إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

لماذا تعجز القمة والقاعدة على إدراك أولوية إصلاح المربع الأول للتعليم؟

خمسة أصناف من المتعلمات والمتعلمين التونسيين في فترتيْ الاحتلال والاستقلال

الأستاذ الدكتور محمود الذوادي – عالم الاجتماع

يمثل هذا المقال أول المقالات التي ننوي نشرها حول ظواهر وقضايا كبيرة في المجتمع التونسي. فمما لا ريب فيه أن اللغة الوطنية ذات أهمية عظيمة لدى المجتمعات والشعوب. ومنه، فعلاقة المجتمع التونسي بلغته الوطنية/ العربية ليست بالعلاقة السليمة كما سنرى. وتعني العلاقة السليمة/الطبيعية بين الناس والمجتمعات ولغاتهم استعمالها وحدها فقط في الحديث والكتابة في كل شؤون الحياة لدى الناس وفي المجتمعات البشرية. فلا أعضاء مجلس التعليم الجديد ولا خبراء التربية ذكروا مدى أهمية حضور ما نسميه الحجر اللغوي كمربع أول ضروري لإصلاح التعليم. فبسبب غياب الحجر اللغوي نجد معالم مختلفة لفقدان العلاقة اللغوية السليمة مع اللغة العربية في البلاد التونسية.

ضُعف التحمس للغة العربية

لقد ركز رجالُ ونساء حركة التحرير التونسية على التحرر من الاحتلال المادي للمستعمر الفرنسي: الجلاء العسكري والفلاحي والسياسي. لكنهم رحبوا ببقاء الاستعمار الفرنسي المعنوي/الرمزي متمثلا في اللغة الفرنسية وثقافتها.. والأمثلة على ذلك من القمة إلى القاعدة لدى التونسيين والتونسيات لا تكاد تُحصى. يكفي ذكر بعضها:

1ـ عُرف في العهد البورقيبي أن محاضر اجتماعات الوزراء في حضور بورقيبة أو في غيابه لطالما كانت تكتب بالفرنسية.

2 ـ قال وزير التربية محمود المسعدي في مقابلة مع مجلة الحزب الحاكم يومئذ بخصوص عدم التدريس باللغة العربية في المدارس التونسية: " يجب تدريس التلاميذ التونسيين باللغة الفرنسية وتعليمهم اللغة العربية".

3ـ تتعامل جل البنوك التونسية كتابيا حتى يومنا هذا مع التونسيات والتونسيين باللغة الفرنسية.

4ـ تكاد التونسيات لا يستعملن إلا اللغة الفرنسية في الحديث عن الألوان والمقاييس وأسماء أيام الأسبوع.

5ـ لا تكتب الأغلبية الساحقة من التونسيات والتونسيين صكوكها المصرفية/شيكاتها البنكية إلا باللغة الفرنسية بحيث أصبح يُنظر لمن يكتبها باللغة العربية بأنه منحرف ومتخلف.

6- لا يحتج معظمُ التونسيين والتونسيات عن اللافتات المكتوبة بالفرنسية فقط في الشوارع وغيرها من الأماكن في مجتمعهم.

غياب الحجر اللغوي

ترجع تلك السلوكيات اللغوية غير السليمة إلى ما نسميه غياب الحجر اللغوي في التعليم التونسي المعارض لقول الوزير في المثال رقم 2 أعلاه. فالحجر اللغوي يعني التدريس باللغة الوطنية/العربية فقط جميع المواد حتى نهاية التعليم الثانوي على الأقل. فأصحاب القرار والمثقفين والجامعيين في هذا المجتمع لم يدرسوا وفقا للحجر اللغوي، فجاء تحيزهم إلى اللغة الفرنسية وثقافتها لا إلى اللغة العربية وثقافتها كرمزين رئيسيين للوطنية والهوية التونسيتين. .فهم بذلك يختلفون عن بعض النخب القيادية في مجتمعات أخرى كسبت فعلا رهان الحداثة وذلك بجعل لغاتها الوطنية وهوياتها الثقافية في صلب عملية التحديث كما هو الحال في الصين واليابان وكوريا الجنوبية ومقاطعة كيباك بكندا وتركيا. بينما ينادي كثير من النخب التونسية بتهميش اللغة العربية والثقافة الإسلامية العربية من عملية التحديث.

