إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الدراما الاجتماعية في رمضان .. انعكاس للراهن ومرآة لقضايا شائكة خذلتها الإمكانات

 

 

تونس - الصباح

تؤدي الأعمال الدرامية في التلفزيون دورا حيويا في التأثير على الجماهير المستهلكة لهذه المّادة الفنية عبر تصويرها لمظاهر حياتية وقضايا تهم الأفراد بمختلف انتمائهم وفئاتهم العمرية ويحرص معظم صناع الدراما الاجتماعية على طرح مشاغل راهنهم في تصورات فنية تختلف من رؤية إلى أخرى.

في رمضان 2024 اهتمت الدراما الاجتماعية على القنوات التونسية بهواجس التونسيين ولئن لم تتجاوز عدد هذه الأعمال الثلاث انتاجات (باب الرزق، فلوجة 2 ورقوج) إلا أن أغلب مشاغل التونسيين ترجمت في مسلسلات الموسم الحالي على غرار إشكاليات التعليم، مظاهر العنف، تأُثير الفساد والمتاجرة بالممنوعات على مجتمعنا، وضعية المرأة الريفية، التهميش وغيرها من معضلات المجتمع التونسي.

المختلف بين انتاجات الدراما لرمضان 2024 هي طريقة التناول الفني والجمالي للمظاهر السائدة في مجتمعنا بين اختيار "المباشراتية" في الطرح أو الإسقاطات والرمزية في خيارات أخرى وفي السياق تناول مسلسل الوطنية الأولى "باب الرزق" للسيناريست محمد علي دمق والمخرج هيفل بن يوسف جانبا من حياة أهل المناطق الداخلية في تونس ومعاناة المرأة الريفية في أحداث تسيطر عليها قصص الماضي، صراع العائلات والأفراد داخل هذه الأسر التي يجمعها الحب، الرغبة في الانتقام والانكسارات ورغم الإيقاع البطيء والممل في الكثير من مشاهد هذا العمل وضعف إمكاناته الإنتاجية إلا أن رسالته الاجتماعية واضحة وعكس كغيره من انتاجات مؤسسة التلفزة التونسية في السنوات الأخيرة صورة عن مجتمعنا لم تكتمل ملامحها بعد ونحن في متابعة الحلقات العشر الأولى إلا أن العمل يدنو شيئا فشيئا نحو مغزاه "التغير قادم لا محالة".

في "باب الرزق" بطولة كمال التواتي، صلاح مصدّق، خالد هويسة، أسماء بن عثمان، عاطف البوزيدي، نبيلة قويدر، أميمة المحرزي، علي الخميري، لطفي الناجح، يحي الفايدي وسماح السنكري تألق عدد من أبطاله في نقلهم لمشاعر الشخوص المجسدة من هذا الواقع المتأزم لوطننا وكان الممثل المسرحي مراد بن نافلة أبرزهم.

الدراما الاجتماعية لقناة الحوار التونسي "الفلوجة 2" عن سيناريو سوسن الجمني وسندس عبد الرحمان اختارت تصورا عاما يوحي بأن العمل قادم من منصة غربية أو مقتبس عن عمل أجنبي لشباب المعاهد ومشاكلهم غير أن الخط الدرامي لمدارس الريف ومعاناة أبنائها في هذا الجزء الثاني من المسلسل منح العمل بصمته التونسية ورغم سطحية هذا الطرح وسرده الذي كان في حاجة لمزيد من العمق على مستوى كتابة الحوار والإمكانات الإنتاجية لتطوير الفكرة وتصويرها في ظروف أفضل ومتابعة مراحل ما بعد الإنتاج (متابعة الحلقات توحي بتسرع صناعه في انجاز حلقات الجزء الثاني على مستوى التصوير والمونتاج) إلا أن مخرجة "فلوجة" سوسن الجمني تمكنت من تسليط الضوء على قضايا هامة دق جرس إنذارها منذ فترة وتناولها في عمل فني لقناة تونسية تحظى بنسبة مشاهدة عالية يعزز من إمكانات هذه الدراما الاجتماعية على مستوى التأثير والتغير.

للتذكير فإن مسلسل "الفلوجة" في جزئه الثاني من بطولة نعيمة الجاني، ريم الرياحي، محمد علي بن جمعة، محمد مراد، نضال السعدي، محمد علي النهدي، سارة التونسي، رحمة بن عيسى، فارس عبد الدايم، نسيم بورقيبة ومغني الراب "جنجون".

