وفق مشروع قانون المالية لسنة 2024 ستكون الميزانية القادمة أول ميزانية لم تعتمد فيها تونس على اللجوء إلى الاقتراض الخارجي منذ 10 سنوات. فبالرغم من انه يندرج كسابقيه في إطار اعتماد سياسات تقشفية، اعتبر المختصون أن الأخذ بنسق أقل لتوصيات صندوق النقد الدولي يعكس رغبة واضحة في تفادي المزيد من تدهور الأوضاع الاجتماعية، التّي تبقى هشة للغاية وتبعث على الانشغال.
ويشير أستاذ الاقتصاد والمسؤول عن الدراسات بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية،عبدالجليل البدوي إلى أنه مشروع قانون تم إعداده في ظروف اقتصادية صعبة للغاية. واعتبر أنه لا ينطلق من مشروع تنموي بديل بل يكتفي بالاستناد إلى المخطط الـ14 الذي ينبني على نفس الخيارات والسياسات التقليدية النيوليبرالية، مع استعراض مفاهيم جديدة متداولة في المجال التنموي على غرار التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر..
كما رأى أنها ميزانية في شكلها الأولي قبل المصادقة، لم تترجم الحرص على تعميق مسار الاعتماد على الذات، بل غلب عليها السعي الى تحقيق توازنات مالية تمكن من الحد من عجز الميزانية العمومية مع اعتماد مفرط على موارد الاقتراض الخارجي الذي يبقى مجهول المصدر في نسبة عالية منه.
في نفس الوقت يعتبر أستاذ الاقتصاد، أن تحقيق نسبة نمو 2.1% سنة 2024 تبقى ضعيفة، وغير قادرة على تحسين التوازنات الكلية، والتقليص من البطالة والفقر والموارد الاجتماعية والجهوية، فضلا عن أن تحقيقها مهدد بارتفاع درجة عدم اليقين في مرحلة انتقالية تسويها صراعات عالمية ومن جهة أخرى تتسم بتغيرات مناخية وجفاف ونقص في الموارد المائية سيكون لها على الأغلب تأثيرا على الإنتاج الغذائي المحلي وعلى الأسعار العالمية.
وبالإضافة إلى هشاشة مصادر الاعتماد على الذات يكشف البدوي من خلال قراءته لمشروع الميزانية عن توزيع غير عادل للأعباء التي نتجت عن التمشي الإرادي سنة 2023، حيث أن نسبا كبيرة من هذا العبء تحملته الشرائح الاجتماعية ذات الدخل الضعيف والمتوسط تتصدرها فئات العاطلين عن العمل والمباشرين لأشغال هشة خاصة في القطاع الموازي والمتحصلين على أجور قارة لم يقع تعديلها لمواكبة ارتفاع غير مسبوق للأسعار. هذا بالإضافة الى الحرفيين الصغار والمؤسسات الصغيرة والصغيرة جدا. التي كانت ضحية صدمات خارجية متتالية بدون دعم كاف من طرف السلط. وبالطبع صغار الفلاحين الذين يعانون منذ سنوات من ارتفاع مستمر لأسعار كل عناصر الإنتاج الفلاحي بالإضافة إلى استمرار الجفاف منذ 5 سنوات متتالية.
كل هذه الفئات تتميز إما بغياب الدخل بسبب البطالة أو بضعف الدخل بسبب هشاشة العمل أو بدخل قار وغياب الإرادة والقدرة على تعديله أو دخل غير قار لكن متواضع ولم يتمكن أصحابه على تغييره قصد مواكبة متغيرات ظروف السوق ومواجهة الصدمات المتكررة نظرا لصغر حجم مشاريعهم وقلة مواردهم وخضوعهم لأطراف مهيمنة ومحتكرة لأنشطتهم خاصة بالنسبة للفلاحين واللذين يتعاطون أنشطة في إطار المناولة.
وبين انه ورغم اختلاف أوضاعهم المهنية والاجتماعية كل هذه الفئات تمثل ضحايا للسياسات التقشفية التي وقع مواصلة العمل بها سنة 2023 ولو بنسق بطيء لا يستجيب لإملاءات وشروط صندوق النقد الدولي مما يجعل الخلاف بين الأطراف بالأساس حول جدولة ونسق الإصلاحات وليس حول مضمون السياسات مما يمثل نقطة ضعف هامة في مسار الاعتماد على الذات..