الازدواجية اللغوية الأمارة

فغياب الحجر اللغوي في التعليم التونسي أدى إلى ظاهرة ما نسميها "الازدواجية اللغوية الأمارة". إنها تلك الازدواجية اللغوية التي لا تكون فيها للغة الأم/الوطنية المكانة الأولى لديهم، فنجدهم غير متحمسين كثيرا للذود عن لغتهم الأم/الوطنية وغير مبالين إزاء عدم استعمالها في شؤونهم الشخصية وفي ما بينهم وفي أسرهم ومؤسسا تهم بحيث تصبح عندهم في حالات عديدة لغة ثانية أو ثالثة. فالمجتمع التونسي يقلد المجتمعات الأوروبية في كثير من الأشياء لكن لا يقلدها في تبني هذه المجتمعات لسياسة الحجر اللغوي في مدارسها التي تدرس فقط بلغاتها الوطنية.

تسلط الفرنسية على التونسيات

ما يلفت نظر عالم الاجتماع في السلوك اللغوي للمرأة التونسية هو مبالغتها في استعمال اللغة الفرنسية بدل العامية العربية التونسية النقية في حديثها عن الألوان والأيام والأرقام..وتستولي اللغة الفرنسية أيضا بطريقة شبه كاملة في الحديث على مقاييس طول وعرض الملابس. يؤدي هذا السلوك اللغوي إلى نشأة عرف لغوي عام بين التونسيات يعطي الأولوية للفرنسية بحيث يجعلهن يخجلن (الحشمة) من استعمال اللغة العربية في الحديث عن الألوان والمقاييس والأرقام... ألا يشير هذا الوضع إلى حضور غير شعوري أكبر لرواسب الاستعمار اللغوي الفرنسي بين أغلبية التونسيات؟ وهذا يعني أن المرأة التونسية مستعمَرَة لغويا أكثر من الرجل التونسي.بالطبع، يؤثر هذا الوضع سلبا على علاقة الأطفال والأجيال الشابة بلغتهم الوطنية/ العربية.

أبجدية فهم العلاقة الحميمة مع اللغة

يساعد منظور علم اجتماع المعرفة على فهم العلاقة الحميمة التي تربط الناس بلغاتهم إن هم استعملوها هي فقط بالكامل شفويا وكتابة في كل شؤون حياتهم الفردية والجماعية منذ الطفولة وعرفوا مفرداتها وقواعدها النحوية والصرفية وغيرها. يجوز القول بكل عفوية إن تلك العلاقة الحميمة مع لغات الأم أو اللغات الوطنية هي نتيجة لعملية التفاعل/الاستعمال المكثف معها ولها الذي يُنتظر أن ينشئ مثل تلك العلاقة النفسية القوية التي تخلق علاقة وثيقة ومتينة ، أي حميمة مع اللغة. وبعبارة علم الاجتماع، فمثل ذلك التفاعل الشديد الكثافة والتواصل والاستعمال للغة يؤدي إلى ما يسميه هذا العلم بالعلاقة الأولية مع اللغات. وهي علاقة نَدِّية بالعواطف والشعور والتحمس لصالح اللغات. كل ذلك هو حصيلة لتنشئة لغوية اجتماعية طبيعية منذ الصغر تقتصر على استعمال لغة الأم أو الوطنية على المستويين الشفوي والكتابي.

التعليم التونسي وإفساد علاقته مع لغته الوطنية

اعتمادا على ما سبق ذكره لإقامة علاقة سليمة مع اللغات نذكر خمسة أصناف من المتعلمات والمتعلمين التونسيين في فترتيْ الاحتلال والاستقلال.فقد عرف المجتمع التونسي أثناء الاستعمار الفرنسي ثلاثة أنواع من نظم التعليم الابتدائي والثانوي هي :

1ـ المدرسة الصادقية الثنائية اللغة ( الفرنسية والعربية) حيث هيمنت اللغة الفرنسية كوسيلة لتدريس التلاميذ التونسيين المواد المختلفة بما فيها تدريسهم بها أحيانا حتى النحو العربي.

