إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

حكاياتهم .. فهم الحاضر لن يكون إلا بالنظر إلى الماضي!.

 

يرويها: ابوبكر الصغير

     مِن بين كل ما كُتب، لا أحب سوى ما كتبه الذين عايشوا الحدث فعلا .

 فنحن لن نحترق من أجل آرائنا لأننا غير متأكدين منها، لكن يمكننا الاحتراق من أجل الحقيقة  التي وحدها تعدّل مواقفنا و آراءنا .

  كانت إحداث 26 جانفي 1978 لحظة مفصلية في مسار ابرز منظمة وطنية الاتحاد العام التونسي للشغل وعلاقتها بمنظومة الحكم .

  كما كان يوم 25 جويلية 2021 حدثا فارقا في مصير المنظمة ومستقبلها  في المحطة الأولى، الاتحاد هو الذي حسم علاقته بالحكم والمشاركة فيه

  وفي المحطة الثانية ، الحكم هو  الذي  حسم في حضور المنظمة كطرف سياسي شريك وحدّد لها معالم طريق جديدة لمهامها وأدوارها مستقبلا .

    هناك  إجماع بما هو موصول بدور المنظمات الاجتماعية  للدلالة على انها طرف فاعل في اللعبة السياسية  من خلال مفهوم اشمل وهو المجتمع المدني  فهي جهات فاعلة  اجتماعية  جماعية، ليست سياسية، وليست مستودعات للسلطة أو لجزء من قوة المجتمع ككل.

   لا تتسلم هذه المنظمات  السلطة السياسية الاّ في حالة استثناء و تدخلات خارجية كما حصل في بولونيا زمن نقابي غدانسك ليش فاليسا ذلك الفني الكهربائي صاحب الشارب الأبيض الطويل ، الساقط حتى الذقن، ربما ليحدد الجزء السفلي من الوجه المفقود في بضع طيات ، والنظرة المعروفة بأنها مؤذية للغاية .

  فالنقابات في جانب كبير هي أصلا روح  مدنية  المجتمع، إنها  بطريقة ما نقطة عمياء في السياسة، ولكن لها  بُعد أساسي في الحياة الاجتماعية، والتي نقيم معها جميع أنواع العلاقات.

كان يوم 26 جانفي  1978، المسمى كذلك ب "الخميس الأسود"، في الواقع تأكيدا للاحتجاج الاجتماعي والسياسي . كان بمثابة معارضة جذرية للسلطة، و رفض الرغبة العميقة في الحكم المطلق للزعيم الأوحد .

 حتى بعد التوقيع على ما سمّي  ب"الميثاق الاجتماعي" الموقع في 19 جانفي  1977 بين الحكومة والنقابات لم يغير شيئا.  استمرت حالة الاحتقان الاجتماعي السياسي والاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات .

 كانت الحادثة المنعرج في علاقة الطرفين في 24 جانفي ، بعد اعتقال عبد الرزاق غربال، رئيس الاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس، بما اثأر غضب رئيس المنظمة الحبيب عاشور  ليعلن في اجتماع ضخم بساحة محمد علي بالعاصمة الإضراب العام يومي 26 و27  جانفي بل يتّجه ويستفز الزعيم الحبيب بورقيبة بالتصريح : “ لا يوجد مجاهد اكبر الاّ الشعب”، في إشارة إلى اللقب الذي أطلقه الرئيس الحبيب بورقيبة على نفسه .

 لتتوالى الأحداث بعد ذلك في سياق مواجهات وعمليات تخريب وحصيلة ثقيلة بـ 52 قتيلاً وأكثر من 365 جريحاً، بحسب الأرقام الرسمية، في حين تشير مصادر أخرى إلى أكثر من 200 قتيل وآلاف الجرحى كما  أُدين  وحوكم أكثر من 500 شخص اغلبهم من النقابيين .

