إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

قرارات مهمة لجمعية الأمم المتحدة .. هل تنجح "الديبلوماسية البيئية" في ما فشلت فيه العلاقات الدولية ؟

تونس- الصباح

انعقدت في الفترة الأخيرة الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة بالعاصمة الكينية نيروبي وشهدت حضور وفود ممثلة لأكثر من 150  بلدا مع مشاركة افريقية ملفتة للانتباه خاصة من حيث العدد وفق المنظمين واختتمت الدورة باعتماد الاعلان الوزاري  لجمعية الأمم المتحدة للبيئة الذي اقر بالمخاطر  التي "تشكلها التحديات والازمات البيئية العالمية على التنمية المستدامة، بما في ذلك تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث، فضلا عن التصحر، وتدهور الاراضي  والتربة، والجفاف وإزالة الغابات، وآثارها على صحة الإنسان والبيئة، التي يزيد من تفاقمها استمرار مستويات الفقر، وعدم المساواة وانعدام الامن الغذائي".

واضافة الى الوفود الوزارية  – من بينها تونس- سجلت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة حضور  مجموعة من رؤساء البلدان والحكومات من بينهم رئيس كينيا، الدولة المنظمة، كما تم تسجيل حضور رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية وعدد كبير من المسؤولين بالأمم المتحدة وهيئات اممية وقد اهتمت الدورة بثلاث محاور كبرى وهي المتغيرات المناخية والتنوع البيولوجي والتلوث.

وقد دعت البلدان المشاركة في ختام الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة إلى اتخاذ تدابير عاجلة من اجل التخفيف من حدة التقلبات المناخية والحفاظ على التنوع البيولوجي ومقاومة التلوث مشددة على أهمية توفير التمويلات الضرورية لتحقيق الأهداف التي يتفق عليها العالم اليوم وابرزها حصر الاحترار العالمي في درجة مائوية معينة والتخفيض من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية ( العالم يتوق لتحقيق صفر كربون).

وقد جدد المشاركون التزامهم بما جاء في اتفاقية كونمينغ- مونريال الإطارية العالمية حول التنوع البيولوجي التي تهدف الى مواجهة المخاطر التي تهدد توازن الطبيعة (العمل بها يتواصل الى 2030) كما شددوا على ضرورة اتخاذ كل الإجراءات للتصدي للمتغيرات المناخية المتسارعة، "بما يتماشى  مع اهداف ومبادئ اتفاقية الأمم المتحدة الاطارية بشأن تغير المناخ  وتعزيز التنمية القادرة على تحمل تغير المناخ وحماية المجتمعات  من الكوارث الناجمة عن تغير المناخ مثل الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات  وموجات  الحر والمجاعات التي تقوض قدرة جميع البلدان على تحقيق التنمية المستدامة" وذلك وفق ما جاء في اول نقطة على  لائحة الإجراءات المنصوص عليها في الإعلان الوزاري الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة في اختتام اشغال دورتها السادسة.

وقد أكد  المشاركون على ضرورة العمل بجدية من اجل وضع حد للتلوث بمادة البلاستيك في البيئة البحرية بالخصوص والسعي من اجل وضع ما اسموه ب"صك دولي عادل وفعال ومتوازن وطموح ملزم قانونا، من خلال لجنة التفاوض الدولية، بمطمح استكمال عملها بحلول نهاية عام 2024".

وقد حث المشاركون الدول الفاعلة والمؤسسات المالية الدولية، والمصارف الانمائية المتعددة والمؤسسات الخاصة، والمؤسسات الخيرية، والصناديق، والجهات الفاعلة الأخرى على التعبير عن  التآزر والمساعدة في  تمويل الاجراءات الرامية إلى التصدي للتحديات والازمات البيئية العالمية والالتزام بما اعلن عنه في الاجتماعين السنويين لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي المنعقدين في العام الماضي ( 2023 ) بمراكش بالمغرب. وشدد الإعلان الوزاري على ضرورة مساعدة الدول الأعضاء على تنفيذ سياساتها البيئية وتشريك كل الفئات الاجتماعية لاسيما الشباب والمرأة والفئات ذات الاحتياجات الخصوصية في صنع القرار البيئي.