2-. مدارس البعثات الفرنسية التي هُمّش فيها بطريقة شبه كاملة تدريس العربية وثقافتها واستعمالهما. فالتعليم في كل من مدارس البعثات الفرنسية والمدرسة الصادقية هو تعليم بعيد كل البعد عن سلامة علاقته باللغة الوطنية/ العربية كما عرفنا العلاقة السليمة/الطبيعية مع اللغة..

3ـ يمثل التعليم الزيتوني النوع الثالث من نظام التعليم التونسي في عهد الاستعمار ومطلع الاستقلال. فاللغة العربية هي سيدة الموقف لدى المتعلمات والمتعلمين والمدرّسين الزيتونيين.

4ـ أما الصنف الرابع من نظام التعليم التونسي في مطلع الاستقلال فهو نظام شعبة(أ) الذي يدرس فيها التلاميذُ كل المواد باللغة العربية فقط من السنة الأولى للتعليم الابتدائي حتى السنة الأخيرة من التعليم الثانوي /الباكلوريا. ومن ثمّ، فنظاما التعليم 3و4 يتمتعان بعلاقة سليمة مع اللغة العربية.

5- ويحق اعتبار نظام التعليم التونسي العام الثنائي اللغة (ب) (الذي يدرّس المواد العلمية بالعربية والفرنسية قبل نهاية التعليم الثانوي ) الصنف الخامس من النظام التربوي التونسي منذ الاستقلال الذي كرّس ويكرّس تواصل الثنائية اللغوية لدى خريجيه بعد الاستقلال والثورة. تفيد المؤشرات المتنوعة أن نمط تعليم شعبة(أ) يتميز عن نظام تعليم شعبة (ب) بعد الاستقلال في كون أن خريجيه حتى بعد دراساتهم بالفرنسية وغيرها من اللغات الأجنبية في الجامعات التونسية أو الأجنبية يظلون أكثر الخريجات والخريجين التونسيين اتصافا بما نسميه التعريب النفسي أو العلاقة الحميمة مع اللغة العربية بسبب حضور الحجر اللغوي.

الإعاقة اللغوية النفسية في المجتمع التونسي

لا تقتصر إعاقة اللغة العربية في المجتمع التونسي على الجانبين الشفوي والكتابي فقط، بل طالما يقترن ذلك بما نود تسميته بالإعاقة النفسية التي تصيب علاقة المواطنات والمواطنين بلغتهم بحيث تصبح مكانة هذه الأخيرة عندهم ليست هي المكانة الأولى في قلوبهم وعقولهم واستعمالاتهم. فتراهم في كثير من الحالات غير مرتاحين نفسيا في استعمالها على المستويين الشفوي والكتابي. ومن ثم، طالما يقترن هذا الوضع بسلوكيات فردية وجماعية تعبر على الشعور بمركب النقص إزاء استعمال اللغة الوطنية مما يؤدي إلى ضُعف الغيرة عليها والدفاع عنها والاعتزاز بها. إذن ، فتلك الإعاقة اللغوية النفسية هي سلوك ناتج ومُفصح عن ضُعف أو فقدان العلاقة السليمة مع اللغة العربية.

أهمية اللغة عند المفكرين

يعتبر المفكرون اللغات هي أمهات وجود الشعوب واستمرار حضورها، فهي أفضل من الجبال والغابات والأنهار والبحار والمحيطات في حماية حدود الشعوب وهوياتها وسيادتها. لقد تحدث المؤرخ التونسي الهادي التيمومي عن قضية اللغة العربية في المجتمع التونسي في كتابه ( خدعة الاستبداد الناعم في تونس: 23 سنة من حكم بن علي 2013 ص 171- 172 ) فأكد " لا مراء في أن اللغة من أبلغ مظاهر تجلي عبقرية شعب ما ...فاللغة هي إذن من أهم ركائز شعب ما ... لقد تراجع مستوى أغلب مستعملي اللغة العربية الفصحى...إن الوحيد الذي ظل يدافع بشدة عن اللغة العربية الفصحى بصفتها اللغة الأم التي يجب أن تسود في تونس بلا منازع هو الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع محمود الذوادي."

