بقلم د. محمد الڤَرفي
بفضل شبكات التواصل الاجتماعي أصبح من الممكن أن نتابع مُجريات الأحداث في العالم دون الاقتصار على مصادر أجهزة الإعلام الرسمية التي غالبا ما تُكيّف الأخبار بما يلائم خطها التحريري وخاصة زمن الحرب فتسكت عما تريد إخفاءه وتضخّم ما تريد تزيينه. وما تشهده الساحة الإعلامية اليوم على مختلف الفضائيات في العالم يؤكّد هذه الصورة الضبابية والمتناقضة التي تصل إلى المتفرّج متكسّرة مثل قطع المرايا فيلجأ إلى جمع شظاياها من مصادر مختلفة حتى تكون أقرب ما يمكن من الحقيقة.
ورغم الحضر المُعلن على نقل الواقع في الميديا الغربية فهذا الرسّام الساخر Plantu بجريدة Le Monde الفرنسية يرسم الصورة الخفية لما يجري في فلسطين المحتلة والتي يأبى العُربان أن يرَوها أو أن يتحدّثوا عنها: مستوطن يهودي يحتمي بجندي إسرائيلي ويقول له (أما لك أن تسرع قليلا فأنا مُستعجل على الاستقرار). فهل تجرّأ أحد من الحكام المجتمعين في قممهم الطارئة وقالها ؟ هل اعترض علنا على الاستيطان ؟ لقد سلّموا أمرهم لصاحب الأمر وأقرّوا أن المغتصب على حق وأنه اكتسب شرعيته بالأقدمية، فلا فائدة في الإلحاح وقبّح الله المُلاحّة.
وعن بعض هؤلاء الحكام -ولا نذكر أسمائهم حتى لا نُحرج أصحاب الجريدة- قال صحفي إسرائيلي لمحاوره في إحدى قنواتهم المفتوحة: "إنهم بوجهين، وجه أمام الكاميرا يقول خطب الشجب والتنديد التي نمليها عليهم وآخر وراء الكاميرا ينفّذ حرفيّا ما نطلبه منهم. إنهم مع إسرائيل وضد إرهاب حماس وداعش". وسواء كذب هذا الصحفي أو صدق فإن الغاية من الخلط المتعمّد بين المصطلحات وتشويش المفاهيم كنعت المقاومة بالإرهاب هو تبرير لجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبونها في غزة منذ قرابة الخمسين يوما وقتل آلاف النساء والأطفال والرُضّع وقصف للمساكن والمستشفيات دون هوادة.
ويقول الصهيوني الأمريكي Mike Evans مؤسس معهد التراث اليهودي الذي زار هذه البلدان وتحادث مع حكامها: "يمكن أن أفشي لكم سرّا مُدهشا. إنهم يدعمون إسرائيل أكثر من العديد من اليهود. وقد سألت أحدهم (ولا نذكر اسمه تحفّظا) ما رأيك في اليهود والمسيحيين ؟ أجاب: أحبهم كلّهم فأمي واحدة منهم، قلت كيف ذلك ؟ قال: إن مربّيتي مبشّرة يهودية jewish anagellist من الحبشة وتعلّقت بها منذ الصغر".
وعلى نقيض هذا الموقف المهزوز يقول الكاتب Edwy Plenel رئيس ومدير نشرية Médiapart في مداخلة تلفزيونية ببرنامج "في الهواء الطلق" يوم 27 أكتوبر 2023: "لا نُصلح جريمة بمظلمة وإسرائيل بُنيت على مظلمة تاريخية. إنه من الحقارة أن تعجز فرنسا عن طلب وقف للنار". وفي لقاء تلفزيوني صرّح الوزير الأول الفرنسي الأسبق Dominique de Villepin: "ليس هنالك حل سحري للنزاع، يجب إعادة الأرض المُستعمرة لأصحابها. فرنسا غادرت الجزائر وكان فيها مليون مستوطن وعلى إسرائيل أن تفعل بالمثل".
وكشف الصحفي البلجيكي Michel Collon لمنصة إعلام عن تقرير داخلي كتبه الوزير الأول البريطاني Henry Campbell-Bannerman سنة 1907 ظل محفوظا في السرّية المطلقة أكثر من مائة عام ولم يُتح للباحثين إلا مؤخرا. ويبيّن التقرير الغاية الحقيقية من إنشاء دولة إسرائيل ونيّة بريطانيا المبيّتة في السيطرة على الثروات الاقتصادية للشرق العربي.