واتفق المشاركون  على  أنه لا وجود لحلول للبشرية اذا ما ارادت ان تحافظ على كوكب الأرض خارج اطار التضامن البشري داعين في هذا السياق  الى توفير كل الوسائل لتطبيق ما جاء في هذ الإعلان وتنفيذ الإجراءات المنصوص عليها تنفيذا " فعالا" و"شاملا".

والواضح من خلال اللهجة المستعملة في الإعلان الوزاري الصادر عن الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة التي انعقدت  مؤخرا في العاصمة الكينية نيروبي وترأستها وزيرة البيئة المغربية قبل ان تسلم المشعل الى نظيرها العماني ليترأس الدورة القادمة ( تنعقد دورة كل عامين)، ان هناك رغبة في التأكيد على أن الأمور لا تقبل التأجيل وأن العالم اليوم لم يعد مخيرا امام المخاطر الناجمة عن تغير المناخ. العالم ليس امامه سوى حل واحد وهو التجند والحشد والتحرك من اجل استمرار الوجود على الأرض.

ولغة التحذير لم نلاحظها فقط في البيان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة، التي للتذكير قد بعثت في 2012 وهي تعمل تحت اشراف برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وإنما أيضا في الكلمات التي توجه بها ضيوف الدورة السادسة للجمعية ومن بينهم  بالخصوص المدير العام للصحة العالمية "تيدروس أدهانومغيبرييسوس" الذي قال "إن الكوكب لو كان إنسانا مريضا "لتم إدخاله العناية المركزة" ،  مشيرا الى ان  الظواهر الجوية المتكررة والقوية تتسبب في وفيات وإصابات، وتساهم موجات الحر المتزايدة في زيادة أمراض القلب والأوعية الدموية، في حين يؤدي تلوث الهواء إلى الإصابة بسرطان الرئة والربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن".

من جهته اعتبر رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة دينيس فرانسيس أن أهداف التنمية المستدامة التي يشدد عليها على المستوى العالمي " بعيدة -عن التحقق- بشكل يؤسف له".

وإذ ما لاحظنا حجم المشاركة في الحدث المذكور واهمية النقاشات التي تمت خلال الدورة الجديدة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة التي هي عبارة عن  برلمان عالمي للبيئة، فإننا نقر بأن المخاطر التي تهدد مستقبل البشرية على كوكب الأرض قد خلقت حالة من الاجماع على ضرورة التحرك بجدية من اجل انقاذ ما يمكن إنقاذه. ونقر بالخصوص لبلدان العالم النامي بالفضل في ذلك. فقد تمكنت من اجبار الدول الكبرى على الإقرار بمسؤوليتها الكبيرة في تلوث الكون وهي اليوم، أي البلدان الصناعية الكبرى التي تتسبب اكثر من غيرها في افراز النفايات السامة وفي تلوث المناخ وفي تهديد سلامة البشر وصحتهم، غير قادرة على التهرب من مسؤوليتها،حتى ان ارادت ذلك وبعضها يسعى بقوة للتنصل من المسؤولية، وهي ملزمة بالمساهمة في صناديق تمويل الأنشطة البيئية في العالم. والدول الافريقية بالذات تقوم اليوم بدور مهم من اجل تحميل كل طرف مسؤوليته.  ومن غير البلدان الافريقية،  يستطيع ان يمارس ضغطا إيجابيا من اجل دفع العالم  على  تحمل مسؤوليته وهي التي تعاني اكثر من غيرها من مخاطر التغيرات المناخية رغم انها تتسبب باقل نسبة في التلوث في العالم. 

