-الأولياء.. المربون وسلطة الإشراف.. الكل له نصيب من مسؤولية تدهور التعليم العمومي
-المدرسة العمومية تحولت بعد 14 جانفي 2011 الى فضاء للنزال بين الهياكل التمثيلية وسلطة الإشراف
تونس- الصباح
شارك الكثيرون في الأيام الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو غريب تظهر فيه سيدة وهي بصدد تعنيف معلمة والعبث بالفصل الدراسي بمدرسة بجهة بالقيروان بالوسط التونسي.
في البداية، تم التشنيع بما قامت به السيدة وكان هناك إجماع حول رفض تدخلها السافر في مدرسة تعتبر وفق ما يحظى به التعليم في تونس، أو هكذا يفترض، من قيمة ومكانة، مقدسة، قبل أن يعدل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مواقفهم من المرأة تأثرا بما نشره نجلها في تدوينة له قال فيها إن والدته تعاني من مرض نفسي. انقلبت المواقف في لحظات وانقسم رواد التواصل الاجتماعي بين متمسك برفضه لاقتحام المدرسة من شخص دخيل وبين من اعتبر أن المرأة ضحية وأن عائلتها تضررت من عملية النشر الواسعة لمقطع الفيديو المذكور. لكن على ما يبدو، فإن المدرسة العمومية هي الضحية الوحيدة في قضية الحال. فترويج مثل هذه الفيديوهات يقضي على آخر أمل في إمكانية إنقاذ التعليم العمومي الذي يبدأ من المدرسة الابتدائية.
المدرسة هي الضحية الحقيقية
نعم المدرسة هي الضحية الحقيقية. نقول ذلك لأنه رغم كل شيء، فإن التعليم العمومي يبقى حلا جذريا للعائلات داخل الجهات ولم يغز التعليم الخاص المناطق الداخلية خلافا لما حدث في العاصمة وفي عدد المدن الكبرى وتدهور صورته بهذا الشكل من شأنه أن يزيد في نشر الإحباط والمخاوف من المستقبل ويكثف من الإحساس بالفوارق الاجتماعية تلك التي تتيح للعائلات الثرية توفير أفضل الفرص لتعليم أبنائها في حين أن العائلات الأقل حظا تظل رهينة خيار وحيد وليت الأمر يقف عند ذلك، إذ حتى الفرصة الوحيدة التي يمثلها التعليم العمومي يمكن أن تضيع اليوم بسبب كل ما يحدث من تجاذبات ومشاكل حوله. والغريب في الأمر أن الفيديو المزعج الذي تم ترويجه هذه الأيام وشاهدنا فيه على امتداد دقائق طويلة سيدة تعبث كما شاء لها وكأنه لم يكن بإمكان المعلمة" المتضررة" التي كانت تكتفي بمشاهدة تصرفات السيدة التي اقتحمت عليها الفصل الدراسي وجعلته مسرحا للتهريج، أن تستنجد بزملائها أو أن تطلب "نجدة" مدير المدرسة، يأتي في ظرف يتكثف فيه الحديث حول مكاسب الجمهورية في تونس وأساسا التعليم والصحة العمومية.
نعم يقع إتحافنا والعالم من حولنا – بهذا الفيديو "التحفة" الذي يجعلنا نتساءل كيف تمت استباحة المدرسة بهذا الشكل حتى وصلنا الى مرحلة التهريج ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي وترويجه على الملإ، وما هي الأسباب التي تجعل مربية تكتفي بالفرجة في حين أن سيدة غريبة عن المدرسة وأي كانت أسبابها تقتحم الفصل الدراسي وتعطل الدروس وتحول الفضاء الى مسرح تهريجي ثم ينتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل سريع وقد كان بالإمكان حل القضية بعيدا عن أعين الفضوليين؟؟؟
العودة إلى البدايات
كل هذا يعود بنا الى البدايات أي الى السنوات الأولى التي تلت الثورة حيث وقع استهداف المدرسة العمومية بشكل لا يقبل الشك. أولا تم زرع مناخ من الخوف حول محيط المدرسة حيث أصبح التلاميذ معرضين لكل أنواع المخاطر وخاصة العنف والمخدرات، ثم أصبحت المدرسة مسرحا للنزال بين الهياكل النقابية الممثلة وسلطة الإشراف أي وزارة التربية. وكثيرا ما وقع استعمال التلاميذ كورقة للضغط وتعددت الإضرابات التي حرمت التلاميذ طيلة مواسم مدرسية متتالية بعد أحداث 14 جانفي 2011 من حقهم في التعليم وضاعت هباء ساعات طويلة كان من المفروض أن تستغل في إنهاء البرنامج الدراسي، وفي النهاية يغلق العام الدراسي كيفما اتفق وترحل الأزمات للعام الموالي.
