هل هي طبخة محروقة سلفا؟ أم أن ما يعنيه قرار واشنطن السماح لمجلس الأمن الدولي بتبني دعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار به قدر من بعض الافتراق الإسرائيلي الأمريكي؟؟.
لا شك أن ما يمكن أن يعكسه مسارعة السفيرة الأمريكية ليندا توماس ومن بعدها وزارة الخارجية ومنسق الاتصالات الإستراتيجية كيربي وعدد آخر من كبار المحليين والمسؤولين السابقين إلى التأكيد على عدم إلزامية القرار الأممي فيه قدر من الاستدراك للقرار الأمريكي بوضع إسرائيل وحيدة في مواجهة العالم، كما يشكل خط رجعة للإدارة الأمريكية في مواجهة بعض قوى الضغط الموالية لإسرائيل بداخل دوائر صنع القرار حيث يمنحها نوع من الغطاء للاستمرار في حربها على غزة.
غير أن التوقف أمام القراءة القانونية لقرار مجلس الأمن الدولي لا يجدي نفعا في مثل هذه الحالة خاصة وأن تمرد إسرائيل على القانون الدولي وضربها بعرض الحائط لكل قرارات الشرعية الدولية ليس جديدا ولا يضيف إلى سجلها بالمروق على الإرادة الدولية ما يستحق الاهتمام، لأنها وفقا لكل ما صدر عن هيئات الشرعية الدولية تبقى دولة فصل عنصري وأن الصهيونية التي تقوم عليها هي شكل من أشكال العنصرية كما وصفها القرار 3379 للعام 1975 الذي طالب كافة دول العالم حينها بمقاومتها باعتبارها تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين رغم إلغاء هذا القرار عام 1991.
ولان المقام أهم من المقال كما يقال وأن الفهم الحقيقي للخطاب يؤخذ من سياقه قبل نصه، فإن قرار مجلس الأمن الدولي هذا يستمد أهميته من سياقات ولادته أكثر من نصه الذي يبقى معناه حصرا في دلالاته اللسانية. وهنا لا يمكن تجاوز أن الولادة العسيرة لهذا القرار التي جاءت بعد سلسلة من المفاوضات والمشادات وأيضا الخلافات الأمريكية الإسرائيلية التي كثيرا ما استخدم فيها الإعلام وسيلة للضغط والتهديد المتبادل، كما ترافقت مع زيادة في حدة الضغط الشعبي على امتداد العالم الذي واكب أبشع جرائم الإبادة الجماعية للسكان العزل والحرمان والتجويع المروع لمئات آلاف الأطفال والنساء وكبار السن، والتدمير المتعمد لأبسط مقومات الوجود دون أن تقدم إسرائيل ولو صورة نصر واحد تبرر كل هذه البشاعة في التنكيل بالناس، وربما الأهم أن المزاج الشعبي الأمريكي نفسه قد طاله بعض التغيير العميق انعكس سلبيا على شعبية الرئيس بايدن وحظوظه في الفوز بولاية ثانية.
يضاف إلى ذلك وعلى الرغم مما يوصف بالإجماع الوطني الإسرائيلي على الاستمرار بالحرب، فإن بعض الخلافات عادت لتتسرب إلى البنية العقائدية والفكرية لوجود إسرائيل حيث تسببت الخسائر البشرية الفادحة في صفوف الجيش التي تتجاوز أرقامها الحقيقية عدة أضعاف الأرقام الرسمية إلى طرح مشاركة الحريديم في التجنيد التي تضع الحكومة الإسرائيلية أمام تحديات متزايدة من قطاعات واسعة في المجتمع تطالب بإخضاعهم للتجنيد الإجباري أسوة بالبقية، كما هدد عضو حكومة الحرب الإسرائيلية بيني غانتس، بالاستقالة من حكومة الطوارئ، إذا أقر الكنيست التشريع المقترح من قبل الحكومة الذي يبقي الحريديم خارج التجنيد. فيما وصفه زعيم المعارضة يائير لابيد بـ"قانون التهرب". في المقابل وفيما هدد كبير الحاخامات إسحاق يوسف بالهجرة إلى خارج إسرائيل قال الحاخام تسفي فريدمان انه يفضل مقتل أحفاده على أن يصبحوا علمانيين.
وربما الأهم من بين سياقات ولادة هذا القرار هو الاختلافات الكبرى بين أهداف الولايات المتحدة كدولة لها مصالحها الإستراتيجية في المنطقة والأهداف الشخصية لرئيس الحكومة نتنياهو الذي يبحث عن طريق للهروب من القضاء.
ودون شك فإن سيل التصريحات الأمريكية التي أعقبت قرار وقف إطلاق النار والتي أكدت على عدم وجود أي تغيير في السياسات الأمريكية نحو إسرائيل، لا نجانب الصواب لان إسرائيل لم تفقد بعد دورها الوظيفي في الإقليم، وأن حدة المواجهة على الصعيد الدولي تتطلب تعزيز هذا الدور، غير أن ذلك لا ينفي حقيقة أن إسرائيل قد تغيرت ولم تعد إسرائيل القرن الماضي.
