إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي.. "بينالي" "جو تونس" في نسخته الجديدة.. خيوط من الأمل تنسجها الفنون

بقلم: لينا لزعر: مختصة في الفن المعاصر ( مؤسسة كمال لزعر)

 

في أعماق أرواحنا التائقة إلى التحرر، حيث تصطدم تطلعاتنا نحو الحرية الفردية والجماعية بظلال الهيمنة، تبرز الفنون كملاذات للمقاومة بأشكالها المختلفة. عندئذ، يصبح كل عمل فني نَفَسًا ضامنا للحياة ونغمة احتجاجية للفرد والجماعة، وتمردًا ناعمًا غير أنه شرس ضد الطغاة.

وتتطلع المعارض الفردية والجماعية التي نستعرضها أدناه، إلى أن تكون بيانات نابضة بالحياة، حيث يتحول كل عمل فني إلى فعل تمرد ضد الظلم.

وتتخذ المقاومة أشكالا لا تُحصى ولا تُعد. فهي أحيانًا بحث عن المعنى في أعماق الذات، وأحيانًا أخرى مطالبة بالتفرد والتميز في عالم يميل إلى تنميط الحياة والتطبيع مع الألم، وقد تكون أيضًا نضالا جماعيا من أجل الكرامة المشتركة. من خلال الصور الفوتوغرافية، والتنصيبات والعروض الفرجوية والذاكرة الموشّاة بالقصص المنسية، يفتح الفنانون المشاركون أبواب عوالمهم الداخلية، داعين إيانا لمشاركتهم في المقاومة التي يخوضونها.

يسعى "جو تونس"، بينالي التحرر الثقافي والفني، الإفريقي في جوهره والكوني في روحه، إلى أن يكون ملاذًا لهذا التوق إلى التحرر من خلال الفن. من 9 أكتوبر إلى 9 نوفمبر الجاري، تقدم هذه الدورة السابعة لضيوفها مجموعة من المعارض، موزعة على مواقع رمزية في تونس العاصمة وضواحيها، ومن بينها فضاءات عامة، لتأكيد التزامنا بفن يكون في متناول الجميع، وقضية مشتركة بين كل الناس.

الصراع الداخلي والانتصار على الذات

لعل أول أشكال المقاومة هي تلك التي تعتمل في أعماق كياناتنا وذواتنا، ثم تنبثق لتؤكد أولويتها وأحقيتها. ويُعدّ معرض "في غرفتي" للبشير الطياشي دعوة للغوص في أعماق النفس البشرية واستكشاف الاضطرابات العاطفية التي تعقبُ انهيار علاقة عاطفية. عبر المسار الحسي الذي أعده الطياشي، نشعر بالغضب والحزن وأخيرًا بالشفاء والتعافي. ويذكّرنا هذا الصراع الداخلي، حيث تصبح كل صورة وكل صوت وكل اهتزاز امتحانا ، بأن المقاومة غالبًا ما تنشأ في أعماق الذات، حيث يخوض الإنسان معركة صامتة ضد شياطينه الخاصة، ليخرج على إثرها إلى النور ويواجه العالم بعد استعادة قوّته.

وتأخذنا غابرييل غولياث في معرضها "شهادات شخصية" إلى أعماق نوع آخر من الصراعات الداخلية، وهو ذلك الصراع الذي يخوضه الناجون من العنف الأبوي. وتسعى غولياث من خلال فنّها، الى مقاومة النسيان وخلق فضاء تصبح فيه سرديات البقاء بمثابة أناشيد تصدح ببطولات يومية غالباً ما يتم تجاهلها. وتدعو الفنانة، عبر منح صوت وجسد لما هو غير مرئي، زائري المعرض للإقرار بالقوة الكامنة في أعماق كل ناجٍ من الناجين من العنف الأبوي، والانضمام إلى المؤمنين بأهمية تبني أخلاقيات جماعية قُوامها الدعم والمساندة.

وتمثل هذه الصراعات الداخلية، سواء كانت من أجل الشفاء أو الاعتراف بالذات أو تأكيدها، أشكالًا متعددة للمقاومة في مواجهة عالم يسعى إلى حصرنا في سرديات باهتة تقوم على "التأضيح" أي معاملة الأشخاص باعتبارهم ضحايا، مما يؤدي إلى شعورهم بالضعف أو العجز والتلاشي.. كما تمثل أفعالَ تمردٍ ضد المعايير والمنظومات السائدة، ومطالبةً بمساحة تتيح لكل فرد من أفراد المجتمع أن يكون كيانًا مكتملًا وحرّاً، مع كل ما يميزه من تفرد وتعددية وهشاشة.