ولا نتوقع أن يشفى التعليم العمومي بجرة قلم من كل الأوجاع التي لازمته بعد الثورة، والتي أضيفت الى المشاكل الموروثة من العهد السابق، حيث تراجع مستوى التعليم بشكل كبير وتدهورت البنية الأساسية، لكن كان الأمل يتجدد دائما في صحوة قريبة. في الأثناء ظل التعليم العمومي يترنح ويبدو أن هناك من لا يريد أن تقف الأمور عند هذا الحد، بل يريد أن ينهيه بالضربة القاضية.
ونعتقد وبعيدا عن الرغبة في التعويم أن كل الأطراف شريكة في المسؤولية. أولا، الأولياء الذين لم يعد يعنيهم من التربية شيئا وأصبح مطلوب من الإطار التربوي القيام بكل ما يلزم من أجل توفير أعلى المعدلات. وقد أصبح الولي يرفض أي دور آخر للمربي وهو الذي يحمل صفة المربي أي الذي لا يقتصر دوره على التلقين والتعليم وإنما يتحمل مسؤولية في التوعية والتوجيه والتأديب إن لزم الأمر. فقد كان المربي يقوم بكل هذه الأدوار من قبل دون أن يثير ذلك غضب الأولياء، هذا إن لم يطالبوا هم بأنفسهم المربي بان يقوم بتأديب أبنائهم إذا ما حادوا عن الطريق. أما اليوم فقد تغيرت المعطيات وصار المربي يخشى ردة فعل الأولياء ويخشى ما هو أكثر من ذلك، أي الملاحقة القانونية، إن حدث مثلا وعبر عن غضبه على احدهم خلال درس وقنص احد التلاميذ اللحظة وصورها بهاتفه الذكي ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ثانيا، المربون أنفسهم الذي خلقوا شرخا كبيرا بينهم وبين التلاميذ من خلال استعمالهم كورقة ضغط في صراعاتهم مع سلطة الإشراف خاصة خلال الحراك النقابي والمطلبية التي شهدت أوجها في السنوات التي تلت أحداث 14 جانفي 2011 وتواصلت بنسق مرتفع مع كل وزراء التربية الذين تداولوا مع المنصب قبل أن يخفت هذا النسق بعد حركة 25 جويلية 2021 التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد حيث حل البرلمان وأقال الحكومة وأعلن دخول البلاد في مرحلة انتقالية وكل المسار السياسي الذي تلاه الى اليوم. قبل حركة 25 جويلية كانت التكتلات المهنية والنقابية تمارس ضغطا شديدا على الدولة، حتى صار المصطلح المتداول بكثرة للتعبير عن اختلال التوازن في العلاقة بين الدولة والمنظمات الوطنية والهياكل المهنية والنقابية هو مصطلح التغول ليس لصالح الدولة طبعا.
حرب بلا هوادة
لكن الأمور تغيرت اثر ذلك ويمكن الحديث عن تحييد دور هذه الهياكل بما في ذلك نقابات التعليم التي كانت تخوض عبارة عن حرب مع سلطة الإشراف بدون هوادة. حرب استعملت فيها كل أنواع الأسلحة وعلى رأسها الإضرابات وحجب الأعداد.
ثالثا، سلطة الإشراف.. فوزارة التربية لم تتمكن من الاهتداء الى مشروع إصلاحي حقيقي للتعليم يعيد للمدرسة هيبتها ويعيد الأمل للكثيرين في تونس ممن لا طاقة لهم على مواجهة تكاليف التعليم الخاص وكثير من العائلات استسلمت للأمر الواقع وهي ترى أولادها يغادرون مقاعد الدراسة ليتلقفهم الشارع بما يحمله من مخاطر.
وقد فشل كل وزراء التربية الذين مسكوا هذه الحقيبة بعد أحداث 14 جانفي 2011 في تجاوز امتحان النقابات والهياكل التمثيلية وكلهم إما دخلوا معها في صراع خاسر أو اختاروا مسايرة الوضع دون التوصل الى حلول جذرية تفي حق المربي ولا تمس من حقوق التلميذ. وظهر الأمل مجددا بعد حركة 25 جويلية خاصة بعد ما لوحظ من تقلص حدة التوتر بين الهياكل النقابية وبين سلطة الإشراف، في عودة الأمور الى نصابها، لكن تراكم المشاكل وعدم توفر توافق واسع حول برامج إصلاح التعليم العمومي في تونس جعل هذا الأمل يضعف مع الوقت خاصة مع تواصل العلاقة المتوترة بين الأولياء والمربين.