  بإجماع الطبقة السياسية أن هذه الأحداث كانت نقطة فاصلة في تاريخ البلاد الحديث، باعتبارها أول انفجار شعبي قوبل بأول نزول للجيش الوطني  إلى الشوارع لمواجهته.

  لكن يبقى السّؤال الأخطر والاهم، ما سرّ هذا التحول في موقف الزعيم النقابي الحبيب عاشور تحديدا في تلك الفترة ، نهاية سبعينات القرن الماضي ؟ هل كان لليسار الدور الأس في ذلك خاصة بعد التحاق آلاف المنخرطين الجدد اغلبهم من مشارب إيديولوجية وفكرية تقدمية، تمكنوا من السيطرة على أهم النقابات التعليم الثانوي والعالي، وتأثر القيادة النقابية بخطاباتهم وأفكارهم بما اثأر رغبة جديدة لدى قيادة الاتحاد في الاستقلالية وان يكون لها موقف مما يجري بالبلاد بعيدا عن إملاءات الحزب الدستوري الحاكم.

 بل هنالك من فكّر وطرح سرّا من رموز هذا الجيل الجديد من النقابيين في تأسيس حزب عمالي، ومبادرة الاتحاد إعداد برنامج اقتصادي واجتماعي بديل اكبر دليل على ذلك .

    كانت كلّ التقارير التي ترفع سواء الى الديوان السياسي او الرئيس بورقيبة نفسه تشير الى انّه أصبحت لدى الاتحاد مشاريع وطموحات سياسية في منافسته على الحكم !.

 لتكون في النهاية القطيعة والصدام.

 نحن نبقى أوفياء لقضية ما لمجرد أن خصومنا لا يغيرون تفاهتهم  ويبقون على اعتقادهم برواياتهم السخيفة لأحداث يكيفون مساراتها حسب أهوائهم.

 فالتاريخ  وما عاشته تونس من أحداث وتطورات هي من صنعت حالنا اليوم  ولسنا من قمنا بصناعة هذا التاريخ .

حكاياتهم  .. فهم الحاضر لن يكون إلا بالنظر إلى الماضي!.

 

يرويها: ابوبكر الصغير

     مِن بين كل ما كُتب، لا أحب سوى ما كتبه الذين عايشوا الحدث فعلا .

 فنحن لن نحترق من أجل آرائنا لأننا غير متأكدين منها، لكن يمكننا الاحتراق من أجل الحقيقة  التي وحدها تعدّل مواقفنا و آراءنا .

  كانت إحداث 26 جانفي 1978 لحظة مفصلية في مسار ابرز منظمة وطنية الاتحاد العام التونسي للشغل وعلاقتها بمنظومة الحكم .

  كما كان يوم 25 جويلية 2021 حدثا فارقا في مصير المنظمة ومستقبلها  في المحطة الأولى، الاتحاد هو الذي حسم علاقته بالحكم والمشاركة فيه

  وفي المحطة الثانية ، الحكم هو  الذي  حسم في حضور المنظمة كطرف سياسي شريك وحدّد لها معالم طريق جديدة لمهامها وأدوارها مستقبلا .

    هناك  إجماع بما هو موصول بدور المنظمات الاجتماعية  للدلالة على انها طرف فاعل في اللعبة السياسية  من خلال مفهوم اشمل وهو المجتمع المدني  فهي جهات فاعلة  اجتماعية  جماعية، ليست سياسية، وليست مستودعات للسلطة أو لجزء من قوة المجتمع ككل.

   لا تتسلم هذه المنظمات  السلطة السياسية الاّ في حالة استثناء و تدخلات خارجية كما حصل في بولونيا زمن نقابي غدانسك ليش فاليسا ذلك الفني الكهربائي صاحب الشارب الأبيض الطويل ، الساقط حتى الذقن، ربما ليحدد الجزء السفلي من الوجه المفقود في بضع طيات ، والنظرة المعروفة بأنها مؤذية للغاية .

