إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

غابت المبادرات وحضرت المناكفات.. أحزاب سياسية تعجز عن تحيين مقارباتها وتجاوز ضعفها

 

تونس – الصباح

لم يستطع السياسيون في تونس، من مختلف التنظيمات والتيارات الحزبية والسياسية سواء منها الداعمة لمنظومة الحكم التي يقودها رئيس الجمهورية قيس سعيد اليوم أو من المعارضة بجميع توجهاتها، تجديد خطابها وأدوات عملها السياسي على نحو يمكنها من الخروج من الدائرة الضيقة التي انحصرت فيها، بعد دخول مسار منظومة ما بعد 25 جويلية 2021 عامه الثالث على التوالي. لتحافظ على نفس أدواتها خلال هذه المرحلة باعتماد نفس الأساليب المعتمدة سابقا التي وصفها البعض بـ"المتكلسة" وتتناقض مع ما يجب أن يكون عليه الخطاب السياسي في أبعاده العلمية والاعتباطية، كآلية مرتبطة بالسلطة وحمّالة أوجه لإدراك مواقع ومراكز القرار فيها.

ويرجع ذلك حسب ما ذهب إليه عدد من المتابعين للشأن السياسي والحزبي في تونس إلى عدة أسباب وعوامل تشابك فيها الذاتي بالموضوعي في النشاط السياسي كما ساهمت فيها عوامل أخرى مدنية وقانونية ودستورية واجتماعية الأمر الذي دفع البعض إلى تحميل مسؤولية الوضع المتردي، إلى "ضعف" الطبقة السياسية التي كانت مكونة لمنظومة الحكم خلال عشرية ما بعد ثورة 2011 وإلى ضعف المعارضة خلال نفس الفترة أيضا.

وهو نفس الضعف الذي تجلى بشكل أوضح في واقع الأجسام السياسية في تونس في هذه المرحلة، وكشف مدى عجزها وعدم قدرتها على الاضطلاع بدور فاعل في الجمهورية الجديدة، بعد "العزلة" التي أصبحت تعيشها وحالة القطيعة التي تطبع علاقتها بالجهات الرسمية من ناحية وشبه القطيعة مع القواعد الشعبية والشارع التونسي من ناحية أخرى. وسبق أن أكد عدد من المتابعين للوضع في تونس إلى التأثير الكبير لعملية "استبعاد" المنظمة الشغيلة عن العمل السياسي وخلق قياداتها "الخيمة" التي شكلت لسنوات ملاذا للطبقة الحاكمة والمعارضة على السواء، في كشف مدى ضعف هذه الطبقة خاصة أن سعيد اختار منهجا يفصل بين المدني والسياسي باعتبارها الظاهرة التي ميزت منظومة الحكم التي وضع لها حدا.

ورغم الدعوات الواسعة للطبقة السياسية بضرورة القيام بمراجعات شاملة بما تتطلبه من تحيين لبرامجها وتطوير أدواتها وأساليب عملها وتواصلها والانتقادات الموجهة لأداء مكونات كافة المشهد الحزبي والسياسي خلال المرحلة الأخيرة، إلا أنها لم تستطع الخروج من "قمقم" الوضع السياسي والاجتماعي الجديد لتونس اليوم، الذي توفرت جملة من العوامل والقرارات لتضعها داخله، بعد أن عجزت عن صياغة تمش جديد كفيل بضمان موقعها في المشهد والوضع العامين للدولة بعد قرارات 25 جويلية 2021  التي غيرت واقع تونس وقلبت موازين القوى وما تبعها من قرارات أخرى ساهمت في إعادة توزيع أوراق "اللعبة" السياسية بعد أن مسك رئيس الجمهورية بكل السلطات وتم وضع حكومة جديدة ودستور جديد وبرلمان جديد ساهمت بدورها في بعث مناخ سياسي جديد للدولة.

ولم يعد اليوم لأغلب مكونات الطبقة الحزبية والسياسية باختلاف توجهاتها وتياراتها، أي دور في المشهد العام أو الخاص سوى المراوحة في مواقفها في التفاعل مع بعض المستجدات والأحداث على المستوى الوطني بين التأييد والرفض والاستنكار والتبرير والتكذيب.

