إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ممنوع من الحياد.. هل يستوي "طوفان" الكلمات بـ"طوفان" الرصاص ...

 

سيكون من العبث التوقف عند "الفيتو" الأمريكي الأرعن الذي أجهض بالأمس مجددا إدانة ما أقدم عليه جيش الاحتلال خلال المجزرة التي استهدفت الجائعين في غزة ولكن سيكون ربما أجدى استحضار موقف المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة رياض منصور والذي تحدث بألم فوق الألم عن توسله للسفيرة الأمريكية في مجلس الأمن ليندا غريفيلد بان تدين مجزرة الجياع التي استهدفت مئات الفلسطينيين في سعيهم للحصول على رغيف من الخبز وأن تساند المطلب التي اجمع عليها العالم بإيقاف الحرب ...

والأرجح أن السفير الفلسطيني كان متأكدا في قرارة نفسه بان رد السفيرة الأمريكية لن يكون بالإيجاب وأنها لن تدين المجزرة التي صدمت العالم والأرجح أيضا انه كان يريد من وراء ذلك إزالة ذرة متبقية من الشك لعل وعسى يتحرك الضمير الإنساني لدى السفيرة الأمريكية ويتغلب مرة واحدة على هذا التوطؤ المريب في لعبة المصالح الأمريكية الإسرائيلية.. والتوسل في الخطاب الديبلوماسي الرسمي يحتمل مشاعر صعبة من الألم والرغبة في تحقيق أي هدف أو موقف مهما كان محدودا خاصة عندما يتعلق الأمر بعملية إبادة متواصلة منذ خمسة أشهر في حق أكثر من مليوني شخص محاصرين برا وبحرا وجوا ولا ملاذ لهم من القصف والبرد والجوع وكل ما يتنزل في إطار القتل البطيء والإبادة ..

   نعم، لو كان لكل الحروب وبيانات التنديد والاستنكار والدعوات للتحقيق بعد كل جريمة من جرائم إسرائيل معنى أو تأثير على أرض الواقع لكانت أغرقت الفلسطينيين منذ زمن طويل وجعلتهم يسبحون في واقع مختلف عما هم عليه.. مرة أخرى إذا يقف العالم على "طوفان" من البيانات من مختلف العواصم العالمية وبكل لغات العالم لإدانة ورفض واستنكار ما أقدم عليه جيش الاحتلال وهو يواجه آلاف الجائعين في غزة ممن اتجهوا للحصول على المساعدات الغذائية ووجدوا أنفسهم في المصيدة لتختلط جثثهم وأشلاءهم بأكياس الحنطة وعلب الأغذية المعدة لإسكات الأفواه والأمعاء الخاوية ..

نعم، فرضت واشنطن أن تكون جلسة أول أمس في مجلس الأمن الدولي سرية بعيدا عن الأنظار وكان لها ما أرادت، وفرضت أيضا "الفيتو" ومنعت إدانة ما حدث وكان الأمر كذلك.. سكوت مجلس الأمن عن الكلام المباح لا يحتمل أكثر من قراءة وهو التأويل القديم الجديد بأننا إزاء نظام دولي يؤسس لنظام الغاب ولسطوة الأقوى وامتهانه الأضعف ودفعه إلى الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع بكل ما يفرضه من إمعان في الظلم والاستبداد والقبول بالاستعباد وهذا ما لا يمكن القبول به إلى ما لا نهاية لان هذا وبكل بساطة يتعارض مع نواميس الطبيعة وطبيعة الحياة البشرية ومقتضيات التطور.. صحيح قد تأتي على الشعوب مراحل تعرف فيها حالات من الضعف والهوان والغلبة فتنتكس وتتوقف عن النضال والمقاومة وتنحصر أولوياتها في الحفاظ على بقائها والتصدي لكل محاولات نسفها وإبادتها من المشهد.. ولكن الأكيد أن تلك الجذوة في النفس البشرية في استعادة موقعها واستنباط وسائل أخرى للتغلب على الفشل والإحباط لا يمكن أن تنطفئ في النفس.. وهذا ما أكده تاريخ البشرية وأكدته مختلف شعوب الأرض المتطلعة للحرية وهذا أيضا ما يواصل الشعب الفلسطيني تأكيده منذ عقود طويلة وهو يمر من النكبة إلى النكسة إلى "طوفان الأقصى".. والأكيد أننا لسنا واهمين إذا اعتبرنا أن "طوفان الأقصى" ليس نهاية المطاف وهي ليست سوى حلقة في حلقات حرب طويلة لا توازنات فيها.. وسيتعين على هذا العالم أن يستحي وهو يجند كل قواه العسكرية والأمنية والاستخباراتية والديبلوماسية والقانوية في ملاحقة فصيل من فصائح المقاومة المسلحة التي فشل جيش الاحتلال الأقوى بين دول منطقة الشرق الأوسط والمصنف بالجيش الخامس في العالم على القضاء عليها بعد خمسة أشهر من القتال الذي استعمل فيه جيش الكيان الإسرائيلي كل أنواع السلاح المتطور وكل أنواع الأسلحة المحظورة والمحرمة دوليا.. وقناعتنا أنه سيكون من السابق لأوانه الحديث عن انتصار للاحتلال في هذه الحرب القذرة والأكيد أنه مهما كانت حصيلة الضحايا بين الفلسطينيين سيظهر بعد عقد وربما اقل أو أكثر جيلا في غزة أكثر شراسة وأكثر إصرارا على الانتقام واستعادة ما افتك منه.. وفي هذا ما يكفي لفهم درجة التوحش والإصرار على القتل والتدمير واستهداف الإنسان الفلسطيني في ذاته وإنسانيته.

