من ضفاف قرطاج إلى مشارف البتراء، تتجلّى آفاق تعاون استراتيجي وواعد بين تونس والمملكة الأردنية الهاشمية، تعزّزه إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية نحو شراكات عملية في مجالات حيوية ذات بعد تنموي واستراتيجي، وتقارب في الرؤى السياسية مع تطابق في وجهات النظر في عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وقد تعزز هذا التوجه ليكتسب زخمًا لافتًا، تجلّى عبر تبادل زيارات رفيعة المستوى بين البلدين وما رافقها من إعلان عن اتفاقيات في مجالات تعاون جديدة، بما يجعلنا إزاء مرحلة متقدمة من العلاقات الثنائية تقوم على الانتقال من مستوى التنسيق السياسي إلى منطق التعاون العملي القابل للتجسيد والإنجاز على أرض الواقع.
في هذا الخصوص، تكتسب العلاقات بين البلدين بُعدًا خاصًا إذ يتزامن هذا الزخم في التعاون مع إحياء البلدين هذا العام للذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين تونس وعمّان، بما يجعل من هذه المناسبة محطة لتثمين ما تحقق واستشراف آفاق تعاون أعمق وأكثر فاعلية.
وهنا جدير بالذكر أن تونس وعمّان قد نجحتا على مدار عقود في تأسيس مسار دبلوماسي بينهما قائمًا على الاعتدال والتوازن وتغليب لغة الحوار، علاوة على التنسيق المستمر إزاء أمهات القضايا الإقليمية والدولية، بما مكّنهما من الحفاظ على علاقة مستقرة ومتطورة رغم تحديات الفضاء العربي وتغير موازين القوى، حيث يكتسي التنسيق السياسي بين تونس والأردن أهمية خاصة في ظل التحديات الإقليمية المتفاقمة.
وقد حافظت الدبلوماسية في البلدين على قنوات تشاور مفتوحة في مختلف المحافل العربية والدولية، بما يعكس حرصًا مشتركًا على الدفاع عن مقاربات عقلانية توازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات العمل العربي المشترك. كما يشترك البلدان في رؤية تعتبر أن الاستقرار السياسي شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التحديات العابرة للحدود.
وبعيدًا عن أروقة السياسة، يتجه البلدان اليوم بخطى ثابتة نحو مجالات تعاون استراتيجية تواجه، في جوهرها، تحديات القرن الحادي والعشرين، لتبرز قطاعات واعدة كأولوية قصوى في الأجندة المشتركة للبلدين.
إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات
وتأتي في هذا السياق زيارة وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، إلى الأردن الأسبوع الجاري لتعكس الإرادة المشتركة لقادتي البلدين للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر عملية ونجاعة، والانتقال من منطق التعاون التقليدي إلى شراكات قطاعية ذات مردودية ملموسة.
وقد حظي الوزير خلال هذه الزيارة باستقبال من قبل ملك الأردن عبد الله الثاني ابن الحسين، في لقاء أكد عمق العلاقات التي تجمع البلدين وحرص القيادتين على إعطائها دفعًا سياسيًا جديدًا. وتوّجت الزيارة بسلسلة لقاءات رسمية أفضت إلى الاتفاق على تعزيز التعاون وتوسيعه في مجالات الصناعة والتجارة والاستثمار المشترك، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو ترجمة التقارب السياسي إلى مشاريع عملية تخدم المصالح المتبادلة.
البيئة في مواجهة التحديات المشتركة
من جانب آخر، يعدّ ملف البيئة من أبرز مجالات التعاون التي تشهد تطورًا ملحوظًا بين تونس والأردن، في ظل ما يواجهه البلدان من تحديات متشابهة، مما أتاح فرصة لتبادل الخبرات والتجارب، خاصة في مجالات إدارة المياه والطاقة المتجددة والتكيف مع التغير المناخي. ويعكس هذا التعاون وعيًا مشتركًا بأن القضايا البيئية أصبحت اليوم رهانًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
كما تمثل السياحة بدورها مجالًا واعدًا للتعاون بين البلدين، باعتبارها قطاعًا استراتيجيًا قادرًا على دفع النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. وتجمع تونس والأردن مقومات سياحية متكاملة، من السياحة الثقافية والتاريخية إلى السياحة العلاجية والبيئية. وقد فتحت اللقاءات الثنائية الأخيرة آفاقًا لتعزيز الترويج المشترك وتبادل الخبرات في مجال إدارة الوجهات السياحية وتطوير الموارد البشرية، ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تنويع الأسواق السياحية وتعزيز قدرة القطاع على الصمود في وجه الأزمات العالمية.