وقد توفقت البلدان النامية في مؤتمر الأطراف" كوب 28" بدبي بدولة الامارات مثلا، في  تحقيق مكسب هام  يتمثل في تجسيم فكرة  بعث صندوق للخسائر والاضرار الناجمة عن المتغيرات المناخية.  ورغم انها لم تصل لجمع اكثر من 188 مليون دولار في مؤتمر المناخ المذكور، موجهة  للدول التي تعتبر في حاجة كبيرة الى  المساعدة في مواجهة المتغيرات المناخية، وهو اقل بكثير من المطلوب، الا ان ذلك لا يقلل من أهمية المكسب لا سيما في ظل ما اظهرته البلدان الأكثر تضررا من إرادة في تحميل المسؤولية لأصحابها.

ومن النقاط الإيجابية الأخرى المسجلة في مؤتمر الأطراف بدبي  (2023) كذلك هو بداية الحديث عن التخلص من الوقود الاحفوري ( النفط  مثلا) ورغم  ان الطريق مازال طويلا امام البشرية للتخلص من مصادر الطاقة المضرة بالطبيعة، إلا أن عدم التردد في الحديث عن ذلك في حد ذاته يعتبر خطوة إيجابية قد تعقبها خطوات أخرى اكثر أهمية، لكن الأهم من ذلك من منظورنا هو ان ما يصطلح  عليه بالديبلوماسية البيئية  اليوم، قد تعوض قليلا عما عاشه العالم من مآسي بسبب  إخفاقات الأمم المتحدة في تحقيق السلام في العالم وفي فرض حد أدنى من العدالة بين الأمم.

 الديبلوماسية البيئية التي نجحت في جمع اغلب بلدان العالم في المؤتمرات العالمية للمناخ وفي جل  المبادرات الأممية والدولية والتي أعطت متنفسا جديدا للمجتمعات المدنية التي وجدت في البيئة سببا كي تحيا، هي  بصدد تغيير العقليات في العالم. وليست الدول والسياسات القطرية فقط بصدد التكيف مع المتغيرات المناخية، وانما المجتمعات أيضا بصدد التغير في اتجاه الوعي اكثر بضرورة حماية البيئة. هناك عهد جديد يتشكل امام الاعين. صحيح النسق بطيء، لكن الناس تتغير بدافع الخوف من الفناء. وما هو واضح هو ان هذه الديبلوماسية الجديدة تقوم على أنقاضالنظام العالمي المريض الذي ظل سائدا لعقود من الزمن ولم ينجح في خلق حد ادنى من التضامن بين البشر.

فقد ظلت العلاقات الدولية قائمة على المصالح في غياب أرضية مشتركة توحد البشر، بل لقد ازدادت الهوة بين البلدان وبين الأمم وانقسم العالم ونشبت الخلافات والنزاعات وساد الظلم وتفشت العنصرية واصبح منطق القوة هو السائد.  وما نشاهده اليوم من قمع في فلسطين وفي غزة تحديدا حيث يتواصل العدوان الإسرائيلي على الشعب الأعزل منذ 7 أكتوبر الماضي متسببا في سقوط الاف الأرواح وفي إصابة الالاف دون الحديث عن الدمار الهائل الذي أصاب المباني ودون الحديث عن التجويع والحصار وكل الممارسات اللا إنسانية في حق الفلسطينيين، من ابرز تجليات هذا النظام العالمي الفاشل الذي تقوم فيه العلاقات الدولية على فكرة  ان القوي بالسلاح والعتاد يستبيح الضعيف وان كان صاحب الحق. هل آن أوان التخلص من حصار هذا النظام العالمي البائس؟

انه من الواضح ان البشرية اليوم واعية بانها ستمضي الى حتفها اذا ما استمرت على نفس النظام واذا ما استمرت الانانية في  حكم العالم.وما اللجوء الى قضايا البيئة لتحقيق حد ادنى من التضامن بين البشر الا محاولة للتحرر من سجن النظام العلائقي السائد بين البشر الذي يقوم على الظلم والتجبر.

ان قضايا البيئة اليوم  هي تلك الكوة التي تتسرب منها  خيوط  الشمس الى ذلك الكهف المظلم  الذي حوصرت فيه البشرية طويلا باسم النظام العالمي والقانون الدولي والعلاقات الدولية، على أمل ان يأتي يوم وتتحرر فيه من هذا النظام الذي لم يسلم منه البشر والحجر والشجر.

