إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في الاستطلاع العالمي للاتزان الرقمي.. 53 % من سكان المعمورة تعرضوا لمحتوى ضار عبر الأنترنت

 

  • 77%من المشاركين يسعون متعمدين للحد من وقتهم على الانترنت
  • ما يقارب 73 % أكدوا أن وسائل التواصل الاجتماعي مصممة للإدمان عليها
  • ارتفاع نسبة القلق بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي من 47% في عام 2021 إلى 52 بالمائة هذه السنة

تونس – الصباح

لم يعُد من الممكن اليوم إنكار أو تجاهل بأنّ هناك قلقا عاما بصدد التزايد يوميا، سواء في تونس أو في كل دول العالم، تجاه استعمالات التقنيات الرقمية والأضرار المحتملة والمخاطر الناتجة عنهابالرغم من أنها أصبحت أمرا واقعا وضرورة حياة وعمل فيها من الفوائد الكثيرة التي لا تُحصى ولا تُعد، ولكنها في ذات الوقت تحولت إلى حالة إدمان لدى كثيرين من مستغلي هذه التقنيات الرقمية خاصة منها مواقع التواصل الاجتماعي.

فمتى كانت آخر مرة استغنيتم فيها عن استخدام الانترنت ليوم كامل؟ بالنسبة للكثيرين منا ستكون الإجابة لمدة شهور، إن لم يكن سنوات. فقد أصبحت الأدوات والخدمات الرقمية مرتبطة بشكل وثيق بالحياة الحديثة بدءا من أجهزة تتبع النوم القابلة للارتداء، والمنبهات على هواتفنا المحمولة، والتحقق من حالة الطقس، واستخدام تطبيقات الدفع "اللاتلامسي" لدفع تكاليف النقل إلى العمل، وكل ذلك خلال ساعات الصباح الأولى فقط.

يبدو واضحا أنّ هذه الأدوات باتت تساهم بشكل كبير في تحسين حياتنا لناحية السرعة والراحة والكفاءة التي نكتسبها من كل شيء.

ولكن من الضروري التساؤل عن حقيقة تأثير التكنولوجيا على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

إيمان عبد اللطيف

طرح الاستطلاع العالمي للاتزان الرقمي لسنة 2024 الذي أجراه برنامج "سنيك" لمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) هذه الجدلية التي تدور حول سؤال جوهري كيف يتم تعزيز الاتزان الرقمي على المستوى العالمي ومساعدة البشرية على استخدام التقنيات الرقمية بوعي وتوازن من خلال استطلاع رأي الناس في هذا الشأن وفهم توجهاتهم.

قال رئيس أبحاث برنامج "سينك" بمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) فهد البياهي إنّه "علينا الاستمرار بطرح أسئلة حاسمة حول تأثير التكنولوجيا على صحتنا الجسدية والنفسية والاجتماعية، بدءا من علاقتنا في العالم المادي وصولا إلى التزاماتنا بتحقيق الكفاءة والإنتاجية وقدرتنا على تحقيق أهدافنا".

وبالتالي، لدى سؤال المشاركين في هذا الاستطلاع، والذين بلغ عددهم 35 ألف شخص موزعين على 35 دولة ومن أجيال متعددة، عما إذا كانت الأدوات الرقمية نعمة أم نقمة، فقالت الأغلبية إنها تؤثر بشكل إيجابي على جميع جوانب حياتنا، وتوفر مستوى أعلى من الأمن والوصول إلى كافة المجالات من الصحة إلى التعليم والتصنيع. وهذا أمر مستحيل لولا وجود التكنولوجيا الرقمية.

من جهة أخرى، تنطوي الرقمنة على مخاطر عدة مثل الاستخدام المفرط والإشكالي، والانفصال عن الواقع، واحتمال تعرض بعض المستخدمين لمحتوى ضار. وتعد هذه المخاطر جزءا لا يتجزأ من سبل اختيارنا وتشجيعنا على الاستفادة من الأدوات الرقمية المتطورة المتاحة لنا بسهولة.

الاتزان الرقمي.. قضاء الوقت على الانترنت

أفرز تقرير الاستطلاع العالمي للاتزان الرقمي 2024 الذي أعده برنامج  "سنيك" 6 نتائج بارزة تتعلق على التوالي بـ "توازن أفضل"، "الذكاء الاصطناعي في دائرة الضوء"، "عصر جديد لوسائل التواصل الاجتماعي" التي تُعد مصدرا لخير المجتمع، وقد تكون أيضا مركزا للأمراض الاجتماعية، "الألعاب الإلكترونية تتطور وكذلك التحديات"، "تأثير المرونة في العمل"، "القوانين أمر جوهري".

ما يدعو للانتباه في هذا الاستطلاع العالمي هو الإشكالية المحورية والجوهرية أو بالأحرى المعضلة الكبرى التي تمّ طرحها بخصوص ما أسماه التقرير "الاتزان الرقمي"، "فالتفاعل بين الإنسان والآلة يُعيد صياغة المجتمعات، ومع أنّ هذه التغيّرات إيجابية إلى حد كبير لمساهمتها في تحسين حياة مليارات الأشخاص، لكنها لا تخلو بطبيعة الحال من بعض التحديات والعواقب غير المتوقعة".

لا شكّ، وكما ذكر ذلك التقرير، أنّ "الانترنت غيّرت العالم وأثرت على طريقة عملنا وتعلّمنا وراحتنا ولعبنا. كما خلقت منظومة جديدة بالمطلق تستكمل مؤسسات العالم المادي وتُغطي كافة مجالات النشاط البشري من التعليم والرعاية الصحية إلى تجارة التجزئة والتمويل وغيرها الكثير".

عدد وتكرار  الإعجابات والتعليقات والمشاركات..

قد "ربطت الانترنت بيننا، وخلقت عددا لا يُحصى من العلاقات الافتراضية التي لا تُقيدها الجغرافيا أو التراتبية المهنية أو الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من عمق هذه العلاقات – أو أفسدتها في كثير من الأحيان- إذ يُعتبر عدد وتكرار الاعجابات والتعليقات والمشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يمكن أن توفر إحساسا بالتفاعل الاجتماعي والانتماء، دوافع قوية لليأس، خاصة عندما يقاس شعور المرء بقيمته الذاتية وفقا لهذه العوامل الخارجية".

أضاف تقرير الاستطلاع العالمي للاتزان الرقمي 2024 أنّ "هذه الاشعارات تُعدّ اليوم جزءا لا يتجزأ من حياة "المتصلين بالانترنت". فقد كشفت دراسة أجرتها منظمة "كومن ساينس ميديا" شملت مراهقين تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاما في عام 2023، أن المراهق العادي يتلقى حوالي 237 إشعارا عبر الهاتف الذكي يوميا، أي ما يُعادل حوالي 7،400 إشعار شهريا".

وأضاف أنّه "علاوة على ذلك، هناك الكثير من الخيارات المتاحة للأشخاص للبقاء نشطين رقميا، مثل متجر "غوغل بلاي" الذي يضم أكثر من 3،5 مليون تطبيق، ومتجر "آبل" الذي يضم أكثر من 1،6 مليون تطبيق. فقد ساهمت هذه الابتكارات في تغيير حياة الناس، مما يؤكد قيمة التقنيات الرقمية كمحفز للتقدم الاجتماعي والاقتصادي. وفي ضوء الجاذبية الكبيرة للتقنيات الرقمية بات من الصعب على الناس الابتعاد عن الشاشة إلى حد أصبحت فيه هذه التقنيات في بعض الحالات تسيطر على الناس بدلا من العكس".

"قطع الاتصال المتعمد"

في المقابل، أوضح التقرير أنّ الناس يجدون توازنا أفضل في استخدامهم للتكنولوجيا ويدركون أكثر تأثيرها السلبي على صحتهم، فأظهرت نتائج الاستطلاع تحوّلا حاسما أيضا، فقد قال 77 بالمائة من المشاركين أنهم يسعون متعمدين للحد من وقتهم على الانترنت، مثل إيقاف تشغيل إشعارات هواتفهم المحمولة وحتى حذف التطبيقات غير المرغوب فيها.

ومع ذلك قال 55 بالمائة من الأشخاص الأكبر سنا (59 عاما فأكثر) إنّهم يقضون على الانترنت المدة التي يرغبون فيها.

ويمارس العديد من الأشخاص قدرتهم على الاختيار، حيث قال أكثر من نصف المشاركين (53 بالمائة) إن التوازن بين حياتهم على الانترنت وخارجها قد تحسّن خلال العام الماضي خاصة بين أبناء جيل "زد" (56 بالمائة) وجيل الألفية (60 بالمائة). ومع ذلك قال الثلث فقط من الأشخاص الأكبر سنّا (34 بالمائة) إنّ التوازن في استخدامهم للتكنولوجيا الرقمية قد تحسن.

وأضاف التقرير أنّ توجه "قطع الاتصال المتعمد" يظهر بشكل واضح بين الأجيال الأصغر سنّا، رغم أنّهم نشأوا كمواطنين رقميين قادرين على الوصول إلى عالم الانترنت وتكنولوجيا المعلومات طوال سنوات نشأتهم. وهذا يتناقض مع الكثيرين من الأشخاص الأكبر سنا، الذين تعلموا "أساليب التكنولوجيا الرقمية" في وقت لاحق من حياتهم، حيث يجد الكثير منهم صعوبة في مواكبة أو التكيف مع التقنيات الناشئة التي تُغير المشهد الرقمي.

وفي استطلاع 2024، قال حوالي ثلث المشاركين من جيل الألفية (30 بالمائة) إنهم يقضون وقتا أطول مما يريدون على الانترنت مقارنة بما يقرب من النصف من نفس الفئة العمرية (54 بالمائة) في استطلاع لسنة 2021. بينما قال ما يقرب من الثلثين (62 بالمائة) إنهم يقضون القدر المناسب من الوقت على الانترنت، وهذا أعلى بنسبة 13 بالمائة عمّا كان عليه في عام 21.

بروز نقاط الضغط.. تفكك اجتماعي

في حين  يحظى المزيد من الأشخاص في جميع أنحاء العالم بإمكانية الوصول إلى المعلومات والتفاعل الاجتماعي عبر الانترنت، إلا أن هناك أيضا زيادة في التفكك الاجتماعي الناتج عن قطبية الآراء عبر الانترنت. فكما هو الحال في مجتمعات العالم المادي، يشهد عالم الانترنت مشكلات عميقة أيضا.

فهناك مخاوف أخرى بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، فقد وافق ما يقرب 73 بالمائة على أن "وسائل التواصل الاجتماعي مصممة للإدمان عليها"، كما ارتفعت نسبة القلق بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي من 47 بالمائة في عام 2021 إلى 52 بالمائة هذه السنة.

يجب استكشاف التأثير السلبي للتكنولوجيا على الصحة النفسية والجسدية للأشخاص بشكل أكبر لتحديد الحلول المناسبة كما أكّد على ذلك تقرير الاستطلاع العالمي.

فقد وافق واحد من كل خمسة أشخاص (21 بالمائة) على عبارة "استخدامي للتكنولوجيا الرقمية يؤزم صحتي النفسية". بينما قال الثلث (32 بالمائة) إنها تؤثر سلبا على صحتهم الجسدية.

لكن المثير للاهتمام، وفق التقرير، هو أن نحو الثلث (31 بالمائة) قالوا إن استخدام التكنولوجيا الرقمية يحسن صحتهم النفسية، بينما يعتقد 23 بالمائة أنها تحسن صحتهم الجسدية.

قد تُعزى التباينات الجغرافية في النسبة المائوية للمشاركين غير الراضين عن المحتوى على الإنترنت، مثل الصور أو التعليقات المسيئة، إلى عوامل ثقافية، حيث وافق حوالي 68 بالمائة من المشاركين في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و66 بالمائة في جنوب آسيا، و63 بالمائة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على عبارة "شاهدت محتوى أو صورا عبر الأنترنت أزعجتني نفسيا وألحقت بي الأذى"، مقارنة بـ38 بالمائة فقط أمريكا الشمالية.

قد تعكس هذه النتيجة أيضا حالة الاعتياد، حيث امتلك عدد أكبر من الأشخاص في الولايات المتحدة إمكانية الوصول إلى الأنترنت على نطاق واسع لعقود، مقارنة بأجزاء من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث كان الوصول إلى الأنترنت أقل بكثير. وقال فقط ثلث الأشخاص الأكبر سنا (31 بالمائة) أنّهم شاهدوا محتوى مزعجا مقارنة بـ65 بالمائة من الجيل "زد".

العمر  ليس مجرد رقم

ما نراه ونسمعه يؤثر بشكل كبير على شعورنا وتفكيرنا وردود أفعالنا، وهو ما يؤكد الحاجة إلى إدارة المحتوى عبر الأنترنت لتعزيز الاتزان الرقمي. فتشير نتائج الاستطلاع إلى أنّ أكثر من نصف المشاركين (53 بالمائة) عبر جميع أنحاء العالم قد تعرضوا لمحتوى ضار عبر الأنترنت، مثل صور الأحداث المؤلمة، وهي نسبة مرتفعة على نحو مثير للقلق.

وكان التأثير السلبي الأكبر على أبناء الجيل "زد" (65 بالمائة) وجيل الألفية (58 بالمائة). وقد يكون هذا أحد العوامل التي دفعت المواطنين الرقميين إلى اتخاذ قراراهم بتنظيم سلوكهم عبر الأنترنت على نحو استباقي لحماية صحتهم النفسية.

وبالمقارنة، قال 34 بالمائة فقط من الأشخاص الأكبر سنا إنّهم يتحكمون بشكل أفضل في أوقات استخدامهم للأنترنت، ولكنه أيضا الجيل الذي شهد المحتوى الأقل ضررا عبر الأنترنت (31 بالمائة).

ثمة مثال آخر على الاختلاف بين الأجيال، حيث قال أكثر من نصف الأشخاص الأكبر سنّا (55 بالمائة) إنهم لم يحاولوا أبدا تقليل الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات، ومع ذلك قال 10 بالمائة فقط من جيل "زد" أنهم لا يضعون حدّا للوقت الذي يقضونه أمام الشاشات.

بشكل عام، تُشير النتائج إلى أن مستخدمي الوسائط الرقمية يرغبون في الحد من استخدامها، حيث يقول المزيد من الأشخاص، وخاصة الجيل الأصغر سنا، إنهم تعرضوا لمحتوى مزعج على الأنترنت. وهذا يشير إلى ضرورة إرساء ضوابط تنظيمية أكثر فعالية وتحسين الإشراف على المحتوى.

تجدر الإشارة إلى أنّ جيل "زد" هم من سنهم 26 عاما أو أقل، وجيل الألفية هم من سنهم من 27 إلى 42 عاما، وجيل "إكس" هم من سنهم من 43 إلى 58 عاما والأشخاص الأكبر سنا هم من سنهم من 59 إلى 77 عاما.

في الاستطلاع العالمي للاتزان الرقمي..   53 % من سكان المعمورة تعرضوا لمحتوى ضار  عبر  الأنترنت

 

  • 77%من المشاركين يسعون متعمدين للحد من وقتهم على الانترنت
  • ما يقارب 73 % أكدوا أن وسائل التواصل الاجتماعي مصممة للإدمان عليها
  • ارتفاع نسبة القلق بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي من 47% في عام 2021 إلى 52 بالمائة هذه السنة

تونس – الصباح

لم يعُد من الممكن اليوم إنكار أو تجاهل بأنّ هناك قلقا عاما بصدد التزايد يوميا، سواء في تونس أو في كل دول العالم، تجاه استعمالات التقنيات الرقمية والأضرار المحتملة والمخاطر الناتجة عنهابالرغم من أنها أصبحت أمرا واقعا وضرورة حياة وعمل فيها من الفوائد الكثيرة التي لا تُحصى ولا تُعد، ولكنها في ذات الوقت تحولت إلى حالة إدمان لدى كثيرين من مستغلي هذه التقنيات الرقمية خاصة منها مواقع التواصل الاجتماعي.

فمتى كانت آخر مرة استغنيتم فيها عن استخدام الانترنت ليوم كامل؟ بالنسبة للكثيرين منا ستكون الإجابة لمدة شهور، إن لم يكن سنوات. فقد أصبحت الأدوات والخدمات الرقمية مرتبطة بشكل وثيق بالحياة الحديثة بدءا من أجهزة تتبع النوم القابلة للارتداء، والمنبهات على هواتفنا المحمولة، والتحقق من حالة الطقس، واستخدام تطبيقات الدفع "اللاتلامسي" لدفع تكاليف النقل إلى العمل، وكل ذلك خلال ساعات الصباح الأولى فقط.

يبدو واضحا أنّ هذه الأدوات باتت تساهم بشكل كبير في تحسين حياتنا لناحية السرعة والراحة والكفاءة التي نكتسبها من كل شيء.

ولكن من الضروري التساؤل عن حقيقة تأثير التكنولوجيا على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

إيمان عبد اللطيف

طرح الاستطلاع العالمي للاتزان الرقمي لسنة 2024 الذي أجراه برنامج "سنيك" لمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) هذه الجدلية التي تدور حول سؤال جوهري كيف يتم تعزيز الاتزان الرقمي على المستوى العالمي ومساعدة البشرية على استخدام التقنيات الرقمية بوعي وتوازن من خلال استطلاع رأي الناس في هذا الشأن وفهم توجهاتهم.

قال رئيس أبحاث برنامج "سينك" بمركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) فهد البياهي إنّه "علينا الاستمرار بطرح أسئلة حاسمة حول تأثير التكنولوجيا على صحتنا الجسدية والنفسية والاجتماعية، بدءا من علاقتنا في العالم المادي وصولا إلى التزاماتنا بتحقيق الكفاءة والإنتاجية وقدرتنا على تحقيق أهدافنا".

وبالتالي، لدى سؤال المشاركين في هذا الاستطلاع، والذين بلغ عددهم 35 ألف شخص موزعين على 35 دولة ومن أجيال متعددة، عما إذا كانت الأدوات الرقمية نعمة أم نقمة، فقالت الأغلبية إنها تؤثر بشكل إيجابي على جميع جوانب حياتنا، وتوفر مستوى أعلى من الأمن والوصول إلى كافة المجالات من الصحة إلى التعليم والتصنيع. وهذا أمر مستحيل لولا وجود التكنولوجيا الرقمية.

من جهة أخرى، تنطوي الرقمنة على مخاطر عدة مثل الاستخدام المفرط والإشكالي، والانفصال عن الواقع، واحتمال تعرض بعض المستخدمين لمحتوى ضار. وتعد هذه المخاطر جزءا لا يتجزأ من سبل اختيارنا وتشجيعنا على الاستفادة من الأدوات الرقمية المتطورة المتاحة لنا بسهولة.

الاتزان الرقمي.. قضاء الوقت على الانترنت

أفرز تقرير الاستطلاع العالمي للاتزان الرقمي 2024 الذي أعده برنامج  "سنيك" 6 نتائج بارزة تتعلق على التوالي بـ "توازن أفضل"، "الذكاء الاصطناعي في دائرة الضوء"، "عصر جديد لوسائل التواصل الاجتماعي" التي تُعد مصدرا لخير المجتمع، وقد تكون أيضا مركزا للأمراض الاجتماعية، "الألعاب الإلكترونية تتطور وكذلك التحديات"، "تأثير المرونة في العمل"، "القوانين أمر جوهري".

ما يدعو للانتباه في هذا الاستطلاع العالمي هو الإشكالية المحورية والجوهرية أو بالأحرى المعضلة الكبرى التي تمّ طرحها بخصوص ما أسماه التقرير "الاتزان الرقمي"، "فالتفاعل بين الإنسان والآلة يُعيد صياغة المجتمعات، ومع أنّ هذه التغيّرات إيجابية إلى حد كبير لمساهمتها في تحسين حياة مليارات الأشخاص، لكنها لا تخلو بطبيعة الحال من بعض التحديات والعواقب غير المتوقعة".

لا شكّ، وكما ذكر ذلك التقرير، أنّ "الانترنت غيّرت العالم وأثرت على طريقة عملنا وتعلّمنا وراحتنا ولعبنا. كما خلقت منظومة جديدة بالمطلق تستكمل مؤسسات العالم المادي وتُغطي كافة مجالات النشاط البشري من التعليم والرعاية الصحية إلى تجارة التجزئة والتمويل وغيرها الكثير".

عدد وتكرار  الإعجابات والتعليقات والمشاركات..

قد "ربطت الانترنت بيننا، وخلقت عددا لا يُحصى من العلاقات الافتراضية التي لا تُقيدها الجغرافيا أو التراتبية المهنية أو الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من عمق هذه العلاقات – أو أفسدتها في كثير من الأحيان- إذ يُعتبر عدد وتكرار الاعجابات والتعليقات والمشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يمكن أن توفر إحساسا بالتفاعل الاجتماعي والانتماء، دوافع قوية لليأس، خاصة عندما يقاس شعور المرء بقيمته الذاتية وفقا لهذه العوامل الخارجية".

أضاف تقرير الاستطلاع العالمي للاتزان الرقمي 2024 أنّ "هذه الاشعارات تُعدّ اليوم جزءا لا يتجزأ من حياة "المتصلين بالانترنت". فقد كشفت دراسة أجرتها منظمة "كومن ساينس ميديا" شملت مراهقين تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاما في عام 2023، أن المراهق العادي يتلقى حوالي 237 إشعارا عبر الهاتف الذكي يوميا، أي ما يُعادل حوالي 7،400 إشعار شهريا".

وأضاف أنّه "علاوة على ذلك، هناك الكثير من الخيارات المتاحة للأشخاص للبقاء نشطين رقميا، مثل متجر "غوغل بلاي" الذي يضم أكثر من 3،5 مليون تطبيق، ومتجر "آبل" الذي يضم أكثر من 1،6 مليون تطبيق. فقد ساهمت هذه الابتكارات في تغيير حياة الناس، مما يؤكد قيمة التقنيات الرقمية كمحفز للتقدم الاجتماعي والاقتصادي. وفي ضوء الجاذبية الكبيرة للتقنيات الرقمية بات من الصعب على الناس الابتعاد عن الشاشة إلى حد أصبحت فيه هذه التقنيات في بعض الحالات تسيطر على الناس بدلا من العكس".

"قطع الاتصال المتعمد"

في المقابل، أوضح التقرير أنّ الناس يجدون توازنا أفضل في استخدامهم للتكنولوجيا ويدركون أكثر تأثيرها السلبي على صحتهم، فأظهرت نتائج الاستطلاع تحوّلا حاسما أيضا، فقد قال 77 بالمائة من المشاركين أنهم يسعون متعمدين للحد من وقتهم على الانترنت، مثل إيقاف تشغيل إشعارات هواتفهم المحمولة وحتى حذف التطبيقات غير المرغوب فيها.

ومع ذلك قال 55 بالمائة من الأشخاص الأكبر سنا (59 عاما فأكثر) إنّهم يقضون على الانترنت المدة التي يرغبون فيها.

ويمارس العديد من الأشخاص قدرتهم على الاختيار، حيث قال أكثر من نصف المشاركين (53 بالمائة) إن التوازن بين حياتهم على الانترنت وخارجها قد تحسّن خلال العام الماضي خاصة بين أبناء جيل "زد" (56 بالمائة) وجيل الألفية (60 بالمائة). ومع ذلك قال الثلث فقط من الأشخاص الأكبر سنّا (34 بالمائة) إنّ التوازن في استخدامهم للتكنولوجيا الرقمية قد تحسن.

وأضاف التقرير أنّ توجه "قطع الاتصال المتعمد" يظهر بشكل واضح بين الأجيال الأصغر سنّا، رغم أنّهم نشأوا كمواطنين رقميين قادرين على الوصول إلى عالم الانترنت وتكنولوجيا المعلومات طوال سنوات نشأتهم. وهذا يتناقض مع الكثيرين من الأشخاص الأكبر سنا، الذين تعلموا "أساليب التكنولوجيا الرقمية" في وقت لاحق من حياتهم، حيث يجد الكثير منهم صعوبة في مواكبة أو التكيف مع التقنيات الناشئة التي تُغير المشهد الرقمي.

وفي استطلاع 2024، قال حوالي ثلث المشاركين من جيل الألفية (30 بالمائة) إنهم يقضون وقتا أطول مما يريدون على الانترنت مقارنة بما يقرب من النصف من نفس الفئة العمرية (54 بالمائة) في استطلاع لسنة 2021. بينما قال ما يقرب من الثلثين (62 بالمائة) إنهم يقضون القدر المناسب من الوقت على الانترنت، وهذا أعلى بنسبة 13 بالمائة عمّا كان عليه في عام 21.

بروز نقاط الضغط.. تفكك اجتماعي

في حين  يحظى المزيد من الأشخاص في جميع أنحاء العالم بإمكانية الوصول إلى المعلومات والتفاعل الاجتماعي عبر الانترنت، إلا أن هناك أيضا زيادة في التفكك الاجتماعي الناتج عن قطبية الآراء عبر الانترنت. فكما هو الحال في مجتمعات العالم المادي، يشهد عالم الانترنت مشكلات عميقة أيضا.

فهناك مخاوف أخرى بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، فقد وافق ما يقرب 73 بالمائة على أن "وسائل التواصل الاجتماعي مصممة للإدمان عليها"، كما ارتفعت نسبة القلق بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي من 47 بالمائة في عام 2021 إلى 52 بالمائة هذه السنة.

يجب استكشاف التأثير السلبي للتكنولوجيا على الصحة النفسية والجسدية للأشخاص بشكل أكبر لتحديد الحلول المناسبة كما أكّد على ذلك تقرير الاستطلاع العالمي.

فقد وافق واحد من كل خمسة أشخاص (21 بالمائة) على عبارة "استخدامي للتكنولوجيا الرقمية يؤزم صحتي النفسية". بينما قال الثلث (32 بالمائة) إنها تؤثر سلبا على صحتهم الجسدية.

لكن المثير للاهتمام، وفق التقرير، هو أن نحو الثلث (31 بالمائة) قالوا إن استخدام التكنولوجيا الرقمية يحسن صحتهم النفسية، بينما يعتقد 23 بالمائة أنها تحسن صحتهم الجسدية.

قد تُعزى التباينات الجغرافية في النسبة المائوية للمشاركين غير الراضين عن المحتوى على الإنترنت، مثل الصور أو التعليقات المسيئة، إلى عوامل ثقافية، حيث وافق حوالي 68 بالمائة من المشاركين في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و66 بالمائة في جنوب آسيا، و63 بالمائة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على عبارة "شاهدت محتوى أو صورا عبر الأنترنت أزعجتني نفسيا وألحقت بي الأذى"، مقارنة بـ38 بالمائة فقط أمريكا الشمالية.

قد تعكس هذه النتيجة أيضا حالة الاعتياد، حيث امتلك عدد أكبر من الأشخاص في الولايات المتحدة إمكانية الوصول إلى الأنترنت على نطاق واسع لعقود، مقارنة بأجزاء من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث كان الوصول إلى الأنترنت أقل بكثير. وقال فقط ثلث الأشخاص الأكبر سنا (31 بالمائة) أنّهم شاهدوا محتوى مزعجا مقارنة بـ65 بالمائة من الجيل "زد".

العمر  ليس مجرد رقم

ما نراه ونسمعه يؤثر بشكل كبير على شعورنا وتفكيرنا وردود أفعالنا، وهو ما يؤكد الحاجة إلى إدارة المحتوى عبر الأنترنت لتعزيز الاتزان الرقمي. فتشير نتائج الاستطلاع إلى أنّ أكثر من نصف المشاركين (53 بالمائة) عبر جميع أنحاء العالم قد تعرضوا لمحتوى ضار عبر الأنترنت، مثل صور الأحداث المؤلمة، وهي نسبة مرتفعة على نحو مثير للقلق.

وكان التأثير السلبي الأكبر على أبناء الجيل "زد" (65 بالمائة) وجيل الألفية (58 بالمائة). وقد يكون هذا أحد العوامل التي دفعت المواطنين الرقميين إلى اتخاذ قراراهم بتنظيم سلوكهم عبر الأنترنت على نحو استباقي لحماية صحتهم النفسية.

وبالمقارنة، قال 34 بالمائة فقط من الأشخاص الأكبر سنا إنّهم يتحكمون بشكل أفضل في أوقات استخدامهم للأنترنت، ولكنه أيضا الجيل الذي شهد المحتوى الأقل ضررا عبر الأنترنت (31 بالمائة).

ثمة مثال آخر على الاختلاف بين الأجيال، حيث قال أكثر من نصف الأشخاص الأكبر سنّا (55 بالمائة) إنهم لم يحاولوا أبدا تقليل الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات، ومع ذلك قال 10 بالمائة فقط من جيل "زد" أنهم لا يضعون حدّا للوقت الذي يقضونه أمام الشاشات.

بشكل عام، تُشير النتائج إلى أن مستخدمي الوسائط الرقمية يرغبون في الحد من استخدامها، حيث يقول المزيد من الأشخاص، وخاصة الجيل الأصغر سنا، إنهم تعرضوا لمحتوى مزعج على الأنترنت. وهذا يشير إلى ضرورة إرساء ضوابط تنظيمية أكثر فعالية وتحسين الإشراف على المحتوى.

تجدر الإشارة إلى أنّ جيل "زد" هم من سنهم 26 عاما أو أقل، وجيل الألفية هم من سنهم من 27 إلى 42 عاما، وجيل "إكس" هم من سنهم من 43 إلى 58 عاما والأشخاص الأكبر سنا هم من سنهم من 59 إلى 77 عاما.