الصداقة والاهتمام: وجوه أخرى للمقاومة

ولا تقتصر المقاومة على النضال الفردي؛ بل تتشكل أيضاً في سياقات جماعية، وتتجسد في الروابط غير المرئية التي تربطنا ببعضنا كبشر.

في معرضAssembly "تجمع" تحت إشراف أمينة المعارض طاوس دحماني، تتحول الخيارات الفردية إلى التزامات جماعية. من خلال الصور الفوتوغرافية، والفيديوهات والتنصيبات يستكشف تسعة فنانين، بين ناشئين وراسخي القدم، الانتفاضات الشعبية التي جرت في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا. ومن خلال أعمالهم، نكتشف كيف يتحول إشْغاُل الفضاءات العامة إلى فعل سياسي أساسي وصوت للمقاومة ضد القمع.

في شارع بورقيبة، ينتصب معرض "نقطة غير مستقرة" في الفضاء العام تحت إشراف طاوس دحماني. ويجمع هذا المعرض بين اثني عشرة فنانًا ومصورًا من إفريقيا وجنوب غرب آسيا، تم اختيارهم للمساهمة في تفكيك الأفكار المسبقة حول الديناميكيات الهوياتية. ويستمد المعرض عنوانه من كتابات عالم الاجتماع ستيوارت هال، الذي أشار إلى أن الهوية تتشكل عند نقطة التقاطع غير المستقرة بين القصص الشخصية والسرديات الثقافية الأوسع.

ويحتفي معرض "نقطة غير مستقرة" بتعددية الإدراكات والتصورات، ويسلط الضوء على تنوع التجارب والتقاليد وعلى تعددية المجتمعات الثقافية والاجتماعية والعرقية والدينية.

أما معرض "آلامنا التي تمتطي صهوة الشمس كما يعتلي الفارس حصان السباق"، الذي ينتظم تحت إشراف أمينة المعارض كميل ليفي، فيستلهم من قصائد إيتيل عدنان لطرح تساؤلات حول حضورنا في هذا العالم. وتستكشف ليفي، من خلال أعمال تسعة فنانين الألم واليأس، ولكن أيضًا التضامن والاهتمام بالآخرين باعتبارها أفعال مقاومة جماعية. وفي مواجهة عبثية العالم، يعيد هؤلاء الفنانون ابتكار سبيل آخر للوجود، يقوم على الترابط والتواصل والاهتمام بالآخر والصداقة. ويذكّرنا هذا الشكل من المقاومة القائم على الاهتمام الرحيم والعلاقات الإنسانية، بأن هناك قوى تجمعنا وتتيح لنا المقاومة المشتركة وتحافظ على شعلة الأمل حيّة، في محاولة لإنقاذ شرف الإنسانية، في خضم الظلم والمآسي التي تكشف عن بشاعة العالم الذي نعيش فيه راهنا.

فلسطين: نضال كوني من أجل الحرية

ينبض قلب المقاومة الجماعية بقوة في النضالات التي تخوضها الشعوب من أجل حريتها. وتُعدّ فلسطين، بتاريخها الطويل في مقاومة الاحتلال والسعي الى استعادة الأرض المسلوبة، رمزًا لهذا التوق العالمي للحرية.

وتتحول الذاكرة، في معرض "فليقبّلك النسيان على فمك" لباسل عباس وروان أبو رحمة، إلى ساحة معركة. فمن خلال عدة تنصيبات، يستكشف الفنانان كيف يصبح محو الشعوب من صفحات التاريخ والتهجير القسري شكلاً من أشكال العنف الفظيع الذي يتوجب مقاومته. ويذكّرنا هذان الفنانان، عبر عروض الأداء والغناء والرقص، بأن الثقافة والذاكرة والهوية هي أشكال للمقاومة لا تقل قوة عن المقاومة بأعتى الأسلحة.

من جانبها، تغوص ريما حسن في حياة اللاجئين الفلسطينيين من خلال معرضها "شذرات من الوطن". وغني عن القول بأن الصور التي تلتقطها ريما حسن في المخيمات ليست مجرد لقطات من الحياة اليومية لفلسطينييّ الشتات، بل هي تجسيد لرباطة جأش وصمود شعب يرفض أن يلفه النسيان؛ شعب يتشبث بتاريخه كما لو أنه خيط أمل غير قابل للتدمير. وتُبيّن ريما حسن، ولعلها في ذلك تستلهم من شعر محمود درويش أن الأمل، حتى في حالات المعاناة القصوى والألم، يبقى شكلاً من أشكال المقاومة ومنارة تنير طريق من يعانون من ظلمات القمع والاستعمار والاجتثاث.