 

 

 

لماذا تعجز القمة والقاعدة على إدراك أولوية إصلاح المربع الأول للتعليم؟

خمسة أصناف من المتعلمات والمتعلمين التونسيين في فترتيْ الاحتلال والاستقلال

الأستاذ الدكتور محمود الذوادي – عالم الاجتماع

يمثل هذا المقال أول المقالات التي ننوي نشرها حول ظواهر وقضايا كبيرة في المجتمع التونسي. فمما لا ريب فيه أن اللغة الوطنية ذات أهمية عظيمة لدى المجتمعات والشعوب. ومنه، فعلاقة المجتمع التونسي بلغته الوطنية/ العربية ليست بالعلاقة السليمة كما سنرى. وتعني العلاقة السليمة/الطبيعية بين الناس والمجتمعات ولغاتهم استعمالها وحدها فقط في الحديث والكتابة في كل شؤون الحياة لدى الناس وفي المجتمعات البشرية. فلا أعضاء مجلس التعليم الجديد ولا خبراء التربية ذكروا مدى أهمية حضور ما نسميه الحجر اللغوي كمربع أول ضروري لإصلاح التعليم. فبسبب غياب الحجر اللغوي نجد معالم مختلفة لفقدان العلاقة اللغوية السليمة مع اللغة العربية في البلاد التونسية.

ضُعف التحمس للغة العربية

لقد ركز رجالُ ونساء حركة التحرير التونسية على التحرر من الاحتلال المادي للمستعمر الفرنسي: الجلاء العسكري والفلاحي والسياسي. لكنهم رحبوا ببقاء الاستعمار الفرنسي المعنوي/الرمزي متمثلا في اللغة الفرنسية وثقافتها.. والأمثلة على ذلك من القمة إلى القاعدة لدى التونسيين والتونسيات لا تكاد تُحصى. يكفي ذكر بعضها:

1ـ عُرف في العهد البورقيبي أن محاضر اجتماعات الوزراء في حضور بورقيبة أو في غيابه لطالما كانت تكتب بالفرنسية.

2 ـ قال وزير التربية محمود المسعدي في مقابلة مع مجلة الحزب الحاكم يومئذ بخصوص عدم التدريس باللغة العربية في المدارس التونسية: " يجب تدريس التلاميذ التونسيين باللغة الفرنسية وتعليمهم اللغة العربية".

3ـ تتعامل جل البنوك التونسية كتابيا حتى يومنا هذا مع التونسيات والتونسيين باللغة الفرنسية.

4ـ تكاد التونسيات لا يستعملن إلا اللغة الفرنسية في الحديث عن الألوان والمقاييس وأسماء أيام الأسبوع.

5ـ لا تكتب الأغلبية الساحقة من التونسيات والتونسيين صكوكها المصرفية/شيكاتها البنكية إلا باللغة الفرنسية بحيث أصبح يُنظر لمن يكتبها باللغة العربية بأنه منحرف ومتخلف.

6- لا يحتج معظمُ التونسيين والتونسيات عن اللافتات المكتوبة بالفرنسية فقط في الشوارع وغيرها من الأماكن في مجتمعهم.

غياب الحجر اللغوي

ترجع تلك السلوكيات اللغوية غير السليمة إلى ما نسميه غياب الحجر اللغوي في التعليم التونسي المعارض لقول الوزير في المثال رقم 2 أعلاه. فالحجر اللغوي يعني التدريس باللغة الوطنية/العربية فقط جميع المواد حتى نهاية التعليم الثانوي على الأقل. فأصحاب القرار والمثقفين والجامعيين في هذا المجتمع لم يدرسوا وفقا للحجر اللغوي، فجاء تحيزهم إلى اللغة الفرنسية وثقافتها لا إلى اللغة العربية وثقافتها كرمزين رئيسيين للوطنية والهوية التونسيتين. .فهم بذلك يختلفون عن بعض النخب القيادية في مجتمعات أخرى كسبت فعلا رهان الحداثة وذلك بجعل لغاتها الوطنية وهوياتها الثقافية في صلب عملية التحديث كما هو الحال في الصين واليابان وكوريا الجنوبية ومقاطعة كيباك بكندا وتركيا. بينما ينادي كثير من النخب التونسية بتهميش اللغة العربية والثقافة الإسلامية العربية من عملية التحديث.

