سنة 2027 استحقاقا دوليا يعكس صورة دولة واثقة، آمنة، ومتصالحة مع تاريخها العريق.
وضمن هذا التقاطع، يكتسب اختيار تونس عاصمة للسياحة لعام 2027 بعدا يتجاوز طابعه الاحتفالي أو القطاعي، ليغدو مؤشّرا سياسيا على تموضع جديد تسعى البلاد إلى تكريسه في محيطها الإقليمي والدولي. فالإعلان يتجاوز كونه مجرد تظاهرة سياحية ليكرس في جوهره صورة تونس كوجهة آمنة ومستقرة.
وهو طرح يتبناه رئيس الدولة قيس سعيد الذي لطالما أكد في مناسبات عدة، سواء من خلال خطاباته أو قراراته، على ضرورة أن يلتقي خطاب السيادة مع رهانات القوة الناعمة، وعلى أهمية أن تتحول السفارات من تمثيليات تقليدية إلى منصات ترويجية لصناعة صورة دولة تسعى إلى تثبيت موقعها كوجهة آمنة، مستقلة القرار وواعية بإرثها الحضاري.
حرص على إعادة تموضع تونس
وهنا تكتسي مبادرة رئيس الجمهورية قيس سعيد بجعل سنة 2025 سنة العمل المتعدد الأطراف دلالة خاصة، على اعتبار أن الأمر يتجاوز كونه مجرد انخراط بروتوكولي في الفضاءات الإقليمية والدولية، ليعكس رغبة واضحة في إعادة تموضع تونس داخل المنظومة الأممية.
فحين يربط رئيس الجمهورية بين السيادة الوطنية والانفتاح المتوازن على الشراكات، فإنه يؤسس لمعادلة دقيقة قوامها الاستقلال على مستوى القرار، وحضور وازن في المحافل الدولية.
فكلما تعزز حضور تونس في المنظمات والقمم والمنتديات، كلما ترسخت صورتها كدولة مستقرة فاعلة وقادرة على أخذ زمام المبادرة. وهنا تتكامل معالم رؤية واضحة: دولة في أعلى هرمها تضبط السياسات العامة، ودبلوماسية تنفّذ وتسوق، وقطاع سياحي يترجم الصورة إلى واقع ملموس.
وفي الإطار نفسه، فإن تحديد سنة 2025 كسنة العمل متعدد الأطراف يمكن قراءته أيضًا كتمهيد استراتيجي لمحطة 2027. فقبل استقبال العالم، لا بد من مخاطبته بلغته، والتواجد في فضاءاته، وبناء شبكة علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والندية. وبهذا الطرح، يصبح التتويج السياحي حلقة ضمن مسار شامل عنوانه إعادة تثبيت تونس في قلب التفاعلات الدولية كشريك موثوق يحمل رؤية واضحة المعالم.
في هذا الخصوص، يدرك رئيس الجمهورية قيس سعيد أنه في عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق الصورة كما بمنطق المصالح، لم يعد كافيا التعويل على المزايا الطبيعية أو العمق التاريخي؛ بل بات لزامًا امتلاك القدرة على صياغة «العلامة الوطنية» الخاصة بتونس.
جدلية السياحة والسيادة
ومن هنا يبرز الاستحقاق السياحي المرتقب كمحطة مفصلية تتقاطع فيها الرؤية السياسية مع خيارات القوة الناعمة، حيث يتحول الترويج السياحي من مجرد نشاط قطاعي إلى امتداد طبيعي للدبلوماسية وأداة استراتيجية لتثبيت هيبة الدولة وترسيخ صورتها كمنارة للاستقرار والإشعاع في المحافل الدولية.
في هذا الخصوص، جدير بالذكر أن خطاب السيادة يتصدر منذ سنوات المشهد السياسي في تونس. فقد جعل رئيس الجمهورية قيس سعيد من استعادة القرار الوطني، ورفض التبعية، وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، عناوين مركزية في خطابه السياسي. وهذا الخطاب لم يكن موجهًا إلى الداخل فقط، بل كان يحمل في طياته رسالة إلى الخارج مفادها أن تونس تعيد تعريف موقعها في العالم.
