مع اقتراب عيد الأضحى، تستعيد مدينة القيروان (كسائر المدن التونسية)، واحدة من أبرز ملامحها التراثية حيث تنتعش حرفة “الرحي” وشحذ الآلات الحادة في مشهد سنوي يعكس تمسك العائلات بالعادات والتقاليد المرتبطة بهذه المناسبة الدينية.
في أزقة سوق البلاغجية، وبالقرب من سوق الحدادين ينبعث صوت مميز داخل دكان متواضع هو صوت الرحى الحجرية وهي تحتك بالمعدن معلنة عودة الحياة إلى هذه الحرفة العريقة. هناك، التقت “الصباح نيوز” بالحرفي علي الكيلاني وشقيقه خالد اللذين ورثا المهنة عن والدهما منذ أكثر من أربعة عقود محافظين على تقاليد متوارثة جيلا بعد جيل.
داخل الدكان، كان علي بصدد إعداد حجر رحى تقليدي جديد وهي أداة دائرية تصقل بعناية فائقة لتُستخدم في شحذ السكاكين والسواطير وغيرها من الأدوات المستعملة خاصة في الذبح. وفي الجهة المقابلة، كان شقيقه خالد يباشر عملية الشحذ، ممسكا بسكين يعيد لها بريقها وحدتها في حركات دقيقة تعكس خبرة طويلة ومهارة متقنة.
ويؤكد علي أن النشاط في هذه الحرفة أصبح موسميا بالأساس، حيث يبلغ ذروته قبيل عيد الأضحى إضافة إلى بعض الفترات الأخرى مثل موسم جز الخرفان ويضيف أن العمل كان في السابق أكثر انتظاما خاصة مع الإقبال على شحذ المقصات المستعملة في صناعة الزربية إلا أن تراجع هذه الحرفة التقليدية في القيروان أثّر بشكل مباشر على مردودية نشاطهم.
ورغم انتشار وسائل الشحذ الحديثة لا يزال عدد من الحرفاء يفضلون الطريقة التقليدية باستعمال “الحجرة العربي” لما توفره من دقة في العمل وجودة في النتيجة وفق تعبيره. كما أشار إلى أن أسعار الشحذ تبقى في المتناول مما يشجع على استمرار الإقبال خاصة في هذه الفترة التي تسبق العيد.
وتعد هذه الحرفة جزء من الذاكرة الجماعية للمدينة إذ ارتبطت طويلا بالأسواق العتيقة وبحياة الحرفيين الذين حافظوا على استمراريتها رغم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، تواجه اليوم تحديات حقيقية أبرزها عزوف الشباب عن تعلمها مقابل الإقبال على مهن أكثر استقرارا وربحية.
وسط أصوات الرحى التي لا تهدأ، يواصل الشقيقان علي وخالد العمل بشغف وإصرار متمسكين بحرفة لم تعد مجرد وسيلة عيش بل تحولت إلى هوية وموروث عائلي. ويؤكد علي في ختام حديثه أن الأمل لا يزال قائما في تواصل هذه المهنة، قائلاً: “صنعة مكبشين فيها وإن شاء الله نلقاو شكون يخلفنا”.
وبين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر، تظل الرحى تدور في القيروان شاهدة على حرفة تقاوم الاندثار وتجدد حضورها كلما اقترب موعد عيد الأضحى.
ريبورتاج: مروان الدعلول




فيديو رحي الآلات الحادة
