إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

فظاعة نظام الميز العنصري "أبارتهايد" في تل أبيب

 

 

داخل إسرائيل، يوجد عرب 48 في درجة دنيا في المجتمع الإسرائيلي مثلهم مثل السود في إفريقيا الجنوبية سابقا

بقلم د. الصحراوي قمعون

صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة

  تعاني فلسطين من نظام الميز العنصري "أبارتهايد" الذي كان قائما لعقود في جمهورية جنوب إفريقيا ، وتم القضاء عليه بفضل مقاومة أغلبية السكان السود الذين انتصروا في النهاية، واستعادوا سيادتهم، واضعين حدا لهذا النظام البشع الذي قاست منه الأمرين الأغلبية السوداء ، وكانت فيه إسرائيل الحليف الدائم والمساند لهذا النظام الذي كان قبل سقوطه محاصرا من طرف المجموعة الدولية .

  في فلسطين المحتلة وتل أبيب، كان مصير الفلسطينيين من ما يسمي بعرب 48 في إسرائيل مشابها للواقع المرير للأغلبية من السود في جنوب افريقيا، وفي المعاناة التي يعاني منها الشعبان من فظاعة الميز العنصري القائم كمؤسسة عنصرية تسوس مختلف دواليب الإدارة والمجتمع. وتطلق تسمية عرب 48 على الفلسطينيين الذين لم ينزحوا في عملية التهجير الإرهابية التي شنتها الميليشيات الصهيونية عام 1948، والتي هجّرت فيها أكثر من سبعمائة ألف فلسطيني ودفعت بهم إلى الدول العربية المجاورة كلاجئي مخيمات في كل من لبنان والأردن ومصر وسوريا.وهو رقم يمثل خمسون بالمائة من سكان فلسطين قبل الاحتلال . ونفس الأمر تحاول اليوم تنفيذه في غزة ورفح دفعا إلى سيناء.

مكانة دنيا في المجتمع الإسرائيلي

  داخل اسرائيل، يوجد عرب 48 في درجة دنيا في المجتمع الإسرائيلي مثلهم مثل السود في افريقيا الجنوبية سابقا. وهم يسكنون في مدن قصديرية بالمدن الإسرائيلية ولا يتوفر لهم التعليم الأساسي ويواجهون صعوبات في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي العنصري بطبعه وتكوينه الديني والعرقي. ويوجد على رأس ذلك المجتمع الإسرائيلي، اليهود الغربيون القادمون من أمريكا وأوروبا وكندا ويطلق عليهم "أشْكينازْ"، وهم الأغنياء المتنفذون في السياسة والاقتصاد والإعلام، يليهم اليهود الشرقيون ويطلق عليهم "السِّيفردْيم" وهم من بلدان الشرق والمغرب العربي . وفي مرتبة ثالثة يوجد يهود عرب 48.

   وفي كل مواجهة بين اسرائيل وجيرانها وكل حروبها مع الفلسطينين، يجد يهود 48 أنفسهم بين فكي كماشة، حيث يتعرضون للإيقاف والمحاكمة بتهمة "مساندة أو تمجيد الإرهاب" أو مساندة الفلسطينيين أشقاءهم في الدم والأرض. ومثال ذلك ما تعرضت له دلال أبو أمنة المغنية العربية المشهورة داخل اسرائيل وهي من الناصرة . وقد جرى اعتقالها بتهم خطيرة مثل التحريض على العنف عبر منشوراتها في أنستاغرام، ووضعها في منشور لها صورة علم فلسطين مع عبارة "لاغالب إلا الله". وفي كل الأزمات يجد عرب 48 أنفسهم الضحية رقم واحد في المجتمع الاسرائيلي في مجال انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية والتضييق على حرية التعبير لديهم، طبق حالة الطوارئ السائدة في اسرائيل.

    ويحيلنا هذا الوضع إلى استعراض طبيعة الكيان العنصري في كل من بريتوريا وتل أبيب وعناصر الشبه الفجة في مجال البشاعة والقبح البشري حد الحيوانية البهيمية .

فمن أوجه الشبه الأخرى أن نظام الميز أو الفصل العنصري المسمي "أبارتهايد" في إفريقيا الجنوبية تأسس عام 1948 في نفس السنة التي تأسست فيها إسرائيل التي ظلت حليفته الاستراتيجية حتى سقوطه عام 1990. وهو شكل من أشكال العنصرية المقنّنة والتي تحكم فيها أقلية بيضاء قادمة من وراء البحار أغلبية سوداء أصحاب الأرض الأصليين لبلاد جنوب افريقيا.

