الخلط اللغوي يعدّ من سمات التونسي ، وتبدو بعض مؤسسات الإعلام كأنها تستمرئ هذه الطريقة في التعبير وتقبل بهذا العيّ اللغويّ أو العجز عن الإبانة والتبيين
بقلم علي السّعداوي *
هذا المقال أردته " أشتاتا مجتمعات " من حصيلة دراسات وقراءات ومحادثات مع أهل الرأي الحصيف، استغرقت من عمري طويلا لعلّ من أبرز معالمها متابعتــي لدروس أول شهادة جامعية " تكميلية" في " الألسنـيّة" أو اللسانيات la linguistique منذ أكثر من نصف قرن بالجامعــة التونسية على أيدي أفداد من علماء اللغة في وطننا وخارجـه، وما غــنــمته من "فتــــوحات علميــــة" بالعربيــة والفرنسيــة، وانكبابي مؤخرا وطيلة أسابيع على مراجعــة عديد المراجع النفيســة القديمة والحديثــة مما اقـتنيتـــه –رغـــم الضائقــة – وذلك كلّـــه من أجل التّــنفيس عن الآهـــــة المعلنـــة في طالـــع العنوان والإجابـــة عن " لو ..." هذه المقترنـــة بالآهــــة أو الصـّـــرخــة . وسـأبنـــي هذه الأشتات على مفارقــة عجيبـــة بدَت لي في مجتمعنا التونسي ومحاولة تعليلها ومواقفنا منها وعيا وإدراكا لأسرارها، أو استخفافا واستهانـــة بمقوّماتــها، لا سيـــما ونحـــن نتأهـّــب لإرساء نظام تربوي تعليمـــي جديد ونطمــــح إلى الارتقـــاء في جميـــع المجالات الحيويـّــة .
I- المفارقـــة:
أ- شيئـــان لفتا نظري في "تونسنا الجميلة" وأبدأ بالوجـــه الحسن : وعــي بقيمــة اللغــة ، واللّغات لدى قطاعات عريضــة لاسيــما من النّخب على اختلاف اختصاصاتها ودعوة إلى الاهتمام بها وحسن تعليمها ونشرها ، وإتقان لواحدة من هذه اللغات أو أكثر مشافهة وكتابة ، وفي المقدمة العربيّة الفصيحة وما يقترن بها من دارجة تونسية صافية أصيلة ، تلحظ ذلك في قناعات الجيل القديم نسبيا وسلوكهم اللّغوي أو تواصلهم وتدريسهم وكتاباتهم ، هذا زيادة على تألّق المدرسة اللغويّة التونسية أعني الباحثين المختصّين ، وما أنجزوه من دارسات وترجمات وفضلا عن متانة الأطروحات والدروس ، وإجادة الكتابة والمشافهة. إنه الاعتزاز بامتلاك اللغة أو اللغتين وثراء المعجم والتفنّن في الأسلوب والذهاب إلى درجة الإبداع. وهذا مبعث فخر لنا نحن التونسيين ودليل على قوة الشخصّية وصواب الوجهة. وتستوي لديّ في هذا المقام درجات الحذق للعربية والفرنسية والإنقليزية والألمانية وغيرها من لغات العالم. فللّغة شأن وأيّ شأن وسأعود إلى هذا الأمر. ولننظر في ما كتبه وقاله حتى اليوم ، صفوة نخبنا في الصحف والمجلات والكتب وشتى وسائل الإعلام والمنابر. فهذا الأديب عبد العزيز قاسم يبدع باللغتين العربية والفرنسية حتى أيّامنا ، شعرا ونثرا، وهذا أستاذ الطب النّفسي الرجل سليم عمّار كاتب وشاعر باللغتين قد نوّه جاك شيراك الزعيم الفرنسي بامتلاكه ناصية الفرنسيّة وهذا أستاذ الجيل ، الراحل أيضا توفيق بكّار قد أبهر السامعين من الطلّبة والجامعيين في تونس وخارجها بحسن حديثه في مسائل دقيقة مشافهة. وقائمة الشواهد طويلة لا يسعها هذا الحيّز، وفي كلّ الميادين. ترى ما مردّ هذا الموقف من اللغة (على الإطلاق)؟ وما السبب الكامن وراء هذا السلوك اللغوي؟
