لا بد من الإشارة إلى وجود بعض التجاوز المعرفي في استخدام مصطلح الفكر السياسي الفلسطيني عند تفسير أزمة الحالة الوطنية الفلسطينية عبر جزئية في سياق طارئ كالحرب على غزة، أو حتى بالعودة إلى برنامج النقاط العشر عام 1974 الذي يعد بدايات التبني الفلسطيني للمقاربة المثالية في حل الصراع مع إسرائيل.
ولكن أيضا فان اختزال تفسير هذه الأزمة بجانبها الدبلوماسي - الذي تجوز به الدعوة لإعادة النظر والمراجعة – فيه تجاوز للحقائق إذ يعود كثير من أسبابها إلى واقعها الموضوعي حيث حالة انكسار النظام العربي وتآكل هياكله وقيمه وأطره وانحلاله إلى مجموعات فرعية، إلى جانب إعادة توزيع القوة على الصعيد الدولي واحتكار الولايات المتحدة لملف الصراع العربي الإسرائيلي.
بيد أن ذلك لا يحجب ضرورة التوقف أمام اخفاقات العامل الذاتي، وردها إلى بعض مكونات الفكر السياسي، الذي عنه تنبثق آليات التصور والتنفيذ والتعديل والمراجعة وإعادة البناء وفقا للمتغيرات الطارئة التي ترافق تطورات الصراع، الناجمة عن فكر الخصم المقابل، خاصة وأن تاريخ الأفكار السياسية قد رصد كما هائلا من التخارج بين الفكر والممارسة، رجحت فيه كفة الدناءة في السلوك على كفة النقاء في الفكر، وهو ما يستوجب إدامة التحري لمعرفة مستوى دناءة السلوك عند أصحاب الفكر الدنيء إذا ما كان سلوك أصحاب الفكر النقي يسجل مستويات عالية من تلك الدناءة.
يضاف إلى ذلك فإن الاتجاه المثالي في تحليل العلاقات الدولية بدأ بالتراجع منذ ثلاثينات القرن الماضي، أمام إصرار الدولة على امتلاك القوة واستعمالها في علاقاتها مع الدول الأخرى، وفشل ما تسمى بالحقوق والالتزامات القانونية الدولية والتناسق الطبيعي بين المصالح القومية كوسيلة للحفاظ على السلام العالمي والتركيز على دور العقل في إدارة الشؤون العالمية، في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية.
كما جاءت نتائج الحرب الباردة وانهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي لتعمق من الإحساس بخيبة أمل إتباع المدرسة المثالية وتعلي من أصوات الواقعيين، إذ عادت طروحات عديد منظري هذه المدرسة أمثال مورجنثاو وجورج كينان لتطغى على أدوات تحديد الرؤية المستقبلية لعالم الغد التي اكتملت ملامحها بمقاربات فوكوياما وهنتغتون وجون مير شايمر وما تلا ذلك من وجهات نظر أكدت كلها على الهزيمة التاريخية للمقاربة المثالية.
وعلى الرغم من هذه الدلائل التي تنبئ بفشل المراهنة على المثالية في إيجاد علاقات متوازنه بين الدول، فان القيادة الفلسطينية لم تجد أمامها بعد حرب الخليج الثانية، سوى إعادة المراهنة على هذا الخيار، والتركيز من بين عدة عناصر يتكون منها على المقاربة القانونية التي لم تكن يوما إلا مقاربة لإعادة إنتاج الواقع بما يخدم مصالح الأطراف الأكثر قوة.
ورغم ذلك فلا يمكن إنكار الانجازات الضخمة التي حققتها الدبلوماسية الفلسطينية، إذ تمكنت من انتزاع مساحات واسعة للسردية الفلسطينية في الوعي الدولي مقابل السردية الإسرائيلية والحصول من أعلى الهيئات الدولية على عشرات بل مئات القرارات المؤيدة للحق الفلسطيني، وسُجلت اعترافات مختلف دول العالم بالدولة الفلسطينية، وحمت قبل ذلك شرعية السلاح الفلسطيني، والقرار الوطني المستقل.
وفي المقابل، صحيح أيضا أن هذه الدبلوماسية قد تكون وقعت في مأزق عدم القدرة على تجاوز مرحلة السعي لاعتراف الآخرين بالحق الفلسطيني إلى مرحلة تجسيده ماديا وبناء الدولة، وبقيت تدور في حلقة مراكمة قرارات الاعتراف إلى حد فاق مستويات الإشباع القصوى، غير أن السبب الحقيقي في هذا المأزق يعود بالأساس إلى المأزق الفكري للسياسات الفلسطينية التي بقيت رهينة المقاربة المثالية. ولكي لا تحمل هذه الدبلوماسية ما ليس هو من اختصاصها المباشر باعتبارها إحدى وسائل تنفيذ السياسات التي يحددها المستوى القيادي، فإن ذلك هو ما يدعو إلى ضرورة إعادة النظر بهذه السياسات وبالخيارات الفكرية التي انبنت عليها.