 حياة السايب

قرارات مهمة لجمعية الأمم المتحدة  ..   هل تنجح "الديبلوماسية البيئية" في ما فشلت فيه العلاقات الدولية ؟

تونس- الصباح

انعقدت في الفترة الأخيرة الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة بالعاصمة الكينية نيروبي وشهدت حضور وفود ممثلة لأكثر من 150  بلدا مع مشاركة افريقية ملفتة للانتباه خاصة من حيث العدد وفق المنظمين واختتمت الدورة باعتماد الاعلان الوزاري  لجمعية الأمم المتحدة للبيئة الذي اقر بالمخاطر  التي "تشكلها التحديات والازمات البيئية العالمية على التنمية المستدامة، بما في ذلك تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث، فضلا عن التصحر، وتدهور الاراضي  والتربة، والجفاف وإزالة الغابات، وآثارها على صحة الإنسان والبيئة، التي يزيد من تفاقمها استمرار مستويات الفقر، وعدم المساواة وانعدام الامن الغذائي".

واضافة الى الوفود الوزارية  – من بينها تونس- سجلت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة حضور  مجموعة من رؤساء البلدان والحكومات من بينهم رئيس كينيا، الدولة المنظمة، كما تم تسجيل حضور رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية وعدد كبير من المسؤولين بالأمم المتحدة وهيئات اممية وقد اهتمت الدورة بثلاث محاور كبرى وهي المتغيرات المناخية والتنوع البيولوجي والتلوث.

وقد دعت البلدان المشاركة في ختام الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة إلى اتخاذ تدابير عاجلة من اجل التخفيف من حدة التقلبات المناخية والحفاظ على التنوع البيولوجي ومقاومة التلوث مشددة على أهمية توفير التمويلات الضرورية لتحقيق الأهداف التي يتفق عليها العالم اليوم وابرزها حصر الاحترار العالمي في درجة مائوية معينة والتخفيض من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية ( العالم يتوق لتحقيق صفر كربون).

وقد جدد المشاركون التزامهم بما جاء في اتفاقية كونمينغ- مونريال الإطارية العالمية حول التنوع البيولوجي التي تهدف الى مواجهة المخاطر التي تهدد توازن الطبيعة (العمل بها يتواصل الى 2030) كما شددوا على ضرورة اتخاذ كل الإجراءات للتصدي للمتغيرات المناخية المتسارعة، "بما يتماشى  مع اهداف ومبادئ اتفاقية الأمم المتحدة الاطارية بشأن تغير المناخ  وتعزيز التنمية القادرة على تحمل تغير المناخ وحماية المجتمعات  من الكوارث الناجمة عن تغير المناخ مثل الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات  وموجات  الحر والمجاعات التي تقوض قدرة جميع البلدان على تحقيق التنمية المستدامة" وذلك وفق ما جاء في اول نقطة على  لائحة الإجراءات المنصوص عليها في الإعلان الوزاري الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة في اختتام اشغال دورتها السادسة.

وقد أكد  المشاركون على ضرورة العمل بجدية من اجل وضع حد للتلوث بمادة البلاستيك في البيئة البحرية بالخصوص والسعي من اجل وضع ما اسموه ب"صك دولي عادل وفعال ومتوازن وطموح ملزم قانونا، من خلال لجنة التفاوض الدولية، بمطمح استكمال عملها بحلول نهاية عام 2024".

وقد حث المشاركون الدول الفاعلة والمؤسسات المالية الدولية، والمصارف الانمائية المتعددة والمؤسسات الخاصة، والمؤسسات الخيرية، والصناديق، والجهات الفاعلة الأخرى على التعبير عن  التآزر والمساعدة في  تمويل الاجراءات الرامية إلى التصدي للتحديات والازمات البيئية العالمية والالتزام بما اعلن عنه في الاجتماعين السنويين لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي المنعقدين في العام الماضي ( 2023 ) بمراكش بالمغرب. وشدد الإعلان الوزاري على ضرورة مساعدة الدول الأعضاء على تنفيذ سياساتها البيئية وتشريك كل الفئات الاجتماعية لاسيما الشباب والمرأة والفئات ذات الاحتياجات الخصوصية في صنع القرار البيئي.