السردية الكبرى للهجرات وعمليات التهجير البشري

وتُعد الهجرة، سواء كانت قسرية أو اختيارية، أيضًا شكلاً من أشكال المقاومة ضد الزوال والتلاشي. وتستكشف آن إيميلي في مشروعها "مليتة، ملجأ" مسالك الهجرة المعاصرة في البحر الأبيض المتوسط، وتربط بينها وبين رحلات الفينيقيين عبر التاريخ القديم. من خلال الصور الفوتوغرافية، تسلط إيميلي الضوء على ذلك السعي الكوني للعثور على ملاذ آمن، وعلى الفعل والصراع من أجل البقاء ومقاومة الفناء والزوال. وتذكرنا صورها بأن الهجرة نضال من أجل الكرامة، من أجل الاعتراف بالذات، ومن أجل الحصول على مساحة يمكن للمرء أن يشعر فيها بوجوده الكامل وغير المنقوص.

أما معرض "بلاَ أمل"، الذي تشرف على تنظيمه أمينة المعارض شيراز مصباح، فيستكشف الهجرة غير النظامية ويسلط الضوء على الجوانب الإنسانية الخفية لهذه الظاهرة. ويدعوننا الفنانون المشاركون في هذا المعرض، من خلال 41 عملاً فوتوغرافياً، إلى إعادة التفكير في تصوراتنا عن النضال من أجل عالم أقل إقصاءً. يعدّ هذا المعرض نداءً صادقًا للتضامن، ونشيدًا يبرز سعي المهاجرين من أجل الكرامة. وهو يذكرنا بأن كل خطوة وكل عبور وكل هجرة، إنما هي شكل من أشكال المقاومة ضد التهميش والحيف والقمع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

ومن خلال هذه المعارض المختلفة، تتشكل خيوط مضيئة من الأمل، تنسجها المقاومات الفردية والجماعية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رأي..   "بينالي" "جو تونس" في نسخته الجديدة..   خيوط من الأمل تنسجها الفنون

بقلم: لينا لزعر: مختصة في الفن المعاصر ( مؤسسة كمال لزعر)

 

في أعماق أرواحنا التائقة إلى التحرر، حيث تصطدم تطلعاتنا نحو الحرية الفردية والجماعية بظلال الهيمنة، تبرز الفنون كملاذات للمقاومة بأشكالها المختلفة. عندئذ، يصبح كل عمل فني نَفَسًا ضامنا للحياة ونغمة احتجاجية للفرد والجماعة، وتمردًا ناعمًا غير أنه شرس ضد الطغاة.

وتتطلع المعارض الفردية والجماعية التي نستعرضها أدناه، إلى أن تكون بيانات نابضة بالحياة، حيث يتحول كل عمل فني إلى فعل تمرد ضد الظلم.

وتتخذ المقاومة أشكالا لا تُحصى ولا تُعد. فهي أحيانًا بحث عن المعنى في أعماق الذات، وأحيانًا أخرى مطالبة بالتفرد والتميز في عالم يميل إلى تنميط الحياة والتطبيع مع الألم، وقد تكون أيضًا نضالا جماعيا من أجل الكرامة المشتركة. من خلال الصور الفوتوغرافية، والتنصيبات والعروض الفرجوية والذاكرة الموشّاة بالقصص المنسية، يفتح الفنانون المشاركون أبواب عوالمهم الداخلية، داعين إيانا لمشاركتهم في المقاومة التي يخوضونها.

يسعى "جو تونس"، بينالي التحرر الثقافي والفني، الإفريقي في جوهره والكوني في روحه، إلى أن يكون ملاذًا لهذا التوق إلى التحرر من خلال الفن. من 9 أكتوبر إلى 9 نوفمبر الجاري، تقدم هذه الدورة السابعة لضيوفها مجموعة من المعارض، موزعة على مواقع رمزية في تونس العاصمة وضواحيها، ومن بينها فضاءات عامة، لتأكيد التزامنا بفن يكون في متناول الجميع، وقضية مشتركة بين كل الناس.