وأصبح القرار أو الخطاب الرسمي هو المحدد لاتجاه "بوصلتها" ومحرارا لقياس درجة تحركاتها وتفاعلها في ظل تركز انشغال الشارع التونسي بالمعيشة اليومية وعدم إيلائه اهتماما للعمل السياسي، بعد أن فقدت الأحزاب والمنظمات قدرتها على التأثير والتأطير واستقطاب المواطنين وتجميعهم حول برامج أو مشاريع واضحة.

تغير مرحلي

ففي مرحلة أولى تركز تفاعل هؤلاء السياسيين مع القرارات الرسمية لرئاسة الجمهورية في مختلف مراحل التأسيس للمسار الذي يقوده سعيد، وكانت مواقف "مع" أو "ضد" أو الرفض التام بمثابة فرز أولي لمكونات الحياة السياسية. وهي عملية فرز مهدت لمرحلة ثانية كانت فيها تلك المواقف محددة للدخول في جبهات وتكتلات معارضة للمسار بالنسبة للقوى والجهات التي اختارت المعارضة وما راهنت عليه من توجه "لشيطنة المنظومة القائمة وخياراتها ومساع للتشكيك في مدى قدرتها على تغيير واقع البلاد وإيجاد حلول للأزمات وحالة التردي التي ترزح فيها البلاد "، فيما حافظت القوى المساندة والداعمة للمسار على مواقعها مقابل مضي بعضها إلى العمل على الاستفادة من المرحلة عبر وضع مقاربات وبرامج تستجيب في أهدافها وأبعادها وشكلها لمتطلبات المناخ السياسي الجديد للدولة.

لكن كل تلك المحاولات لم تشفع لهؤلاء السياسيين لإثناء سعيد عن الخيارات الجديدة للدولة لتفشل بذلك كل محاولاتهم وأجنداتهم وتحركاتهم الداخلية والخارجية في قلب موازين القوى لصالحهم مقابل مضي رئيس الجمهورية في تكريس التوجه الجديد للجمهورية الجديدة دستوريا وقانونيا تنظيميا وهيكليا. فلم تقدم أي جهة حزبية أو سياسية خلال تلك المرحلة أي مبادرة أو مشروع أو برنامج عملي كفيل بجعلها  أن تكون "جزءا من الحل"، لأن جل المحاولات كانت تراهن في أهدافها على خدمة مصالح حزبية دون سواها. وهو تقريبا السبب الذي أدى إلى فشل ووأد أغلب المبادرات قبل أن ترى النور، على غرار مبادرة "ميثاق" الدستوري الحر الذي وضعه في 2022 بهدف لم شمل المعارضة في جبهة ضد منظومة الحكم التي يقودها قيس سعيد، ورفض الجميع ما جاء فيها من شروط، فضلا عن رفض جهات حزبية أخرى الدخول في "جبهة الخلاص" التي تقودها حركة النهضة وعدم تقاطعها مع "تنسيقية القوى التقدمية والديمقراطية" التي تتركب من خماسي "التكتل والجمهوري والعمال والقطب والتيار الديمقراطي.

كما فشلت المبادرات التي قدمتها منظمات وطنية أو مدنية أو هياكل قطاعية أخرى في فتح مداخل للسلطة الرسمية بغية مشاركتها في صياغة أدوات المسار الجديد على غرار مبادرة "الإنقاذ" للاتحاد العام التونسي للشغل بمعية عمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى الاقتصادي والاجتماعي في نسخها المختلفة.

ليتبين الجميع بعد حوالي عامين ونصف تقريبا من مسك سعيد بزمام الأمور، أن الأحزاب، على تعددها، غير قادرة على تقديم مقاربة جديدة كفيلة بإخراجها من دائرة العدمية، خاصة في ظل إيقاف عدد من الناشطين فيها أو صدور أحكام ضد بعضهم أو ملاحقة البعض الآخر بملفات قضائية. فأصبح التفاعل حول الإيقافات وصدور أحكام بالسجن أو دعوة البعض الآخر للمثول "للتحقيق" هي العناوين التي تنشرها الأحزاب في بلاغاتها والندوات الصحفية أو ما يوجد على صفحاتها الرسمية، إلى جانب مواقفها التفاعلية مع بعض القضايا والمستجدات الإقليمية والدولية.

وهو وضع يشكل خطرا على وجود وواقع الأجسام السياسية لاسيما أن الجهات الرسمية قد بدأت في اتخاذ إجراءات جديدة تجاه الأحزاب في سياق دورها الرقابي في انتظار ما قد يأتي به القانون الجديد المنظم للأحزاب.

