إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في أولوية الإصلاح: إنعاش الاقتصاد وتحسين في الوضع الاجتماعي

ما يعيق الاقتصاد التونسي اليوم ويمنعه من الإقلاع جملة من المشاكل أولها ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بمناخ الاستثمار وواقع الأعمال وبعث المشاريع

بقلم نوفل سلامة

اليوم هناك إجماع حاصل سواء عند من يعارض حركة 25 جويلية ومنظومة الحكم الحالية أو عند من يؤيد التغيير الحاصل في المشهد السياسي ويدافع عن خيارات الرئيس قيس سعيد، أن المعضلة الكبرى التي تعاني منها البلاد وتتعب عموم الشعب هي الوضع الاقتصادي والمسألة المالية والحالة الاجتماعية لشريحة كبيرة من المجتمع وأن التحدي الكبير الذي تواجهه منظومة الحكم الحالية يبقى مسألة انعاش الاقتصاد وتحقيق انطلاقته وتعافيه بعد سنوات من التراجع وما رافقها من مصاعب جمة تواصلت إلى حد اليوم وهي مصاعب تحولت إلى أزمة كبرى تعيق انطلاقة البلاد نحو أفق أفضل ومناخات أحسن من شأنها أن تحسن من الوضع المالي وتفتح أفاقا لتحسين الوضع الاجتماعي لفئات عديدة من الشعب وخاصة وضع البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية وكل المظاهر الاجتماعية التي تنتج الغضب والاحتجاج وحتى التمرد على النظام وعلى السياسات الحكومية المتبعة.

هذه القناعة الحاصلة اليوم لدى الجميع معارضة وحكما تطرح سؤالا حول الأسباب التي تمنع وتعيق تحقيق انتعاشة اقتصادية مرتقبة وتكبل انطلاقتها المرجوة وتفرض على الجميع وخاصة على من يحكم ويدير الشأن العام معرفة الأسباب التي تكبل تحسين الوضع الاقتصادي بالكيفية المطلوبة ومن ورائه الوضع المالي. فرغم الإعلان عن البدء في إصلاح أوضاع البلاد والشروع في محاصرة دوائر الفساد ومن يقف وراءها ومقاومة الاخلالات التي أضرت بالثورة وجعلت أهدافها تتراجع ومسارها يتعثر لتحصل الصدمة الكبرى عند من قام بها والخيبة المؤلمة عند الشباب وخاصة أبناء الهوامش والدواخل. فما هو مطلوب اليوم هو معرفة لماذا تأجل الإقلاع الاقتصادي الذي ينتظره الشعب ووعد به السياسيون؟ وما هي السبيل و الطريق التي تكفل الخروج من حالة الأزمة ووضع العجز وحالة التعطّل نحو وضع اقتصادي ومالي واجتماعي أفضل يستحقه هذا الشعب الذي عانى كثيرا وخابت آماله أكثر من مرة؟

قالت السيدة سهام البوغديري نمصيّة وزيرة المالية أثناء حديثها عن سداد تونس لكامل ديونها بعنوان سنة 2023 والمحاور الكبرى لميزانية سنة 2024 بأن قانون المالية لهذه السنة يستهدف ضمان التوازن بين هدفين رئيسيين تشتغل عليهما الحكومة ويقع التركيز عليهما وهما انعاش الاقتصاد واستعادة ثقة المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب المشاريع من ناحية والتشجيع على تحقيق نمو شامل ومستديم ومقاومة الاقصاء المالي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة فضلا عن إرساء نظام يكرس العدالة الجبائية ومقاومة التهرب الضريبي وادماج الاقتصاد الموازي من ناحية أخرى فمن أهداف الدولة لهذه السنة تسوية وضعية الأنشطة الموجودة خارج الأطر القانونية وكل الأعمال التي لا تخضع إلى النظام الجبائي المطبق.

