استمعت لجنة المالية والميزانية الثلاثاء إلى هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية، بشأن مقترح قانون يتعلق بتنقيح الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026.
وفي هذا الإطار، بين رئيس الهيئة أنّ الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 المتعلق بتوسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية، أثار عديد الإشكاليات على مستويات مختلفة تتعلّق بتطبيقه الفعلي وبالتأويل التشريعي وبصعوبة امتثال المتعاملين الاقتصاديين لمقتضياته.
ووفق بلاغ صادر عن اللجنة البرلمانية، أكّد أنّ هذه الإشكاليات لا يمكن تجاوزها إلا من خلال تعديل الفصل في حدّ ذاته لتجنّب إسناد سلطة تشريعية للإدارة عبر التأويل من خلال المذكرات التفسيرية.
واعتبر أنّ اعتماد الإدارة على مذكرات تفسيرية قد يؤدّي إلى توسيع مجال التطبيق خارج الإطار التشريعي الأصلي بما من شأنه أن يمنح الإدارة سلطة تأويلية ذات طابع تشريعي، وهو ما يتعارض مع مبادئ الأمن القانوني واستقرار المعاملات
كما أشار إلى أنّ تاريخ دخول هذه الإجراءات حيّز النفاذ لم يراعِ الجاهزية الفعلية للمؤسسات، إذ إنّ اعتماد الفوترة الإلكترونية بصيغة حينية يقتضي توفّر بنية لوجستية واستثمارات تقنية ومالية هامة وهو ما يصعب تحقيقه بالنسبة لعدد كبير من المؤسسات خاصّة الصغرى والمتوسطة.
مجال تطبيق الفصل 53
وأكّد رئيس الهيئة أنّ فرض الامتثال في غياب هذه الشروط قد يؤدّي إلى عجز المؤسسات عن الالتزام، وما يترتّب عن ذلك من مخاطر قانونية وغرامات مالية دون تحقيق الأهداف المرجوّة.
كما بيّن أنّ مجال تطبيق الفصل 53 أضاف عمليات إسداء الخدمات دون تحديد واضح للقطاعات المعنية أو لحجم المعاملات، مستوضحا عن أسباب عدم شمول القطاع الصناعي أو التجاري، وعن معايير تحديد تعريف دقيق لمسدي الخدمات، مع الإشارة إلى أنّ الإدارة اعتمدت على معيار «قرينة التصريح بالوجود».
وأكّد الخبراء المحاسبون أنّه عند إعداد الفصل لم يتم أخذ النسيج الاقتصادي التونسي بعين الاعتبار لضمان قابلية التطبيق الفعلي وتحقيق الامتثال لمثل هذه الإجراءات.
أكثر من 80 % من المؤسسات التونسية فردية أو صغرى
وفي هذا السياق، استندت الهيئة إلى إحصائيات المرصد الوطني للمؤسسات التي تفيد بأنّ أكثر من 80 % من المؤسسات التونسية هي مؤسسات فردية أو مؤسسات صغرى لا يتجاوز عدد العاملين بها خمسة أشخاص من جملة حوالي 825 ألف مؤسسة. كما أنّ 20 % فقط من هذه المؤسسات تنشط في قطاع الخدمات وهي في أغلبها مؤسسات متعددة الاستغلال وهو ما يمثّل عائقًا أمام خضوعها لمنظومة الفوترة الإلكترونية، مشددين على ضرورة مراعاة خصوصية النسيج الاقتصادي الوطني، واقتراح التطبيق التدريجي والفعلي لهذه الإجراءات.
وتطرّق كذلك إلى الإشكاليات المتعلّقة بالكلفة الحقيقية للانخراط في منظومة الفوترة الإلكترونية سواء من حيث كلفة إصدار الفواتير واستخراجها أو كلفة الإسناد والمراقبة، إضافة إلى الأعباء التقنية الناتجة عن تكييف المنظومات المحاسبية القائمة وربطها بالمنظومة العمومية وهو ما يمثّل عبئًا ماليًا إضافيًا خاصّة على المؤسسات الصغرى.