يمكن للدراما الاجتماعية أن تعيد بنا الفكر وتقطع مع السائد كأن تحاكي عبر جمالياتها واقع في عالم خيالي يمنحنا قدرة أكبر على ملامسة حياتنا وإعادة بنائها وإدراك الجيد من السيئ في مظاهرها .. "رقوج" لعبد الحميد بوشناق أخذنا لعالم موازي لتونس الراهن في دراما اجتماعية مغلفة بفنتازيا يتقن سحرها هذا المخرج وجماعته من أًصدقاء الفكر والكتابة ومجسدي شخوصها .. "رقوج" نقل الواقع بأسلوبه المغاير وشد الجمهور لعمل أدرك الجميع أنه يحاكي تونس وهنا يبرز مدى احترام عبد الحميد بوشناق لوعي مشاهدي دراما رمضان لم يسقط في الاستسهال والطرح المستهلك للقضايا الاجتماعية .. يمكن أن نختلف مع المخرج على الهامش الكبير الذي منحه لأبطاله على مستوى "اللعب" لدرجة الارتجال أحيانا أو غياب تقنيات الحبكة الكلاسيكية التي قد يحتاجها المشاهد العادي لمتابعة تفاصيل الحكاية ومع ذلك لا يمكننا إنكار "المتعة" المهداة للجمهور من هذا العمل تلك المتعة الفنية والجمالية الممزوجة بطرح يشبهنا ويعبر عنا.

وفي هذا السياق، لابد من الإشادة بخيار "نسمة الجديدة" على عرض "رقوج" مع مخرج كانت بداياته مع هذه القناة في سلسلة "هاذوكم" سنة 2016 وتسويق هذا العمل في قناة يشاهدها جمهور المغرب العربي. وللتذكير فإن مسلسل "رقوج" والذي تميز على مستوى الموسيقى التصويرية لحمزة بوشناق من بطولة عزيز الجبالي، بحري الرحالي، وليد عيادي، هالة عياد، ياسمين الديماسي، الشاذلي عرفاوي، أميرة الشبلي، فاطمة صفر، ريم عياد، حسام الغريبي، محمد شوقي خوجة مع الحضور الاستثنائي فاطمة بن سعيدان.

المسلسلات الاجتماعية وبعيدا عن دورها الترفيهي هي مرآة لمجتمعنا وأداة للتغير، وعلى صناع الدراما الاجتماعية دعم هذه الانتاجات في راهننا ولعلنا في هذا السياق نذكر بإنتاجات مؤسسة التلفزة التونسية في السنوات الأخيرة والتي كان لها أثرا إيجابيا على غرار "المايسترو" و"حرقة" للمخرج الأسعد الوسلاتي والسيناريست عماد الدين حكيم.

نجلاء قموع

 

 

الدراما الاجتماعية في رمضان .. انعكاس للراهن ومرآة لقضايا شائكة خذلتها الإمكانات

 

 

تونس - الصباح

تؤدي الأعمال الدرامية في التلفزيون دورا حيويا في التأثير على الجماهير المستهلكة لهذه المّادة الفنية عبر تصويرها لمظاهر حياتية وقضايا تهم الأفراد بمختلف انتمائهم وفئاتهم العمرية ويحرص معظم صناع الدراما الاجتماعية على طرح مشاغل راهنهم في تصورات فنية تختلف من رؤية إلى أخرى.

في رمضان 2024 اهتمت الدراما الاجتماعية على القنوات التونسية بهواجس التونسيين ولئن لم تتجاوز عدد هذه الأعمال الثلاث انتاجات (باب الرزق، فلوجة 2 ورقوج) إلا أن أغلب مشاغل التونسيين ترجمت في مسلسلات الموسم الحالي على غرار إشكاليات التعليم، مظاهر العنف، تأُثير الفساد والمتاجرة بالممنوعات على مجتمعنا، وضعية المرأة الريفية، التهميش وغيرها من معضلات المجتمع التونسي.

المختلف بين انتاجات الدراما لرمضان 2024 هي طريقة التناول الفني والجمالي للمظاهر السائدة في مجتمعنا بين اختيار "المباشراتية" في الطرح أو الإسقاطات والرمزية في خيارات أخرى وفي السياق تناول مسلسل الوطنية الأولى "باب الرزق" للسيناريست محمد علي دمق والمخرج هيفل بن يوسف جانبا من حياة أهل المناطق الداخلية في تونس ومعاناة المرأة الريفية في أحداث تسيطر عليها قصص الماضي، صراع العائلات والأفراد داخل هذه الأسر التي يجمعها الحب، الرغبة في الانتقام والانكسارات ورغم الإيقاع البطيء والممل في الكثير من مشاهد هذا العمل وضعف إمكاناته الإنتاجية إلا أن رسالته الاجتماعية واضحة وعكس كغيره من انتاجات مؤسسة التلفزة التونسية في السنوات الأخيرة صورة عن مجتمعنا لم تكتمل ملامحها بعد ونحن في متابعة الحلقات العشر الأولى إلا أن العمل يدنو شيئا فشيئا نحو مغزاه "التغير قادم لا محالة".