  وتفيد المصادر التاريخية أن هذا النظام العنصري سمح باستمرار المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أقامها المستعمرون البيض لمدة ثلاثة قرون من الاستعمار الهولاندي ثم البريطاني حتى غروبه واندحاره بداية التسعينات بعد عقود من المقاومة الشعبية والتضحيات من الأغلبية السوداء . ومنذ عام 1948 وضعت حكومة جنوب افريقيا ترسانة من القوانين التي تقنن الفصل العنصري بين السود والبيض وفئة المهجّنين أيضا من أصل أسيوي والذين يوجدون في مرتبة ثانية بعد البيض وقبل السود في المرتبة الثالثة والأخيرة. وقد أقامت سلسلة من الحواجز الطبيعية والجدارن العازلة بين المناطق التي يعيش فيها البيض والمناطق التي يعيش فيها السود ويمنع عليهم مغادرتها. فكانت مثل المحميات المخصصة للحيوانات في عدة دول بإفريقيا أو مثل المحميات التي أقامتها امريكا للهنود الحمر الممنوع عليهم الخروج منها أو يتعرضون لإطلاق النار والقتل . وهي نفس المحميات التي وضعها الانجليز للسكان المحليين "أبُورِيجَانْ" في أستراليا.وهي نفس التحديدات الجغرافية التي وضعها الاستعمار الفرنسي في الجزائر وفي تونس والمغرب التي يمنع فيها للسكان العرب الأصليين الدخول إلي المدينة الأوروبية خارج أسوار الرباطات العربية في تونس وسوسة وصفاقس . ولكن نظامي الميز العنصري في جنوب افريقيا واسرائيل، قد فاقا باقي الأنظمة الاستعمارية في ممارساته العنصرية التي تجد إيديولوجيتها وجذورها في نظرية التفوق العرقي التي تبنتها الحركة النازية حول تفوق العنصر الآري والأبيض والذي طبقه الألمان مع بقايا المعمرين في ناميبيا التي استعمروها لفترة والتي وضعت تحت وصاية جنوب افريقيا مع نهاية الحرب العالمية الأولي . وعند وصوله إلى الحكم في بريتوريا عام 1948، قام الدكتور مالان منظر العنصرية بإصدار قوانين تمنع الاختلاط بين الأجناس وتمنع الزواج المختلط والاختلاط في الأماكن العمومية وفي الشواطئ الخاصة بالبيض فقط . كما منع دخول السود إلي أي من الأماكن التي يعيش فيها البيض وهم الذين يطلق عليهم اسم "أفريكانا" وهم ينحدرون من أصول المعمرين البيض من الهولانديين والفرنسيين والألمان والاسكندينافيين . وتشمل المناطق الممنوعة عليهم ثلاثة أرباع الأراضي بما يعني بقاء ربع البلاد فقط عند الأغلبية السوداء أو الهجناء .

   وفي هذا النظام البشع والمفتقد للانسانية، كانت هناك "ديمقراطية" وانتخابات مكنت الدكتور العنصري مالان، من الحكم بصندوق الاقتراع . وشرع وهو في عمر 74 سنة في إقامة نظام الميز العنصري وكأنه يحمل رسالة نبوية بإحلال الميز العنصري وتكريس علوية الجنس الأبيض، كما كان الحال في إسرائيل مع الرئيس الإسرائيلي المؤسس دافيد بن غوريون وبعده غولدا مايير اللذين كانا مسكونين بعقدة بناء دولة إسرائيل متفوقة على الجيران تكريسا لحق اليهود "كشعب مختار" كما جاء في التوراة والأساطير العبرية.

ديمقراطية عنصرية

   لقد ظل النظام العنصري في جنوب افريقيا كما في اسرائيل "ديمقراطيا " في ممارساته الشكلية، ولكنها كانت ديمقراطية الديكور التي تنتظم فيها الانتخابات بصفة دورية بين مكونات الأقلية البيضاء ، حيث يمنع على الأغلبية السوداء المشاركة في الانتخابات التي كان فيها التداول على الحكم بين شقي الديمقراطية العنصرية في كل من بريتوريا وتل أبيب في شكل من أشكال التحالف الاستراتيجي بين محوري الشر والعنصرية ضد أصحاب الأرض منذ ألاف السنين هنا وهناك.