واضح من كلام وزيرة المالية أن الدولة تصرّح عن رغبة في إصلاح الوضع الاقتصادي والعمل على استعادة انتعاشه وتعلن عن رغبات ونوايا للنهوض بالاقتصاد الذي يعرف ركودا مؤثرا على كامل المشهد المالي والاجتماعي لكن الأمر الذي نجهله ولا نعلمه هو وجود رؤية واضحة للمشكل الاقتصادي وهل هناك استراتيجية حكومية لانعاش الاقتصاد وربطه بخيارات الدولة الكبرى المعلن عنها والتي كثيرا ما ترددت في حديث رئيس الجمهورية من ضرورة المحافظة على دور الدولة الاجتماعي والإبقاء على مهمتها في رعاية الكثير من الفئات الاجتماعية والقطاعات الحساسة التي يحتاجها عموم الناس ولا يمكن التفريط فيها أو تسليم إدارتها للخواص. فهل هناك خطة وبرنامج واضح بخريطة طريق واضحة لإرجاع الاقتصاد إلى وضعه الطبيعي جالبا للثروة، محققا للنمو والمنتج لمواطن شغل تحتاجها البلاد ويفتح الآفاق للعمل والأمل للكثير من الشباب العاطل في علاقة بالمعوقات الأساسية والكبرى لإرساء منظومة اقتصادية عادلة ومتطورة تحقق السلم الاجتماعي وتجسم خيارات الدولة وتحقق الربح المادي والرفاه للجميع، منظومة اقتصادية وراءها أهداف وطنية وفاعلون وطنيون ومشروع وطني جامع؟.

ما يعيق الاقتصاد التونسي اليوم ويمنعه من إقلاعه جملة من المشاكل أولها ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بمناخ الاستثمار وواقع الأعمال في تونس وبعث المشاريع وهو واقع تقول عنه كل الدراسات والأبحاث التي أجريت على الحالة التونسية أنه يحتاج الى إصلاحات هيكلية عميقة وإدخال جرعة من التحسينات ويحتاج إلى إرادة لتطويره في اتجاه التقليل من البيروقراطية الإدارية التي تكبله وهي بيروقراطية مقيتة بسبب كثرة الوثائق والتراخيص المعرقلة وتخلف وتعطل مسار الرقمنة وهو وضع يساعد على توسيع دائرة الفساد من رشوة ومحسوبية وتدخلات وعلاقات جانبية ومحاباة وعمولات مما يجعل مناح الأعمال والاستثمار في بلادنا واقع صعب غير جالب للاستثمار ومانعا من المغامرة والاقدام على العمل في تونس.

المشكل الآخر في عملية الإقلاع الاقتصادي وفي البحث عن عناصر لإنعاش الحياة الاقتصادية ما بات يعرف اليوم بعملية تفكيك منظومة الريع الاقتصادي وهي شبكات مصالح اقتصادية ولوبيات متضامنة ودوائر نفوذ عائلية مهيمنة ومسيطرة على جملة من القطاعات الحساسة تحتكر إدارتها وتمنع غيرها من الاقتراب منها أو الولوج إليها. فمنظومة الريع تقوم على فكرة التحكم وإدارة قطاعات مفصلية في الاقتصاد مؤثرة بقوة في حياة الناس من دون أن يكون لها أي مساهمة في انتاج وخلق الثروة لذلك كانت عملية التخلص من هذه المنظومة التي يعود إنشاؤها إلى تاريخ تأسيس الدولة الوطنية في فجر الاستقلال ورغبة منها في بعث طبقة رأسمالية وطنية للنهوض بالبلاد، كانت عملية مهمة في طريق الإصلاح وانعاش الاقتصاد خاصة وأن هذا الريع الاقتصادي هو نتيجة سياسات واستراتيجيات اقتصادية وإجراءات كانت ضرورية في مرحلة الاستقلال مكنت عائلات وأسماء بعينها من التنفذ والاستفادة من الامتيازات الممنوحة والتسهيلات التي أعطيت لها وتحقيق الثروة في مقابل بعث مشاريع وطنية تعمل على خلق مواطن شغل ويد عاملة وطنية وتقلص من البطالة وبالتالي تحسين وضع الفقر وتطوير الوضع الاجتماعي للفئات الهشة والفقيرة لكن اليوم وبعد أن اتضح أن هذا الريع أصبح غايته الأولى والأساسية تحقيق الربح السهل والسريع وتكوين الثروة والتفصّي من الضرائب والتهرب من أدائها والأخطر من ذلك إغراق السوق بالبضائع والسلع والمنتجات الأجنبية وهو سلوك ضرره واضح في تدمير الاقتصاد المحلي وساعد على إغلاق الكثير من المصانع والمعامل التونسية التي لم تقدر على الصمود أمام المناسفة القوية من طرف أصحاب الثروة والمصالح المتشابكة والمتضامنة.

