احتفلت تونس، مُؤخّرا بيوم الدبلوماسية التونسية، التاريخ الذي صادف الذكرى السبعين لتأسيس وزارة الشؤون الخارجية التونسية سنة 1956..
سبعة عقود من العمل الدبلوماسي الذي ساهم في بناء الدولة الحديثة وتعزيز مكانتها دولياً.. دبلوماسيّة "نشطة ورصينة" بوّأت تونس مكانة مرموقة في محيطها الإقليمي والدّولي.
وتقوم هذه الدّبلوماسيّة على عدد من الثوابت لعلّ أهمّها التمسّك بالشرعية الدّولية وميثاق الأمم المتحدة، والوفاء للانتماءات الجغرافية والثقافية للبلاد والمُساهمة الدّائمة في كلّ جهد وعمل جماعي لخدمة الأمن والاستقرار وتحقيق الرّخاء والتقدّم لفائدة الإنسانيّة جمعاء.
كما يعتبر التفتّح والاعتدال والوسطيّة والتسامح من ثوابت الهويّة التونسية خاصة أنّ الجغرافيا جعلت من تونس جسرا في مفترق الطرق يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.
وتونس التي منحت اسمها التّاريخي القديم "إفريقية" للقارة الإفريقية، تُمثّل القارة الافريقية وخاصة دول جنوب الصّحراء أحد ثوابت سياستها الخارجية وأولويّاتها، منذ السّنوات الأولى للاستقلال وإلى غاية اليوم.
إنّ "أفريكا" أو كما كان يطلق عليها "إفريقيا البروقنصلية" هي تلك المقاطعة الرّومانية التي تضمّ مناطق نفوذ الإمبراطورية القرطاجنيّة قبيل سقوطها والتي كانت تمتدّ من ليبيا – تونس مرورا بالجزائر والمغرب ووصولا إلى جنوب إسبانيا.
علاقة مُتجذّرة ومُتداخلة
وتُعتبر العلاقة بين تونس وإفريقيا علاقة مُتجذّرة ومُتداخلة على المستويين الجغرافي والتاريخي، وفق ما أكّدته مصادرنا من وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج.. إذْ تُعدّ إفريقيا الفضاء الطبيعي والجغرافي لتونس التي تحتلّ موقعا استراتيجيا بإفريقيا.. وقد شكّلت تونس منذ القدم بفضل موقعها المُتميز والمُتاخم للصّحراء والبحر الأبيض المتوسط، جسرا بين القارة والعالم العربي، من جهة، وبين القارة وأوروبا، من جهة أخرى.
كما أنّ العلاقات بين تونس والبلدان الإفريقية ليست وليدة اليوم، بل مُتجذّرة عبر التاريخ، وتجسّدت في التّبادل التجاري عبر القوافل التجارية الصّحراوية وتوطّدت بتفاعل ثقافي وإنساني يعطي لتونس سماتها الافريقية وروابط تعليمية تمتدّ تاريخيا من فترة تأسيس جامع الزيتونة المعمور الذي كان منارة تعليمية تشعّ بعلومها على كافة البلدان المجاورة لاسيّما منها الإفريقية إلى اليوم.
علاقات ترسّخت خلال مرحلة التحرّر من الاستعمار التي شهدت لتونس بتضامنها الكامل ودعمها القوي لكفاح الدّول الإفريقية من أجل الانعتاق من الاستعمار والميز العنصري والحصول على الاستقلال.
وفي هذا الصّدد، أفادت مصادرنا أنّ تونس قد قدّمت مُساعدات ثابتة وفعّالة لحركات التحرير بالقارة، التزاما منها بمبدأ التضامن والدّفاع عن حق البلدان والشعوب الإفريقية في تقرير مصيرها، كما ساندت بلادنا حركات التحرّر في عدد من دول القارة، وتبنّت الدّبلوماسية التونسية انضمام عدد من الدّول الافريقية إلى منظمة الأمم المتحدة خلال فترة ترؤُّس وزير الخارجية التونسي آنذاك المرحوم المنجي سليم للجمعية العامة للأمم المتحدة.