حماية المعطيات
أكّد الخبراء المحاسبين خلال اجتماع اللجنة على ضرورة ضمان التأمين الرقمي للفوترة الإلكترونية قصد تحقيق الشفافية، محذّرين من مخاطر القصور في الأمن الرقمي (sécurité numérique) الذي من شأنه أن يطرح إشكاليات خطيرة من بينها تعميق التهرّب الجبائي وعدم إمكانية التطبيق السليم للفصل، منبهين إلى مخاطر القصور في الأمن الرقمي وحماية المعطيات، خاصة وأنّه لا توجد ضمانات فعلية وكافية لحماية المعطيات الحسّاسة المضمّنة في الفواتير الإلكترونية خاصّة تلك المتعلّقة بالأسعار والتخفيضات والمعاملات التجارية رغم وجود بنود تعاقدية مع المزوّدين بما يفتح المجال لاستغلال المعطيات بطُرق غير مشروعة ويؤثّر سلبًا على المعاملات الاقتصادية ومناخ الاستثمار.
اعتماد مقاربة تدريجية
كما أوضحوا أنّ التجربة التونسية استأنست بالتوجّه الأوروبي في مجال الفوترة الإلكترونية، غير أنّ التجارب المقارنة قامت على مبدأ المرحلية والتدرّج في التطبيق، مع مراعاة الجاهزية التقنية والتنظيمية للمؤسسات وهو ما لم يتم اعتماده بالقدر الكافي في السياق الوطني.
وأكّد في هذا الإطار على ضرورة اعتماد مقاربة تدريجية قائمة على توضيح الإطار القانوني والتنظيمي وتوفير المتطلّبات التقنية الأساسية من تسجيل المؤسسات بالسجل الوطني للمؤسسات إلى تمكينها من المفاتيح الإلكترونية والعناوين التقنية اللازمة لتبادل المعطيات، بما يضمن نجاح التحوّل الرقمي دون الإضرار بالتوازنات الاقتصادية أو تحميل المؤسسات أعباء تفوق قدرتها.
شبكة تونس للتجارة
وبيّن ممثلو هيئة خبراء المحاسبين للبلاد التونسية أن تطبيقة شبكة تونس للتجارة (TTN) موجودة فعليًا، غير أنّ طاقة استيعابها لا تستجيب للكمّ الهائل من المتدخلين المعنيين بالإجراء، وهو ما يحدّ من قابليته للتعميم في وضعها الحالي. وبيّنوا أن علاقتهم بالموضوع تندرج من جهة في إطار التزامهم بتقديم الفاتورة الإلكترونية للحريف، ومن جهة أخرى في علاقتهم بالمؤسسات نظرًا للصعوبات العملية التي تواجهها هذه الأخيرة في اعتماد التطبيقة واستعمالها بصفة ناجعة. وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن إصدار مذكرة من قبل وزارة المالية لن يحل الإشكال باعتبار أن الإجراء تم إقراره بنص تشريعي وبالتالي فإن المشرّع هو الجهة المخوّلة لمراجعته أو تعليقه.
كما قدّموا جملة من الملاحظات حول مقترح القانون من أبرزها ضرورة تعميم الإجراء على جميع المؤسسات الكبرى في معاملاتها مع القطاعين العام والخاص دون تمييز بين المؤسسات أو القطاعات التي تنتمي إليها، إضافة إلى ضرورة منح هذه المؤسسات آجالًا كافية لاعتماد التطبيقة والتأقلم مع متطلبات الإجراء.
وتم في الختام التأكيد على أن الحل الجذري يتمثل في تأجيل العمل بهذا الفصل إلى حين توضيح جميع النقاط المتعلقة به والتثبت من الجاهزية الفعلية لكافة الأطراف المعنية بتطبيقه.
