من مبعوث "الصباح نيوز" إلى الصين.. رفيق بن عبدالله
لا يختلف اثنان في حقيقة نعيشها اليوم خاصة في الوطن العربي وتونس تحديدا، وهي أن من بين الاستثمارات المهمة التي عملت الصين على تجسيمها خلال العقود الماضية، في هدوء ممزوج بالحكمة والصبر تدفعها إرادة قيادية ثاقبة وتمكن من آليات التخطيط الاستراتيجي، الرهان على الانفتاح على العالم من بوابة التبادل الثقافي وحث الجامعيين والمثقفين والطلبة الصينيين على دراسة وفهم ثقافات الشعوب الأخرى وتعلم لغاتهم..
اليوم تقطف الصين ثمار جهود طويلة لم تسبق إليها دول أخرى في العالم، بدأت بارساء نواة خلال نهاية الخمسينات من القرن الماضي، لجامعة تهتم بدراسة ثقافات الدول والشعوب وحتى بعض الاثنيات العرقية، في سعيها للانفتاح على العالم، لكن أيضا إيمانا منها بأن الثقافة واللغة هي لا فقط جسر بين الشعوب لتتقارب وتتعارف، ووسيلة لا مفر منها لتقوية علاقات التعاون مع الدول، بل أيضا بوابة ثمينة لفهم الآخر والتواصل معه، تمهيدا لأهداف أخرى إستراتيجية لا تقل قيمة وعمقا ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية واقتصادية.
وفي تونس نلمس في السنوات الأخيرة دفعة مُتجددة للعلاقات التونسية-الصينية مُعززة بهذا الانفتاح المُتبادل في الواقع مع إرادة مُشتركة بين البلدين، من خلال عدة تمثلات لعل من بينها تضاعف التعاون في المجالات الاقتصادية كالتجارة والصناعة والطاقة والسياحة والخدمات، وتدفق ملحوظ في الاستثمارات الصينية على بلادنا..
وهذا الحراك لم يكن ليتحقق الا من خلال أمرين الأول توفّر الإرادة السياسية المشتركة لدعم الانفتاح والتبادل المشترك، والثاني في توفر الكفاءات والإيمان بدور التبادل الثقافي والعلمي والتكنولوجي واستدعاء الجامعة والجامعيين للقيام بدورهم في مد جسور التعاون والتبادل الثقافي والمعرفي وتمكين الطلبة من الجانبين من تعلم اللغة الصينية واللغة العربية..
فمن خلال توظيفها لنخبة من الاكاديميين والمفكرين والمثقفين الصينيين، واستغلال قنوات التعاون القائمة مع جل دول العالم، نجحت الصين في وضع أسس جامعة الدراسات الأجنبية، وتعزيز فروعها وتميكنها من اعتمادات مالية وبنية تحتية محترمة تضاهي وتنافس كبرى الجامعات المتخصصة العالمية.
فالجامعة الصينية العريقة تدرس اليوم 101 لغة من اللغات الحية المعتمدة بمنظمة الأمم المتحدة، ومنها طبعا اللغة العربية، كما تفتح الجامعة مسارات أكاديمية وعلمية أخرى مثل العلوم السياسية والدراسات الإقليمية والموسيقى والإعلام والحقوق والذكاء الاصطناعي..
وتأسس قسم اللغة العربية بجامعة الدراسات الأجنبية ببكين في عام 1958، وتحول إلى كلية اللغة العربية في عام 1981، قبل تغيير اسمها لتصبح كلية الدراسات العربية سنة 2005.
بدأت الكلية منح شهادة الماجستير والدكتوراه في تخصص اللغة العربية وآدابها في عامي 1981 و1986 على التوالي وهي الأول من نوعها في الصين.
وفي سنة 2018 تم إدراج مركز الأبحاث لدول الخليج العربية التابع للكلية في فهرس CTTI لمراكز الفكر الصيني في عام 2018.
وتقول عميدة كلية الدراسات العربية السيدة بهية (الاسم العربي) أن الكلية تمكنت عبر عقود من إعداد أجيال من المتخصصين الصينيين في اللغة والثقافة العربيتين، ممن ساهموا في دعم العلاقات الصينية العربية في مجالات السياسة والدبلوماسية والثقافة والاقتصاد والتعليم.
وأضافت خلال لقاء انتظم يوم 14 ماي 2026 بمقر الكلية التي تتبع جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، بوفد من ممثلي وسائل إعلام تونسية جاؤوا في رحلة تعارف وسياحة الى الصين، أن الجامعة تعمل اليوم على تعزيز حضور هذا القسم وتطويره بما يتماشى مع توسع العلاقات الصينية العربية.
وقالت بحماس لافت، بأنها تعمل حاليا على دعم التبادل الطلابي بين تونس والصين، واستقطاب الطلبة التونسيين للدراسة بالصين في كافة المجالات، فضلا عن دعم اطار التدريس بالكلية بكفاءات جامعية تونسية وتشجيع الطلاب الصينيين على زيارة تونس لتعزيز تكوينهم في اللغة والثقافة العربية والتونسية على وجه الخصوص.
وبعد تقديمها كلمة ترحيبية بالوفد الإعلامي التونسي، اعتبرت أن كلية الدراسات العربية هي جسر للصداقة بين الشعبين الصيني والعربي، وأفادت ان الكلية تقدم مجموعة متنوعة من البرامج الأكاديمية، وتتوفر على مكتبة متميزة تحتوي عناوين مختلفة من البحوث والدراسات والمؤلفات العربية القيمة في عدة اختصاصات أدبية وعلمية، كماويوجد بها مركزًا للدراسات العربية.
وكشفت عميدة الكلية انه، وخلال العقود الستة الماضية، تخرج أكثر من 2000 طالب وطالبة في كلية الدراسات العربية، يساهمون في مجالات مختلفة تخدم الصداقة الصينية العربية بما فيها الشؤون الخارجية والتجارة الدولية والتبادل الثقافي والصحافة والتعليم والبحث الأكاديمي والشؤون العسكرية الخ..،
واكدت ان أكثر من نصف الدبلوماسيين الناطقين باللغة العربية من خريجي الكلية، منهم أكثر من 50 سفيرًا وأكثر من مائة مستشار، يعملون لدى وزارة الخارجية الصينية، علما ان جامعة الدراسات الاجنبية تخرج منها اكثر من 500 سفير وآخرون يعملون في السفارات الصينية بالخارج بعد تلقيهم تكوينا متخصصا في احدى اللغات الأجنبية.
كما يعمل معظم خريجي الكلية من الخبراء في الترجمة بين الصينية والعربية، في وزارة الخارجية ووزارة التجارة وغيرهما من الوزارات والدوائر الحكومية والشركات الكبرى العابرة للقارات..
يذكر ان جامعة الدراسات الأجنبية تربطها شراكات مع عدد من المؤسسات الجامعية في تونس، من بينها جامعة سوسة وجامعة قرطاج، وتم خلال زيارة وفد من الجامعة الصينية الى تونس يتراسه رئيس الجامعة في 5 ديسمبر 2025، توقيع مذكرة تفاهم جديدة مع جامعة قرطاج تضمنت محاور عدة مثل إحداث دروس مشتركة وتبادل زيارات الأساتذة والطلبة وتنفيذ مشاريع بحثية مشتركة في مجالات الدراسات الإقليمية والقطاعية، فضلا عن تنظيم تبادلات ميدانية تسهم في تعزيز التقارب الأكاديمي بين الجانبين.