كما وضعت تونس منذ فجر الاستقلال تجاربها وخبراتها التي راكمتها في مختلف المجالات في خدمة التنمية بعديد البلدان الإفريقية: مُكافحة الفقر وإدماج المرأة والصحّة والتعليم والتكوين والتربية والتكوين والفلاحة والتنوير الكهربائي والمياه والتطهير والبنية الأساسيّة والدّراسات ورعاية المرأة والأسرة والتنظيم العائلي وتكنولوجيات المعلومات وغيرها... بالإضافة إلى استقبالها لآلاف الطلبة الأفارقة وبالتالي المساهمة الفاعلة في تكوين إطارات في عدة مجالات اضطلعت بمهام ومسؤوليات متنوّعة في بلدانها.
ذات المصادر، ذكّرت بأنّ تونس قد أوفدت في نطاق التعاون الفني أفضل كفاءاتها للمُساهمة في دعم المجهود التنموي بعدد من البلدان الإفريقيّة.
تونس تحتضن لأوّل مرّة القمّة الإفريقيّة سنة 1994
أمّا على المستوى متعدّد الأطراف، فقد سردت مصادرنا مُختلف مراحل العلاقات التونسية الافريقية، إذْ كان الرئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة، إلى جانب قادة أفارقة تاريخيين، من بينهم أبرز دعاة الوحدة الأفريقية الزعيم الغاني "كوامي نكروما"، الرئيس الأول لجمهورية ساحل العاج "فيليكس هوفوات بوانيي"، أوّل رئيس للسنغال بعد الإستقلال "ليوبولد سيدار سنغور" والرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، من ضمن مؤسّسي منظمة الوحدة الإفريقيّة التي رأت النور في أديس أبابا في 25 ماي 1963... لتحتضن تونس ولأوّل مرّة القمّة الإفريقيّة سنة 1994 وكانت رئاستها للمنظمة حافلة بالمبادرات، إذ دخلت خلالها آليّة السلم والأمن حيّز التنفيذ، إضافة إلى تنظيم قمّة حول منطقة البحيرات الكبرى حضرها قادة دولها إلى جانب الرّئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر".
وكان للدبلوماسية التونسية دور فعّال في صياغة النصوص التأسيسية للاتحاد الإفريقي ودعم العمل الإفريقي المشترك.
22 عملية أمميّة لحفظ السّلام
ومنذ استقلال تونس سنة 1956 ساهمت بلادنا في 22 عملية أمميّة لحفظ السّلام، أغلبها في القارة الإفريقية تحت رايتي الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وهو ما يعكس مدى التزامها بالمساهمة في إحلال السّلام بالقارة... وقد أرسلت تونس بعثة الى دولة الصّومال التي شهدت حربا أهلية (من ديسمبر 1992 إلى جوان 1995)، وأخرى الى جنوب افريقيا لتأمين الانتخابات وفرز الأصوات (من فيفري 1994 إلى ديسمبر 1995)، وبعثتيْن الى روندا، (الأولى من سبتمبر 1993 إلى جويلية 1994 والثانية من سبتمبر 1994 إلى ديسمبر 1995)، وثلاث بعثات الى بوروندي التي عاشت حربا أهلية (الأولى من سبتمبر 1993 إلى أوت 1994 والثانية من فيفري 1994 إلى ديسمبر 1994 والثالثة من فيفري 2007 إلى ديسمبر 2009)، والى جزر القمر (من نوفمبر 1997 إلى جوان 1999)، والى أثيوبيا وإريتريا حيث نشرت قوّات على طول الحدود (من جويلية 2000 إلى أوت 2008)، والى الكونغو الديمقراطية في مناسبتين (الأولى من جويلية 1960 إلى غاية سنة 1962 والثانية من ماي 2000 إلى جويلية 2010)، والى الكوت ديفوار جوان 2003، والى جمهورية إفريقيا الوسطى (من 2008 إلى 2010 ومن سنة 2021 إلى الآن) وتشاد (من 2008 إلى 2010). وتُسجّل تونس حضورها حاليا في 6 عمليات أمميّة، خمسة منها في إفريقيا بكل من مالي (ابتداء من فيفري 2019) وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى والسّودان (دارفور) والكوت ديفوار.
تطوير ودعم التعاون الاقتصادي والتجاري
وتعمل بلادنا، من منطلق إيمانها بأهميّة دور التجمّعات الاقتصادية الإقليمية في دفع مسيرة التنمية بالقارة الإفريقية ورفع تحدّيات العولمة وفتح مجالات حيوية للصادرات التونسية، على تطوير ودعم التعاون الاقتصادي والتجاري مع هذه التجمّعات.