المرور الى مرحلة متقدمة
وللأسف لم يقف الأمر عند هذا الحد. فهناك اليوم من يريد أن يمر الى مرحلة أخرى متقدمة أكثر في مسار هدم مكسب من ابرز مكاسب الجمهورية وهو التعليم العمومي، مرحلة أكثر إحباطا، مرحلة التهريج. فلا يكفي أن المدرسة العمومية ظلت لسنوات مسرحا للصراعات على حساب التلاميذ وتحصيلهم العلمي، فها أننا مررنا الى مرحلة القضاء على آخر ما تبقى من أمل والا كيف نتوقع أن ينظر مستقبلا للتعليم العمومي والفصول المدرسية يمكن استباحتها بكل هذه السهولة. كيف ومتى؟ في قلب المدرسة وفي ساعات الدرس !! فالفيديو المروج الذي تظهر فيه سيدة تعنف مربية في ظل صمت هذه الأخيرة التي تترك لها المجال بالكامل لممارسة عربدتها حتى أنها لم تتدخل لم تم تعنيف احد التلاميذ واخرج من مكانه بالقوة، ليس مؤسفا فقط وإنما يراد من خلاله دعوة التونسيين لقراءة الفاتحة على التعليم العمومي. وإذ نأسف على استعمال هذا التشبيه لكنه هو الأقرب لتوصيف الواقع. فالفيديو المسرب هو حلقة أخرى من حلقات مسلسل استهداف المدرسة العمومية.
لا ننفي أن هناك من شارك عن حسن نية فيديو السيدة التي اقتحمت فصلا مدرسيا وعبثت به كما شاءت. وهناك بالتأكيد من قام بذلك انتصارا للتعليم للعمومي ورغبة في التوعية بوضعه. هناك أيضا من تساءل حول مصداقية الفيديو وان لم يكن مفبركا تحت تأثير الصدمة. لكن الضرر حصل لا محالة. ولعلنا ننبه في هذا السياق الى ان الموضوع اليوم ليس البحث عن كبش فداء لتحميله مسؤولية نشر الفيديو البائس، وإنما الموضوع كيف وصلت الأمور بالمدرسة في تونس الى هذه المرحلة.
حياة السايب
-الأولياء.. المربون وسلطة الإشراف.. الكل له نصيب من مسؤولية تدهور التعليم العمومي
-المدرسة العمومية تحولت بعد 14 جانفي 2011 الى فضاء للنزال بين الهياكل التمثيلية وسلطة الإشراف
تونس- الصباح
شارك الكثيرون في الأيام الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو غريب تظهر فيه سيدة وهي بصدد تعنيف معلمة والعبث بالفصل الدراسي بمدرسة بجهة بالقيروان بالوسط التونسي.
في البداية، تم التشنيع بما قامت به السيدة وكان هناك إجماع حول رفض تدخلها السافر في مدرسة تعتبر وفق ما يحظى به التعليم في تونس، أو هكذا يفترض، من قيمة ومكانة، مقدسة، قبل أن يعدل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مواقفهم من المرأة تأثرا بما نشره نجلها في تدوينة له قال فيها إن والدته تعاني من مرض نفسي. انقلبت المواقف في لحظات وانقسم رواد التواصل الاجتماعي بين متمسك برفضه لاقتحام المدرسة من شخص دخيل وبين من اعتبر أن المرأة ضحية وأن عائلتها تضررت من عملية النشر الواسعة لمقطع الفيديو المذكور. لكن على ما يبدو، فإن المدرسة العمومية هي الضحية الوحيدة في قضية الحال. فترويج مثل هذه الفيديوهات يقضي على آخر أمل في إمكانية إنقاذ التعليم العمومي الذي يبدأ من المدرسة الابتدائية.
