لم تكن الفيضانات التي اجتاحت خلال الأيام الماضية عدداً من مناطق الجمهورية حدثاً عادياً أو عابراً. لقد كانت سيولاً جارفة غير مسبوقة، غمرت في وقت وجيز المدن والطرقات والمنازل، وجرت الوديان بشكل طوفاني كشف عن هشاشة البنية التحتية، وعن عمق أزمة إدارة المجال العمراني في تونس.
لم تكتف الطبيعة في غضبها بتذكيرنا بضعفنا أمام قوتها، بل فضحت أيضاً حجم الفساد والتجاوزات التي تراكمت عبر سنوات من الإهمال وسوء التخطيط.
لقد أظهرت هذه الكارثة أن كثير من مشاريع البنية التحتية، التي صرفت عليها أموال طائلة، أنجزت في إطار مقاولات مشوبة بالفساد، أو بطرق لا تراعي المعايير الهندسية والبيئية. كما كشفت السيول عن خطورة البناء العشوائي على أطراف مجاري الأودية وعلى السواحل البحرية، بما يمثل اعتداءً صارخاً على الملك العمومي البحري والساحلي، ويضاعف من المخاطر عند كل هطول غزير للأمطار.
لكن القضية لا تقف عند حدود الفساد أو سوء التخطيط. فالفيضانات الأخيرة هي أيضاً جرس إنذار مناخي. شمال أفريقيا وحوض المتوسط يشهدان تغيرات مناخية متسارعة، تجعل من تكرار مثل هذه الكوارث في فترات زمنية قصيرة أمراً واقعاً لا مفر منه. إن الحديث عن "الاستثناء" لم يعد مقنعاً؛ بل نحن أمام نمط جديد من الطقس العنيف الذي يفرض استعداداً جدياً واستراتيجياً.
في هذا السياق، برزت ثغرة خطيرة: غياب منظومة إنذار مبكر فعّالة، إذ رغم التحذيرات التي قدمتها مصالح الرصد الجوي واللجان الجهوية للتوقي من الكوارث، فإن تونس ما زالت تفتقر إلى نظام قادر على تنبيه السكان بسرعة، وإلى آليات تُمكّن السلطات من اتخاذ القرارات في الوقت المناسب. إن التأخر في التحرك يضاعف الخسائر البشرية والمادية، ويجعل التدخلات أشبه بردود فعل مرتجلة بدل أن تكون خططاً مدروسة.
ومهما يكن من أمر، فإن حجم الخسائر التي خلفتها السيول الجارفة في الأرواح والممتلكات والبنية التحتية يفرض اليوم ضرورة الإسراع في مراجعة مخططات التدخل أثناء الطوارئ، وتحيينها بما يتماشى مع التطورات المناخية المتسارعة على مستوى العالم. كما يفرض وضع خطط صارمة للتصدي للتجاوزات الحاصلة على الملك العمومي، ومراجعة رخص البناء والتجارة التي أُسندت بطرق غير قانونية، بعيداً عن الشفافية والمصلحة العامة.
إن تونس بحاجة إلى منظومة إنذار مبكر متطورة، تستبق الكوارث الطبيعية والبيئية بوقت ملائم، وتساعد على سرعة اتخاذ القرارات وتنفيذها، وتعميمها على نطاق واسع. هذه المنظومة يجب أن تعتمد على الإمكانيات الاتصالية الحديثة، وعلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن سرعة التدخل من قبل أجهزة الحماية المدنية والأمنية، ويقلل من حجم الخسائر، ويعزز ثقة المواطن في قدرة الدولة على حمايته.
الفيضانات الأخيرة لم تكن مجرد كارثة طبيعية؛ كانت امتحاناً عسيراً كشف عن مواطن ضعفنا، وعن الحاجة الملحة إلى إصلاحات جذرية في إدارة المجال العمراني، وفي منظومات الحماية والإنذار، ولن يؤدي الاستمرار في تجاهل هذه الدروس الا إلى انتظار الكارثة المقبلة، وربما بأثمان أثقل وأفدح..