وفي هذا الإطار تحصّلت تونس، منذ شهر جويلية 2018، على العضوية الكاملة في السّوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي (COMESA "كوميسا") التي تضمّ 22 دولة إفريقيّة وأكثر من 500 مليون ساكن. كما صادقت تونس سنة 2020 على الاتفاقيّة المنشِئة لمنطقة التجارة الحرّة القارية الإفريقية التي تعدّ الأكبر في العالم بتعداد سكاني يتجاوز 1.2 مليار نسمة وبحجم مبادلات تجارية تتجاوز 3 تريليونات دولار سنويا. مع العلم وأنّ الدّول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي تطمح إلى أن تؤدّي الاتفاقية إلى رفع نسبة المبادلات التجارية بين دول القارة من 16 إلى 33 بالمائة من إجمالي تجارتها الخارجية.
وقد دخلت منطقة التبادل التجاري الحرّ الإفريقية "زليكاف" حيز التنفيذ في 30 ماي 2019، لتشمل الاتفاقية البضائع والخدمات والاستثمارات والمنافسة وغيرها من المجالات الاقتصادية.
وتقدمت تونس منذ 4 جوان 2017 بطلب للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO) للحصول على صفة عضو ملاحظ في انتظار عضويّة كاملة.
شراكات حقيقية ومُتكافئة
وشاركت تونس بصفة فعالة في مختلف المنتديات الهادفة إلى تعزيز الشراكة السياسية والاقتصادية بين بلدان الاتحاد الإفريقي والدول الصديقة، حيث دعت إلى ضرورة انتقال هذه الشراكات مِنْ نَماذج التعاون التقليدي إلى شراكات حقيقية ومُتكافئة، تقوم على النِدّية والاحترام المتبادل والثقة والمسؤولية والمصالح المشتركة، بِمَا يَتكيَّف مع المتغيّرات العالمية، وفق ما أفادت به مصادرنا من وزارة الشؤون الخارجية.
وفي هذا السياق، دعت تونس خلال قمة افريقيا- فرنسا (نيروبي 12 ماي 2026) إلى التعجيل بإِصلاح مَجلس الأمن الدّولي بِمَا يعكس التغيّرات الراهنة للنظام الدولي وإِعادة هيكلة النظام المالي العالمي ليكون أكثر عَدْلاً وإنْصَافًا وشُمُوليةً بِمَا يستجيب لاحتياجات الدول النامية وسَدّ فَجْوَة تمويل التنمية من خلال الوفاء بالالتزامات الدولية وَمِنْ خلال تدعيم آليات العمل الدولي المشترك للتَصّدي للأزمات المُستجدّة وَشطب ديون الدّول الفقيرة أو التخفيف منها أو إعادة رسكلتها في ضوء الارتفاع المُشّط لخدمة الدين، كَمَا دَعَا إلى ذلك رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال مشاركته في قمّة تمويل الاقتصاديات الإفريقية المنعقدة بباريس في شهر ماي من سنة 2021.
التكامل الإقليمي والتصنيع
وتتطلّع تونس إلى أن تسهم هذه المنتديات في دعم أولويات القارة التي حدّدها الاتحاد الإفريقي، وفي مقدمتها التكامل الإقليمي والتصنيع، وتحقيق التنمية المستدامة حتى تصبح إفريقيا شريكا كاملا في صياغة مستقبل العالم، لا مجرّد سوق للمواد الأولية أو ساحة للتنافس الدولي.
كما أنه ما فتئت تونس تُشدّد على أنه "لم يَعُدْ مقبولًا أَنْ تبقى إفريقيا، مُجّرد فضاء للتدّخلات أو ساحة للتنافس الدولي، بل يجب أَنْ تكون شريكًا كاملًا في صياغة المصالح المتبادلة وَصُنع القرار من خلال تثمين إمكانياتها الذاتية واحترام استقلالية قرارها التنموي"، حسب ذات المصادر، إضافة إلى أنّ تحقيق ذلك يتطلّب من الدّول الإفريقية توحيد مواقفها والتضامن فيما بينها بهدف إضفاء المزيد من المصداقية والفاعلية للقارّة داخل منظمة الأمم المتحدة دفاعا عن مصالح شعوبها والانخراط بجدية في إصلاح المُنتظم الأممي ومنظومة العلاقات الدولية من أجل إرساء نظام دولي أكثر عدلا وانصافا وإنسانية يقطع مع الممارسات المُجحفة للنظام الدولي الموروث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد أكّدت تونس على أنّ احتفالها يوم 25 ماي 2026، مع سائر الدول الافريقية، بـ"يوم إفريقيا" والذي وافق هذه السنة الذكرى الثالثة والستين لإنشاء مُنظّمة الوحدة الإفريقية، التي تحوّلت فيما بعد إلى "الاتّحاد الإفريقي" سنة 2002، مُناسبة لاستحضار نضالات وتضحيات الآباء المُؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية، لتكون إفريقيا للأفارقة سيّدةً لقرارها ومتحكّمةً في مقدّراتها وثرواتها الطبيعية، وقادرة على فرض مكانتها في النظام الدولي. وعبرت تونس، في بيان أصدرته وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، عن التزامها الثابت بتوطيد عُرى الأخوّة وتوثيق علاقات التعاون مع شقيقاتها في القارّة، على أسس الاحترام المُتبادل والتضامن والشراكة الرابحة والمنفعة المتبادلة.