نزيهة الغضباني

غابت المبادرات وحضرت المناكفات..   أحزاب سياسية  تعجز عن تحيين مقارباتها وتجاوز ضعفها

 

تونس – الصباح

لم يستطع السياسيون في تونس، من مختلف التنظيمات والتيارات الحزبية والسياسية سواء منها الداعمة لمنظومة الحكم التي يقودها رئيس الجمهورية قيس سعيد اليوم أو من المعارضة بجميع توجهاتها، تجديد خطابها وأدوات عملها السياسي على نحو يمكنها من الخروج من الدائرة الضيقة التي انحصرت فيها، بعد دخول مسار منظومة ما بعد 25 جويلية 2021 عامه الثالث على التوالي. لتحافظ على نفس أدواتها خلال هذه المرحلة باعتماد نفس الأساليب المعتمدة سابقا التي وصفها البعض بـ"المتكلسة" وتتناقض مع ما يجب أن يكون عليه الخطاب السياسي في أبعاده العلمية والاعتباطية، كآلية مرتبطة بالسلطة وحمّالة أوجه لإدراك مواقع ومراكز القرار فيها.

ويرجع ذلك حسب ما ذهب إليه عدد من المتابعين للشأن السياسي والحزبي في تونس إلى عدة أسباب وعوامل تشابك فيها الذاتي بالموضوعي في النشاط السياسي كما ساهمت فيها عوامل أخرى مدنية وقانونية ودستورية واجتماعية الأمر الذي دفع البعض إلى تحميل مسؤولية الوضع المتردي، إلى "ضعف" الطبقة السياسية التي كانت مكونة لمنظومة الحكم خلال عشرية ما بعد ثورة 2011 وإلى ضعف المعارضة خلال نفس الفترة أيضا.

وهو نفس الضعف الذي تجلى بشكل أوضح في واقع الأجسام السياسية في تونس في هذه المرحلة، وكشف مدى عجزها وعدم قدرتها على الاضطلاع بدور فاعل في الجمهورية الجديدة، بعد "العزلة" التي أصبحت تعيشها وحالة القطيعة التي تطبع علاقتها بالجهات الرسمية من ناحية وشبه القطيعة مع القواعد الشعبية والشارع التونسي من ناحية أخرى. وسبق أن أكد عدد من المتابعين للوضع في تونس إلى التأثير الكبير لعملية "استبعاد" المنظمة الشغيلة عن العمل السياسي وخلق قياداتها "الخيمة" التي شكلت لسنوات ملاذا للطبقة الحاكمة والمعارضة على السواء، في كشف مدى ضعف هذه الطبقة خاصة أن سعيد اختار منهجا يفصل بين المدني والسياسي باعتبارها الظاهرة التي ميزت منظومة الحكم التي وضع لها حدا.

ورغم الدعوات الواسعة للطبقة السياسية بضرورة القيام بمراجعات شاملة بما تتطلبه من تحيين لبرامجها وتطوير أدواتها وأساليب عملها وتواصلها والانتقادات الموجهة لأداء مكونات كافة المشهد الحزبي والسياسي خلال المرحلة الأخيرة، إلا أنها لم تستطع الخروج من "قمقم" الوضع السياسي والاجتماعي الجديد لتونس اليوم، الذي توفرت جملة من العوامل والقرارات لتضعها داخله، بعد أن عجزت عن صياغة تمش جديد كفيل بضمان موقعها في المشهد والوضع العامين للدولة بعد قرارات 25 جويلية 2021  التي غيرت واقع تونس وقلبت موازين القوى وما تبعها من قرارات أخرى ساهمت في إعادة توزيع أوراق "اللعبة" السياسية بعد أن مسك رئيس الجمهورية بكل السلطات وتم وضع حكومة جديدة ودستور جديد وبرلمان جديد ساهمت بدورها في بعث مناخ سياسي جديد للدولة.

ولم يعد اليوم لأغلب مكونات الطبقة الحزبية والسياسية باختلاف توجهاتها وتياراتها، أي دور في المشهد العام أو الخاص سوى المراوحة في مواقفها في التفاعل مع بعض المستجدات والأحداث على المستوى الوطني بين التأييد والرفض والاستنكار والتبرير والتكذيب.