اسيا العتروس

 

ممنوع من الحياد..   هل يستوي "طوفان" الكلمات بـ"طوفان" الرصاص ...

 

سيكون من العبث التوقف عند "الفيتو" الأمريكي الأرعن الذي أجهض بالأمس مجددا إدانة ما أقدم عليه جيش الاحتلال خلال المجزرة التي استهدفت الجائعين في غزة ولكن سيكون ربما أجدى استحضار موقف المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة رياض منصور والذي تحدث بألم فوق الألم عن توسله للسفيرة الأمريكية في مجلس الأمن ليندا غريفيلد بان تدين مجزرة الجياع التي استهدفت مئات الفلسطينيين في سعيهم للحصول على رغيف من الخبز وأن تساند المطلب التي اجمع عليها العالم بإيقاف الحرب ...

والأرجح أن السفير الفلسطيني كان متأكدا في قرارة نفسه بان رد السفيرة الأمريكية لن يكون بالإيجاب وأنها لن تدين المجزرة التي صدمت العالم والأرجح أيضا انه كان يريد من وراء ذلك إزالة ذرة متبقية من الشك لعل وعسى يتحرك الضمير الإنساني لدى السفيرة الأمريكية ويتغلب مرة واحدة على هذا التوطؤ المريب في لعبة المصالح الأمريكية الإسرائيلية.. والتوسل في الخطاب الديبلوماسي الرسمي يحتمل مشاعر صعبة من الألم والرغبة في تحقيق أي هدف أو موقف مهما كان محدودا خاصة عندما يتعلق الأمر بعملية إبادة متواصلة منذ خمسة أشهر في حق أكثر من مليوني شخص محاصرين برا وبحرا وجوا ولا ملاذ لهم من القصف والبرد والجوع وكل ما يتنزل في إطار القتل البطيء والإبادة ..

   نعم، لو كان لكل الحروب وبيانات التنديد والاستنكار والدعوات للتحقيق بعد كل جريمة من جرائم إسرائيل معنى أو تأثير على أرض الواقع لكانت أغرقت الفلسطينيين منذ زمن طويل وجعلتهم يسبحون في واقع مختلف عما هم عليه.. مرة أخرى إذا يقف العالم على "طوفان" من البيانات من مختلف العواصم العالمية وبكل لغات العالم لإدانة ورفض واستنكار ما أقدم عليه جيش الاحتلال وهو يواجه آلاف الجائعين في غزة ممن اتجهوا للحصول على المساعدات الغذائية ووجدوا أنفسهم في المصيدة لتختلط جثثهم وأشلاءهم بأكياس الحنطة وعلب الأغذية المعدة لإسكات الأفواه والأمعاء الخاوية ..

نعم، فرضت واشنطن أن تكون جلسة أول أمس في مجلس الأمن الدولي سرية بعيدا عن الأنظار وكان لها ما أرادت، وفرضت أيضا "الفيتو" ومنعت إدانة ما حدث وكان الأمر كذلك.. سكوت مجلس الأمن عن الكلام المباح لا يحتمل أكثر من قراءة وهو التأويل القديم الجديد بأننا إزاء نظام دولي يؤسس لنظام الغاب ولسطوة الأقوى وامتهانه الأضعف ودفعه إلى الاستسلام والرضوخ للأمر الواقع بكل ما يفرضه من إمعان في الظلم والاستبداد والقبول بالاستعباد وهذا ما لا يمكن القبول به إلى ما لا نهاية لان هذا وبكل بساطة يتعارض مع نواميس الطبيعة وطبيعة الحياة البشرية ومقتضيات التطور.. صحيح قد تأتي على الشعوب مراحل تعرف فيها حالات من الضعف والهوان والغلبة فتنتكس وتتوقف عن النضال والمقاومة وتنحصر أولوياتها في الحفاظ على بقائها والتصدي لكل محاولات نسفها وإبادتها من المشهد.. ولكن الأكيد أن تلك الجذوة في النفس البشرية في استعادة موقعها واستنباط وسائل أخرى للتغلب على الفشل والإحباط لا يمكن أن تنطفئ في النفس.. وهذا ما أكده تاريخ البشرية وأكدته مختلف شعوب الأرض المتطلعة للحرية وهذا أيضا ما يواصل الشعب الفلسطيني تأكيده منذ عقود طويلة وهو يمر من النكبة إلى النكسة إلى "طوفان الأقصى".. والأكيد أننا لسنا واهمين إذا اعتبرنا أن "طوفان الأقصى" ليس نهاية المطاف وهي ليست سوى حلقة في حلقات حرب طويلة لا توازنات فيها.. وسيتعين على هذا العالم أن يستحي وهو يجند كل قواه العسكرية والأمنية والاستخباراتية والديبلوماسية والقانوية في ملاحقة فصيل من فصائح المقاومة المسلحة التي فشل جيش الاحتلال الأقوى بين دول منطقة الشرق الأوسط والمصنف بالجيش الخامس في العالم على القضاء عليها بعد خمسة أشهر من القتال الذي استعمل فيه جيش الكيان الإسرائيلي كل أنواع السلاح المتطور وكل أنواع الأسلحة المحظورة والمحرمة دوليا.. وقناعتنا أنه سيكون من السابق لأوانه الحديث عن انتصار للاحتلال في هذه الحرب القذرة والأكيد أنه مهما كانت حصيلة الضحايا بين الفلسطينيين سيظهر بعد عقد وربما اقل أو أكثر جيلا في غزة أكثر شراسة وأكثر إصرارا على الانتقام واستعادة ما افتك منه.. وفي هذا ما يكفي لفهم درجة التوحش والإصرار على القتل والتدمير واستهداف الإنسان الفلسطيني في ذاته وإنسانيته.

اسيا العتروس