ب- أمّا الوجه الثاني من المفارقة فهو النقيض المشوّه الذي لا أحسب أنّه يرضينا و يليق بنا و يتماشى مع مجدنا الثقافي الذي تتلألأ فيه أسماء رنّانة : من أمثال الفاضل بن عاشور الخطيب المفوّه والمحجوب بن ميلاد المفكّر صاحب "تحريك السواكن " والبشير المجدوب مبدع " بذور" و" كلمات " وزبيدة بشير الشاعرة الرقيقة والشاذلي القليبي الذي نوّه كثيرا الأديب عزّالدين المدني بطريقته الشيّقـة في شرح النصوص وذلك في كتابة الطريف " أحبابنا الكتّاب" . عماد هذا الوجه من المفارقة في مجتمعنا المعاصر الرّاهن : شقشقة صوتية ولغط وخلط لغوي لا مبرّر له و لا سندا له في الذوق السليم ، وتعدّ صارخ على قواعد اللغة وعلى أصول دارجتنا ; يحدث هذا منذ زمان ، طال و استفحل واستشرى خاصة في وسائل إعلامنا من إذاعات وتلفزات ونصوص الإشهار إن صحت التسمية . ممّا آسف الكثيرين و يؤسفهم إلى اليوم ومما صدّقته قولة هشام بو قمرة رحمه الله في منتصف سبعينات القرن الماضي " وأضحت اللغة العربيّة مطاردة في عقر دارها، تحاصرها المخاطر و التحديات من كلّ الجهات وأمست في الاستعمال اليوميّ خليطا هجينا...." (انظر مجلة الحياة الثقافية) . ومن نكد الدّهر أنّي سمعت أحد شخصياتنا المرموقة يقول : هذا الخلط اللغوي يعدّ من سمات التونسي وتبدو بعض مؤسسات الإعلام كأنها تستمرئ هذه الطريقة في التعبير وتقبل بهذا العيّ اللغويّ أو العجز عن الابانة والتبيين في لغة صافية قومية غير متحذلقة ولا متقعرة، ولا ترى فيه غضاضة ! ولعلّ هذه الظاهرة اللغوية الآخذة في الانتشار بلا رادع هي التي كانت وراء مبادرة تشريعية عُرضت على لجنة التربية والبحث العلمي في جوان 2019 (انظر أصداءها في جريدة الصباح الصادرة يوم 27/6/2019). وقدّم المبادرة النائب سالم الأبيض الذي اقترح إحداث "مجلس أعلى للغة العربية" ولكن للأسف قبرت المبادرة في المعهد أو وئدت....
والعجيب أن نجد غير العرب وغير فئات من التونسييـن يُنافحون عن العربيــة ويُشيدون بمزاياها ويدعــون إلى المحافظــة على قواعــدها وخطوطــها محذّرين من المساس بها، وفي طليعــة هؤلاء المستشرق المستعرب الفرنسي ريجيس بلاشار الذي بيـّــن في حديث له قيـّــم نشرتــه مجلة العربي في عددها 564 نوفمبر 2005 " أنّ من نعم اللّه على اللغـــة العربيــّــة وجود القرآن الكريم بنصــّـــه العربــي الخارق الذي حماها من " المالطيـة" وأعنـي بذلك الذوبان في لهجات عاميـّــة لا قوام لها ولا عبقريــه ولا شخصيــة ..." (ص 72) فما سرّ استهانــة بعضنا في تونس بلغتـــهم الوطنيـّـــة ولهجتـــهم الصميمــة؟
إنّ الإجابــــة عن مثل هذه الأسئلــة المطروحــة في الموقفيــن المعروضين في هذا المقال سبق أن أجاب عنهما مرارا الدكتور الذوادي عالم الاجتماع التونسي على صفحات هذه الجريدة وغيره. لكنّا نروم أن نجيب عنهما – على طريقتنا – واستنادا إلى العــلم ، كما تجلـّــى لنّــا في المراجـــع التي عدنــا إليها والتي سنشير إليها بالتدقيق في مواضعـــها في الجزء الثانـــي من هذا المقال.