  فالنقابات في جانب كبير هي أصلا روح  مدنية  المجتمع، إنها  بطريقة ما نقطة عمياء في السياسة، ولكن لها  بُعد أساسي في الحياة الاجتماعية، والتي نقيم معها جميع أنواع العلاقات.

كان يوم 26 جانفي  1978، المسمى كذلك ب "الخميس الأسود"، في الواقع تأكيدا للاحتجاج الاجتماعي والسياسي . كان بمثابة معارضة جذرية للسلطة، و رفض الرغبة العميقة في الحكم المطلق للزعيم الأوحد .

 حتى بعد التوقيع على ما سمّي  ب"الميثاق الاجتماعي" الموقع في 19 جانفي  1977 بين الحكومة والنقابات لم يغير شيئا.  استمرت حالة الاحتقان الاجتماعي السياسي والاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات .

 كانت الحادثة المنعرج في علاقة الطرفين في 24 جانفي ، بعد اعتقال عبد الرزاق غربال، رئيس الاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس، بما اثأر غضب رئيس المنظمة الحبيب عاشور  ليعلن في اجتماع ضخم بساحة محمد علي بالعاصمة الإضراب العام يومي 26 و27  جانفي بل يتّجه ويستفز الزعيم الحبيب بورقيبة بالتصريح : “ لا يوجد مجاهد اكبر الاّ الشعب”، في إشارة إلى اللقب الذي أطلقه الرئيس الحبيب بورقيبة على نفسه .

 لتتوالى الأحداث بعد ذلك في سياق مواجهات وعمليات تخريب وحصيلة ثقيلة بـ 52 قتيلاً وأكثر من 365 جريحاً، بحسب الأرقام الرسمية، في حين تشير مصادر أخرى إلى أكثر من 200 قتيل وآلاف الجرحى كما  أُدين  وحوكم أكثر من 500 شخص اغلبهم من النقابيين .

  بإجماع الطبقة السياسية أن هذه الأحداث كانت نقطة فاصلة في تاريخ البلاد الحديث، باعتبارها أول انفجار شعبي قوبل بأول نزول للجيش الوطني  إلى الشوارع لمواجهته.

  لكن يبقى السّؤال الأخطر والاهم، ما سرّ هذا التحول في موقف الزعيم النقابي الحبيب عاشور تحديدا في تلك الفترة ، نهاية سبعينات القرن الماضي ؟ هل كان لليسار الدور الأس في ذلك خاصة بعد التحاق آلاف المنخرطين الجدد اغلبهم من مشارب إيديولوجية وفكرية تقدمية، تمكنوا من السيطرة على أهم النقابات التعليم الثانوي والعالي، وتأثر القيادة النقابية بخطاباتهم وأفكارهم بما اثأر رغبة جديدة لدى قيادة الاتحاد في الاستقلالية وان يكون لها موقف مما يجري بالبلاد بعيدا عن إملاءات الحزب الدستوري الحاكم.

 بل هنالك من فكّر وطرح سرّا من رموز هذا الجيل الجديد من النقابيين في تأسيس حزب عمالي، ومبادرة الاتحاد إعداد برنامج اقتصادي واجتماعي بديل اكبر دليل على ذلك .

    كانت كلّ التقارير التي ترفع سواء الى الديوان السياسي او الرئيس بورقيبة نفسه تشير الى انّه أصبحت لدى الاتحاد مشاريع وطموحات سياسية في منافسته على الحكم !.

 لتكون في النهاية القطيعة والصدام.

 نحن نبقى أوفياء لقضية ما لمجرد أن خصومنا لا يغيرون تفاهتهم  ويبقون على اعتقادهم برواياتهم السخيفة لأحداث يكيفون مساراتها حسب أهوائهم.

 فالتاريخ  وما عاشته تونس من أحداث وتطورات هي من صنعت حالنا اليوم  ولسنا من قمنا بصناعة هذا التاريخ .