صحيح أن القيادة الفلسطينية في السنوات الأخيرة أعلنت غير مرة ومن أعلى قمة الهرم فيها أن الولايات المتحدة لم تعد مصدر ثقة لاحتكار ملف الصراع وأنها ليست الطرف الذي يمكن له لعب دور الوسيط، وطالب الرئيس محمود عباس في أكثر من مرة بتفعيل المقاومة الشعبية، غير أن كل ذلك بقي يدور في فلك نفس المقاربة، وانه في حالات الغضب كان يأخذ شكلا من أشكال الحرد السياسي أكثر منه مراجعة للسياسات القائمة.
واليوم ورغم الحرب التدميرية البشعة التي تشنها إسرائيل بأسلحة وغطاء سياسي أمريكي على قطاع غزة والصور المروعة التي تصل من هناك حيث تنتهك آدمية الإنسان الفلسطيني الذي يتم تحويله إلى إنسان بدائي بكل ما في الكلمة من معنى، والحرب الصامتة على مخيمات الضفة الغربية، رغم كل ذلك ورغم أن السياق المنطقي لمجريات الأحداث يفرض ضرورة أن تضغط أمريكا على إسرائيل لتحريك ملف الحقوق الفلسطينية لحماية وجود إسرائيل وبقائها كما بات يعبر عن ذلك الرئيس بايدن نفسه إلا أن واشنطن تصر واقعيا على المضي قدما في مغامرة تشجيعها للالتفاف على تلك الحقوق ومنحها الوقت الكافي لتنفيذ مخططاتها بغطاء من التصريحات الفضفاضة عن ما يسمى بحل الدولتين.
لقد بات واضحا أكثر من أي وقت مضى أن أقصى ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة في ظل هذا الإصرار العربي على الانكفاء وعدم الاكتراث، هي أشكال من الإدارات الذاتية التي عادة ما تعطى للأقليات القومية، وانه صار واضحا أيضا أن الخيارات الفكرية للعمل السياسي والوطني الفلسطيني بات بحاجة ماسة لتجاوز الحرد السياسي إلى إعادة مراجعة عميقة.
*أستاذ الإعلام في جامعة منوبة
بقلم: هاني مبارك (*)
لا بد من الإشارة إلى وجود بعض التجاوز المعرفي في استخدام مصطلح الفكر السياسي الفلسطيني عند تفسير أزمة الحالة الوطنية الفلسطينية عبر جزئية في سياق طارئ كالحرب على غزة، أو حتى بالعودة إلى برنامج النقاط العشر عام 1974 الذي يعد بدايات التبني الفلسطيني للمقاربة المثالية في حل الصراع مع إسرائيل.
ولكن أيضا فان اختزال تفسير هذه الأزمة بجانبها الدبلوماسي - الذي تجوز به الدعوة لإعادة النظر والمراجعة – فيه تجاوز للحقائق إذ يعود كثير من أسبابها إلى واقعها الموضوعي حيث حالة انكسار النظام العربي وتآكل هياكله وقيمه وأطره وانحلاله إلى مجموعات فرعية، إلى جانب إعادة توزيع القوة على الصعيد الدولي واحتكار الولايات المتحدة لملف الصراع العربي الإسرائيلي.
بيد أن ذلك لا يحجب ضرورة التوقف أمام اخفاقات العامل الذاتي، وردها إلى بعض مكونات الفكر السياسي، الذي عنه تنبثق آليات التصور والتنفيذ والتعديل والمراجعة وإعادة البناء وفقا للمتغيرات الطارئة التي ترافق تطورات الصراع، الناجمة عن فكر الخصم المقابل، خاصة وأن تاريخ الأفكار السياسية قد رصد كما هائلا من التخارج بين الفكر والممارسة، رجحت فيه كفة الدناءة في السلوك على كفة النقاء في الفكر، وهو ما يستوجب إدامة التحري لمعرفة مستوى دناءة السلوك عند أصحاب الفكر الدنيء إذا ما كان سلوك أصحاب الفكر النقي يسجل مستويات عالية من تلك الدناءة.
يضاف إلى ذلك فإن الاتجاه المثالي في تحليل العلاقات الدولية بدأ بالتراجع منذ ثلاثينات القرن الماضي، أمام إصرار الدولة على امتلاك القوة واستعمالها في علاقاتها مع الدول الأخرى، وفشل ما تسمى بالحقوق والالتزامات القانونية الدولية والتناسق الطبيعي بين المصالح القومية كوسيلة للحفاظ على السلام العالمي والتركيز على دور العقل في إدارة الشؤون العالمية، في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية.