فسلسلة الانتصارات التي بات يحققها اليمين الإسرائيلي بعد حرب جوان 1967 وصعوده لقيادة الدولة لأول مرة عام 1976وتلاشي قوى اليسار تدريجيا صار يعني انتصارا تاريخيا للتيار الجابونتسكي الذي نعيش تفريخاته الراهنة على شاكلة بن غفير وسموتريتش والذي أصبح يطبع إسرائيل بطابع لا تحبذه الولايات المتحدة كما أنه لا يتسق وأسلوبها في العمل الدبلوماسي الدولي، لأنه يتسبب لها بإحراجات كبيرة كما هو الحال في الحرب على غزة.
من هذا فإنه لا يمكن التسليم بان صورة الخلافات الأمريكية الإسرائيلية التي تطفو على السطح بين الحين والآخر على أنها شكل من أشكال تبادل الأدوار أو طبخة محروقة وأن لا احد سيبتلعها، وأن قرار عدم استخدام حق "الفيتو" في مواجهة مشروع القرار للدول العشر غير دائمة العضوية بمجلس الأمن كان مسرحية أمريكية إسرائيلية، كما لا يمكن اعتبار ذلك مقدمات لخلافات كبرى أو بداية قطيعة، وربما الأقرب إلى الواقع هو أن واشنطن أرادت إصابة عصفورين بحجر واحدة، إذ من خلاله يمكن أن تعيد التوازن لمواقف الشارع الأمريكي وخاصة في جانبه الانتخابي والتخفيف من عبء الإحراج الذي أثقل كاهلها ''الأخلاقي" على الصعيد الدولي وتوجيه رسالة شديدة اللهجة لليمين الإسرائيلي.
ولكن ما لا يمكن لواشنطن استدراكه هو أن صدور القرار بتأييد 14 عضوا وامتناعها هي فقط عن التصويت، جاء لوضع إسرائيل مرة أخرى في مواجهة العالم منفردة ودولة منبوذة للمرة الثانية في أقل من شهرين كانت الأولى في أعقاب التدابير المؤقتة التي اتخذتها محكمة لاهاي التي تعقد هذه الأيام جلسات استماع بشأن الطلبات الإضافية التي قدمتها جنوب إفريقيا لإصدار أوامر ضد إسرائيل، والتي تشير التقديرات في إسرائيل إلى أنها ستكون أوامر صعبة ضدها، ولو على مستوى النبرة.
*أستاذ الإعلام في جامعة منوبة
بقلم: هاني مبارك(*)
هل هي طبخة محروقة سلفا؟ أم أن ما يعنيه قرار واشنطن السماح لمجلس الأمن الدولي بتبني دعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار به قدر من بعض الافتراق الإسرائيلي الأمريكي؟؟.
لا شك أن ما يمكن أن يعكسه مسارعة السفيرة الأمريكية ليندا توماس ومن بعدها وزارة الخارجية ومنسق الاتصالات الإستراتيجية كيربي وعدد آخر من كبار المحليين والمسؤولين السابقين إلى التأكيد على عدم إلزامية القرار الأممي فيه قدر من الاستدراك للقرار الأمريكي بوضع إسرائيل وحيدة في مواجهة العالم، كما يشكل خط رجعة للإدارة الأمريكية في مواجهة بعض قوى الضغط الموالية لإسرائيل بداخل دوائر صنع القرار حيث يمنحها نوع من الغطاء للاستمرار في حربها على غزة.
غير أن التوقف أمام القراءة القانونية لقرار مجلس الأمن الدولي لا يجدي نفعا في مثل هذه الحالة خاصة وأن تمرد إسرائيل على القانون الدولي وضربها بعرض الحائط لكل قرارات الشرعية الدولية ليس جديدا ولا يضيف إلى سجلها بالمروق على الإرادة الدولية ما يستحق الاهتمام، لأنها وفقا لكل ما صدر عن هيئات الشرعية الدولية تبقى دولة فصل عنصري وأن الصهيونية التي تقوم عليها هي شكل من أشكال العنصرية كما وصفها القرار 3379 للعام 1975 الذي طالب كافة دول العالم حينها بمقاومتها باعتبارها تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين رغم إلغاء هذا القرار عام 1991.
ولان المقام أهم من المقال كما يقال وأن الفهم الحقيقي للخطاب يؤخذ من سياقه قبل نصه، فإن قرار مجلس الأمن الدولي هذا يستمد أهميته من سياقات ولادته أكثر من نصه الذي يبقى معناه حصرا في دلالاته اللسانية. وهنا لا يمكن تجاوز أن الولادة العسيرة لهذا القرار التي جاءت بعد سلسلة من المفاوضات والمشادات وأيضا الخلافات الأمريكية الإسرائيلية التي كثيرا ما استخدم فيها الإعلام وسيلة للضغط والتهديد المتبادل، كما ترافقت مع زيادة في حدة الضغط الشعبي على امتداد العالم الذي واكب أبشع جرائم الإبادة الجماعية للسكان العزل والحرمان والتجويع المروع لمئات آلاف الأطفال والنساء وكبار السن، والتدمير المتعمد لأبسط مقومات الوجود دون أن تقدم إسرائيل ولو صورة نصر واحد تبرر كل هذه البشاعة في التنكيل بالناس، وربما الأهم أن المزاج الشعبي الأمريكي نفسه قد طاله بعض التغيير العميق انعكس سلبيا على شعبية الرئيس بايدن وحظوظه في الفوز بولاية ثانية.
