تتجه سياسة الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة نحو مزيد من التشدد، وهو ما عبّر عنه مؤخراً المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر حين أعلن عزمه الاعتماد بشكل أكبر على مبدأ "العصا والجزرة" في التعامل مع دول العالم الثالث.
هذا التصريح يعكس بوضوح طبيعة المقاربة الأوروبية التي لم تعد تكتفي بالاتفاقيات الثنائية أو الشراكات المعلنة، بل تسعى إلى فرض شروطها على دول الجنوب، وخاصة بلدان جنوب المتوسط، لتتحول هذه الأخيرة إلى مجرد حرس حدود متقدم يحمي السواحل الأوروبية.
ورغم تعدد الاتفاقيات الموقعة بين الاتحاد الأوروبي والدول المصدّرة للمهاجرين أو تلك التي تُعتبر مناطق عبور، فإن ذلك لم يمنع من تواصل تدفق المهاجرين، سواء عبر المسارات القانونية أو عبر الهجرة غير النظامية. فالمشكل لا يكمن في غياب الأطر القانونية، بل في طبيعة السياسة الأوروبية ذاتها، التي تنغلق على نفسها وتستند إلى ممارسات تعسفية، متأثرة بتاريخ استعماري طويل لم تنجح أوروبا في تجاوزه.
الأخطر أن هذه السياسة تتسم بانتقائية واضحة: فهي تفتح أبوابها أمام أصحاب الكفاءات والخبرات العالية، بينما تغلقها أمام اليد العاملة غير المختصة، وتزداد تشدداً في قبول ملفات طالبي اللجوء. بهذا المنطق، تتحول الهجرة إلى عملية فرز قاسية، تُدار وفق مصالح اقتصادية ضيقة، بعيداً عن أي اعتبار إنساني أو قانوني.
إن دول جنوب المتوسط، وخاصة بلدان شمال إفريقيا ومنها تونس، مطالبة اليوم بأن تدافع عن مصالحها الفضلى عند التفاوض مع الأوروبيين. فقبول أي تدخل في سياسات هذه الدول أو فرض الأمر الواقع سيؤدي إلى تحويلها إلى مجرد مناطق عبور محاصرة، تتحمل عبء حماية الحدود الأوروبية دون مقابل حقيقي. وهو ما يشكل خطراً على سيادة هذه الدول وعلى استقرارها الاجتماعي والاقتصادي.
ومهما يكن من أمر، فإن السياسة الأوروبية القائمة على التشدد لن تنجح، لأنها مبنية على رؤية ضيقة وغير مبررة. فالهجرة ليست مجرد تهديد أمني أو عبء اقتصادي، بل هي ظاهرة إنسانية واجتماعية مرتبطة بعوامل معقدة: الفقر، البطالة، الحروب، وانعدام العدالة في توزيع الثروات.. وتجاهل هذه الأسباب والاكتفاء بسياسة الردع والتهديد لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر، وإلى تعميق الفجوة بين أوروبا وجوارها الجنوبي.
إن العالم اليوم يحتاج إلى مقاربة أكثر توازناً وعدلاً، تقوم على الحوار والتعاون المشترك، لا على العصا والجزرة. فالهجرة يمكن أن تكون جسراً للتنمية والتبادل الثقافي والاقتصادي إذا ما أُديرت بسياسات عقلانية تراعي مصالح جميع الأطراف. أما استمرار أوروبا في فرض منطق القوة والانتقائية، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الأزمات، وإلى تكريس صورة العولمة المتوحشة التي لا ترى في الإنسان سوى رقماً في معادلة الربح والخسارة.
رفيق بن عبد الله
تتجه سياسة الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة نحو مزيد من التشدد، وهو ما عبّر عنه مؤخراً المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر حين أعلن عزمه الاعتماد بشكل أكبر على مبدأ "العصا والجزرة" في التعامل مع دول العالم الثالث.
هذا التصريح يعكس بوضوح طبيعة المقاربة الأوروبية التي لم تعد تكتفي بالاتفاقيات الثنائية أو الشراكات المعلنة، بل تسعى إلى فرض شروطها على دول الجنوب، وخاصة بلدان جنوب المتوسط، لتتحول هذه الأخيرة إلى مجرد حرس حدود متقدم يحمي السواحل الأوروبية.
ورغم تعدد الاتفاقيات الموقعة بين الاتحاد الأوروبي والدول المصدّرة للمهاجرين أو تلك التي تُعتبر مناطق عبور، فإن ذلك لم يمنع من تواصل تدفق المهاجرين، سواء عبر المسارات القانونية أو عبر الهجرة غير النظامية. فالمشكل لا يكمن في غياب الأطر القانونية، بل في طبيعة السياسة الأوروبية ذاتها، التي تنغلق على نفسها وتستند إلى ممارسات تعسفية، متأثرة بتاريخ استعماري طويل لم تنجح أوروبا في تجاوزه.
الأخطر أن هذه السياسة تتسم بانتقائية واضحة: فهي تفتح أبوابها أمام أصحاب الكفاءات والخبرات العالية، بينما تغلقها أمام اليد العاملة غير المختصة، وتزداد تشدداً في قبول ملفات طالبي اللجوء. بهذا المنطق، تتحول الهجرة إلى عملية فرز قاسية، تُدار وفق مصالح اقتصادية ضيقة، بعيداً عن أي اعتبار إنساني أو قانوني.
إن دول جنوب المتوسط، وخاصة بلدان شمال إفريقيا ومنها تونس، مطالبة اليوم بأن تدافع عن مصالحها الفضلى عند التفاوض مع الأوروبيين. فقبول أي تدخل في سياسات هذه الدول أو فرض الأمر الواقع سيؤدي إلى تحويلها إلى مجرد مناطق عبور محاصرة، تتحمل عبء حماية الحدود الأوروبية دون مقابل حقيقي. وهو ما يشكل خطراً على سيادة هذه الدول وعلى استقرارها الاجتماعي والاقتصادي.
ومهما يكن من أمر، فإن السياسة الأوروبية القائمة على التشدد لن تنجح، لأنها مبنية على رؤية ضيقة وغير مبررة. فالهجرة ليست مجرد تهديد أمني أو عبء اقتصادي، بل هي ظاهرة إنسانية واجتماعية مرتبطة بعوامل معقدة: الفقر، البطالة، الحروب، وانعدام العدالة في توزيع الثروات.. وتجاهل هذه الأسباب والاكتفاء بسياسة الردع والتهديد لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر، وإلى تعميق الفجوة بين أوروبا وجوارها الجنوبي.
إن العالم اليوم يحتاج إلى مقاربة أكثر توازناً وعدلاً، تقوم على الحوار والتعاون المشترك، لا على العصا والجزرة. فالهجرة يمكن أن تكون جسراً للتنمية والتبادل الثقافي والاقتصادي إذا ما أُديرت بسياسات عقلانية تراعي مصالح جميع الأطراف. أما استمرار أوروبا في فرض منطق القوة والانتقائية، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الأزمات، وإلى تكريس صورة العولمة المتوحشة التي لا ترى في الإنسان سوى رقماً في معادلة الربح والخسارة.