وأصبح القرار أو الخطاب الرسمي هو المحدد لاتجاه "بوصلتها" ومحرارا لقياس درجة تحركاتها وتفاعلها في ظل تركز انشغال الشارع التونسي بالمعيشة اليومية وعدم إيلائه اهتماما للعمل السياسي، بعد أن فقدت الأحزاب والمنظمات قدرتها على التأثير والتأطير واستقطاب المواطنين وتجميعهم حول برامج أو مشاريع واضحة.

تغير مرحلي

ففي مرحلة أولى تركز تفاعل هؤلاء السياسيين مع القرارات الرسمية لرئاسة الجمهورية في مختلف مراحل التأسيس للمسار الذي يقوده سعيد، وكانت مواقف "مع" أو "ضد" أو الرفض التام بمثابة فرز أولي لمكونات الحياة السياسية. وهي عملية فرز مهدت لمرحلة ثانية كانت فيها تلك المواقف محددة للدخول في جبهات وتكتلات معارضة للمسار بالنسبة للقوى والجهات التي اختارت المعارضة وما راهنت عليه من توجه "لشيطنة المنظومة القائمة وخياراتها ومساع للتشكيك في مدى قدرتها على تغيير واقع البلاد وإيجاد حلول للأزمات وحالة التردي التي ترزح فيها البلاد "، فيما حافظت القوى المساندة والداعمة للمسار على مواقعها مقابل مضي بعضها إلى العمل على الاستفادة من المرحلة عبر وضع مقاربات وبرامج تستجيب في أهدافها وأبعادها وشكلها لمتطلبات المناخ السياسي الجديد للدولة.

لكن كل تلك المحاولات لم تشفع لهؤلاء السياسيين لإثناء سعيد عن الخيارات الجديدة للدولة لتفشل بذلك كل محاولاتهم وأجنداتهم وتحركاتهم الداخلية والخارجية في قلب موازين القوى لصالحهم مقابل مضي رئيس الجمهورية في تكريس التوجه الجديد للجمهورية الجديدة دستوريا وقانونيا تنظيميا وهيكليا. فلم تقدم أي جهة حزبية أو سياسية خلال تلك المرحلة أي مبادرة أو مشروع أو برنامج عملي كفيل بجعلها  أن تكون "جزءا من الحل"، لأن جل المحاولات كانت تراهن في أهدافها على خدمة مصالح حزبية دون سواها. وهو تقريبا السبب الذي أدى إلى فشل ووأد أغلب المبادرات قبل أن ترى النور، على غرار مبادرة "ميثاق" الدستوري الحر الذي وضعه في 2022 بهدف لم شمل المعارضة في جبهة ضد منظومة الحكم التي يقودها قيس سعيد، ورفض الجميع ما جاء فيها من شروط، فضلا عن رفض جهات حزبية أخرى الدخول في "جبهة الخلاص" التي تقودها حركة النهضة وعدم تقاطعها مع "تنسيقية القوى التقدمية والديمقراطية" التي تتركب من خماسي "التكتل والجمهوري والعمال والقطب والتيار الديمقراطي.

كما فشلت المبادرات التي قدمتها منظمات وطنية أو مدنية أو هياكل قطاعية أخرى في فتح مداخل للسلطة الرسمية بغية مشاركتها في صياغة أدوات المسار الجديد على غرار مبادرة "الإنقاذ" للاتحاد العام التونسي للشغل بمعية عمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى الاقتصادي والاجتماعي في نسخها المختلفة.

ليتبين الجميع بعد حوالي عامين ونصف تقريبا من مسك سعيد بزمام الأمور، أن الأحزاب، على تعددها، غير قادرة على تقديم مقاربة جديدة كفيلة بإخراجها من دائرة العدمية، خاصة في ظل إيقاف عدد من الناشطين فيها أو صدور أحكام ضد بعضهم أو ملاحقة البعض الآخر بملفات قضائية. فأصبح التفاعل حول الإيقافات وصدور أحكام بالسجن أو دعوة البعض الآخر للمثول "للتحقيق" هي العناوين التي تنشرها الأحزاب في بلاغاتها والندوات الصحفية أو ما يوجد على صفحاتها الرسمية، إلى جانب مواقفها التفاعلية مع بعض القضايا والمستجدات الإقليمية والدولية.

وهو وضع يشكل خطرا على وجود وواقع الأجسام السياسية لاسيما أن الجهات الرسمية قد بدأت في اتخاذ إجراءات جديدة تجاه الأحزاب في سياق دورها الرقابي في انتظار ما قد يأتي به القانون الجديد المنظم للأحزاب.

نزيهة الغضباني