فاختيار تونس عاصمة للسياحة 2027 يمكن قراءته في هذا الإطار؛ فهو ليس مجرد فوز بتنظيم تظاهرة، وإنما هو إقرار ضمني من المحيط الإقليمي والدولي بأن تونس، ورغم التحديات، حافظت على استقرار مؤسساتها وقدرتها على الفعل. فالاستحقاقات الدولية لا تُمنح لبلدان تعيش عزلة أو فوضى، وإنما لتلك التي يُنظر إليها بوصفها قادرة على التنظيم، وضامنة للأمن، ومؤهلة لاستقبال العالم.
وهنا يتحول الحدث إلى ثمرة من ثمار خطاب سيادي يراهن على «الإرث الوطني» من ذلك التاريخ العميق، التنوع الثقافي، الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والهوية الجامعة. ومن هذا المنطلق، يقدم رئيس الجمهورية في مقاربته تونس كدولة تعتز بخصوصيتها وتطلب شراكات متكافئة. و»تونس 2027» تبدو وكأنها اختبار عملي لهذه الرؤية.
وبهذا الطرح، يصبح الحدث المرتقب «تحديًا وطنيًا» يقوده رئيس الجمهورية قيس سعيد لإعادة الهيبة لصورة تونس في الخارج، وهو ما يترجمه عامل الاستقرار، والانضباط المؤسساتي، والوضوح في الرؤية.
بيوت تونس في الخارج
في هذا الإطار، إذا كانت الدولة في أعلى هرمها تمثل البوصلة، فإن البعثات الدبلوماسية تمثل الأذرع الممتدة في العالم. وهنا تتضح أهمية الربط بين «تونس 2027» والنشاط المكثف مؤخرًا لمختلف البعثات التونسية في الخارج.
لم يعد دور السفارات مقتصرا على إصدار التأشيرات أو متابعة الملفات القنصلية. ففي عالم يحدوه التنافس على الاستثمار والسياحة، يصر رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة أن تتحول الدبلوماسية إلى أداة تسويق لوجهة وصورة تونس في الخارج.
وترجمة لهذا التوجه، تحولت على مدار الأشهر الماضية مختلف البعثات الدبلوماسية إلى منصات ترويجية تتجاوز بعدها السياحي لتقدم رؤية دولة. فتراوحت الأنشطة في مختلف البعثات بين تنظيم أيام ثقافية تونسية، أسابيع اقتصادية، منتديات استثمار، شراكات جامعية، لقاءات مع رجال أعمال، إلى جانب معارض ترويجية للصناعات التقليدية…
ومن هذا المنطلق، تحولت مختلف البعثات في الخارج إلى «بيوت تونسية» تُروى فيها مسارات الاستثمار وبناء شراكات تعليمية وأخرى ثقافية، وغيرها من المجالات التي كانت محل أنشطة مكثفة في الفترة الأخيرة في مختلف البعثات التونسية بالخارج. فالترويج السياحي لا ينفصل في جوهره عن المناخ السياسي، وكلا من السائح والمستثمر يبحثان معًا عن الأمان، والاستقرار، ووضوح الرؤية.
وفي هذا الإطار، وبتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيد، فقد شهدت العديد من السفارات خلال الفترة الأخيرة حركية لافتة في التعريف بالمنتوجات التونسية، من الصناعات التقليدية إلى زيت الزيتون والمنتجات الفلاحية، وصولًا إلى الكفاءات الطبية التي جعلت من السياحة الاستشفائية أحد أبرز عناوين التميز الوطني.
فكل بعثة في مجال اعتمادها، وكل سفير وفق خصوصية البلد الذي ينشط فيه، انخرطوا في ديناميكية تقديم تونس كوجهة متكاملة: اقتصادا وثقافة وصحة وسياحة.
