إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي.. كامالا هاريس تخاطب نتنياهو كما لو كان جونغ اون

 

بقلم: هاني مبارك (*)

الاحتفاء بدعوة كامالا هاريس نائبة الرئيس الأمريكي الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد الماضي إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة والضغط على إسرائيل بالقوة لزيادة تدفق المساعدات لتخفيف ما وصفتها بأنها ظروف “غير آدمية” و”كارثة إنسانية” يعيشها الشعب الفلسطيني، احتفاء مثير للسخرية، وأن تصديق  اعتبار دعوتها هذه من بين أكثر المواقف حدة حتى الآن التي تأتي على لسان كبار القادة في الإدارة الأمريكية ممن دعوا إسرائيل إلى التخفيف من حدة الأوضاع غير الإنسانية في غزة هي وقوع في أحابيل النفاق الأمريكي الساذج.

فهاريس تتوجه بخطابها هذا كما لو كانت تخاطب كيم جونغ أون في كوريا الشمالية أو شي جين بينغ في الصين أو فلاديمير بوتين في روسيا التي لا تمتلك الولايات المتحدة  حيال أي منهم إلا قليلا من الكلمات أو التلويح ببعض الغضب الذي يحتاج تجاوزه إلى ورقة وقلم للجمع والطرح والضرب والقسمة، فيما لا يحتاج نتنياهو لأكثر من تلفون من السفير جاك لو لكي تقف الحرب وتتدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع المنكوب بالأسلحة والذخائر والتواطؤ الأمريكي.

والأرجح أن هذا الخطاب المراوغ  والمحتفى به عربيا هو تهديد مبطن للوسطاء من العرب وللفلسطينيين للتعجيل بصناعة صورة نصر لهيبة الردع الإسرائيلية أو بشكل أدق لإعادة إنتاج الدور الإقليمي الإسرائيلي الذي تدحرج إلى قاع المنحدر، ولو عن طريق إطلاق سراح بضعة من المحتجزين لدى الفصائل المسلحة في غزة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما أعادت هاريس العزف على نفس الاسطوانة المشروخة المسماة بوقف مؤقت لإطلاق النار، يُفهم منه أن من تبقى من الشعب الفلسطيني في غزة قد أخذ منهم هزال الجوع ما يستوجب إعادة تسمينهم قبل تجديد ذبحهم في وقت لاحق، يحدده صبيان حكومة نتنياهو الذي أتاح لهم التواطؤ الأمريكي فرصة أن يصبحوا وزراء وقادة.

والحقيقة أن ما جاءت به نائبة الرئيس هو تكرار لما قاله الرئيس نفسه خلف الكواليس، إذ تحدثت بعض التسريبات عن ضغط كبير مار سه بايدن على قادة كل من مصر وقطر لإجبار حماس على الموافقة على اتفاق لوقف مؤقت لإطلاق النار قبل حلول شهر رمضان الذي قد يحمل بعض التصعيد الذي يحول دون إتمام صفقة تبادل للأسرى تفضي لإطلاق سراح بعض حاملي الجنسية الأمريكية منهم.

والمثير للسخرية والاستخفاف حقيقة ليس قولها ''يتضور الناس جوعا في غزة، وان الظروف غير آدمية وإنسانيتنا المشتركة تلزمنا بالتحرك''، بل إصرارها كما الرئيس على استخدام هذه الجريمة للقيام بالجريمة الأكبر، أي استخدام هذا الموت البشع والدمار المريع والتجويع الفظيع لتنفيذ جريمة تصفية الحق الفلسطيني ومحو هوية الشعب من سجلات شعوب الأرض وتحويله لمجموعات من الناس تنتشر بأصقاع الدنيا وأرجاء المعمورة.  فأمريكا تبدو بتصرفاتها هذه وكأنها بحاجة لمن يعلمها ابجديات السياسة، عندما تتبنى الأهداف الإسرائيلية من مثل القضاء على حماس، ولكأن الطريق الوحيد لذلك هو فقط ذبح الناس وتدمير ابسط مقومات استمرار بقائهم وكأنهم وباء، وهي تعلم علم اليقين ان السبيل السهل  ليس فقط للقضاء على حماس، بل وعلى كل أشكال المقاومة الأخرى، هو ليس الذهاب إلى رفح اوخان يونس، ولا حتى الذهاب إلى رام الله، بل الذهاب إلى مجلس الأمن والإعلان عن الاعتراف بالحق الفلسطيني ليس الطبيعي، بل كما حددته قرارات نفس المجلس والجمعية العامة ومختلف قرارات الشرعية الدولية، ومنح الفلسطينيين فرصة الاشتراك في إنسانيتهم المشتركة التي تتحدث عنها السيدة هاريس، حيث أن نحو مائة عام من محاولات القفز على الثابت الفلسطيني لم تنتج إلا مزيدا من الإصرار على المقاومة، وعلى مزيد من تعريض الأمن الدولي للخطر.