"زليكاف" ستواصل مرافقة تونس خلال المرحلة المقبلة
ومن جانبه، أكد الأمين العام لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية "زليكاف" وامكيلي ميني، خلال ندوة صحفية عقدها اليوم الجمعة بمقر الأكاديمية الدبلوماسية الدولية بتونس، خصصت لاستعراض نتائج زيارته إلى البلاد من 10 إلى 13 جوان 2026، أن لتونس مُؤهلات مهمة للاستفادة من السوق الإفريقية الموحدة، مُشيرا الى أن القطاع الخاص سيكون المحرك الأساسي لتعزيز المبادلات التجارية والاستثمار داخل القارة.
كما أبرز الدور المُهم الذي لعبته تونس خلال المفاوضات الخاصة بإطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مُضيفا أن التجربة التونسية تُعدّ نموذجًا يمكن البناء عليه لتعزيز التعاون الاقتصادي الإفريقي.
وأفاد الأمين العام أنّ الأمانة العامة لـ"زليكاف" ستواصل مرافقة تونس خلال المرحلة المقبلة، قائلا إن تعزيز حضور المؤسسات التونسية بالأسواق الإفريقية يمثل أحد أهم أهداف المرحلة المقبلة، ما من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الصادرات والاستثمارات التونسية داخل القارة.
نحو إحداث مركز تجاري إفريقي مُتعدّد الاختصاصات
من جهة أخرى، تتجّه تونس إلى مزيد تعزيز حضورها الاقتصادي بالقارة الإفريقية عبر إحداث مركز تجاري إفريقي مُتعدّد الاختصاصات يضمّ فرعا للبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد "افركسيم بنك" وهو ما تمّ الإعلان عنه خلال لقاء جمع، يوم الأربعاء 17 جوان 2026، وزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد بوفد عن البنك وخُصّص للإعداد للانطلاق الرسمي في إجراءات إنجاز هذا المركز، الذي يهدف إلى أن يكون منصة لدعم المؤسسات التونسية الراغبة في دخول الأسواق الإفريقية، عبر توفير خدمات مالية وفنية وآليات مرافقة لفائدة المصدرين.
وحسب ما أفادت به وزارة التجارة، فقد أكّد سمير عبيد أهمية الشراكة القائمة بين تونس و"أفركسيم بنك"، خاصة في ما يتعلق بدعم تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية "زليكاف" وتعزيز نظام الدفع والتسوية لعموم إفريقيا "PAPSS"، الذي كانت تونس أول دولة في شمال إفريقيا تنخرط فيه خلال شهر فيفري 2024.
تونس تدعم الجهود الإفريقية في مواجهة إيبولا
من جهة أخرى، وبتكليف من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، شارك وزير الصحة الدكتور مصطفى الفرجاني، يوم 16 جوان 2026، في اجتماع افتراضي رفيع المستوى خُصّص لمتابعة تطورات تفشي فيروس "إيبولا" بونديبوجيو، والتنسيق إقليميّا ودوليّا للحد من انتشاره، مُؤكّدا أن تونس مُنخرطة في المسؤوليّة التضامنيّة وسرعة التحرك، وتسخير كلّ الخبرات والكفاءات.. كما شدّد على أهمية الترصد الوبائي، والإنذار المُبكر، وجاهزية المنظومات الصحية لمواجهة المخاطر الصحية العابرة للحدود، حسب ما أفادت به وزارة الصحة.