في "باب الرزق" بطولة كمال التواتي، صلاح مصدّق، خالد هويسة، أسماء بن عثمان، عاطف البوزيدي، نبيلة قويدر، أميمة المحرزي، علي الخميري، لطفي الناجح، يحي الفايدي وسماح السنكري تألق عدد من أبطاله في نقلهم لمشاعر الشخوص المجسدة من هذا الواقع المتأزم لوطننا وكان الممثل المسرحي مراد بن نافلة أبرزهم.

الدراما الاجتماعية لقناة الحوار التونسي "الفلوجة 2" عن سيناريو سوسن الجمني وسندس عبد الرحمان اختارت تصورا عاما يوحي بأن العمل قادم من منصة غربية أو مقتبس عن عمل أجنبي لشباب المعاهد ومشاكلهم غير أن الخط الدرامي لمدارس الريف ومعاناة أبنائها في هذا الجزء الثاني من المسلسل منح العمل بصمته التونسية ورغم سطحية هذا الطرح وسرده الذي كان في حاجة لمزيد من العمق على مستوى كتابة الحوار والإمكانات الإنتاجية لتطوير الفكرة وتصويرها في ظروف أفضل ومتابعة مراحل ما بعد الإنتاج (متابعة الحلقات توحي بتسرع صناعه في انجاز حلقات الجزء الثاني على مستوى التصوير والمونتاج) إلا أن مخرجة "فلوجة" سوسن الجمني تمكنت من تسليط الضوء على قضايا هامة دق جرس إنذارها منذ فترة وتناولها في عمل فني لقناة تونسية تحظى بنسبة مشاهدة عالية يعزز من إمكانات هذه الدراما الاجتماعية على مستوى التأثير والتغير.

للتذكير فإن مسلسل "الفلوجة" في جزئه الثاني من بطولة نعيمة الجاني، ريم الرياحي، محمد علي بن جمعة، محمد مراد، نضال السعدي، محمد علي النهدي، سارة التونسي، رحمة بن عيسى، فارس عبد الدايم، نسيم بورقيبة ومغني الراب "جنجون".

يمكن للدراما الاجتماعية أن تعيد بنا الفكر وتقطع مع السائد كأن تحاكي عبر جمالياتها واقع في عالم خيالي يمنحنا قدرة أكبر على ملامسة حياتنا وإعادة بنائها وإدراك الجيد من السيئ في مظاهرها .. "رقوج" لعبد الحميد بوشناق أخذنا لعالم موازي لتونس الراهن في دراما اجتماعية مغلفة بفنتازيا يتقن سحرها هذا المخرج وجماعته من أًصدقاء الفكر والكتابة ومجسدي شخوصها .. "رقوج" نقل الواقع بأسلوبه المغاير وشد الجمهور لعمل أدرك الجميع أنه يحاكي تونس وهنا يبرز مدى احترام عبد الحميد بوشناق لوعي مشاهدي دراما رمضان لم يسقط في الاستسهال والطرح المستهلك للقضايا الاجتماعية .. يمكن أن نختلف مع المخرج على الهامش الكبير الذي منحه لأبطاله على مستوى "اللعب" لدرجة الارتجال أحيانا أو غياب تقنيات الحبكة الكلاسيكية التي قد يحتاجها المشاهد العادي لمتابعة تفاصيل الحكاية ومع ذلك لا يمكننا إنكار "المتعة" المهداة للجمهور من هذا العمل تلك المتعة الفنية والجمالية الممزوجة بطرح يشبهنا ويعبر عنا.

وفي هذا السياق، لابد من الإشادة بخيار "نسمة الجديدة" على عرض "رقوج" مع مخرج كانت بداياته مع هذه القناة في سلسلة "هاذوكم" سنة 2016 وتسويق هذا العمل في قناة يشاهدها جمهور المغرب العربي. وللتذكير فإن مسلسل "رقوج" والذي تميز على مستوى الموسيقى التصويرية لحمزة بوشناق من بطولة عزيز الجبالي، بحري الرحالي، وليد عيادي، هالة عياد، ياسمين الديماسي، الشاذلي عرفاوي، أميرة الشبلي، فاطمة صفر، ريم عياد، حسام الغريبي، محمد شوقي خوجة مع الحضور الاستثنائي فاطمة بن سعيدان.

المسلسلات الاجتماعية وبعيدا عن دورها الترفيهي هي مرآة لمجتمعنا وأداة للتغير، وعلى صناع الدراما الاجتماعية دعم هذه الانتاجات في راهننا ولعلنا في هذا السياق نذكر بإنتاجات مؤسسة التلفزة التونسية في السنوات الأخيرة والتي كان لها أثرا إيجابيا على غرار "المايسترو" و"حرقة" للمخرج الأسعد الوسلاتي والسيناريست عماد الدين حكيم.

نجلاء قموع