المدرسة هي الضحية الحقيقية
نعم المدرسة هي الضحية الحقيقية. نقول ذلك لأنه رغم كل شيء، فإن التعليم العمومي يبقى حلا جذريا للعائلات داخل الجهات ولم يغز التعليم الخاص المناطق الداخلية خلافا لما حدث في العاصمة وفي عدد المدن الكبرى وتدهور صورته بهذا الشكل من شأنه أن يزيد في نشر الإحباط والمخاوف من المستقبل ويكثف من الإحساس بالفوارق الاجتماعية تلك التي تتيح للعائلات الثرية توفير أفضل الفرص لتعليم أبنائها في حين أن العائلات الأقل حظا تظل رهينة خيار وحيد وليت الأمر يقف عند ذلك، إذ حتى الفرصة الوحيدة التي يمثلها التعليم العمومي يمكن أن تضيع اليوم بسبب كل ما يحدث من تجاذبات ومشاكل حوله. والغريب في الأمر أن الفيديو المزعج الذي تم ترويجه هذه الأيام وشاهدنا فيه على امتداد دقائق طويلة سيدة تعبث كما شاء لها وكأنه لم يكن بإمكان المعلمة" المتضررة" التي كانت تكتفي بمشاهدة تصرفات السيدة التي اقتحمت عليها الفصل الدراسي وجعلته مسرحا للتهريج، أن تستنجد بزملائها أو أن تطلب "نجدة" مدير المدرسة، يأتي في ظرف يتكثف فيه الحديث حول مكاسب الجمهورية في تونس وأساسا التعليم والصحة العمومية.
نعم يقع إتحافنا والعالم من حولنا – بهذا الفيديو "التحفة" الذي يجعلنا نتساءل كيف تمت استباحة المدرسة بهذا الشكل حتى وصلنا الى مرحلة التهريج ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي وترويجه على الملإ، وما هي الأسباب التي تجعل مربية تكتفي بالفرجة في حين أن سيدة غريبة عن المدرسة وأي كانت أسبابها تقتحم الفصل الدراسي وتعطل الدروس وتحول الفضاء الى مسرح تهريجي ثم ينتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل سريع وقد كان بالإمكان حل القضية بعيدا عن أعين الفضوليين؟؟؟
العودة إلى البدايات
كل هذا يعود بنا الى البدايات أي الى السنوات الأولى التي تلت الثورة حيث وقع استهداف المدرسة العمومية بشكل لا يقبل الشك. أولا تم زرع مناخ من الخوف حول محيط المدرسة حيث أصبح التلاميذ معرضين لكل أنواع المخاطر وخاصة العنف والمخدرات، ثم أصبحت المدرسة مسرحا للنزال بين الهياكل النقابية الممثلة وسلطة الإشراف أي وزارة التربية. وكثيرا ما وقع استعمال التلاميذ كورقة للضغط وتعددت الإضرابات التي حرمت التلاميذ طيلة مواسم مدرسية متتالية بعد أحداث 14 جانفي 2011 من حقهم في التعليم وضاعت هباء ساعات طويلة كان من المفروض أن تستغل في إنهاء البرنامج الدراسي، وفي النهاية يغلق العام الدراسي كيفما اتفق وترحل الأزمات للعام الموالي.
ولا نتوقع أن يشفى التعليم العمومي بجرة قلم من كل الأوجاع التي لازمته بعد الثورة، والتي أضيفت الى المشاكل الموروثة من العهد السابق، حيث تراجع مستوى التعليم بشكل كبير وتدهورت البنية الأساسية، لكن كان الأمل يتجدد دائما في صحوة قريبة. في الأثناء ظل التعليم العمومي يترنح ويبدو أن هناك من لا يريد أن تقف الأمور عند هذا الحد، بل يريد أن ينهيه بالضربة القاضية.
ونعتقد وبعيدا عن الرغبة في التعويم أن كل الأطراف شريكة في المسؤولية. أولا، الأولياء الذين لم يعد يعنيهم من التربية شيئا وأصبح مطلوب من الإطار التربوي القيام بكل ما يلزم من أجل توفير أعلى المعدلات. وقد أصبح الولي يرفض أي دور آخر للمربي وهو الذي يحمل صفة المربي أي الذي لا يقتصر دوره على التلقين والتعليم وإنما يتحمل مسؤولية في التوعية والتوجيه والتأديب إن لزم الأمر. فقد كان المربي يقوم بكل هذه الأدوار من قبل دون أن يثير ذلك غضب الأولياء، هذا إن لم يطالبوا هم بأنفسهم المربي بان يقوم بتأديب أبنائهم إذا ما حادوا عن الطريق. أما اليوم فقد تغيرت المعطيات وصار المربي يخشى ردة فعل الأولياء ويخشى ما هو أكثر من ذلك، أي الملاحقة القانونية، إن حدث مثلا وعبر عن غضبه على احدهم خلال درس وقنص احد التلاميذ اللحظة وصورها بهاتفه الذكي ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ثانيا، المربون أنفسهم الذي خلقوا شرخا كبيرا بينهم وبين التلاميذ من خلال استعمالهم كورقة ضغط في صراعاتهم مع سلطة الإشراف خاصة خلال الحراك النقابي والمطلبية التي شهدت أوجها في السنوات التي تلت أحداث 14 جانفي 2011 وتواصلت بنسق مرتفع مع كل وزراء التربية الذين تداولوا مع المنصب قبل أن يخفت هذا النسق بعد حركة 25 جويلية 2021 التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد حيث حل البرلمان وأقال الحكومة وأعلن دخول البلاد في مرحلة انتقالية وكل المسار السياسي الذي تلاه الى اليوم. قبل حركة 25 جويلية كانت التكتلات المهنية والنقابية تمارس ضغطا شديدا على الدولة، حتى صار المصطلح المتداول بكثرة للتعبير عن اختلال التوازن في العلاقة بين الدولة والمنظمات الوطنية والهياكل المهنية والنقابية هو مصطلح التغول ليس لصالح الدولة طبعا.