والأكيد أن قيام إدارة بايدن بمثل هذه الخطوة، خطوة الاعتراف بالحق الفلسطيني ليست من المستحيلات السبع، فالتاريخ الأمريكي حافل بما يمكن للرئيس أو للسلطة التنفيذية القيام به في ظروف ليست كهذه منسجمة مع الشرعية الدولية، بل في حالات مخالفة لبعض أحكام الدستور والقوانين الأمريكية، حيث أوضحت التجربة الأمريكية في سياق البحث عن إيجاد توافق بين حكم القانون والسلطات الاستثنائية التي تمنحها السلطة التنفيذية لنفسها في أوقات الأزمات، أن النتائج غالباً ما تكون سياسية الطابع على حساب السلطتين التشريعية والقضائية،حيث عمل الكونغرس تاريخيا على توفير دعم حاسم لإجراءات الرئيس الاستثنائية التي كانت من المفروض أن تكون محط مراجعة أو رفض من جانب السلطتين التشريعية والقضائية، وأن مثل هذه الوقائع والأحداث قد وجدت أيضا مساندة مطلقة من جانب المحكمة العليا الأمريكية.

ولان هذه هي الحقيقة المرة، حقيقة أن واشنطن هي من تتحايل على الإقرار والاعتراف  بالحق الفلسطيني وتقود محاولات الإطاحة به، فان ذلك هو ما يجدد شرعية السؤال حول ما إذا كانت أمريكا قد فشلت في التعلم من تجاربها السابقة، أم أن لنتائج الحرب على غزة تداعيات تتجاوز القدرة على الانصياع للقوانين والأخلاق، وأنها درس مستقل بذاته؟. على أية حال، مهما  تكن الاحتمالات الأكثر صوابا فإنه لم يعد أمام الولايات المتحدة سوى أن تختار أما المجازفة بدفع الأزمة إلى نهاياتها القصوى مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر أو محاولة تأجيل ذلك بقليل من الحذق البراغماتي.

*أستاذ الإعلام في جامعة منوبة

رأي..   كامالا هاريس تخاطب نتنياهو كما لو كان جونغ اون

 

بقلم: هاني مبارك (*)

الاحتفاء بدعوة كامالا هاريس نائبة الرئيس الأمريكي الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد الماضي إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة والضغط على إسرائيل بالقوة لزيادة تدفق المساعدات لتخفيف ما وصفتها بأنها ظروف “غير آدمية” و”كارثة إنسانية” يعيشها الشعب الفلسطيني، احتفاء مثير للسخرية، وأن تصديق  اعتبار دعوتها هذه من بين أكثر المواقف حدة حتى الآن التي تأتي على لسان كبار القادة في الإدارة الأمريكية ممن دعوا إسرائيل إلى التخفيف من حدة الأوضاع غير الإنسانية في غزة هي وقوع في أحابيل النفاق الأمريكي الساذج.

فهاريس تتوجه بخطابها هذا كما لو كانت تخاطب كيم جونغ أون في كوريا الشمالية أو شي جين بينغ في الصين أو فلاديمير بوتين في روسيا التي لا تمتلك الولايات المتحدة  حيال أي منهم إلا قليلا من الكلمات أو التلويح ببعض الغضب الذي يحتاج تجاوزه إلى ورقة وقلم للجمع والطرح والضرب والقسمة، فيما لا يحتاج نتنياهو لأكثر من تلفون من السفير جاك لو لكي تقف الحرب وتتدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع المنكوب بالأسلحة والذخائر والتواطؤ الأمريكي.

والأرجح أن هذا الخطاب المراوغ  والمحتفى به عربيا هو تهديد مبطن للوسطاء من العرب وللفلسطينيين للتعجيل بصناعة صورة نصر لهيبة الردع الإسرائيلية أو بشكل أدق لإعادة إنتاج الدور الإقليمي الإسرائيلي الذي تدحرج إلى قاع المنحدر، ولو عن طريق إطلاق سراح بضعة من المحتجزين لدى الفصائل المسلحة في غزة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما أعادت هاريس العزف على نفس الاسطوانة المشروخة المسماة بوقف مؤقت لإطلاق النار، يُفهم منه أن من تبقى من الشعب الفلسطيني في غزة قد أخذ منهم هزال الجوع ما يستوجب إعادة تسمينهم قبل تجديد ذبحهم في وقت لاحق، يحدده صبيان حكومة نتنياهو الذي أتاح لهم التواطؤ الأمريكي فرصة أن يصبحوا وزراء وقادة.