ورغم القمع والفصل العنصري والتجويع، فقد تواصلت المقاومة الشعبية للسود في معاقلهم المحاصرة والتي يطلق " المعازل العرقية" بواسطة جدران إسمنتية وآلات حراسة كهربائية مثل الجدران التي أقامتها اسرائيل لعزل المناطق الفلسطينية عن المناطق الإسرائيلية .

     تنديد دولي متواصل

وعادة ما تكرر المنظمات الحقوقية في العالم وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية في تقاريرها المختلفة القول بان "الأبارتهايد" والتمييز التي تطبقها اسرائيل ضد الفلسطينيين هي " نظام هيمنة وجريمة ضد الإنسانية يتطلب من المجموعة الدولية وضع حد لها وحماية حقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال"، كما جاء في أحد تقاريرها الأخيرة التي أشارت إلى التشابه الكبير بين النظامين العنصري في مجال السياسات التي تقوم بها اسرائيل بتهجير الفلسطينيين ومحاصرتهم وتنكيل المستوطنين اليهود المتعصبين بالسكان، إضافة إلى مصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم وتحديد مناطق سكنهم وعيشهم وطردهم من ديارهم، بشكل يشبه إلي حد بعيد سياسات الأبارتهايد التي نفذتها جنوب افريقيا في مجال الفصل العنصري، وانتهت كنظام بغيض في بريتوريا ولكنها مازالت في تل أبيب .

    ويقول تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2023 أن " لاشيء يبرر هذا النظام القائم على القمع العنصري المُمَأْسَس الذي يضرب ملايين من الفلسطينيين . ولا مكان في عالمنا اليوم لنظام العنصرية . والدول التي تقرر البقاء مساندة لإسرائيل فهي تقف في الجانب الخطإ من التاريخ، لأن الحكومات التي تواصل تقديم الأسلحة لإسرائيل ومنحها حصانة من المحاكمة أمام الأمم المتحدة، هم يساندون نظام أبارتهايد، ويعطلون القانون الدولي ويزيدون في معاناة الشعب الفلسطيني "، كما جاء في تقرير المنظمة الحقوقية الدولية.

 

 

 

 

 

 

 

 

فظاعة نظام الميز العنصري "أبارتهايد" في تل أبيب

 

 

داخل إسرائيل، يوجد عرب 48 في درجة دنيا في المجتمع الإسرائيلي مثلهم مثل السود في إفريقيا الجنوبية سابقا

بقلم د. الصحراوي قمعون

صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة

  تعاني فلسطين من نظام الميز العنصري "أبارتهايد" الذي كان قائما لعقود في جمهورية جنوب إفريقيا ، وتم القضاء عليه بفضل مقاومة أغلبية السكان السود الذين انتصروا في النهاية، واستعادوا سيادتهم، واضعين حدا لهذا النظام البشع الذي قاست منه الأمرين الأغلبية السوداء ، وكانت فيه إسرائيل الحليف الدائم والمساند لهذا النظام الذي كان قبل سقوطه محاصرا من طرف المجموعة الدولية .

  في فلسطين المحتلة وتل أبيب، كان مصير الفلسطينيين من ما يسمي بعرب 48 في إسرائيل مشابها للواقع المرير للأغلبية من السود في جنوب افريقيا، وفي المعاناة التي يعاني منها الشعبان من فظاعة الميز العنصري القائم كمؤسسة عنصرية تسوس مختلف دواليب الإدارة والمجتمع. وتطلق تسمية عرب 48 على الفلسطينيين الذين لم ينزحوا في عملية التهجير الإرهابية التي شنتها الميليشيات الصهيونية عام 1948، والتي هجّرت فيها أكثر من سبعمائة ألف فلسطيني ودفعت بهم إلى الدول العربية المجاورة كلاجئي مخيمات في كل من لبنان والأردن ومصر وسوريا.وهو رقم يمثل خمسون بالمائة من سكان فلسطين قبل الاحتلال . ونفس الأمر تحاول اليوم تنفيذه في غزة ورفح دفعا إلى سيناء.