والخطير في موضوع منظومة الريع الاقتصادي وشبكاتها والعائلات المتصاهرة الماسكة بوسائل الإنتاج الأساسية والمتحكمة في العملية الإنتاجية في انزياحها نحو التجارة الموازية أو ما يسمى بالاقتصاد التحتي الذي ينشط على هامش الدولة وخارج الاقتصاد الرسمي و أطره القانونية وبعيدا عن رقابتها وهو اقتصاد تتحكم فيه هو الآخر بارونات قوية معروفة تتمتع بشبكة علاقات نافذة في المال والسياسة والحكم وحتى في الجهاز الأمني وقد رأينا عينة منه في زمن ما قبل 25 جويلية أين وصل الكناطرية إلى قبة مجلس النواب ودخلوا الأحزاب والمنظمات وحتى النقابات مما اضطر الدولة اليوم الى سن قوانين لمحاربتهم والتقليل من نفوذهم وهنا نقصد قوانين منع الاحتكار والمضاربة غير المشروعة والمساءلة حول مصادر الثروة وغيرها .

ما أردنا قوله أنه في انتظار أن نتفق على منوال تنمية جديد يقطع مع المنوال الحالي الذي اثبت محدوديته بعد أن استنفذ صلاحياته وجدواه ووصل إلى مداه وفي انتظار أن نختار نظرية اقتصادية توافق وضعنا الحالي وخيارات فكرية وفلسفية ترسم رؤية الدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي فإن المستعجل الذي لا ينتظر هو البدء في عملية إصلاح الوضع الاقتصادي وانعاش الاقتصاد باتخاذ جملة من الإجراءات في مقدمتها تحسين مناخ الأعمال وتطوير وضع الاستثمار وتفكيك منظومة الريع الاقتصادي التي ثبت أن ضررها أكثر من نفعها وتمثل تهديدا متعدد الأبعاد فضلا عن تغيير قانون الصرف الذي تحتاجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة واتخاذ إجراءات أخرى لفائدة الشباب وفتح الطريق أمامهم لبعث مشاريعهم الخاصة من دون عراقيل وأسوار أو حصون عتيقة بالية ولكنها متحكمة.

 

 

 

 

في أولوية الإصلاح: إنعاش الاقتصاد وتحسين في الوضع الاجتماعي

ما يعيق الاقتصاد التونسي اليوم ويمنعه من الإقلاع جملة من المشاكل أولها ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بمناخ الاستثمار وواقع الأعمال وبعث المشاريع

بقلم نوفل سلامة

اليوم هناك إجماع حاصل سواء عند من يعارض حركة 25 جويلية ومنظومة الحكم الحالية أو عند من يؤيد التغيير الحاصل في المشهد السياسي ويدافع عن خيارات الرئيس قيس سعيد، أن المعضلة الكبرى التي تعاني منها البلاد وتتعب عموم الشعب هي الوضع الاقتصادي والمسألة المالية والحالة الاجتماعية لشريحة كبيرة من المجتمع وأن التحدي الكبير الذي تواجهه منظومة الحكم الحالية يبقى مسألة انعاش الاقتصاد وتحقيق انطلاقته وتعافيه بعد سنوات من التراجع وما رافقها من مصاعب جمة تواصلت إلى حد اليوم وهي مصاعب تحولت إلى أزمة كبرى تعيق انطلاقة البلاد نحو أفق أفضل ومناخات أحسن من شأنها أن تحسن من الوضع المالي وتفتح أفاقا لتحسين الوضع الاجتماعي لفئات عديدة من الشعب وخاصة وضع البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية وكل المظاهر الاجتماعية التي تنتج الغضب والاحتجاج وحتى التمرد على النظام وعلى السياسات الحكومية المتبعة.