عبير الطرابلسي
احتفلت تونس، مُؤخّرا بيوم الدبلوماسية التونسية، التاريخ الذي صادف الذكرى السبعين لتأسيس وزارة الشؤون الخارجية التونسية سنة 1956..
سبعة عقود من العمل الدبلوماسي الذي ساهم في بناء الدولة الحديثة وتعزيز مكانتها دولياً.. دبلوماسيّة "نشطة ورصينة" بوّأت تونس مكانة مرموقة في محيطها الإقليمي والدّولي.
وتقوم هذه الدّبلوماسيّة على عدد من الثوابت لعلّ أهمّها التمسّك بالشرعية الدّولية وميثاق الأمم المتحدة، والوفاء للانتماءات الجغرافية والثقافية للبلاد والمُساهمة الدّائمة في كلّ جهد وعمل جماعي لخدمة الأمن والاستقرار وتحقيق الرّخاء والتقدّم لفائدة الإنسانيّة جمعاء.
كما يعتبر التفتّح والاعتدال والوسطيّة والتسامح من ثوابت الهويّة التونسية خاصة أنّ الجغرافيا جعلت من تونس جسرا في مفترق الطرق يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.
وتونس التي منحت اسمها التّاريخي القديم "إفريقية" للقارة الإفريقية، تُمثّل القارة الافريقية وخاصة دول جنوب الصّحراء أحد ثوابت سياستها الخارجية وأولويّاتها، منذ السّنوات الأولى للاستقلال وإلى غاية اليوم.
إنّ "أفريكا" أو كما كان يطلق عليها "إفريقيا البروقنصلية" هي تلك المقاطعة الرّومانية التي تضمّ مناطق نفوذ الإمبراطورية القرطاجنيّة قبيل سقوطها والتي كانت تمتدّ من ليبيا – تونس مرورا بالجزائر والمغرب ووصولا إلى جنوب إسبانيا.
علاقة مُتجذّرة ومُتداخلة
وتُعتبر العلاقة بين تونس وإفريقيا علاقة مُتجذّرة ومُتداخلة على المستويين الجغرافي والتاريخي، وفق ما أكّدته مصادرنا من وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج.. إذْ تُعدّ إفريقيا الفضاء الطبيعي والجغرافي لتونس التي تحتلّ موقعا استراتيجيا بإفريقيا.. وقد شكّلت تونس منذ القدم بفضل موقعها المُتميز والمُتاخم للصّحراء والبحر الأبيض المتوسط، جسرا بين القارة والعالم العربي، من جهة، وبين القارة وأوروبا، من جهة أخرى.
كما أنّ العلاقات بين تونس والبلدان الإفريقية ليست وليدة اليوم، بل مُتجذّرة عبر التاريخ، وتجسّدت في التّبادل التجاري عبر القوافل التجارية الصّحراوية وتوطّدت بتفاعل ثقافي وإنساني يعطي لتونس سماتها الافريقية وروابط تعليمية تمتدّ تاريخيا من فترة تأسيس جامع الزيتونة المعمور الذي كان منارة تعليمية تشعّ بعلومها على كافة البلدان المجاورة لاسيّما منها الإفريقية إلى اليوم.
علاقات ترسّخت خلال مرحلة التحرّر من الاستعمار التي شهدت لتونس بتضامنها الكامل ودعمها القوي لكفاح الدّول الإفريقية من أجل الانعتاق من الاستعمار والميز العنصري والحصول على الاستقلال.
وفي هذا الصّدد، أفادت مصادرنا أنّ تونس قد قدّمت مُساعدات ثابتة وفعّالة لحركات التحرير بالقارة، التزاما منها بمبدأ التضامن والدّفاع عن حق البلدان والشعوب الإفريقية في تقرير مصيرها، كما ساندت بلادنا حركات التحرّر في عدد من دول القارة، وتبنّت الدّبلوماسية التونسية انضمام عدد من الدّول الافريقية إلى منظمة الأمم المتحدة خلال فترة ترؤُّس وزير الخارجية التونسي آنذاك المرحوم المنجي سليم للجمعية العامة للأمم المتحدة.