وأشار إلى أن السياسات التقشفية التي قامت على، الحد من خلق مواطن شغل خاصة في القطاع العمومي طبقا لإملاءات الصندوق مما تسبب في استقرار البطالة والتقليص من نسب الأجور، يجعل الاستمرار في اعتمادها، يتطلب تجاوز هشاشة العوامل التي مكنت من تجاوز ولو بصعوبات كبيرة أزمة المالية العمومية سنة 2023، كما يتطلب الحرص على توزيع أكثر عدالة لعبء الاعتماد على الذات لضمان ديمومتها خاصة أن كل الأحداث المسجلة خلال السنة 2023 تفيد ان الاعتماد على الذات يجب أن يصبح تمشيا دائما واستراتيجيا، تمشيا إراديا دائما.
وبدورها أفادت إيمان بن العربي مختصة في الشأن الاقتصادي في تصريحها لـ"الصباح"، إن خيارات الدولة الاجتماعية غائبة في مشروع قانون الميزانية الذي لم يحمل أي إجراء اجتماعي لفائدة الطبقات الضعيفة والمتوسطة بما يسمح بتعزيز صمود هذه الطبقات أمام الغلاء وارتفاع الضرائب.
وأكدت المتحدثة أن أغلب ميزانيات الوزارات التي تؤمن الخدمات الاجتماعية على غرار الصحة والتعليم والنقل، لم تحقق أي زيادة على مستوى الاستثمارات الموجهة لتحسين البنى التحتية أو الخدمات.
وأضافت أن الجزء الأكبر من هذه الميزانيات موجهة لكتل أجور موظفيها مقابل مخصصات ضعيفة للاستثمار في بناء مشاريع جديدة .
وأشارت في سياق متصل أن التحديات المناخية أصبحت تفرض تحديات اجتماعية جديدة لا تجد صداها في مشروع قانون المالية ولا سيما منها تحسين نسبة التغطية بالماء الصالح للشرب أو مشاريع التحلية مؤكدة أن شح المياه يؤدي حتما إلى زيادة تفقير مواطني المناطق التي تشكو جفافا كبيرا.
كذلك تحدثت إيمان بن العربي عن ارتفاع إمكانية إنهاء، أو ضرب حق المواطنين في السكن بفعل الزيادة في الضريبة على المباني المتوقعة في مشروع قانون المالية لسنة 2024.
وللإشارة انطلق مجلس نواب الشعب في مناقشة مشروع قانون الميزانية لسنة 2014 يوم الجمعة 17 نوفمبر الجاري على أن يتم بداية من يوم 6 ديسمبر على إحكام المشروع ثم على المشروع برمته قبل العاشر من نفس الشهر..
ريم سوودي
تونس -الصباح
وفق مشروع قانون المالية لسنة 2024 ستكون الميزانية القادمة أول ميزانية لم تعتمد فيها تونس على اللجوء إلى الاقتراض الخارجي منذ 10 سنوات. فبالرغم من انه يندرج كسابقيه في إطار اعتماد سياسات تقشفية، اعتبر المختصون أن الأخذ بنسق أقل لتوصيات صندوق النقد الدولي يعكس رغبة واضحة في تفادي المزيد من تدهور الأوضاع الاجتماعية، التّي تبقى هشة للغاية وتبعث على الانشغال.
ويشير أستاذ الاقتصاد والمسؤول عن الدراسات بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية،عبدالجليل البدوي إلى أنه مشروع قانون تم إعداده في ظروف اقتصادية صعبة للغاية. واعتبر أنه لا ينطلق من مشروع تنموي بديل بل يكتفي بالاستناد إلى المخطط الـ14 الذي ينبني على نفس الخيارات والسياسات التقليدية النيوليبرالية، مع استعراض مفاهيم جديدة متداولة في المجال التنموي على غرار التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر..
كما رأى أنها ميزانية في شكلها الأولي قبل المصادقة، لم تترجم الحرص على تعميق مسار الاعتماد على الذات، بل غلب عليها السعي الى تحقيق توازنات مالية تمكن من الحد من عجز الميزانية العمومية مع اعتماد مفرط على موارد الاقتراض الخارجي الذي يبقى مجهول المصدر في نسبة عالية منه.
في نفس الوقت يعتبر أستاذ الاقتصاد، أن تحقيق نسبة نمو 2.1% سنة 2024 تبقى ضعيفة، وغير قادرة على تحسين التوازنات الكلية، والتقليص من البطالة والفقر والموارد الاجتماعية والجهوية، فضلا عن أن تحقيقها مهدد بارتفاع درجة عدم اليقين في مرحلة انتقالية تسويها صراعات عالمية ومن جهة أخرى تتسم بتغيرات مناخية وجفاف ونقص في الموارد المائية سيكون لها على الأغلب تأثيرا على الإنتاج الغذائي المحلي وعلى الأسعار العالمية.