ولا يقتصر التعاون التونسي الأردني على الجوانب الاقتصادية والبيئية فحسب، بل يشمل أيضًا مجالات التعليم العالي والثقافة والتكوين المهني وغيرها، وينظر إلى هذه الأبعاد باعتبارها استثمارًا طويل المدى في رأس المال البشري وعنصرًا أساسيًا لتعزيز التقارب بين البلدين. كما تشكل هذه المجالات جسورًا ناعمة للدبلوماسية تؤشر إلى ترسيخ نموذج من التعاون الاستراتيجي والإيجابي بين البلدين.
وتجدر الإشارة إلى أن الزخم الحالي في العلاقات بين البلدين يستمد قوته من الرغبة في تفعيل الاتفاقيات إلى واقع ملموس، لا سيما وأن هناك إدراكًا مشتركًا بأن حجم التبادل التجاري لا يزال يحتاج إلى دفعة قوية توازي عمق العلاقات السياسية والتاريخية بين البلدين. لذا، تعمل الهياكل المعنية في كلا البلدين على تذليل العقبات أمام القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات البينية في قطاعات الصناعات الصيدلانية وتكنولوجيا المعلومات والتعليم العالي، لا سيما وأنها قطاعات يتفوق فيها البلدان إقليميًا.
قصة نجاح في عالم صاخب
في هذا الخضم، تؤكد العلاقات التونسية الأردنية بعد سبعة عقود من التفاعل الدبلوماسي أنها علاقة صلبة قادرة على التكيف مع التحولات دون التفريط في ثوابتها. فسبعون عامًا من الدبلوماسية التونسية الأردنية هي في جوهرها قصة نجاح هادئة في عالم صاخب.
وهذا الزخم الذي نشهده اليوم، والذي تُوّج بزيارة وزير الخارجية إلى عمّان، يؤكد أن البلدين قد قررا تحويل التوافق التاريخي إلى واقع ملموس يخدم التنمية والأمن، لا سيما وأن التجارب أثبتت قدرة تونس والأردن على استثمار خبراتهما المشتركة لبناء نموذج عربي يحتذى به في التكامل والتعاون.
ومع طي هذه السنة صفحة العقود السبعة الماضية، يفتح البلدان فصلًا جديدًا من التعاون تكون فيه المشاريع البيئية والسياحية والاقتصادية الأساس الذي يرسخ شراكة عملية ومستدامة بين البلدين.
منال حرزي
من ضفاف قرطاج إلى مشارف البتراء، تتجلّى آفاق تعاون استراتيجي وواعد بين تونس والمملكة الأردنية الهاشمية، تعزّزه إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية نحو شراكات عملية في مجالات حيوية ذات بعد تنموي واستراتيجي، وتقارب في الرؤى السياسية مع تطابق في وجهات النظر في عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وقد تعزز هذا التوجه ليكتسب زخمًا لافتًا، تجلّى عبر تبادل زيارات رفيعة المستوى بين البلدين وما رافقها من إعلان عن اتفاقيات في مجالات تعاون جديدة، بما يجعلنا إزاء مرحلة متقدمة من العلاقات الثنائية تقوم على الانتقال من مستوى التنسيق السياسي إلى منطق التعاون العملي القابل للتجسيد والإنجاز على أرض الواقع.
في هذا الخصوص، تكتسب العلاقات بين البلدين بُعدًا خاصًا إذ يتزامن هذا الزخم في التعاون مع إحياء البلدين هذا العام للذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين تونس وعمّان، بما يجعل من هذه المناسبة محطة لتثمين ما تحقق واستشراف آفاق تعاون أعمق وأكثر فاعلية.
وهنا جدير بالذكر أن تونس وعمّان قد نجحتا على مدار عقود في تأسيس مسار دبلوماسي بينهما قائمًا على الاعتدال والتوازن وتغليب لغة الحوار، علاوة على التنسيق المستمر إزاء أمهات القضايا الإقليمية والدولية، بما مكّنهما من الحفاظ على علاقة مستقرة ومتطورة رغم تحديات الفضاء العربي وتغير موازين القوى، حيث يكتسي التنسيق السياسي بين تونس والأردن أهمية خاصة في ظل التحديات الإقليمية المتفاقمة.
وقد حافظت الدبلوماسية في البلدين على قنوات تشاور مفتوحة في مختلف المحافل العربية والدولية، بما يعكس حرصًا مشتركًا على الدفاع عن مقاربات عقلانية توازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات العمل العربي المشترك. كما يشترك البلدان في رؤية تعتبر أن الاستقرار السياسي شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التحديات العابرة للحدود.