والحقيقة أن ما جاءت به نائبة الرئيس هو تكرار لما قاله الرئيس نفسه خلف الكواليس، إذ تحدثت بعض التسريبات عن ضغط كبير مار سه بايدن على قادة كل من مصر وقطر لإجبار حماس على الموافقة على اتفاق لوقف مؤقت لإطلاق النار قبل حلول شهر رمضان الذي قد يحمل بعض التصعيد الذي يحول دون إتمام صفقة تبادل للأسرى تفضي لإطلاق سراح بعض حاملي الجنسية الأمريكية منهم.

والمثير للسخرية والاستخفاف حقيقة ليس قولها ''يتضور الناس جوعا في غزة، وان الظروف غير آدمية وإنسانيتنا المشتركة تلزمنا بالتحرك''، بل إصرارها كما الرئيس على استخدام هذه الجريمة للقيام بالجريمة الأكبر، أي استخدام هذا الموت البشع والدمار المريع والتجويع الفظيع لتنفيذ جريمة تصفية الحق الفلسطيني ومحو هوية الشعب من سجلات شعوب الأرض وتحويله لمجموعات من الناس تنتشر بأصقاع الدنيا وأرجاء المعمورة.  فأمريكا تبدو بتصرفاتها هذه وكأنها بحاجة لمن يعلمها ابجديات السياسة، عندما تتبنى الأهداف الإسرائيلية من مثل القضاء على حماس، ولكأن الطريق الوحيد لذلك هو فقط ذبح الناس وتدمير ابسط مقومات استمرار بقائهم وكأنهم وباء، وهي تعلم علم اليقين ان السبيل السهل  ليس فقط للقضاء على حماس، بل وعلى كل أشكال المقاومة الأخرى، هو ليس الذهاب إلى رفح اوخان يونس، ولا حتى الذهاب إلى رام الله، بل الذهاب إلى مجلس الأمن والإعلان عن الاعتراف بالحق الفلسطيني ليس الطبيعي، بل كما حددته قرارات نفس المجلس والجمعية العامة ومختلف قرارات الشرعية الدولية، ومنح الفلسطينيين فرصة الاشتراك في إنسانيتهم المشتركة التي تتحدث عنها السيدة هاريس، حيث أن نحو مائة عام من محاولات القفز على الثابت الفلسطيني لم تنتج إلا مزيدا من الإصرار على المقاومة، وعلى مزيد من تعريض الأمن الدولي للخطر.

والأكيد أن قيام إدارة بايدن بمثل هذه الخطوة، خطوة الاعتراف بالحق الفلسطيني ليست من المستحيلات السبع، فالتاريخ الأمريكي حافل بما يمكن للرئيس أو للسلطة التنفيذية القيام به في ظروف ليست كهذه منسجمة مع الشرعية الدولية، بل في حالات مخالفة لبعض أحكام الدستور والقوانين الأمريكية، حيث أوضحت التجربة الأمريكية في سياق البحث عن إيجاد توافق بين حكم القانون والسلطات الاستثنائية التي تمنحها السلطة التنفيذية لنفسها في أوقات الأزمات، أن النتائج غالباً ما تكون سياسية الطابع على حساب السلطتين التشريعية والقضائية،حيث عمل الكونغرس تاريخيا على توفير دعم حاسم لإجراءات الرئيس الاستثنائية التي كانت من المفروض أن تكون محط مراجعة أو رفض من جانب السلطتين التشريعية والقضائية، وأن مثل هذه الوقائع والأحداث قد وجدت أيضا مساندة مطلقة من جانب المحكمة العليا الأمريكية.

ولان هذه هي الحقيقة المرة، حقيقة أن واشنطن هي من تتحايل على الإقرار والاعتراف  بالحق الفلسطيني وتقود محاولات الإطاحة به، فان ذلك هو ما يجدد شرعية السؤال حول ما إذا كانت أمريكا قد فشلت في التعلم من تجاربها السابقة، أم أن لنتائج الحرب على غزة تداعيات تتجاوز القدرة على الانصياع للقوانين والأخلاق، وأنها درس مستقل بذاته؟. على أية حال، مهما  تكن الاحتمالات الأكثر صوابا فإنه لم يعد أمام الولايات المتحدة سوى أن تختار أما المجازفة بدفع الأزمة إلى نهاياتها القصوى مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر أو محاولة تأجيل ذلك بقليل من الحذق البراغماتي.

*أستاذ الإعلام في جامعة منوبة