كما وضعت تونس منذ فجر الاستقلال تجاربها وخبراتها التي راكمتها في مختلف المجالات في خدمة التنمية بعديد البلدان الإفريقية: مُكافحة الفقر وإدماج المرأة والصحّة والتعليم والتكوين والتربية والتكوين والفلاحة والتنوير الكهربائي والمياه والتطهير والبنية الأساسيّة والدّراسات ورعاية المرأة والأسرة والتنظيم العائلي وتكنولوجيات المعلومات وغيرها... بالإضافة إلى استقبالها لآلاف الطلبة الأفارقة وبالتالي المساهمة الفاعلة في تكوين إطارات في عدة مجالات اضطلعت بمهام ومسؤوليات متنوّعة في بلدانها.
ذات المصادر، ذكّرت بأنّ تونس قد أوفدت في نطاق التعاون الفني أفضل كفاءاتها للمُساهمة في دعم المجهود التنموي بعدد من البلدان الإفريقيّة.
تونس تحتضن لأوّل مرّة القمّة الإفريقيّة سنة 1994
أمّا على المستوى متعدّد الأطراف، فقد سردت مصادرنا مُختلف مراحل العلاقات التونسية الافريقية، إذْ كان الرئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة، إلى جانب قادة أفارقة تاريخيين، من بينهم أبرز دعاة الوحدة الأفريقية الزعيم الغاني "كوامي نكروما"، الرئيس الأول لجمهورية ساحل العاج "فيليكس هوفوات بوانيي"، أوّل رئيس للسنغال بعد الإستقلال "ليوبولد سيدار سنغور" والرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، من ضمن مؤسّسي منظمة الوحدة الإفريقيّة التي رأت النور في أديس أبابا في 25 ماي 1963... لتحتضن تونس ولأوّل مرّة القمّة الإفريقيّة سنة 1994 وكانت رئاستها للمنظمة حافلة بالمبادرات، إذ دخلت خلالها آليّة السلم والأمن حيّز التنفيذ، إضافة إلى تنظيم قمّة حول منطقة البحيرات الكبرى حضرها قادة دولها إلى جانب الرّئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر".
وكان للدبلوماسية التونسية دور فعّال في صياغة النصوص التأسيسية للاتحاد الإفريقي ودعم العمل الإفريقي المشترك.
22 عملية أمميّة لحفظ السّلام
ومنذ استقلال تونس سنة 1956 ساهمت بلادنا في 22 عملية أمميّة لحفظ السّلام، أغلبها في القارة الإفريقية تحت رايتي الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وهو ما يعكس مدى التزامها بالمساهمة في إحلال السّلام بالقارة... وقد أرسلت تونس بعثة الى دولة الصّومال التي شهدت حربا أهلية (من ديسمبر 1992 إلى جوان 1995)، وأخرى الى جنوب افريقيا لتأمين الانتخابات وفرز الأصوات (من فيفري 1994 إلى ديسمبر 1995)، وبعثتيْن الى روندا، (الأولى من سبتمبر 1993 إلى جويلية 1994 والثانية من سبتمبر 1994 إلى ديسمبر 1995)، وثلاث بعثات الى بوروندي التي عاشت حربا أهلية (الأولى من سبتمبر 1993 إلى أوت 1994 والثانية من فيفري 1994 إلى ديسمبر 1994 والثالثة من فيفري 2007 إلى ديسمبر 2009)، والى جزر القمر (من نوفمبر 1997 إلى جوان 1999)، والى أثيوبيا وإريتريا حيث نشرت قوّات على طول الحدود (من جويلية 2000 إلى أوت 2008)، والى الكونغو الديمقراطية في مناسبتين (الأولى من جويلية 1960 إلى غاية سنة 1962 والثانية من ماي 2000 إلى جويلية 2010)، والى الكوت ديفوار جوان 2003، والى جمهورية إفريقيا الوسطى (من 2008 إلى 2010 ومن سنة 2021 إلى الآن) وتشاد (من 2008 إلى 2010). وتُسجّل تونس حضورها حاليا في 6 عمليات أمميّة، خمسة منها في إفريقيا بكل من مالي (ابتداء من فيفري 2019) وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى والسّودان (دارفور) والكوت ديفوار.
تطوير ودعم التعاون الاقتصادي والتجاري
وتعمل بلادنا، من منطلق إيمانها بأهميّة دور التجمّعات الاقتصادية الإقليمية في دفع مسيرة التنمية بالقارة الإفريقية ورفع تحدّيات العولمة وفتح مجالات حيوية للصادرات التونسية، على تطوير ودعم التعاون الاقتصادي والتجاري مع هذه التجمّعات.