وبعيدًا عن أروقة السياسة، يتجه البلدان اليوم بخطى ثابتة نحو مجالات تعاون استراتيجية تواجه، في جوهرها، تحديات القرن الحادي والعشرين، لتبرز قطاعات واعدة كأولوية قصوى في الأجندة المشتركة للبلدين.
إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات
وتأتي في هذا السياق زيارة وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، إلى الأردن الأسبوع الجاري لتعكس الإرادة المشتركة لقادتي البلدين للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر عملية ونجاعة، والانتقال من منطق التعاون التقليدي إلى شراكات قطاعية ذات مردودية ملموسة.
وقد حظي الوزير خلال هذه الزيارة باستقبال من قبل ملك الأردن عبد الله الثاني ابن الحسين، في لقاء أكد عمق العلاقات التي تجمع البلدين وحرص القيادتين على إعطائها دفعًا سياسيًا جديدًا. وتوّجت الزيارة بسلسلة لقاءات رسمية أفضت إلى الاتفاق على تعزيز التعاون وتوسيعه في مجالات الصناعة والتجارة والاستثمار المشترك، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو ترجمة التقارب السياسي إلى مشاريع عملية تخدم المصالح المتبادلة.
البيئة في مواجهة التحديات المشتركة
من جانب آخر، يعدّ ملف البيئة من أبرز مجالات التعاون التي تشهد تطورًا ملحوظًا بين تونس والأردن، في ظل ما يواجهه البلدان من تحديات متشابهة، مما أتاح فرصة لتبادل الخبرات والتجارب، خاصة في مجالات إدارة المياه والطاقة المتجددة والتكيف مع التغير المناخي. ويعكس هذا التعاون وعيًا مشتركًا بأن القضايا البيئية أصبحت اليوم رهانًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
كما تمثل السياحة بدورها مجالًا واعدًا للتعاون بين البلدين، باعتبارها قطاعًا استراتيجيًا قادرًا على دفع النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. وتجمع تونس والأردن مقومات سياحية متكاملة، من السياحة الثقافية والتاريخية إلى السياحة العلاجية والبيئية. وقد فتحت اللقاءات الثنائية الأخيرة آفاقًا لتعزيز الترويج المشترك وتبادل الخبرات في مجال إدارة الوجهات السياحية وتطوير الموارد البشرية، ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تنويع الأسواق السياحية وتعزيز قدرة القطاع على الصمود في وجه الأزمات العالمية.
ولا يقتصر التعاون التونسي الأردني على الجوانب الاقتصادية والبيئية فحسب، بل يشمل أيضًا مجالات التعليم العالي والثقافة والتكوين المهني وغيرها، وينظر إلى هذه الأبعاد باعتبارها استثمارًا طويل المدى في رأس المال البشري وعنصرًا أساسيًا لتعزيز التقارب بين البلدين. كما تشكل هذه المجالات جسورًا ناعمة للدبلوماسية تؤشر إلى ترسيخ نموذج من التعاون الاستراتيجي والإيجابي بين البلدين.
وتجدر الإشارة إلى أن الزخم الحالي في العلاقات بين البلدين يستمد قوته من الرغبة في تفعيل الاتفاقيات إلى واقع ملموس، لا سيما وأن هناك إدراكًا مشتركًا بأن حجم التبادل التجاري لا يزال يحتاج إلى دفعة قوية توازي عمق العلاقات السياسية والتاريخية بين البلدين. لذا، تعمل الهياكل المعنية في كلا البلدين على تذليل العقبات أمام القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات البينية في قطاعات الصناعات الصيدلانية وتكنولوجيا المعلومات والتعليم العالي، لا سيما وأنها قطاعات يتفوق فيها البلدان إقليميًا.
قصة نجاح في عالم صاخب
في هذا الخضم، تؤكد العلاقات التونسية الأردنية بعد سبعة عقود من التفاعل الدبلوماسي أنها علاقة صلبة قادرة على التكيف مع التحولات دون التفريط في ثوابتها. فسبعون عامًا من الدبلوماسية التونسية الأردنية هي في جوهرها قصة نجاح هادئة في عالم صاخب.
وهذا الزخم الذي نشهده اليوم، والذي تُوّج بزيارة وزير الخارجية إلى عمّان، يؤكد أن البلدين قد قررا تحويل التوافق التاريخي إلى واقع ملموس يخدم التنمية والأمن، لا سيما وأن التجارب أثبتت قدرة تونس والأردن على استثمار خبراتهما المشتركة لبناء نموذج عربي يحتذى به في التكامل والتعاون.
ومع طي هذه السنة صفحة العقود السبعة الماضية، يفتح البلدان فصلًا جديدًا من التعاون تكون فيه المشاريع البيئية والسياحية والاقتصادية الأساس الذي يرسخ شراكة عملية ومستدامة بين البلدين.