مكانة دنيا في المجتمع الإسرائيلي

  داخل اسرائيل، يوجد عرب 48 في درجة دنيا في المجتمع الإسرائيلي مثلهم مثل السود في افريقيا الجنوبية سابقا. وهم يسكنون في مدن قصديرية بالمدن الإسرائيلية ولا يتوفر لهم التعليم الأساسي ويواجهون صعوبات في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي العنصري بطبعه وتكوينه الديني والعرقي. ويوجد على رأس ذلك المجتمع الإسرائيلي، اليهود الغربيون القادمون من أمريكا وأوروبا وكندا ويطلق عليهم "أشْكينازْ"، وهم الأغنياء المتنفذون في السياسة والاقتصاد والإعلام، يليهم اليهود الشرقيون ويطلق عليهم "السِّيفردْيم" وهم من بلدان الشرق والمغرب العربي . وفي مرتبة ثالثة يوجد يهود عرب 48.

   وفي كل مواجهة بين اسرائيل وجيرانها وكل حروبها مع الفلسطينين، يجد يهود 48 أنفسهم بين فكي كماشة، حيث يتعرضون للإيقاف والمحاكمة بتهمة "مساندة أو تمجيد الإرهاب" أو مساندة الفلسطينيين أشقاءهم في الدم والأرض. ومثال ذلك ما تعرضت له دلال أبو أمنة المغنية العربية المشهورة داخل اسرائيل وهي من الناصرة . وقد جرى اعتقالها بتهم خطيرة مثل التحريض على العنف عبر منشوراتها في أنستاغرام، ووضعها في منشور لها صورة علم فلسطين مع عبارة "لاغالب إلا الله". وفي كل الأزمات يجد عرب 48 أنفسهم الضحية رقم واحد في المجتمع الاسرائيلي في مجال انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية والتضييق على حرية التعبير لديهم، طبق حالة الطوارئ السائدة في اسرائيل.

    ويحيلنا هذا الوضع إلى استعراض طبيعة الكيان العنصري في كل من بريتوريا وتل أبيب وعناصر الشبه الفجة في مجال البشاعة والقبح البشري حد الحيوانية البهيمية .

فمن أوجه الشبه الأخرى أن نظام الميز أو الفصل العنصري المسمي "أبارتهايد" في إفريقيا الجنوبية تأسس عام 1948 في نفس السنة التي تأسست فيها إسرائيل التي ظلت حليفته الاستراتيجية حتى سقوطه عام 1990. وهو شكل من أشكال العنصرية المقنّنة والتي تحكم فيها أقلية بيضاء قادمة من وراء البحار أغلبية سوداء أصحاب الأرض الأصليين لبلاد جنوب افريقيا.

  وتفيد المصادر التاريخية أن هذا النظام العنصري سمح باستمرار المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أقامها المستعمرون البيض لمدة ثلاثة قرون من الاستعمار الهولاندي ثم البريطاني حتى غروبه واندحاره بداية التسعينات بعد عقود من المقاومة الشعبية والتضحيات من الأغلبية السوداء . ومنذ عام 1948 وضعت حكومة جنوب افريقيا ترسانة من القوانين التي تقنن الفصل العنصري بين السود والبيض وفئة المهجّنين أيضا من أصل أسيوي والذين يوجدون في مرتبة ثانية بعد البيض وقبل السود في المرتبة الثالثة والأخيرة. وقد أقامت سلسلة من الحواجز الطبيعية والجدارن العازلة بين المناطق التي يعيش فيها البيض والمناطق التي يعيش فيها السود ويمنع عليهم مغادرتها. فكانت مثل المحميات المخصصة للحيوانات في عدة دول بإفريقيا أو مثل المحميات التي أقامتها امريكا للهنود الحمر الممنوع عليهم الخروج منها أو يتعرضون لإطلاق النار والقتل . وهي نفس المحميات التي وضعها الانجليز للسكان المحليين "أبُورِيجَانْ" في أستراليا.وهي نفس التحديدات الجغرافية التي وضعها الاستعمار الفرنسي في الجزائر وفي تونس والمغرب التي يمنع فيها للسكان العرب الأصليين الدخول إلي المدينة الأوروبية خارج أسوار الرباطات العربية في تونس وسوسة وصفاقس . ولكن نظامي الميز العنصري في جنوب افريقيا واسرائيل، قد فاقا باقي الأنظمة الاستعمارية في ممارساته العنصرية التي تجد إيديولوجيتها وجذورها في نظرية التفوق العرقي التي تبنتها الحركة النازية حول تفوق العنصر الآري والأبيض والذي طبقه الألمان مع بقايا المعمرين في ناميبيا التي استعمروها لفترة والتي وضعت تحت وصاية جنوب افريقيا مع نهاية الحرب العالمية الأولي . وعند وصوله إلى الحكم في بريتوريا عام 1948، قام الدكتور مالان منظر العنصرية بإصدار قوانين تمنع الاختلاط بين الأجناس وتمنع الزواج المختلط والاختلاط في الأماكن العمومية وفي الشواطئ الخاصة بالبيض فقط . كما منع دخول السود إلي أي من الأماكن التي يعيش فيها البيض وهم الذين يطلق عليهم اسم "أفريكانا" وهم ينحدرون من أصول المعمرين البيض من الهولانديين والفرنسيين والألمان والاسكندينافيين . وتشمل المناطق الممنوعة عليهم ثلاثة أرباع الأراضي بما يعني بقاء ربع البلاد فقط عند الأغلبية السوداء أو الهجناء .