حرب بلا هوادة
لكن الأمور تغيرت اثر ذلك ويمكن الحديث عن تحييد دور هذه الهياكل بما في ذلك نقابات التعليم التي كانت تخوض عبارة عن حرب مع سلطة الإشراف بدون هوادة. حرب استعملت فيها كل أنواع الأسلحة وعلى رأسها الإضرابات وحجب الأعداد.
ثالثا، سلطة الإشراف.. فوزارة التربية لم تتمكن من الاهتداء الى مشروع إصلاحي حقيقي للتعليم يعيد للمدرسة هيبتها ويعيد الأمل للكثيرين في تونس ممن لا طاقة لهم على مواجهة تكاليف التعليم الخاص وكثير من العائلات استسلمت للأمر الواقع وهي ترى أولادها يغادرون مقاعد الدراسة ليتلقفهم الشارع بما يحمله من مخاطر.
وقد فشل كل وزراء التربية الذين مسكوا هذه الحقيبة بعد أحداث 14 جانفي 2011 في تجاوز امتحان النقابات والهياكل التمثيلية وكلهم إما دخلوا معها في صراع خاسر أو اختاروا مسايرة الوضع دون التوصل الى حلول جذرية تفي حق المربي ولا تمس من حقوق التلميذ. وظهر الأمل مجددا بعد حركة 25 جويلية خاصة بعد ما لوحظ من تقلص حدة التوتر بين الهياكل النقابية وبين سلطة الإشراف، في عودة الأمور الى نصابها، لكن تراكم المشاكل وعدم توفر توافق واسع حول برامج إصلاح التعليم العمومي في تونس جعل هذا الأمل يضعف مع الوقت خاصة مع تواصل العلاقة المتوترة بين الأولياء والمربين.
المرور الى مرحلة متقدمة
وللأسف لم يقف الأمر عند هذا الحد. فهناك اليوم من يريد أن يمر الى مرحلة أخرى متقدمة أكثر في مسار هدم مكسب من ابرز مكاسب الجمهورية وهو التعليم العمومي، مرحلة أكثر إحباطا، مرحلة التهريج. فلا يكفي أن المدرسة العمومية ظلت لسنوات مسرحا للصراعات على حساب التلاميذ وتحصيلهم العلمي، فها أننا مررنا الى مرحلة القضاء على آخر ما تبقى من أمل والا كيف نتوقع أن ينظر مستقبلا للتعليم العمومي والفصول المدرسية يمكن استباحتها بكل هذه السهولة. كيف ومتى؟ في قلب المدرسة وفي ساعات الدرس !! فالفيديو المروج الذي تظهر فيه سيدة تعنف مربية في ظل صمت هذه الأخيرة التي تترك لها المجال بالكامل لممارسة عربدتها حتى أنها لم تتدخل لم تم تعنيف احد التلاميذ واخرج من مكانه بالقوة، ليس مؤسفا فقط وإنما يراد من خلاله دعوة التونسيين لقراءة الفاتحة على التعليم العمومي. وإذ نأسف على استعمال هذا التشبيه لكنه هو الأقرب لتوصيف الواقع. فالفيديو المسرب هو حلقة أخرى من حلقات مسلسل استهداف المدرسة العمومية.
لا ننفي أن هناك من شارك عن حسن نية فيديو السيدة التي اقتحمت فصلا مدرسيا وعبثت به كما شاءت. وهناك بالتأكيد من قام بذلك انتصارا للتعليم للعمومي ورغبة في التوعية بوضعه. هناك أيضا من تساءل حول مصداقية الفيديو وان لم يكن مفبركا تحت تأثير الصدمة. لكن الضرر حصل لا محالة. ولعلنا ننبه في هذا السياق الى ان الموضوع اليوم ليس البحث عن كبش فداء لتحميله مسؤولية نشر الفيديو البائس، وإنما الموضوع كيف وصلت الأمور بالمدرسة في تونس الى هذه المرحلة.