وفي هذا الإطار تحصّلت تونس، منذ شهر جويلية 2018، على العضوية الكاملة في السّوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي (COMESA "كوميسا") التي تضمّ 22 دولة إفريقيّة وأكثر من 500 مليون ساكن. كما صادقت تونس سنة 2020 على الاتفاقيّة المنشِئة لمنطقة التجارة الحرّة القارية الإفريقية التي تعدّ الأكبر في العالم بتعداد سكاني يتجاوز 1.2 مليار نسمة وبحجم مبادلات تجارية تتجاوز 3 تريليونات دولار سنويا. مع العلم وأنّ الدّول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي تطمح إلى أن تؤدّي الاتفاقية إلى رفع نسبة المبادلات التجارية بين دول القارة من 16 إلى 33 بالمائة من إجمالي تجارتها الخارجية.
وقد دخلت منطقة التبادل التجاري الحرّ الإفريقية "زليكاف" حيز التنفيذ في 30 ماي 2019، لتشمل الاتفاقية البضائع والخدمات والاستثمارات والمنافسة وغيرها من المجالات الاقتصادية.
وتقدمت تونس منذ 4 جوان 2017 بطلب للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO) للحصول على صفة عضو ملاحظ في انتظار عضويّة كاملة.
شراكات حقيقية ومُتكافئة
وشاركت تونس بصفة فعالة في مختلف المنتديات الهادفة إلى تعزيز الشراكة السياسية والاقتصادية بين بلدان الاتحاد الإفريقي والدول الصديقة، حيث دعت إلى ضرورة انتقال هذه الشراكات مِنْ نَماذج التعاون التقليدي إلى شراكات حقيقية ومُتكافئة، تقوم على النِدّية والاحترام المتبادل والثقة والمسؤولية والمصالح المشتركة، بِمَا يَتكيَّف مع المتغيّرات العالمية، وفق ما أفادت به مصادرنا من وزارة الشؤون الخارجية.
وفي هذا السياق، دعت تونس خلال قمة افريقيا- فرنسا (نيروبي 12 ماي 2026) إلى التعجيل بإِصلاح مَجلس الأمن الدّولي بِمَا يعكس التغيّرات الراهنة للنظام الدولي وإِعادة هيكلة النظام المالي العالمي ليكون أكثر عَدْلاً وإنْصَافًا وشُمُوليةً بِمَا يستجيب لاحتياجات الدول النامية وسَدّ فَجْوَة تمويل التنمية من خلال الوفاء بالالتزامات الدولية وَمِنْ خلال تدعيم آليات العمل الدولي المشترك للتَصّدي للأزمات المُستجدّة وَشطب ديون الدّول الفقيرة أو التخفيف منها أو إعادة رسكلتها في ضوء الارتفاع المُشّط لخدمة الدين، كَمَا دَعَا إلى ذلك رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال مشاركته في قمّة تمويل الاقتصاديات الإفريقية المنعقدة بباريس في شهر ماي من سنة 2021.
التكامل الإقليمي والتصنيع
وتتطلّع تونس إلى أن تسهم هذه المنتديات في دعم أولويات القارة التي حدّدها الاتحاد الإفريقي، وفي مقدمتها التكامل الإقليمي والتصنيع، وتحقيق التنمية المستدامة حتى تصبح إفريقيا شريكا كاملا في صياغة مستقبل العالم، لا مجرّد سوق للمواد الأولية أو ساحة للتنافس الدولي.
كما أنه ما فتئت تونس تُشدّد على أنه "لم يَعُدْ مقبولًا أَنْ تبقى إفريقيا، مُجّرد فضاء للتدّخلات أو ساحة للتنافس الدولي، بل يجب أَنْ تكون شريكًا كاملًا في صياغة المصالح المتبادلة وَصُنع القرار من خلال تثمين إمكانياتها الذاتية واحترام استقلالية قرارها التنموي"، حسب ذات المصادر، إضافة إلى أنّ تحقيق ذلك يتطلّب من الدّول الإفريقية توحيد مواقفها والتضامن فيما بينها بهدف إضفاء المزيد من المصداقية والفاعلية للقارّة داخل منظمة الأمم المتحدة دفاعا عن مصالح شعوبها والانخراط بجدية في إصلاح المُنتظم الأممي ومنظومة العلاقات الدولية من أجل إرساء نظام دولي أكثر عدلا وانصافا وإنسانية يقطع مع الممارسات المُجحفة للنظام الدولي الموروث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد أكّدت تونس على أنّ احتفالها يوم 25 ماي 2026، مع سائر الدول الافريقية، بـ"يوم إفريقيا" والذي وافق هذه السنة الذكرى الثالثة والستين لإنشاء مُنظّمة الوحدة الإفريقية، التي تحوّلت فيما بعد إلى "الاتّحاد الإفريقي" سنة 2002، مُناسبة لاستحضار نضالات وتضحيات الآباء المُؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية، لتكون إفريقيا للأفارقة سيّدةً لقرارها ومتحكّمةً في مقدّراتها وثرواتها الطبيعية، وقادرة على فرض مكانتها في النظام الدولي. وعبرت تونس، في بيان أصدرته وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، عن التزامها الثابت بتوطيد عُرى الأخوّة وتوثيق علاقات التعاون مع شقيقاتها في القارّة، على أسس الاحترام المُتبادل والتضامن والشراكة الرابحة والمنفعة المتبادلة.