يضاف إلى ذلك وعلى الرغم مما يوصف بالإجماع الوطني الإسرائيلي على الاستمرار بالحرب، فإن بعض الخلافات عادت لتتسرب إلى البنية العقائدية والفكرية لوجود إسرائيل حيث تسببت الخسائر البشرية الفادحة في صفوف الجيش التي تتجاوز أرقامها الحقيقية عدة أضعاف الأرقام الرسمية إلى طرح مشاركة الحريديم في التجنيد التي تضع الحكومة الإسرائيلية أمام تحديات متزايدة من قطاعات واسعة في المجتمع تطالب بإخضاعهم للتجنيد الإجباري أسوة بالبقية، كما هدد عضو حكومة الحرب الإسرائيلية بيني غانتس، بالاستقالة من حكومة الطوارئ، إذا أقر الكنيست التشريع المقترح من قبل الحكومة الذي يبقي الحريديم خارج التجنيد. فيما وصفه زعيم المعارضة يائير لابيد بـ"قانون التهرب". في المقابل وفيما هدد كبير الحاخامات إسحاق يوسف بالهجرة إلى خارج إسرائيل قال الحاخام تسفي فريدمان انه يفضل مقتل أحفاده على أن يصبحوا علمانيين.
وربما الأهم من بين سياقات ولادة هذا القرار هو الاختلافات الكبرى بين أهداف الولايات المتحدة كدولة لها مصالحها الإستراتيجية في المنطقة والأهداف الشخصية لرئيس الحكومة نتنياهو الذي يبحث عن طريق للهروب من القضاء.
ودون شك فإن سيل التصريحات الأمريكية التي أعقبت قرار وقف إطلاق النار والتي أكدت على عدم وجود أي تغيير في السياسات الأمريكية نحو إسرائيل، لا نجانب الصواب لان إسرائيل لم تفقد بعد دورها الوظيفي في الإقليم، وأن حدة المواجهة على الصعيد الدولي تتطلب تعزيز هذا الدور، غير أن ذلك لا ينفي حقيقة أن إسرائيل قد تغيرت ولم تعد إسرائيل القرن الماضي.
فسلسلة الانتصارات التي بات يحققها اليمين الإسرائيلي بعد حرب جوان 1967 وصعوده لقيادة الدولة لأول مرة عام 1976وتلاشي قوى اليسار تدريجيا صار يعني انتصارا تاريخيا للتيار الجابونتسكي الذي نعيش تفريخاته الراهنة على شاكلة بن غفير وسموتريتش والذي أصبح يطبع إسرائيل بطابع لا تحبذه الولايات المتحدة كما أنه لا يتسق وأسلوبها في العمل الدبلوماسي الدولي، لأنه يتسبب لها بإحراجات كبيرة كما هو الحال في الحرب على غزة.
من هذا فإنه لا يمكن التسليم بان صورة الخلافات الأمريكية الإسرائيلية التي تطفو على السطح بين الحين والآخر على أنها شكل من أشكال تبادل الأدوار أو طبخة محروقة وأن لا احد سيبتلعها، وأن قرار عدم استخدام حق "الفيتو" في مواجهة مشروع القرار للدول العشر غير دائمة العضوية بمجلس الأمن كان مسرحية أمريكية إسرائيلية، كما لا يمكن اعتبار ذلك مقدمات لخلافات كبرى أو بداية قطيعة، وربما الأقرب إلى الواقع هو أن واشنطن أرادت إصابة عصفورين بحجر واحدة، إذ من خلاله يمكن أن تعيد التوازن لمواقف الشارع الأمريكي وخاصة في جانبه الانتخابي والتخفيف من عبء الإحراج الذي أثقل كاهلها ''الأخلاقي" على الصعيد الدولي وتوجيه رسالة شديدة اللهجة لليمين الإسرائيلي.
ولكن ما لا يمكن لواشنطن استدراكه هو أن صدور القرار بتأييد 14 عضوا وامتناعها هي فقط عن التصويت، جاء لوضع إسرائيل مرة أخرى في مواجهة العالم منفردة ودولة منبوذة للمرة الثانية في أقل من شهرين كانت الأولى في أعقاب التدابير المؤقتة التي اتخذتها محكمة لاهاي التي تعقد هذه الأيام جلسات استماع بشأن الطلبات الإضافية التي قدمتها جنوب إفريقيا لإصدار أوامر ضد إسرائيل، والتي تشير التقديرات في إسرائيل إلى أنها ستكون أوامر صعبة ضدها، ولو على مستوى النبرة.