الازدواجية اللغوية الأمارة

فغياب الحجر اللغوي في التعليم التونسي أدى إلى ظاهرة ما نسميها "الازدواجية اللغوية الأمارة". إنها تلك الازدواجية اللغوية التي لا تكون فيها للغة الأم/الوطنية المكانة الأولى لديهم، فنجدهم غير متحمسين كثيرا للذود عن لغتهم الأم/الوطنية وغير مبالين إزاء عدم استعمالها في شؤونهم الشخصية وفي ما بينهم وفي أسرهم ومؤسسا تهم بحيث تصبح عندهم في حالات عديدة لغة ثانية أو ثالثة. فالمجتمع التونسي يقلد المجتمعات الأوروبية في كثير من الأشياء لكن لا يقلدها في تبني هذه المجتمعات لسياسة الحجر اللغوي في مدارسها التي تدرس فقط بلغاتها الوطنية.

تسلط الفرنسية على التونسيات

ما يلفت نظر عالم الاجتماع في السلوك اللغوي للمرأة التونسية هو مبالغتها في استعمال اللغة الفرنسية بدل العامية العربية التونسية النقية في حديثها عن الألوان والأيام والأرقام..وتستولي اللغة الفرنسية أيضا بطريقة شبه كاملة في الحديث على مقاييس طول وعرض الملابس. يؤدي هذا السلوك اللغوي إلى نشأة عرف لغوي عام بين التونسيات يعطي الأولوية للفرنسية بحيث يجعلهن يخجلن (الحشمة) من استعمال اللغة العربية في الحديث عن الألوان والمقاييس والأرقام... ألا يشير هذا الوضع إلى حضور غير شعوري أكبر لرواسب الاستعمار اللغوي الفرنسي بين أغلبية التونسيات؟ وهذا يعني أن المرأة التونسية مستعمَرَة لغويا أكثر من الرجل التونسي.بالطبع، يؤثر هذا الوضع سلبا على علاقة الأطفال والأجيال الشابة بلغتهم الوطنية/ العربية.

أبجدية فهم العلاقة الحميمة مع اللغة

يساعد منظور علم اجتماع المعرفة على فهم العلاقة الحميمة التي تربط الناس بلغاتهم إن هم استعملوها هي فقط بالكامل شفويا وكتابة في كل شؤون حياتهم الفردية والجماعية منذ الطفولة وعرفوا مفرداتها وقواعدها النحوية والصرفية وغيرها. يجوز القول بكل عفوية إن تلك العلاقة الحميمة مع لغات الأم أو اللغات الوطنية هي نتيجة لعملية التفاعل/الاستعمال المكثف معها ولها الذي يُنتظر أن ينشئ مثل تلك العلاقة النفسية القوية التي تخلق علاقة وثيقة ومتينة ، أي حميمة مع اللغة. وبعبارة علم الاجتماع، فمثل ذلك التفاعل الشديد الكثافة والتواصل والاستعمال للغة يؤدي إلى ما يسميه هذا العلم بالعلاقة الأولية مع اللغات. وهي علاقة نَدِّية بالعواطف والشعور والتحمس لصالح اللغات. كل ذلك هو حصيلة لتنشئة لغوية اجتماعية طبيعية منذ الصغر تقتصر على استعمال لغة الأم أو الوطنية على المستويين الشفوي والكتابي.

التعليم التونسي وإفساد علاقته مع لغته الوطنية

اعتمادا على ما سبق ذكره لإقامة علاقة سليمة مع اللغات نذكر خمسة أصناف من المتعلمات والمتعلمين التونسيين في فترتيْ الاحتلال والاستقلال.فقد عرف المجتمع التونسي أثناء الاستعمار الفرنسي ثلاثة أنواع من نظم التعليم الابتدائي والثانوي هي :

1ـ المدرسة الصادقية الثنائية اللغة ( الفرنسية والعربية) حيث هيمنت اللغة الفرنسية كوسيلة لتدريس التلاميذ التونسيين المواد المختلفة بما فيها تدريسهم بها أحيانا حتى النحو العربي.