واتفق المشاركون  على  أنه لا وجود لحلول للبشرية اذا ما ارادت ان تحافظ على كوكب الأرض خارج اطار التضامن البشري داعين في هذا السياق  الى توفير كل الوسائل لتطبيق ما جاء في هذ الإعلان وتنفيذ الإجراءات المنصوص عليها تنفيذا " فعالا" و"شاملا".

والواضح من خلال اللهجة المستعملة في الإعلان الوزاري الصادر عن الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة التي انعقدت  مؤخرا في العاصمة الكينية نيروبي وترأستها وزيرة البيئة المغربية قبل ان تسلم المشعل الى نظيرها العماني ليترأس الدورة القادمة ( تنعقد دورة كل عامين)، ان هناك رغبة في التأكيد على أن الأمور لا تقبل التأجيل وأن العالم اليوم لم يعد مخيرا امام المخاطر الناجمة عن تغير المناخ. العالم ليس امامه سوى حل واحد وهو التجند والحشد والتحرك من اجل استمرار الوجود على الأرض.

ولغة التحذير لم نلاحظها فقط في البيان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة، التي للتذكير قد بعثت في 2012 وهي تعمل تحت اشراف برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وإنما أيضا في الكلمات التي توجه بها ضيوف الدورة السادسة للجمعية ومن بينهم  بالخصوص المدير العام للصحة العالمية "تيدروس أدهانومغيبرييسوس" الذي قال "إن الكوكب لو كان إنسانا مريضا "لتم إدخاله العناية المركزة" ،  مشيرا الى ان  الظواهر الجوية المتكررة والقوية تتسبب في وفيات وإصابات، وتساهم موجات الحر المتزايدة في زيادة أمراض القلب والأوعية الدموية، في حين يؤدي تلوث الهواء إلى الإصابة بسرطان الرئة والربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن".

من جهته اعتبر رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة دينيس فرانسيس أن أهداف التنمية المستدامة التي يشدد عليها على المستوى العالمي " بعيدة -عن التحقق- بشكل يؤسف له".

وإذ ما لاحظنا حجم المشاركة في الحدث المذكور واهمية النقاشات التي تمت خلال الدورة الجديدة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة التي هي عبارة عن  برلمان عالمي للبيئة، فإننا نقر بأن المخاطر التي تهدد مستقبل البشرية على كوكب الأرض قد خلقت حالة من الاجماع على ضرورة التحرك بجدية من اجل انقاذ ما يمكن إنقاذه. ونقر بالخصوص لبلدان العالم النامي بالفضل في ذلك. فقد تمكنت من اجبار الدول الكبرى على الإقرار بمسؤوليتها الكبيرة في تلوث الكون وهي اليوم، أي البلدان الصناعية الكبرى التي تتسبب اكثر من غيرها في افراز النفايات السامة وفي تلوث المناخ وفي تهديد سلامة البشر وصحتهم، غير قادرة على التهرب من مسؤوليتها،حتى ان ارادت ذلك وبعضها يسعى بقوة للتنصل من المسؤولية، وهي ملزمة بالمساهمة في صناديق تمويل الأنشطة البيئية في العالم. والدول الافريقية بالذات تقوم اليوم بدور مهم من اجل تحميل كل طرف مسؤوليته.  ومن غير البلدان الافريقية،  يستطيع ان يمارس ضغطا إيجابيا من اجل دفع العالم  على  تحمل مسؤوليته وهي التي تعاني اكثر من غيرها من مخاطر التغيرات المناخية رغم انها تتسبب باقل نسبة في التلوث في العالم. 