الصراع الداخلي والانتصار على الذات

لعل أول أشكال المقاومة هي تلك التي تعتمل في أعماق كياناتنا وذواتنا، ثم تنبثق لتؤكد أولويتها وأحقيتها. ويُعدّ معرض "في غرفتي" للبشير الطياشي دعوة للغوص في أعماق النفس البشرية واستكشاف الاضطرابات العاطفية التي تعقبُ انهيار علاقة عاطفية. عبر المسار الحسي الذي أعده الطياشي، نشعر بالغضب والحزن وأخيرًا بالشفاء والتعافي. ويذكّرنا هذا الصراع الداخلي، حيث تصبح كل صورة وكل صوت وكل اهتزاز امتحانا ، بأن المقاومة غالبًا ما تنشأ في أعماق الذات، حيث يخوض الإنسان معركة صامتة ضد شياطينه الخاصة، ليخرج على إثرها إلى النور ويواجه العالم بعد استعادة قوّته.

وتأخذنا غابرييل غولياث في معرضها "شهادات شخصية" إلى أعماق نوع آخر من الصراعات الداخلية، وهو ذلك الصراع الذي يخوضه الناجون من العنف الأبوي. وتسعى غولياث من خلال فنّها، الى مقاومة النسيان وخلق فضاء تصبح فيه سرديات البقاء بمثابة أناشيد تصدح ببطولات يومية غالباً ما يتم تجاهلها. وتدعو الفنانة، عبر منح صوت وجسد لما هو غير مرئي، زائري المعرض للإقرار بالقوة الكامنة في أعماق كل ناجٍ من الناجين من العنف الأبوي، والانضمام إلى المؤمنين بأهمية تبني أخلاقيات جماعية قُوامها الدعم والمساندة.

وتمثل هذه الصراعات الداخلية، سواء كانت من أجل الشفاء أو الاعتراف بالذات أو تأكيدها، أشكالًا متعددة للمقاومة في مواجهة عالم يسعى إلى حصرنا في سرديات باهتة تقوم على "التأضيح" أي معاملة الأشخاص باعتبارهم ضحايا، مما يؤدي إلى شعورهم بالضعف أو العجز والتلاشي.. كما تمثل أفعالَ تمردٍ ضد المعايير والمنظومات السائدة، ومطالبةً بمساحة تتيح لكل فرد من أفراد المجتمع أن يكون كيانًا مكتملًا وحرّاً، مع كل ما يميزه من تفرد وتعددية وهشاشة.

الصداقة والاهتمام: وجوه أخرى للمقاومة

ولا تقتصر المقاومة على النضال الفردي؛ بل تتشكل أيضاً في سياقات جماعية، وتتجسد في الروابط غير المرئية التي تربطنا ببعضنا كبشر.

في معرضAssembly "تجمع" تحت إشراف أمينة المعارض طاوس دحماني، تتحول الخيارات الفردية إلى التزامات جماعية. من خلال الصور الفوتوغرافية، والفيديوهات والتنصيبات يستكشف تسعة فنانين، بين ناشئين وراسخي القدم، الانتفاضات الشعبية التي جرت في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا. ومن خلال أعمالهم، نكتشف كيف يتحول إشْغاُل الفضاءات العامة إلى فعل سياسي أساسي وصوت للمقاومة ضد القمع.

في شارع بورقيبة، ينتصب معرض "نقطة غير مستقرة" في الفضاء العام تحت إشراف طاوس دحماني. ويجمع هذا المعرض بين اثني عشرة فنانًا ومصورًا من إفريقيا وجنوب غرب آسيا، تم اختيارهم للمساهمة في تفكيك الأفكار المسبقة حول الديناميكيات الهوياتية. ويستمد المعرض عنوانه من كتابات عالم الاجتماع ستيوارت هال، الذي أشار إلى أن الهوية تتشكل عند نقطة التقاطع غير المستقرة بين القصص الشخصية والسرديات الثقافية الأوسع.

ويحتفي معرض "نقطة غير مستقرة" بتعددية الإدراكات والتصورات، ويسلط الضوء على تنوع التجارب والتقاليد وعلى تعددية المجتمعات الثقافية والاجتماعية والعرقية والدينية.