2-. مدارس البعثات الفرنسية التي هُمّش فيها بطريقة شبه كاملة تدريس العربية وثقافتها واستعمالهما. فالتعليم في كل من مدارس البعثات الفرنسية والمدرسة الصادقية هو تعليم بعيد كل البعد عن سلامة علاقته باللغة الوطنية/ العربية كما عرفنا العلاقة السليمة/الطبيعية مع اللغة..

3ـ يمثل التعليم الزيتوني النوع الثالث من نظام التعليم التونسي في عهد الاستعمار ومطلع الاستقلال. فاللغة العربية هي سيدة الموقف لدى المتعلمات والمتعلمين والمدرّسين الزيتونيين.

4ـ أما الصنف الرابع من نظام التعليم التونسي في مطلع الاستقلال فهو نظام شعبة(أ) الذي يدرس فيها التلاميذُ كل المواد باللغة العربية فقط من السنة الأولى للتعليم الابتدائي حتى السنة الأخيرة من التعليم الثانوي /الباكلوريا. ومن ثمّ، فنظاما التعليم 3و4 يتمتعان بعلاقة سليمة مع اللغة العربية.

5- ويحق اعتبار نظام التعليم التونسي العام الثنائي اللغة (ب) (الذي يدرّس المواد العلمية بالعربية والفرنسية قبل نهاية التعليم الثانوي ) الصنف الخامس من النظام التربوي التونسي منذ الاستقلال الذي كرّس ويكرّس تواصل الثنائية اللغوية لدى خريجيه بعد الاستقلال والثورة. تفيد المؤشرات المتنوعة أن نمط تعليم شعبة(أ) يتميز عن نظام تعليم شعبة (ب) بعد الاستقلال في كون أن خريجيه حتى بعد دراساتهم بالفرنسية وغيرها من اللغات الأجنبية في الجامعات التونسية أو الأجنبية يظلون أكثر الخريجات والخريجين التونسيين اتصافا بما نسميه التعريب النفسي أو العلاقة الحميمة مع اللغة العربية بسبب حضور الحجر اللغوي.

الإعاقة اللغوية النفسية في المجتمع التونسي

لا تقتصر إعاقة اللغة العربية في المجتمع التونسي على الجانبين الشفوي والكتابي فقط، بل طالما يقترن ذلك بما نود تسميته بالإعاقة النفسية التي تصيب علاقة المواطنات والمواطنين بلغتهم بحيث تصبح مكانة هذه الأخيرة عندهم ليست هي المكانة الأولى في قلوبهم وعقولهم واستعمالاتهم. فتراهم في كثير من الحالات غير مرتاحين نفسيا في استعمالها على المستويين الشفوي والكتابي. ومن ثم، طالما يقترن هذا الوضع بسلوكيات فردية وجماعية تعبر على الشعور بمركب النقص إزاء استعمال اللغة الوطنية مما يؤدي إلى ضُعف الغيرة عليها والدفاع عنها والاعتزاز بها. إذن ، فتلك الإعاقة اللغوية النفسية هي سلوك ناتج ومُفصح عن ضُعف أو فقدان العلاقة السليمة مع اللغة العربية.

أهمية اللغة عند المفكرين

يعتبر المفكرون اللغات هي أمهات وجود الشعوب واستمرار حضورها، فهي أفضل من الجبال والغابات والأنهار والبحار والمحيطات في حماية حدود الشعوب وهوياتها وسيادتها. لقد تحدث المؤرخ التونسي الهادي التيمومي عن قضية اللغة العربية في المجتمع التونسي في كتابه ( خدعة الاستبداد الناعم في تونس: 23 سنة من حكم بن علي 2013 ص 171- 172 ) فأكد " لا مراء في أن اللغة من أبلغ مظاهر تجلي عبقرية شعب ما ...فاللغة هي إذن من أهم ركائز شعب ما ... لقد تراجع مستوى أغلب مستعملي اللغة العربية الفصحى...إن الوحيد الذي ظل يدافع بشدة عن اللغة العربية الفصحى بصفتها اللغة الأم التي يجب أن تسود في تونس بلا منازع هو الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع محمود الذوادي."