وبالإضافة إلى هشاشة مصادر الاعتماد على الذات يكشف البدوي من خلال قراءته لمشروع الميزانية عن توزيع غير عادل للأعباء التي نتجت عن التمشي الإرادي سنة 2023، حيث أن نسبا كبيرة من هذا العبء تحملته الشرائح الاجتماعية ذات الدخل الضعيف والمتوسط تتصدرها فئات العاطلين عن العمل والمباشرين لأشغال هشة خاصة في القطاع الموازي والمتحصلين على أجور قارة لم يقع تعديلها لمواكبة ارتفاع غير مسبوق للأسعار. هذا بالإضافة الى الحرفيين الصغار والمؤسسات الصغيرة والصغيرة جدا. التي كانت ضحية صدمات خارجية متتالية بدون دعم كاف من طرف السلط. وبالطبع صغار الفلاحين الذين يعانون منذ سنوات من ارتفاع مستمر لأسعار كل عناصر الإنتاج الفلاحي بالإضافة إلى استمرار الجفاف منذ 5 سنوات متتالية.
كل هذه الفئات تتميز إما بغياب الدخل بسبب البطالة أو بضعف الدخل بسبب هشاشة العمل أو بدخل قار وغياب الإرادة والقدرة على تعديله أو دخل غير قار لكن متواضع ولم يتمكن أصحابه على تغييره قصد مواكبة متغيرات ظروف السوق ومواجهة الصدمات المتكررة نظرا لصغر حجم مشاريعهم وقلة مواردهم وخضوعهم لأطراف مهيمنة ومحتكرة لأنشطتهم خاصة بالنسبة للفلاحين واللذين يتعاطون أنشطة في إطار المناولة.
وبين انه ورغم اختلاف أوضاعهم المهنية والاجتماعية كل هذه الفئات تمثل ضحايا للسياسات التقشفية التي وقع مواصلة العمل بها سنة 2023 ولو بنسق بطيء لا يستجيب لإملاءات وشروط صندوق النقد الدولي مما يجعل الخلاف بين الأطراف بالأساس حول جدولة ونسق الإصلاحات وليس حول مضمون السياسات مما يمثل نقطة ضعف هامة في مسار الاعتماد على الذات..
وأشار إلى أن السياسات التقشفية التي قامت على، الحد من خلق مواطن شغل خاصة في القطاع العمومي طبقا لإملاءات الصندوق مما تسبب في استقرار البطالة والتقليص من نسب الأجور، يجعل الاستمرار في اعتمادها، يتطلب تجاوز هشاشة العوامل التي مكنت من تجاوز ولو بصعوبات كبيرة أزمة المالية العمومية سنة 2023، كما يتطلب الحرص على توزيع أكثر عدالة لعبء الاعتماد على الذات لضمان ديمومتها خاصة أن كل الأحداث المسجلة خلال السنة 2023 تفيد ان الاعتماد على الذات يجب أن يصبح تمشيا دائما واستراتيجيا، تمشيا إراديا دائما.
وبدورها أفادت إيمان بن العربي مختصة في الشأن الاقتصادي في تصريحها لـ"الصباح"، إن خيارات الدولة الاجتماعية غائبة في مشروع قانون الميزانية الذي لم يحمل أي إجراء اجتماعي لفائدة الطبقات الضعيفة والمتوسطة بما يسمح بتعزيز صمود هذه الطبقات أمام الغلاء وارتفاع الضرائب.
وأكدت المتحدثة أن أغلب ميزانيات الوزارات التي تؤمن الخدمات الاجتماعية على غرار الصحة والتعليم والنقل، لم تحقق أي زيادة على مستوى الاستثمارات الموجهة لتحسين البنى التحتية أو الخدمات.
وأضافت أن الجزء الأكبر من هذه الميزانيات موجهة لكتل أجور موظفيها مقابل مخصصات ضعيفة للاستثمار في بناء مشاريع جديدة .
وأشارت في سياق متصل أن التحديات المناخية أصبحت تفرض تحديات اجتماعية جديدة لا تجد صداها في مشروع قانون المالية ولا سيما منها تحسين نسبة التغطية بالماء الصالح للشرب أو مشاريع التحلية مؤكدة أن شح المياه يؤدي حتما إلى زيادة تفقير مواطني المناطق التي تشكو جفافا كبيرا.
كذلك تحدثت إيمان بن العربي عن ارتفاع إمكانية إنهاء، أو ضرب حق المواطنين في السكن بفعل الزيادة في الضريبة على المباني المتوقعة في مشروع قانون المالية لسنة 2024.
وللإشارة انطلق مجلس نواب الشعب في مناقشة مشروع قانون الميزانية لسنة 2014 يوم الجمعة 17 نوفمبر الجاري على أن يتم بداية من يوم 6 ديسمبر على إحكام المشروع ثم على المشروع برمته قبل العاشر من نفس الشهر..