أما معرض "آلامنا التي تمتطي صهوة الشمس كما يعتلي الفارس حصان السباق"، الذي ينتظم تحت إشراف أمينة المعارض كميل ليفي، فيستلهم من قصائد إيتيل عدنان لطرح تساؤلات حول حضورنا في هذا العالم. وتستكشف ليفي، من خلال أعمال تسعة فنانين الألم واليأس، ولكن أيضًا التضامن والاهتمام بالآخرين باعتبارها أفعال مقاومة جماعية. وفي مواجهة عبثية العالم، يعيد هؤلاء الفنانون ابتكار سبيل آخر للوجود، يقوم على الترابط والتواصل والاهتمام بالآخر والصداقة. ويذكّرنا هذا الشكل من المقاومة القائم على الاهتمام الرحيم والعلاقات الإنسانية، بأن هناك قوى تجمعنا وتتيح لنا المقاومة المشتركة وتحافظ على شعلة الأمل حيّة، في محاولة لإنقاذ شرف الإنسانية، في خضم الظلم والمآسي التي تكشف عن بشاعة العالم الذي نعيش فيه راهنا.

فلسطين: نضال كوني من أجل الحرية

ينبض قلب المقاومة الجماعية بقوة في النضالات التي تخوضها الشعوب من أجل حريتها. وتُعدّ فلسطين، بتاريخها الطويل في مقاومة الاحتلال والسعي الى استعادة الأرض المسلوبة، رمزًا لهذا التوق العالمي للحرية.

وتتحول الذاكرة، في معرض "فليقبّلك النسيان على فمك" لباسل عباس وروان أبو رحمة، إلى ساحة معركة. فمن خلال عدة تنصيبات، يستكشف الفنانان كيف يصبح محو الشعوب من صفحات التاريخ والتهجير القسري شكلاً من أشكال العنف الفظيع الذي يتوجب مقاومته. ويذكّرنا هذان الفنانان، عبر عروض الأداء والغناء والرقص، بأن الثقافة والذاكرة والهوية هي أشكال للمقاومة لا تقل قوة عن المقاومة بأعتى الأسلحة.

من جانبها، تغوص ريما حسن في حياة اللاجئين الفلسطينيين من خلال معرضها "شذرات من الوطن". وغني عن القول بأن الصور التي تلتقطها ريما حسن في المخيمات ليست مجرد لقطات من الحياة اليومية لفلسطينييّ الشتات، بل هي تجسيد لرباطة جأش وصمود شعب يرفض أن يلفه النسيان؛ شعب يتشبث بتاريخه كما لو أنه خيط أمل غير قابل للتدمير. وتُبيّن ريما حسن، ولعلها في ذلك تستلهم من شعر محمود درويش أن الأمل، حتى في حالات المعاناة القصوى والألم، يبقى شكلاً من أشكال المقاومة ومنارة تنير طريق من يعانون من ظلمات القمع والاستعمار والاجتثاث.

السردية الكبرى للهجرات وعمليات التهجير البشري

وتُعد الهجرة، سواء كانت قسرية أو اختيارية، أيضًا شكلاً من أشكال المقاومة ضد الزوال والتلاشي. وتستكشف آن إيميلي في مشروعها "مليتة، ملجأ" مسالك الهجرة المعاصرة في البحر الأبيض المتوسط، وتربط بينها وبين رحلات الفينيقيين عبر التاريخ القديم. من خلال الصور الفوتوغرافية، تسلط إيميلي الضوء على ذلك السعي الكوني للعثور على ملاذ آمن، وعلى الفعل والصراع من أجل البقاء ومقاومة الفناء والزوال. وتذكرنا صورها بأن الهجرة نضال من أجل الكرامة، من أجل الاعتراف بالذات، ومن أجل الحصول على مساحة يمكن للمرء أن يشعر فيها بوجوده الكامل وغير المنقوص.

أما معرض "بلاَ أمل"، الذي تشرف على تنظيمه أمينة المعارض شيراز مصباح، فيستكشف الهجرة غير النظامية ويسلط الضوء على الجوانب الإنسانية الخفية لهذه الظاهرة. ويدعوننا الفنانون المشاركون في هذا المعرض، من خلال 41 عملاً فوتوغرافياً، إلى إعادة التفكير في تصوراتنا عن النضال من أجل عالم أقل إقصاءً. يعدّ هذا المعرض نداءً صادقًا للتضامن، ونشيدًا يبرز سعي المهاجرين من أجل الكرامة. وهو يذكرنا بأن كل خطوة وكل عبور وكل هجرة، إنما هي شكل من أشكال المقاومة ضد التهميش والحيف والقمع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي.

ومن خلال هذه المعارض المختلفة، تتشكل خيوط مضيئة من الأمل، تنسجها المقاومات الفردية والجماعية.