رفيق بن عبد الله
لم تكن الفيضانات التي اجتاحت خلال الأيام الماضية عدداً من مناطق الجمهورية حدثاً عادياً أو عابراً. لقد كانت سيولاً جارفة غير مسبوقة، غمرت في وقت وجيز المدن والطرقات والمنازل، وجرت الوديان بشكل طوفاني كشف عن هشاشة البنية التحتية، وعن عمق أزمة إدارة المجال العمراني في تونس.
لم تكتف الطبيعة في غضبها بتذكيرنا بضعفنا أمام قوتها، بل فضحت أيضاً حجم الفساد والتجاوزات التي تراكمت عبر سنوات من الإهمال وسوء التخطيط.
لقد أظهرت هذه الكارثة أن كثير من مشاريع البنية التحتية، التي صرفت عليها أموال طائلة، أنجزت في إطار مقاولات مشوبة بالفساد، أو بطرق لا تراعي المعايير الهندسية والبيئية. كما كشفت السيول عن خطورة البناء العشوائي على أطراف مجاري الأودية وعلى السواحل البحرية، بما يمثل اعتداءً صارخاً على الملك العمومي البحري والساحلي، ويضاعف من المخاطر عند كل هطول غزير للأمطار.
لكن القضية لا تقف عند حدود الفساد أو سوء التخطيط. فالفيضانات الأخيرة هي أيضاً جرس إنذار مناخي. شمال أفريقيا وحوض المتوسط يشهدان تغيرات مناخية متسارعة، تجعل من تكرار مثل هذه الكوارث في فترات زمنية قصيرة أمراً واقعاً لا مفر منه. إن الحديث عن "الاستثناء" لم يعد مقنعاً؛ بل نحن أمام نمط جديد من الطقس العنيف الذي يفرض استعداداً جدياً واستراتيجياً.
في هذا السياق، برزت ثغرة خطيرة: غياب منظومة إنذار مبكر فعّالة، إذ رغم التحذيرات التي قدمتها مصالح الرصد الجوي واللجان الجهوية للتوقي من الكوارث، فإن تونس ما زالت تفتقر إلى نظام قادر على تنبيه السكان بسرعة، وإلى آليات تُمكّن السلطات من اتخاذ القرارات في الوقت المناسب. إن التأخر في التحرك يضاعف الخسائر البشرية والمادية، ويجعل التدخلات أشبه بردود فعل مرتجلة بدل أن تكون خططاً مدروسة.
ومهما يكن من أمر، فإن حجم الخسائر التي خلفتها السيول الجارفة في الأرواح والممتلكات والبنية التحتية يفرض اليوم ضرورة الإسراع في مراجعة مخططات التدخل أثناء الطوارئ، وتحيينها بما يتماشى مع التطورات المناخية المتسارعة على مستوى العالم. كما يفرض وضع خطط صارمة للتصدي للتجاوزات الحاصلة على الملك العمومي، ومراجعة رخص البناء والتجارة التي أُسندت بطرق غير قانونية، بعيداً عن الشفافية والمصلحة العامة.
إن تونس بحاجة إلى منظومة إنذار مبكر متطورة، تستبق الكوارث الطبيعية والبيئية بوقت ملائم، وتساعد على سرعة اتخاذ القرارات وتنفيذها، وتعميمها على نطاق واسع. هذه المنظومة يجب أن تعتمد على الإمكانيات الاتصالية الحديثة، وعلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن سرعة التدخل من قبل أجهزة الحماية المدنية والأمنية، ويقلل من حجم الخسائر، ويعزز ثقة المواطن في قدرة الدولة على حمايته.
الفيضانات الأخيرة لم تكن مجرد كارثة طبيعية؛ كانت امتحاناً عسيراً كشف عن مواطن ضعفنا، وعن الحاجة الملحة إلى إصلاحات جذرية في إدارة المجال العمراني، وفي منظومات الحماية والإنذار، ولن يؤدي الاستمرار في تجاهل هذه الدروس الا إلى انتظار الكارثة المقبلة، وربما بأثمان أثقل وأفدح..