( يتبـــع)
*متفقــــــد تعليــــــــم
متقاعد
صفاقس
الخلط اللغوي يعدّ من سمات التونسي ، وتبدو بعض مؤسسات الإعلام كأنها تستمرئ هذه الطريقة في التعبير وتقبل بهذا العيّ اللغويّ أو العجز عن الإبانة والتبيين
بقلم علي السّعداوي *
هذا المقال أردته " أشتاتا مجتمعات " من حصيلة دراسات وقراءات ومحادثات مع أهل الرأي الحصيف، استغرقت من عمري طويلا لعلّ من أبرز معالمها متابعتــي لدروس أول شهادة جامعية " تكميلية" في " الألسنـيّة" أو اللسانيات la linguistique منذ أكثر من نصف قرن بالجامعــة التونسية على أيدي أفداد من علماء اللغة في وطننا وخارجـه، وما غــنــمته من "فتــــوحات علميــــة" بالعربيــة والفرنسيــة، وانكبابي مؤخرا وطيلة أسابيع على مراجعــة عديد المراجع النفيســة القديمة والحديثــة مما اقـتنيتـــه –رغـــم الضائقــة – وذلك كلّـــه من أجل التّــنفيس عن الآهـــــة المعلنـــة في طالـــع العنوان والإجابـــة عن " لو ..." هذه المقترنـــة بالآهــــة أو الصـّـــرخــة . وسـأبنـــي هذه الأشتات على مفارقــة عجيبـــة بدَت لي في مجتمعنا التونسي ومحاولة تعليلها ومواقفنا منها وعيا وإدراكا لأسرارها، أو استخفافا واستهانـــة بمقوّماتــها، لا سيـــما ونحـــن نتأهـّــب لإرساء نظام تربوي تعليمـــي جديد ونطمــــح إلى الارتقـــاء في جميـــع المجالات الحيويـّــة .
I- المفارقـــة:
أ- شيئـــان لفتا نظري في "تونسنا الجميلة" وأبدأ بالوجـــه الحسن : وعــي بقيمــة اللغــة ، واللّغات لدى قطاعات عريضــة لاسيــما من النّخب على اختلاف اختصاصاتها ودعوة إلى الاهتمام بها وحسن تعليمها ونشرها ، وإتقان لواحدة من هذه اللغات أو أكثر مشافهة وكتابة ، وفي المقدمة العربيّة الفصيحة وما يقترن بها من دارجة تونسية صافية أصيلة ، تلحظ ذلك في قناعات الجيل القديم نسبيا وسلوكهم اللّغوي أو تواصلهم وتدريسهم وكتاباتهم ، هذا زيادة على تألّق المدرسة اللغويّة التونسية أعني الباحثين المختصّين ، وما أنجزوه من دارسات وترجمات وفضلا عن متانة الأطروحات والدروس ، وإجادة الكتابة والمشافهة. إنه الاعتزاز بامتلاك اللغة أو اللغتين وثراء المعجم والتفنّن في الأسلوب والذهاب إلى درجة الإبداع. وهذا مبعث فخر لنا نحن التونسيين ودليل على قوة الشخصّية وصواب الوجهة. وتستوي لديّ في هذا المقام درجات الحذق للعربية والفرنسية والإنقليزية والألمانية وغيرها من لغات العالم. فللّغة شأن وأيّ شأن وسأعود إلى هذا الأمر. ولننظر في ما كتبه وقاله حتى اليوم ، صفوة نخبنا في الصحف والمجلات والكتب وشتى وسائل الإعلام والمنابر. فهذا الأديب عبد العزيز قاسم يبدع باللغتين العربية والفرنسية حتى أيّامنا ، شعرا ونثرا، وهذا أستاذ الطب النّفسي الرجل سليم عمّار كاتب وشاعر باللغتين قد نوّه جاك شيراك الزعيم الفرنسي بامتلاكه ناصية الفرنسيّة وهذا أستاذ الجيل ، الراحل أيضا توفيق بكّار قد أبهر السامعين من الطلّبة والجامعيين في تونس وخارجها بحسن حديثه في مسائل دقيقة مشافهة. وقائمة الشواهد طويلة لا يسعها هذا الحيّز، وفي كلّ الميادين. ترى ما مردّ هذا الموقف من اللغة (على الإطلاق)؟ وما السبب الكامن وراء هذا السلوك اللغوي؟