وقد توفقت البلدان النامية في مؤتمر الأطراف" كوب 28" بدبي بدولة الامارات مثلا، في  تحقيق مكسب هام  يتمثل في تجسيم فكرة  بعث صندوق للخسائر والاضرار الناجمة عن المتغيرات المناخية.  ورغم انها لم تصل لجمع اكثر من 188 مليون دولار في مؤتمر المناخ المذكور، موجهة  للدول التي تعتبر في حاجة كبيرة الى  المساعدة في مواجهة المتغيرات المناخية، وهو اقل بكثير من المطلوب، الا ان ذلك لا يقلل من أهمية المكسب لا سيما في ظل ما اظهرته البلدان الأكثر تضررا من إرادة في تحميل المسؤولية لأصحابها.

ومن النقاط الإيجابية الأخرى المسجلة في مؤتمر الأطراف بدبي  (2023) كذلك هو بداية الحديث عن التخلص من الوقود الاحفوري ( النفط  مثلا) ورغم  ان الطريق مازال طويلا امام البشرية للتخلص من مصادر الطاقة المضرة بالطبيعة، إلا أن عدم التردد في الحديث عن ذلك في حد ذاته يعتبر خطوة إيجابية قد تعقبها خطوات أخرى اكثر أهمية، لكن الأهم من ذلك من منظورنا هو ان ما يصطلح  عليه بالديبلوماسية البيئية  اليوم، قد تعوض قليلا عما عاشه العالم من مآسي بسبب  إخفاقات الأمم المتحدة في تحقيق السلام في العالم وفي فرض حد أدنى من العدالة بين الأمم.

 الديبلوماسية البيئية التي نجحت في جمع اغلب بلدان العالم في المؤتمرات العالمية للمناخ وفي جل  المبادرات الأممية والدولية والتي أعطت متنفسا جديدا للمجتمعات المدنية التي وجدت في البيئة سببا كي تحيا، هي  بصدد تغيير العقليات في العالم. وليست الدول والسياسات القطرية فقط بصدد التكيف مع المتغيرات المناخية، وانما المجتمعات أيضا بصدد التغير في اتجاه الوعي اكثر بضرورة حماية البيئة. هناك عهد جديد يتشكل امام الاعين. صحيح النسق بطيء، لكن الناس تتغير بدافع الخوف من الفناء. وما هو واضح هو ان هذه الديبلوماسية الجديدة تقوم على أنقاضالنظام العالمي المريض الذي ظل سائدا لعقود من الزمن ولم ينجح في خلق حد ادنى من التضامن بين البشر.

فقد ظلت العلاقات الدولية قائمة على المصالح في غياب أرضية مشتركة توحد البشر، بل لقد ازدادت الهوة بين البلدان وبين الأمم وانقسم العالم ونشبت الخلافات والنزاعات وساد الظلم وتفشت العنصرية واصبح منطق القوة هو السائد.  وما نشاهده اليوم من قمع في فلسطين وفي غزة تحديدا حيث يتواصل العدوان الإسرائيلي على الشعب الأعزل منذ 7 أكتوبر الماضي متسببا في سقوط الاف الأرواح وفي إصابة الالاف دون الحديث عن الدمار الهائل الذي أصاب المباني ودون الحديث عن التجويع والحصار وكل الممارسات اللا إنسانية في حق الفلسطينيين، من ابرز تجليات هذا النظام العالمي الفاشل الذي تقوم فيه العلاقات الدولية على فكرة  ان القوي بالسلاح والعتاد يستبيح الضعيف وان كان صاحب الحق. هل آن أوان التخلص من حصار هذا النظام العالمي البائس؟

انه من الواضح ان البشرية اليوم واعية بانها ستمضي الى حتفها اذا ما استمرت على نفس النظام واذا ما استمرت الانانية في  حكم العالم.وما اللجوء الى قضايا البيئة لتحقيق حد ادنى من التضامن بين البشر الا محاولة للتحرر من سجن النظام العلائقي السائد بين البشر الذي يقوم على الظلم والتجبر.

ان قضايا البيئة اليوم  هي تلك الكوة التي تتسرب منها  خيوط  الشمس الى ذلك الكهف المظلم  الذي حوصرت فيه البشرية طويلا باسم النظام العالمي والقانون الدولي والعلاقات الدولية، على أمل ان يأتي يوم وتتحرر فيه من هذا النظام الذي لم يسلم منه البشر والحجر والشجر.

 حياة السايب