وهذه المقاربة تعكس قناعة راسخة لدى رئيس الجمهورية قيس سعيد مفادها أن تحسين صورة تونس في الخارج هو رافعة للسيادة بامتياز. فالصورة الإيجابية تفتح الأبواب أمام السائح والمستثمر والشريك الدولي، وتحصّن موقع الدولة في معادلات التفاوض. ومن هنا يصبح الترويج للمنتوج الوطني وللسياحة الاستشفائية والثقافية جزءًا من معركة أوسع عنوانها: استعادة الثقة الدولية وترسيخ صورة تونس كدولة آمنة، ذات جودة، وقادرة على المنافسة في أكثر من مجال.
رسالة تتجاوز الشواطئ
تونس لا تبيع «شمسًا وبحرًا» فقط. وهو ما كان قد أكده سابقًا رئيس الدولة قيس سعيد، فهذه الصورة، ورغم جاذبيتها، لم تعد تجدي نفعًا في زمن تتنافس فيه عشرات الوجهات المتوسطية. فما يمكن أن يميز تونس من وجهة نظر رئيس الدولة قيس سعيد هو قدرتها على تسويق «تاريخ»، و»استقرار»، وصورة مشعة في أكثر من مجال.
إرساء لمقومات دولة ناجعة
وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيد إلى تجسيمه عبر جملة من الإصلاحات التي يقودها في أكثر من مجال. فمن تطهير الإدارة من براثن البيروقراطية إلى تطوير البنية التحتية وتحسين مناخ الاستثمار والأعمال وصولًا إلى مكافحة الفساد وتجفيف منابعه، يروم رئيس الدولة قيس سعيد إرساء مقومات دولة ناجعة قادرة على الإيفاء بتعهداتها داخليًا وخارجيًا. فالصورة التي تُسوَّق في العواصم لا يمكن أن تنفصل عن واقع يُعاش في الداخل؛ وكل حديث عن وجهة آمنة وجاذبة يفترض وجود مؤسسات فعّالة، وإدارة مرنة، ومناخًا اقتصاديًا يُطمئن المستثمر قبل السائح.
وضمن هذه المقاربة لا تبدو الإصلاحات معزولة عن رهانات 2027، بل تشكل أرضيتها الصلبة. فتنظيم حدث دولي بحجم «عاصمة السياحة» لا يُقاس فقط بجودة الاستقبال، بل بمدى انسجام السياسات العمومية وقدرتها على تقديم نموذج دولة في طور إعادة البناء. ومن هنا يتقاطع المسار الإصلاحي مع المعركة الرمزية حول صورة تونس التي يراد ترويجها: دولة تُقاوم الفساد، تسعى إلى عصرنة إدارتها، وتفتح اقتصادها على أسس شفافة، حتى يكون ما يُروج له في الخارج انعكاسًا حقيقيًا لواقع يتشكل في الداخل.
ومن هنا، فإن شعار «الاستثناء التونسي» يمكن أن يتحول إلى خطاب ترويجي رسمي تتبناه الدولة في أعلى هرمها وتسوّقه دبلوماسيتها في مختلف العواصم. استثناء يرتكز إلى مقاربة متكاملة تُبرز عمق التاريخ، وصلابة المؤسسات، وخيارات سيادية تسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. فحين تلتقي السياحة بالدبلوماسية، لا تعود الوجهة مجرد مكان يُزار، بل تصبح فكرة تُروى ونموذجًا يُقدَّم.
في هذا الإطار، تتجلى رؤية رئيس الجمهورية في بعدها الإيجابي، كون تونس ليست بلد أزمات كما تُختزل أحيانًا، وإنما هي دولة تراهن على أمنها واستقرارها، وعلى مخزونها الحضاري، وعلى قدرة مؤسساتها على التطور. وإذا كانت السياحة بوابة استقبال العالم، فإن الدبلوماسية هي الجسر الذي يعبر منه هذا العالم نحو صورة تونس الجديدة.
هكذا تتحول سنة 2027 إلى أكثر من موعد سياحي؛ لتكون محطة لترسيخ خطاب دولة تعرف كيف توظف قوتها، وتنسّق بين رؤيتها السياسية وحركية بعثاتها في الخارج، وبين النزل التي تستقبل السياح والسفارات التي تحمل الرسالة، تتشكل معالم رؤية وطنية متجددة، عنوانها الثقة، ومضمونها الاستقرار، وغايتها تثبيت تونس كوجهة آمنة ومؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي.