**علاقتي بفاجعة الموت كانت ولا يزال لها تأثير في نفسي وفي ما أكتب.
**عدم الفصل الاعتباطي بين الشكل والمضمون هو الأرضية الصلبة للكتابة الشعرية الخلاّقة.
**جدارة النص الشعري تكمن في الصمود عَلَى مَرِّ الأَزْمِنَة فَلاَ يَسقط مِنَ الذَّاكِرَة الجَمْعِيَّةِ.
**الْمهْرَجَاناتُ الشِّعْرِيَّة لا يَتَجَاوَز دَوْرُهَا في الاحتفاء بالشاعر والمتقبًلين لكتاباته
تونس-الصباح
شاعر يتميز بالهدوء.. قليل الكلام لا تكاد تسمع له ضجيجا يفسح المجال لأشعاره حتى تعبر عن ذاته وما تحمله في داخلها من أحاسيس وتفاعلات مع ما يعيشه ويعترضه يوميا وهو الذي عاش فاجعة الموت ,,, فاجعة حددت وسطرت نهجه الإبداعي وهو الذي ذاق مرارة الفقد في فترة حساسة من حياته
عبد العزيز الحاجي مبدع بقلبه الذي يسع الجميع لا يبخل بالتوجيه والنصح لكل من يطلب منه ذلك في الشعر والكتابة الأدبية بصفة عامة.. وهذه من الخصال التي يكاد ينفرد بها في هذا الزمن الصعب.
حوار: محسن بن احمد
*بم تحتفظ ذاكرتك عن البدايات في علاقتك بالشعر؟
تعود علاقتي بالشعر إلى سنوات المرحلة الابتدائية من دراستي قبل الحصول على شهادة ختمها، إذ كنتُ وصديقا من أصدقاء طفولتي نتبارى عفويّا بكلام موقّع مقلّدين فيه نصوص المحفوظات التي كنّا ندرسها ونكلّف بحفظها من قبل معلّمنا. وهي بالطّبع محاولات بسيطة تبعا لحداثة سنّنا آنذاك. لكن مع ذلك سيتبيّن لي لاحقا أنّ هذه المحاولة التي كان الشعر يكتبني فيها أكثر من كوني أكتبه ليست عبثية، فإثر نجاحي في شهادة ختم الدروس الابتدائية والتحاقي بمعهد "حفّوز الثانوي" ( ولاية القيروان) لمواصلة دراستي، عاودني الشعر هذه المرّة مرتبطا بحدث مأساويّ عشته إذ اختطف الموت فجأة واحدا من أترابي القريبين جدّا منّي، فنظمت قصيدة عبّرتُ فيها عمّا كابدته جرّاء ذلك المصاب، وسرعان ما وجدت طريقها إلى النشر في مجلّة ( التحفّز) التلمذية التي كان يرعاها أساتذة المعهد آنذاك مشجّعين المواهب الناشئة في شتّى فنون القول. وأذكر أنّ هذه القصيدة التي كتبتها في رثاء صديقي وابن عمّي والتي عنوانها ( صرخة بين القبور) كان لها دور كبير في إقبالي على الشعر قراءة وحفظا وكتابة، خاصّة عندما اكتشفتُ في السّنة الدراسية الموالية، من خلال درس العروض أنّ أغلب أبياتها موزونة بالسليقة على تفعيلات بحر الكامل.
*هل تتذكّر أوّل نصّ شعري كتبته؟
أتذكّره بالطّبع، بل إنّني أحتفظ به إلى يومنا هذا، فهو النصّ الذي كنتُ أتحدّث عنه قبل قليل والذي تحصّلتُ بفضله على جائزة في معهد نصر الله الثانوي (ولاية القيروان) عندما وُجّهتُ إليه لأواصل دراستي في شعبة الآداب.
*ما شكل عباءتك الشعرية؟ وأيّهما تفضّل: الشعر الموزون؟ أم الشعر الحرّ؟
محاولاتي الشعرية الأولى كانت، كما أسلفتُ، في الموزون متمثّلا خاصّة في قصيدة الشطرين التي لم أكن أعرف، بحكم حداثة سنّي، نمطا من أنماط الشعر غيرها، لكن بعد توجيهي إلى شعبة الآداب في معهد نصر الله اطّلعتُ من خلال متابعتي لأنشطة نادي الأدب ولدروس هذه المرحلة الثانية على نمط قصيدة التفعيلة فوجدتني أحاول الكتابة فيه بالتوازي مع الإقبال على قراءة نماذج منه عند شعراء معروفين.
و بعد استكمال دراستي الجامعية، تطوّر فهمي للشعر إذ أدركتُ أنّه أغنى وأوسع من أن تحدّه أو تستنفده قوالب وأشكال مسبقة، لذلك لم أجد غضاضة في أن أجرّب الشعر خارج الأوزان الخليلية في كتابي ( للبيت ربّ يمحيه) الذي تضمّن نصوصا قريبة من نمط قصيدة النثر وومضات لا تخضع مثلها لأوزان مسبقة، وهذا لا يعني أنّني استغنيتُ عن كتابة الشّعر الموزون فأنا مازلتُ أعتبره نوعا شعريّا يمكن أن يطوّعه الشّاعر للتعبير عن الجديد من التجارب.
*كلّ تجربة نعيشها تترك أثرا عميقا في داخلنا، هل عشت تجارب خاصّة رسمت معالم قصائدك؟
معلوم أنّ الشعر.. كلّ شعر هو وليد تجربتين: فنّية و حياتية. و إذا كانت الأولى تُكتسب بالتدبّر وكذلك الرّويّة فإنّ الثانية تتأثر بمّا نخبره في الحياة من تجارب. وما عشته شخصيا في علاقتي بفاجعة الموت كان ولا يزال له تأثير في نفسي وفي ما أكتب، ذلك أنّ الموت زار عائلتي وأنا صغير ، في أربع مناسبات متقاربة زمنيّا عندما اختطف إخوتي الثلاثة وابن عمّي صديق طفولتي، وجميعهم في سن الطفولة آنذاك. وهذا ما جعل موضوع الفقد يتردّد باستمرار في شعري مرتبطا بالإحساس الدّائم بسطوة الزمن المتربّص بالكائن الحيّ عموما وبالإنسان خاصة.
*كيف تعيش لحظة البوح الشعري؟ و أيهما صاحب القرار فيها؟ العقل ؟ أم القلب؟
غموض الحالة الشعرية التي لا يستطيع أحد أن يزعم قولا فصلا فيها، يجعلها أعمق من أن تحدد بطرفيْ هذه الثنائية ( قلب – عقل) أو بواحد منهما دون سواه، فلا الذين وصلوها وجوبا بالعقل أصابوا في ذلك واقنعوا غيرهم به، و الدّليل على ذلك الطريق المسدود الذي انتهت إليه الكلاسيكية عندما سيّدت العقل وتابعيه الحسّ والمنطق في فهم أسرار العملية الإبداعية، وخاصة منها الشعر، ولا المدرسة الرومنسية التي ظهرت على أنقاض الكلاسيكية مُعلية من شأن العاطفة (القلب) والخيال تجنّبت المصير نفسه الذي آلت إليه سابقتها الكلاسيكية بما أنّ التّيار الرّمزيّ سرعان ما ثار عليها مبرزا تقصيرها في فهم حقيقة الإبداع عندما حصرتها في ذات الفنّان جوهريّا عازلة إيّاه ضمنيّا عن محيطه في علاقته الموضوعية بما يدور حوله في الزّمان والمكان...
فجميع هذه المدارس وغيرها مثل الدّادائية والسّريالية ظلّت تتوارد نافية بعضها بعضا في إطار زعم كلّ واحدة منها أنّها الأقدر على فهم أسرار الإبداع، بينما ظلّ هو يتأبّى في جوهره على جميعها، ذلك أنّه في الأساس هِبة ربّانية يخصّ بها الله البعض من عباده دون سواهم. و حتى هذه الهبة فإنّها بدورها تندّ عن أن يحيط بها الفهم لارتباطها بالمجهول، وهي علاوة على ذلك لا تمثّل في العمليّة الإبداعية إلاّ نسبة مئويّة ضعيفة يُخطئ من يكتفي بالتّعويل عليها ولا يجتهد في أغنائها وتطويرها بالتثقيف الذاتي وبمراكمة الخبرات اليومية في حياته.
*لأيّهما تعطي الأولويّة في كتابة الشعر؟ للشكل؟ أم المضمون؟
ثنائية الشكل والمضمون التقليدية هذه تبيّن حديثا زيفها وبطلانها في الفنّ عموما، وفي الشعر خاصّة ، فمع إيماني شخصيّا بأن الشعر يكتسب أهمّيته فنّيا باعتباره طريقة في القول فانّ ذلك لا يعني الاستخفاف بالمضمون، ناهيك أنّ طريقة إجراء القول الشعري هي بدورها جزء من المضمون، ولكنه مضمون لا ينحصر في المعنى المباشر السطحي المرتبط بغرض معلوم مسبقا بقدر ما يتأسّس في صلب دلالة تغنى بغنى الصّورة واللغة، وبغنى مكوّنات الشعر كلّها. وبالتالي فإنّ وعي الشّاعر بحقيقة تفاعل عناصر القصيدة كطريقة في القول بعيدة عن الفصل الاعتباطي بين الشكل والمضمون هو الأرضية الصلبة للكتابة الشعرية الخلاّقة.
*أي نوع من القرّاء تستهدف بشعرك؟
أعتقد أنّ الشّاعر يكتب استجابة لحاجة في نفسه قبل أن يفكّر في التوجّه بإبداعه إلى قارئ مخصوص. ولاشكّ أنّ في ذلك صونا للنصّ الشعري من الارتهان لغاية خارجيه تجعله بضاعة خاضعة للعرض والطلب وتحرمه من استقلاليته عن الغرضية التي تشيّئه وتحصره في مجرّد رسالة مبذولة هدفها الإقناع دون الإمتاع بالوسائل الفنّية الّتي يكون الشاعر فيها دائما مطالبا بأن يملكها ويجوّدها حتّى يبدع نصّا فنّيا خلاّقا أغنى من أن يُختزل مضمونه في معنى أو معان محدودة.
و لكن هذا لا يعني أنّ الشاعر منقطع في إبداعه عن القارئ في المطلق فالشاعر يهمّه كذلك أن يكون مقروء قراءة يتجرّد لها متقبّل مجتهد ومهيّأ بفضل رفعة ذوقه وغنى ثقافته وتكوينه لكي يقارب مستوى الشاعر في كلّ ذلك.
*ماذا قدّمت الملتقيات والمهرجانات والنوادي الثقافية للشعر اليوم؟
لا أحد ينكر في المطلق أهمّية الملتقيات والمهرجانات والنوادي بالنسبة إلى المبدعين والإبداع عامة. ولولا أهميّتها المؤكّدة هذه ما حظيت بالإقبال عليها من لدُن جميع الأطراف في كلّ الأوقات. يكفي أن نذكر في هذا الإطار فضل النوادي الأدبية في المؤسسات التربوية والجامعية على المواهب الواعدة، فكثير من الأسماء الشعرية اللافتة بحضورها اليوم استفادت من مواكبتها لأنشطة النوادي في المعاهد العليا بتونس العاصمة مثلا ( كلية الآداب منوبة ، كلّية العلوم الإنسانية والاجتماعية 9 أفريل، والمعهد العالي للعلوم الإنسانية ابن شرف...) دون أن ننسى فضل نادي الخميس الأدبي الناشط في المركز الثقافي الجامعي حسين بوزيان على سبيل الذكر لا الحصر.
كما أنّ مثل هذه الأنشطة في الملتقيات وفي النوادي والمهرجانات تكتسب قيمة إضافية في تقريبها بين المبدعين.
من مواليد منطقة برحيمة ( حاجب العيون) من ولاية القيروان
متحصّل على الأستاذية في اللغة و الآداب العربية من كلّية الآداب منوبة سنة 1981
متحصّل على شهادة الكفاءة في البحث سنة 1987 في موضوع ( القناع في شعر امل دنقل)
نال شهادة التبريز في جوان 1990
درّس في المعاهد الثانوية ثم التحق بالتدريس في كلّية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس سنة 1991 وفي المعهد العالي للعلوم الانسانية بتونس سنة 1999
أثرى عبد العزيز الحاجي المكتبة الشعرية التونسية بالعديد من الدواوين منها على سبيل الذكر لا الحصر
*أفراح مختلسة ( سنة 1992)متحصّل على جائزة بلدية صفاقس
*صبابة مختصرة ( سنة 1994)موصى بنشره من قبل وزارة الشؤون الثقافية
*شهقت عيني في المرآة ( سنة 2016). بيت الشهيد... بيت القصيد ( سنة 2017). روحي معطّرة بأنفاسي : فقرات من كتاب الشمّ (سنة 2017)
للبيت رب يمحيه (سنة 2018)
وله قيد الطبع
* ياسمين دام ..... ياسمين دامع ( شعر)
* لا غين في العينين (شعر)
من اشعار الحاجي
*الفستان*
فستانك هذا
ما أغناك به من بستان !
تتمايس فيه أشجار
وزهور و ورود من شتّى الألوان
و فيه يرفرف يامون وهزار
و عنادل تشدو بشجيّ الألحان
.... بستانك هذا
ما أخصبه من فدّان !
هل تقبل مولاتي أن أرعاه
و أفلحه وحدي بالمجّان ؟
هل تقبل أن تُقطعنيه
و تُسميني في حوزتها
قنّ الأقنان ؟
**علاقتي بفاجعة الموت كانت ولا يزال لها تأثير في نفسي وفي ما أكتب.
**عدم الفصل الاعتباطي بين الشكل والمضمون هو الأرضية الصلبة للكتابة الشعرية الخلاّقة.
**جدارة النص الشعري تكمن في الصمود عَلَى مَرِّ الأَزْمِنَة فَلاَ يَسقط مِنَ الذَّاكِرَة الجَمْعِيَّةِ.
**الْمهْرَجَاناتُ الشِّعْرِيَّة لا يَتَجَاوَز دَوْرُهَا في الاحتفاء بالشاعر والمتقبًلين لكتاباته
تونس-الصباح
شاعر يتميز بالهدوء.. قليل الكلام لا تكاد تسمع له ضجيجا يفسح المجال لأشعاره حتى تعبر عن ذاته وما تحمله في داخلها من أحاسيس وتفاعلات مع ما يعيشه ويعترضه يوميا وهو الذي عاش فاجعة الموت ,,, فاجعة حددت وسطرت نهجه الإبداعي وهو الذي ذاق مرارة الفقد في فترة حساسة من حياته
عبد العزيز الحاجي مبدع بقلبه الذي يسع الجميع لا يبخل بالتوجيه والنصح لكل من يطلب منه ذلك في الشعر والكتابة الأدبية بصفة عامة.. وهذه من الخصال التي يكاد ينفرد بها في هذا الزمن الصعب.
حوار: محسن بن احمد
*بم تحتفظ ذاكرتك عن البدايات في علاقتك بالشعر؟
تعود علاقتي بالشعر إلى سنوات المرحلة الابتدائية من دراستي قبل الحصول على شهادة ختمها، إذ كنتُ وصديقا من أصدقاء طفولتي نتبارى عفويّا بكلام موقّع مقلّدين فيه نصوص المحفوظات التي كنّا ندرسها ونكلّف بحفظها من قبل معلّمنا. وهي بالطّبع محاولات بسيطة تبعا لحداثة سنّنا آنذاك. لكن مع ذلك سيتبيّن لي لاحقا أنّ هذه المحاولة التي كان الشعر يكتبني فيها أكثر من كوني أكتبه ليست عبثية، فإثر نجاحي في شهادة ختم الدروس الابتدائية والتحاقي بمعهد "حفّوز الثانوي" ( ولاية القيروان) لمواصلة دراستي، عاودني الشعر هذه المرّة مرتبطا بحدث مأساويّ عشته إذ اختطف الموت فجأة واحدا من أترابي القريبين جدّا منّي، فنظمت قصيدة عبّرتُ فيها عمّا كابدته جرّاء ذلك المصاب، وسرعان ما وجدت طريقها إلى النشر في مجلّة ( التحفّز) التلمذية التي كان يرعاها أساتذة المعهد آنذاك مشجّعين المواهب الناشئة في شتّى فنون القول. وأذكر أنّ هذه القصيدة التي كتبتها في رثاء صديقي وابن عمّي والتي عنوانها ( صرخة بين القبور) كان لها دور كبير في إقبالي على الشعر قراءة وحفظا وكتابة، خاصّة عندما اكتشفتُ في السّنة الدراسية الموالية، من خلال درس العروض أنّ أغلب أبياتها موزونة بالسليقة على تفعيلات بحر الكامل.
*هل تتذكّر أوّل نصّ شعري كتبته؟
أتذكّره بالطّبع، بل إنّني أحتفظ به إلى يومنا هذا، فهو النصّ الذي كنتُ أتحدّث عنه قبل قليل والذي تحصّلتُ بفضله على جائزة في معهد نصر الله الثانوي (ولاية القيروان) عندما وُجّهتُ إليه لأواصل دراستي في شعبة الآداب.
*ما شكل عباءتك الشعرية؟ وأيّهما تفضّل: الشعر الموزون؟ أم الشعر الحرّ؟
محاولاتي الشعرية الأولى كانت، كما أسلفتُ، في الموزون متمثّلا خاصّة في قصيدة الشطرين التي لم أكن أعرف، بحكم حداثة سنّي، نمطا من أنماط الشعر غيرها، لكن بعد توجيهي إلى شعبة الآداب في معهد نصر الله اطّلعتُ من خلال متابعتي لأنشطة نادي الأدب ولدروس هذه المرحلة الثانية على نمط قصيدة التفعيلة فوجدتني أحاول الكتابة فيه بالتوازي مع الإقبال على قراءة نماذج منه عند شعراء معروفين.
و بعد استكمال دراستي الجامعية، تطوّر فهمي للشعر إذ أدركتُ أنّه أغنى وأوسع من أن تحدّه أو تستنفده قوالب وأشكال مسبقة، لذلك لم أجد غضاضة في أن أجرّب الشعر خارج الأوزان الخليلية في كتابي ( للبيت ربّ يمحيه) الذي تضمّن نصوصا قريبة من نمط قصيدة النثر وومضات لا تخضع مثلها لأوزان مسبقة، وهذا لا يعني أنّني استغنيتُ عن كتابة الشّعر الموزون فأنا مازلتُ أعتبره نوعا شعريّا يمكن أن يطوّعه الشّاعر للتعبير عن الجديد من التجارب.
*كلّ تجربة نعيشها تترك أثرا عميقا في داخلنا، هل عشت تجارب خاصّة رسمت معالم قصائدك؟
معلوم أنّ الشعر.. كلّ شعر هو وليد تجربتين: فنّية و حياتية. و إذا كانت الأولى تُكتسب بالتدبّر وكذلك الرّويّة فإنّ الثانية تتأثر بمّا نخبره في الحياة من تجارب. وما عشته شخصيا في علاقتي بفاجعة الموت كان ولا يزال له تأثير في نفسي وفي ما أكتب، ذلك أنّ الموت زار عائلتي وأنا صغير ، في أربع مناسبات متقاربة زمنيّا عندما اختطف إخوتي الثلاثة وابن عمّي صديق طفولتي، وجميعهم في سن الطفولة آنذاك. وهذا ما جعل موضوع الفقد يتردّد باستمرار في شعري مرتبطا بالإحساس الدّائم بسطوة الزمن المتربّص بالكائن الحيّ عموما وبالإنسان خاصة.
*كيف تعيش لحظة البوح الشعري؟ و أيهما صاحب القرار فيها؟ العقل ؟ أم القلب؟
غموض الحالة الشعرية التي لا يستطيع أحد أن يزعم قولا فصلا فيها، يجعلها أعمق من أن تحدد بطرفيْ هذه الثنائية ( قلب – عقل) أو بواحد منهما دون سواه، فلا الذين وصلوها وجوبا بالعقل أصابوا في ذلك واقنعوا غيرهم به، و الدّليل على ذلك الطريق المسدود الذي انتهت إليه الكلاسيكية عندما سيّدت العقل وتابعيه الحسّ والمنطق في فهم أسرار العملية الإبداعية، وخاصة منها الشعر، ولا المدرسة الرومنسية التي ظهرت على أنقاض الكلاسيكية مُعلية من شأن العاطفة (القلب) والخيال تجنّبت المصير نفسه الذي آلت إليه سابقتها الكلاسيكية بما أنّ التّيار الرّمزيّ سرعان ما ثار عليها مبرزا تقصيرها في فهم حقيقة الإبداع عندما حصرتها في ذات الفنّان جوهريّا عازلة إيّاه ضمنيّا عن محيطه في علاقته الموضوعية بما يدور حوله في الزّمان والمكان...