هذه القناعة الحاصلة اليوم لدى الجميع معارضة وحكما تطرح سؤالا حول الأسباب التي تمنع وتعيق تحقيق انتعاشة اقتصادية مرتقبة وتكبل انطلاقتها المرجوة وتفرض على الجميع وخاصة على من يحكم ويدير الشأن العام معرفة الأسباب التي تكبل تحسين الوضع الاقتصادي بالكيفية المطلوبة ومن ورائه الوضع المالي. فرغم الإعلان عن البدء في إصلاح أوضاع البلاد والشروع في محاصرة دوائر الفساد ومن يقف وراءها ومقاومة الاخلالات التي أضرت بالثورة وجعلت أهدافها تتراجع ومسارها يتعثر لتحصل الصدمة الكبرى عند من قام بها والخيبة المؤلمة عند الشباب وخاصة أبناء الهوامش والدواخل. فما هو مطلوب اليوم هو معرفة لماذا تأجل الإقلاع الاقتصادي الذي ينتظره الشعب ووعد به السياسيون؟ وما هي السبيل و الطريق التي تكفل الخروج من حالة الأزمة ووضع العجز وحالة التعطّل نحو وضع اقتصادي ومالي واجتماعي أفضل يستحقه هذا الشعب الذي عانى كثيرا وخابت آماله أكثر من مرة؟

قالت السيدة سهام البوغديري نمصيّة وزيرة المالية أثناء حديثها عن سداد تونس لكامل ديونها بعنوان سنة 2023 والمحاور الكبرى لميزانية سنة 2024 بأن قانون المالية لهذه السنة يستهدف ضمان التوازن بين هدفين رئيسيين تشتغل عليهما الحكومة ويقع التركيز عليهما وهما انعاش الاقتصاد واستعادة ثقة المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب المشاريع من ناحية والتشجيع على تحقيق نمو شامل ومستديم ومقاومة الاقصاء المالي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة فضلا عن إرساء نظام يكرس العدالة الجبائية ومقاومة التهرب الضريبي وادماج الاقتصاد الموازي من ناحية أخرى فمن أهداف الدولة لهذه السنة تسوية وضعية الأنشطة الموجودة خارج الأطر القانونية وكل الأعمال التي لا تخضع إلى النظام الجبائي المطبق.

واضح من كلام وزيرة المالية أن الدولة تصرّح عن رغبة في إصلاح الوضع الاقتصادي والعمل على استعادة انتعاشه وتعلن عن رغبات ونوايا للنهوض بالاقتصاد الذي يعرف ركودا مؤثرا على كامل المشهد المالي والاجتماعي لكن الأمر الذي نجهله ولا نعلمه هو وجود رؤية واضحة للمشكل الاقتصادي وهل هناك استراتيجية حكومية لانعاش الاقتصاد وربطه بخيارات الدولة الكبرى المعلن عنها والتي كثيرا ما ترددت في حديث رئيس الجمهورية من ضرورة المحافظة على دور الدولة الاجتماعي والإبقاء على مهمتها في رعاية الكثير من الفئات الاجتماعية والقطاعات الحساسة التي يحتاجها عموم الناس ولا يمكن التفريط فيها أو تسليم إدارتها للخواص. فهل هناك خطة وبرنامج واضح بخريطة طريق واضحة لإرجاع الاقتصاد إلى وضعه الطبيعي جالبا للثروة، محققا للنمو والمنتج لمواطن شغل تحتاجها البلاد ويفتح الآفاق للعمل والأمل للكثير من الشباب العاطل في علاقة بالمعوقات الأساسية والكبرى لإرساء منظومة اقتصادية عادلة ومتطورة تحقق السلم الاجتماعي وتجسم خيارات الدولة وتحقق الربح المادي والرفاه للجميع، منظومة اقتصادية وراءها أهداف وطنية وفاعلون وطنيون ومشروع وطني جامع؟.

ما يعيق الاقتصاد التونسي اليوم ويمنعه من إقلاعه جملة من المشاكل أولها ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بمناخ الاستثمار وواقع الأعمال في تونس وبعث المشاريع وهو واقع تقول عنه كل الدراسات والأبحاث التي أجريت على الحالة التونسية أنه يحتاج الى إصلاحات هيكلية عميقة وإدخال جرعة من التحسينات ويحتاج إلى إرادة لتطويره في اتجاه التقليل من البيروقراطية الإدارية التي تكبله وهي بيروقراطية مقيتة بسبب كثرة الوثائق والتراخيص المعرقلة وتخلف وتعطل مسار الرقمنة وهو وضع يساعد على توسيع دائرة الفساد من رشوة ومحسوبية وتدخلات وعلاقات جانبية ومحاباة وعمولات مما يجعل مناح الأعمال والاستثمار في بلادنا واقع صعب غير جالب للاستثمار ومانعا من المغامرة والاقدام على العمل في تونس.