ب- أمّا الوجه الثاني من المفارقة فهو النقيض المشوّه الذي لا أحسب أنّه يرضينا و يليق بنا و يتماشى مع مجدنا الثقافي الذي تتلألأ فيه أسماء رنّانة : من أمثال الفاضل بن عاشور الخطيب المفوّه والمحجوب بن ميلاد المفكّر صاحب "تحريك السواكن " والبشير المجدوب مبدع " بذور" و" كلمات " وزبيدة بشير الشاعرة الرقيقة والشاذلي القليبي الذي نوّه كثيرا الأديب عزّالدين المدني بطريقته الشيّقـة في شرح النصوص وذلك في كتابة الطريف " أحبابنا الكتّاب" . عماد هذا الوجه من المفارقة في مجتمعنا المعاصر الرّاهن : شقشقة صوتية ولغط وخلط لغوي لا مبرّر له و لا سندا له في الذوق السليم ، وتعدّ صارخ على قواعد اللغة وعلى أصول دارجتنا ; يحدث هذا منذ زمان ، طال و استفحل واستشرى خاصة في وسائل إعلامنا من إذاعات وتلفزات ونصوص الإشهار إن صحت التسمية . ممّا آسف الكثيرين و يؤسفهم إلى اليوم ومما صدّقته قولة هشام بو قمرة رحمه الله في منتصف سبعينات القرن الماضي " وأضحت اللغة العربيّة مطاردة في عقر دارها، تحاصرها المخاطر و التحديات من كلّ الجهات وأمست في الاستعمال اليوميّ خليطا هجينا...." (انظر مجلة الحياة الثقافية) . ومن نكد الدّهر أنّي سمعت أحد شخصياتنا المرموقة يقول : هذا الخلط اللغوي يعدّ من سمات التونسي وتبدو بعض مؤسسات الإعلام كأنها تستمرئ هذه الطريقة في التعبير وتقبل بهذا العيّ اللغويّ أو العجز عن الابانة والتبيين في لغة صافية قومية غير متحذلقة ولا متقعرة، ولا ترى فيه غضاضة ! ولعلّ هذه الظاهرة اللغوية الآخذة في الانتشار بلا رادع هي التي كانت وراء مبادرة تشريعية عُرضت على لجنة التربية والبحث العلمي في جوان 2019 (انظر أصداءها في جريدة الصباح الصادرة يوم 27/6/2019). وقدّم المبادرة النائب سالم الأبيض الذي اقترح إحداث "مجلس أعلى للغة العربية" ولكن للأسف قبرت المبادرة في المعهد أو وئدت....
والعجيب أن نجد غير العرب وغير فئات من التونسييـن يُنافحون عن العربيــة ويُشيدون بمزاياها ويدعــون إلى المحافظــة على قواعــدها وخطوطــها محذّرين من المساس بها، وفي طليعــة هؤلاء المستشرق المستعرب الفرنسي ريجيس بلاشار الذي بيـّــن في حديث له قيـّــم نشرتــه مجلة العربي في عددها 564 نوفمبر 2005 " أنّ من نعم اللّه على اللغـــة العربيــّــة وجود القرآن الكريم بنصــّـــه العربــي الخارق الذي حماها من " المالطيـة" وأعنـي بذلك الذوبان في لهجات عاميـّــة لا قوام لها ولا عبقريــه ولا شخصيــة ..." (ص 72) فما سرّ استهانــة بعضنا في تونس بلغتـــهم الوطنيـّـــة ولهجتـــهم الصميمــة؟
إنّ الإجابــــة عن مثل هذه الأسئلــة المطروحــة في الموقفيــن المعروضين في هذا المقال سبق أن أجاب عنهما مرارا الدكتور الذوادي عالم الاجتماع التونسي على صفحات هذه الجريدة وغيره. لكنّا نروم أن نجيب عنهما – على طريقتنا – واستنادا إلى العــلم ، كما تجلـّــى لنّــا في المراجـــع التي عدنــا إليها والتي سنشير إليها بالتدقيق في مواضعـــها في الجزء الثانـــي من هذا المقال.