فجميع هذه المدارس وغيرها مثل الدّادائية والسّريالية ظلّت تتوارد نافية بعضها بعضا في إطار زعم كلّ واحدة منها أنّها الأقدر على فهم أسرار الإبداع، بينما ظلّ هو يتأبّى في جوهره على جميعها، ذلك أنّه في الأساس هِبة ربّانية يخصّ بها الله البعض من عباده دون سواهم. و حتى هذه الهبة فإنّها بدورها تندّ عن أن يحيط بها الفهم لارتباطها بالمجهول، وهي علاوة على ذلك لا تمثّل في العمليّة الإبداعية إلاّ نسبة مئويّة ضعيفة يُخطئ من يكتفي بالتّعويل عليها ولا يجتهد في أغنائها وتطويرها بالتثقيف الذاتي وبمراكمة الخبرات اليومية في حياته.
*لأيّهما تعطي الأولويّة في كتابة الشعر؟ للشكل؟ أم المضمون؟
ثنائية الشكل والمضمون التقليدية هذه تبيّن حديثا زيفها وبطلانها في الفنّ عموما، وفي الشعر خاصّة ، فمع إيماني شخصيّا بأن الشعر يكتسب أهمّيته فنّيا باعتباره طريقة في القول فانّ ذلك لا يعني الاستخفاف بالمضمون، ناهيك أنّ طريقة إجراء القول الشعري هي بدورها جزء من المضمون، ولكنه مضمون لا ينحصر في المعنى المباشر السطحي المرتبط بغرض معلوم مسبقا بقدر ما يتأسّس في صلب دلالة تغنى بغنى الصّورة واللغة، وبغنى مكوّنات الشعر كلّها. وبالتالي فإنّ وعي الشّاعر بحقيقة تفاعل عناصر القصيدة كطريقة في القول بعيدة عن الفصل الاعتباطي بين الشكل والمضمون هو الأرضية الصلبة للكتابة الشعرية الخلاّقة.
*أي نوع من القرّاء تستهدف بشعرك؟
أعتقد أنّ الشّاعر يكتب استجابة لحاجة في نفسه قبل أن يفكّر في التوجّه بإبداعه إلى قارئ مخصوص. ولاشكّ أنّ في ذلك صونا للنصّ الشعري من الارتهان لغاية خارجيه تجعله بضاعة خاضعة للعرض والطلب وتحرمه من استقلاليته عن الغرضية التي تشيّئه وتحصره في مجرّد رسالة مبذولة هدفها الإقناع دون الإمتاع بالوسائل الفنّية الّتي يكون الشاعر فيها دائما مطالبا بأن يملكها ويجوّدها حتّى يبدع نصّا فنّيا خلاّقا أغنى من أن يُختزل مضمونه في معنى أو معان محدودة.
و لكن هذا لا يعني أنّ الشاعر منقطع في إبداعه عن القارئ في المطلق فالشاعر يهمّه كذلك أن يكون مقروء قراءة يتجرّد لها متقبّل مجتهد ومهيّأ بفضل رفعة ذوقه وغنى ثقافته وتكوينه لكي يقارب مستوى الشاعر في كلّ ذلك.
*ماذا قدّمت الملتقيات والمهرجانات والنوادي الثقافية للشعر اليوم؟
لا أحد ينكر في المطلق أهمّية الملتقيات والمهرجانات والنوادي بالنسبة إلى المبدعين والإبداع عامة. ولولا أهميّتها المؤكّدة هذه ما حظيت بالإقبال عليها من لدُن جميع الأطراف في كلّ الأوقات. يكفي أن نذكر في هذا الإطار فضل النوادي الأدبية في المؤسسات التربوية والجامعية على المواهب الواعدة، فكثير من الأسماء الشعرية اللافتة بحضورها اليوم استفادت من مواكبتها لأنشطة النوادي في المعاهد العليا بتونس العاصمة مثلا ( كلية الآداب منوبة ، كلّية العلوم الإنسانية والاجتماعية 9 أفريل، والمعهد العالي للعلوم الإنسانية ابن شرف...) دون أن ننسى فضل نادي الخميس الأدبي الناشط في المركز الثقافي الجامعي حسين بوزيان على سبيل الذكر لا الحصر.
كما أنّ مثل هذه الأنشطة في الملتقيات وفي النوادي والمهرجانات تكتسب قيمة إضافية في تقريبها بين المبدعين.