"زليكاف" ستواصل مرافقة تونس خلال المرحلة المقبلة
ومن جانبه، أكد الأمين العام لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية "زليكاف" وامكيلي ميني، خلال ندوة صحفية عقدها اليوم الجمعة بمقر الأكاديمية الدبلوماسية الدولية بتونس، خصصت لاستعراض نتائج زيارته إلى البلاد من 10 إلى 13 جوان 2026، أن لتونس مُؤهلات مهمة للاستفادة من السوق الإفريقية الموحدة، مُشيرا الى أن القطاع الخاص سيكون المحرك الأساسي لتعزيز المبادلات التجارية والاستثمار داخل القارة.
كما أبرز الدور المُهم الذي لعبته تونس خلال المفاوضات الخاصة بإطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مُضيفا أن التجربة التونسية تُعدّ نموذجًا يمكن البناء عليه لتعزيز التعاون الاقتصادي الإفريقي.
وأفاد الأمين العام أنّ الأمانة العامة لـ"زليكاف" ستواصل مرافقة تونس خلال المرحلة المقبلة، قائلا إن تعزيز حضور المؤسسات التونسية بالأسواق الإفريقية يمثل أحد أهم أهداف المرحلة المقبلة، ما من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الصادرات والاستثمارات التونسية داخل القارة.
نحو إحداث مركز تجاري إفريقي مُتعدّد الاختصاصات
من جهة أخرى، تتجّه تونس إلى مزيد تعزيز حضورها الاقتصادي بالقارة الإفريقية عبر إحداث مركز تجاري إفريقي مُتعدّد الاختصاصات يضمّ فرعا للبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد "افركسيم بنك" وهو ما تمّ الإعلان عنه خلال لقاء جمع، يوم الأربعاء 17 جوان 2026، وزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد بوفد عن البنك وخُصّص للإعداد للانطلاق الرسمي في إجراءات إنجاز هذا المركز، الذي يهدف إلى أن يكون منصة لدعم المؤسسات التونسية الراغبة في دخول الأسواق الإفريقية، عبر توفير خدمات مالية وفنية وآليات مرافقة لفائدة المصدرين.
وحسب ما أفادت به وزارة التجارة، فقد أكّد سمير عبيد أهمية الشراكة القائمة بين تونس و"أفركسيم بنك"، خاصة في ما يتعلق بدعم تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية "زليكاف" وتعزيز نظام الدفع والتسوية لعموم إفريقيا "PAPSS"، الذي كانت تونس أول دولة في شمال إفريقيا تنخرط فيه خلال شهر فيفري 2024.
تونس تدعم الجهود الإفريقية في مواجهة إيبولا
من جهة أخرى، وبتكليف من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، شارك وزير الصحة الدكتور مصطفى الفرجاني، يوم 16 جوان 2026، في اجتماع افتراضي رفيع المستوى خُصّص لمتابعة تطورات تفشي فيروس "إيبولا" بونديبوجيو، والتنسيق إقليميّا ودوليّا للحد من انتشاره، مُؤكّدا أن تونس مُنخرطة في المسؤوليّة التضامنيّة وسرعة التحرك، وتسخير كلّ الخبرات والكفاءات.. كما شدّد على أهمية الترصد الوبائي، والإنذار المُبكر، وجاهزية المنظومات الصحية لمواجهة المخاطر الصحية العابرة للحدود، حسب ما أفادت به وزارة الصحة.