   وفي هذا النظام البشع والمفتقد للانسانية، كانت هناك "ديمقراطية" وانتخابات مكنت الدكتور العنصري مالان، من الحكم بصندوق الاقتراع . وشرع وهو في عمر 74 سنة في إقامة نظام الميز العنصري وكأنه يحمل رسالة نبوية بإحلال الميز العنصري وتكريس علوية الجنس الأبيض، كما كان الحال في إسرائيل مع الرئيس الإسرائيلي المؤسس دافيد بن غوريون وبعده غولدا مايير اللذين كانا مسكونين بعقدة بناء دولة إسرائيل متفوقة على الجيران تكريسا لحق اليهود "كشعب مختار" كما جاء في التوراة والأساطير العبرية.

ديمقراطية عنصرية

   لقد ظل النظام العنصري في جنوب افريقيا كما في اسرائيل "ديمقراطيا " في ممارساته الشكلية، ولكنها كانت ديمقراطية الديكور التي تنتظم فيها الانتخابات بصفة دورية بين مكونات الأقلية البيضاء ، حيث يمنع على الأغلبية السوداء المشاركة في الانتخابات التي كان فيها التداول على الحكم بين شقي الديمقراطية العنصرية في كل من بريتوريا وتل أبيب في شكل من أشكال التحالف الاستراتيجي بين محوري الشر والعنصرية ضد أصحاب الأرض منذ ألاف السنين هنا وهناك.

ورغم القمع والفصل العنصري والتجويع، فقد تواصلت المقاومة الشعبية للسود في معاقلهم المحاصرة والتي يطلق " المعازل العرقية" بواسطة جدران إسمنتية وآلات حراسة كهربائية مثل الجدران التي أقامتها اسرائيل لعزل المناطق الفلسطينية عن المناطق الإسرائيلية .

     تنديد دولي متواصل

وعادة ما تكرر المنظمات الحقوقية في العالم وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية في تقاريرها المختلفة القول بان "الأبارتهايد" والتمييز التي تطبقها اسرائيل ضد الفلسطينيين هي " نظام هيمنة وجريمة ضد الإنسانية يتطلب من المجموعة الدولية وضع حد لها وحماية حقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال"، كما جاء في أحد تقاريرها الأخيرة التي أشارت إلى التشابه الكبير بين النظامين العنصري في مجال السياسات التي تقوم بها اسرائيل بتهجير الفلسطينيين ومحاصرتهم وتنكيل المستوطنين اليهود المتعصبين بالسكان، إضافة إلى مصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم وتحديد مناطق سكنهم وعيشهم وطردهم من ديارهم، بشكل يشبه إلي حد بعيد سياسات الأبارتهايد التي نفذتها جنوب افريقيا في مجال الفصل العنصري، وانتهت كنظام بغيض في بريتوريا ولكنها مازالت في تل أبيب .

    ويقول تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2023 أن " لاشيء يبرر هذا النظام القائم على القمع العنصري المُمَأْسَس الذي يضرب ملايين من الفلسطينيين . ولا مكان في عالمنا اليوم لنظام العنصرية . والدول التي تقرر البقاء مساندة لإسرائيل فهي تقف في الجانب الخطإ من التاريخ، لأن الحكومات التي تواصل تقديم الأسلحة لإسرائيل ومنحها حصانة من المحاكمة أمام الأمم المتحدة، هم يساندون نظام أبارتهايد، ويعطلون القانون الدولي ويزيدون في معاناة الشعب الفلسطيني "، كما جاء في تقرير المنظمة الحقوقية الدولية.