كما جاءت نتائج الحرب الباردة وانهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي لتعمق من الإحساس بخيبة أمل إتباع المدرسة المثالية وتعلي من أصوات الواقعيين، إذ عادت طروحات عديد منظري هذه المدرسة أمثال مورجنثاو وجورج كينان لتطغى على أدوات تحديد الرؤية المستقبلية لعالم الغد التي اكتملت ملامحها بمقاربات فوكوياما وهنتغتون وجون مير شايمر وما تلا ذلك من وجهات نظر أكدت كلها على الهزيمة التاريخية للمقاربة المثالية.
وعلى الرغم من هذه الدلائل التي تنبئ بفشل المراهنة على المثالية في إيجاد علاقات متوازنه بين الدول، فان القيادة الفلسطينية لم تجد أمامها بعد حرب الخليج الثانية، سوى إعادة المراهنة على هذا الخيار، والتركيز من بين عدة عناصر يتكون منها على المقاربة القانونية التي لم تكن يوما إلا مقاربة لإعادة إنتاج الواقع بما يخدم مصالح الأطراف الأكثر قوة.
ورغم ذلك فلا يمكن إنكار الانجازات الضخمة التي حققتها الدبلوماسية الفلسطينية، إذ تمكنت من انتزاع مساحات واسعة للسردية الفلسطينية في الوعي الدولي مقابل السردية الإسرائيلية والحصول من أعلى الهيئات الدولية على عشرات بل مئات القرارات المؤيدة للحق الفلسطيني، وسُجلت اعترافات مختلف دول العالم بالدولة الفلسطينية، وحمت قبل ذلك شرعية السلاح الفلسطيني، والقرار الوطني المستقل.
وفي المقابل، صحيح أيضا أن هذه الدبلوماسية قد تكون وقعت في مأزق عدم القدرة على تجاوز مرحلة السعي لاعتراف الآخرين بالحق الفلسطيني إلى مرحلة تجسيده ماديا وبناء الدولة، وبقيت تدور في حلقة مراكمة قرارات الاعتراف إلى حد فاق مستويات الإشباع القصوى، غير أن السبب الحقيقي في هذا المأزق يعود بالأساس إلى المأزق الفكري للسياسات الفلسطينية التي بقيت رهينة المقاربة المثالية. ولكي لا تحمل هذه الدبلوماسية ما ليس هو من اختصاصها المباشر باعتبارها إحدى وسائل تنفيذ السياسات التي يحددها المستوى القيادي، فإن ذلك هو ما يدعو إلى ضرورة إعادة النظر بهذه السياسات وبالخيارات الفكرية التي انبنت عليها.
صحيح أن القيادة الفلسطينية في السنوات الأخيرة أعلنت غير مرة ومن أعلى قمة الهرم فيها أن الولايات المتحدة لم تعد مصدر ثقة لاحتكار ملف الصراع وأنها ليست الطرف الذي يمكن له لعب دور الوسيط، وطالب الرئيس محمود عباس في أكثر من مرة بتفعيل المقاومة الشعبية، غير أن كل ذلك بقي يدور في فلك نفس المقاربة، وانه في حالات الغضب كان يأخذ شكلا من أشكال الحرد السياسي أكثر منه مراجعة للسياسات القائمة.
واليوم ورغم الحرب التدميرية البشعة التي تشنها إسرائيل بأسلحة وغطاء سياسي أمريكي على قطاع غزة والصور المروعة التي تصل من هناك حيث تنتهك آدمية الإنسان الفلسطيني الذي يتم تحويله إلى إنسان بدائي بكل ما في الكلمة من معنى، والحرب الصامتة على مخيمات الضفة الغربية، رغم كل ذلك ورغم أن السياق المنطقي لمجريات الأحداث يفرض ضرورة أن تضغط أمريكا على إسرائيل لتحريك ملف الحقوق الفلسطينية لحماية وجود إسرائيل وبقائها كما بات يعبر عن ذلك الرئيس بايدن نفسه إلا أن واشنطن تصر واقعيا على المضي قدما في مغامرة تشجيعها للالتفاف على تلك الحقوق ومنحها الوقت الكافي لتنفيذ مخططاتها بغطاء من التصريحات الفضفاضة عن ما يسمى بحل الدولتين.
لقد بات واضحا أكثر من أي وقت مضى أن أقصى ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة في ظل هذا الإصرار العربي على الانكفاء وعدم الاكتراث، هي أشكال من الإدارات الذاتية التي عادة ما تعطى للأقليات القومية، وانه صار واضحا أيضا أن الخيارات الفكرية للعمل السياسي والوطني الفلسطيني بات بحاجة ماسة لتجاوز الحرد السياسي إلى إعادة مراجعة عميقة.