المشكل الآخر في عملية الإقلاع الاقتصادي وفي البحث عن عناصر لإنعاش الحياة الاقتصادية ما بات يعرف اليوم بعملية تفكيك منظومة الريع الاقتصادي وهي شبكات مصالح اقتصادية ولوبيات متضامنة ودوائر نفوذ عائلية مهيمنة ومسيطرة على جملة من القطاعات الحساسة تحتكر إدارتها وتمنع غيرها من الاقتراب منها أو الولوج إليها. فمنظومة الريع تقوم على فكرة التحكم وإدارة قطاعات مفصلية في الاقتصاد مؤثرة بقوة في حياة الناس من دون أن يكون لها أي مساهمة في انتاج وخلق الثروة لذلك كانت عملية التخلص من هذه المنظومة التي يعود إنشاؤها إلى تاريخ تأسيس الدولة الوطنية في فجر الاستقلال ورغبة منها في بعث طبقة رأسمالية وطنية للنهوض بالبلاد، كانت عملية مهمة في طريق الإصلاح وانعاش الاقتصاد خاصة وأن هذا الريع الاقتصادي هو نتيجة سياسات واستراتيجيات اقتصادية وإجراءات كانت ضرورية في مرحلة الاستقلال مكنت عائلات وأسماء بعينها من التنفذ والاستفادة من الامتيازات الممنوحة والتسهيلات التي أعطيت لها وتحقيق الثروة في مقابل بعث مشاريع وطنية تعمل على خلق مواطن شغل ويد عاملة وطنية وتقلص من البطالة وبالتالي تحسين وضع الفقر وتطوير الوضع الاجتماعي للفئات الهشة والفقيرة لكن اليوم وبعد أن اتضح أن هذا الريع أصبح غايته الأولى والأساسية تحقيق الربح السهل والسريع وتكوين الثروة والتفصّي من الضرائب والتهرب من أدائها والأخطر من ذلك إغراق السوق بالبضائع والسلع والمنتجات الأجنبية وهو سلوك ضرره واضح في تدمير الاقتصاد المحلي وساعد على إغلاق الكثير من المصانع والمعامل التونسية التي لم تقدر على الصمود أمام المناسفة القوية من طرف أصحاب الثروة والمصالح المتشابكة والمتضامنة.

والخطير في موضوع منظومة الريع الاقتصادي وشبكاتها والعائلات المتصاهرة الماسكة بوسائل الإنتاج الأساسية والمتحكمة في العملية الإنتاجية في انزياحها نحو التجارة الموازية أو ما يسمى بالاقتصاد التحتي الذي ينشط على هامش الدولة وخارج الاقتصاد الرسمي و أطره القانونية وبعيدا عن رقابتها وهو اقتصاد تتحكم فيه هو الآخر بارونات قوية معروفة تتمتع بشبكة علاقات نافذة في المال والسياسة والحكم وحتى في الجهاز الأمني وقد رأينا عينة منه في زمن ما قبل 25 جويلية أين وصل الكناطرية إلى قبة مجلس النواب ودخلوا الأحزاب والمنظمات وحتى النقابات مما اضطر الدولة اليوم الى سن قوانين لمحاربتهم والتقليل من نفوذهم وهنا نقصد قوانين منع الاحتكار والمضاربة غير المشروعة والمساءلة حول مصادر الثروة وغيرها .

ما أردنا قوله أنه في انتظار أن نتفق على منوال تنمية جديد يقطع مع المنوال الحالي الذي اثبت محدوديته بعد أن استنفذ صلاحياته وجدواه ووصل إلى مداه وفي انتظار أن نختار نظرية اقتصادية توافق وضعنا الحالي وخيارات فكرية وفلسفية ترسم رؤية الدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي فإن المستعجل الذي لا ينتظر هو البدء في عملية إصلاح الوضع الاقتصادي وانعاش الاقتصاد باتخاذ جملة من الإجراءات في مقدمتها تحسين مناخ الأعمال وتطوير وضع الاستثمار وتفكيك منظومة الريع الاقتصادي التي ثبت أن ضررها أكثر من نفعها وتمثل تهديدا متعدد الأبعاد فضلا عن تغيير قانون الصرف الذي تحتاجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة واتخاذ إجراءات أخرى لفائدة الشباب وفتح الطريق أمامهم لبعث مشاريعهم الخاصة من دون عراقيل وأسوار أو حصون عتيقة بالية ولكنها متحكمة.