"إن الشعوب العربية الإسلامية التي تتحكم في مناطق شاسعة غنية بموارد معروفة أو خفية وتقع في ملتقى طرق التجارة العالمية تمثّل تهديدا لأوروبا وعائقا أمام نموّها. إنها تستطيع إن أرادت أن تؤلّف دولة واحدة قد تصبح قوة عالمية. وإذا اعتبرنا الأمور بكل جدية يجب علينا أن نزرع جسما غريبا في قلب هذه الأمة كي نمنعها أن تتوحّد وذلك بإنهاك قواها في حروب لا تنتهي. يجب إنشاء دولة حاجزة بفلسطين فيها حضور أجنبي قوي ومؤثر تكون معادية لجيرانها ومتضامنة مع البلدان الأوروبية وفي خدمة مصالحها".
وبالرغم من المواقف الغربية الجريئة في منصات التواصل والمظاهرات العارمة التي تجوب مدن العالم وشوارعها وانكشاف الملفّات الدفينة يطل علينا "محلل سياسي" في فضائية عربية ليتبجح: "حماس هي المتسببة في ما يجري بغزة وقد أعطت لإسرائيل شرعيّة القتل والتدمير" وكأن لسان حاله يقول: ليستسلم هؤلاء مثلما استسلمنا وليُأكلوا مثلما أُكل الثور الأبيض من قبلهم.
لكن قصيدة الشاعر توفيق زياد التي ينادي فيها أبناء فلسطين ويفتخر بصمودهم في وجه الاحتلال الصهيوني لا تزال تصدح في الأرجاء وتحثهم على الثبات والمقاومة:
أناديكم / أشدّ على أياديكم
أبوس الأرض تحت نِعالِكم / وأقول أفديكم
وأهديكم ضَيا عيني / ودفءَ القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا / نصيبي من مآسيكم
بقلم د. محمد الڤَرفي
بفضل شبكات التواصل الاجتماعي أصبح من الممكن أن نتابع مُجريات الأحداث في العالم دون الاقتصار على مصادر أجهزة الإعلام الرسمية التي غالبا ما تُكيّف الأخبار بما يلائم خطها التحريري وخاصة زمن الحرب فتسكت عما تريد إخفاءه وتضخّم ما تريد تزيينه. وما تشهده الساحة الإعلامية اليوم على مختلف الفضائيات في العالم يؤكّد هذه الصورة الضبابية والمتناقضة التي تصل إلى المتفرّج متكسّرة مثل قطع المرايا فيلجأ إلى جمع شظاياها من مصادر مختلفة حتى تكون أقرب ما يمكن من الحقيقة.
ورغم الحضر المُعلن على نقل الواقع في الميديا الغربية فهذا الرسّام الساخر Plantu بجريدة Le Monde الفرنسية يرسم الصورة الخفية لما يجري في فلسطين المحتلة والتي يأبى العُربان أن يرَوها أو أن يتحدّثوا عنها: مستوطن يهودي يحتمي بجندي إسرائيلي ويقول له (أما لك أن تسرع قليلا فأنا مُستعجل على الاستقرار). فهل تجرّأ أحد من الحكام المجتمعين في قممهم الطارئة وقالها ؟ هل اعترض علنا على الاستيطان ؟ لقد سلّموا أمرهم لصاحب الأمر وأقرّوا أن المغتصب على حق وأنه اكتسب شرعيته بالأقدمية، فلا فائدة في الإلحاح وقبّح الله المُلاحّة.
وعن بعض هؤلاء الحكام -ولا نذكر أسمائهم حتى لا نُحرج أصحاب الجريدة- قال صحفي إسرائيلي لمحاوره في إحدى قنواتهم المفتوحة: "إنهم بوجهين، وجه أمام الكاميرا يقول خطب الشجب والتنديد التي نمليها عليهم وآخر وراء الكاميرا ينفّذ حرفيّا ما نطلبه منهم. إنهم مع إسرائيل وضد إرهاب حماس وداعش". وسواء كذب هذا الصحفي أو صدق فإن الغاية من الخلط المتعمّد بين المصطلحات وتشويش المفاهيم كنعت المقاومة بالإرهاب هو تبرير لجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبونها في غزة منذ قرابة الخمسين يوما وقتل آلاف النساء والأطفال والرُضّع وقصف للمساكن والمستشفيات دون هوادة.
ويقول الصهيوني الأمريكي Mike Evans مؤسس معهد التراث اليهودي الذي زار هذه البلدان وتحادث مع حكامها: "يمكن أن أفشي لكم سرّا مُدهشا. إنهم يدعمون إسرائيل أكثر من العديد من اليهود. وقد سألت أحدهم (ولا نذكر اسمه تحفّظا) ما رأيك في اليهود والمسيحيين ؟ أجاب: أحبهم كلّهم فأمي واحدة منهم، قلت كيف ذلك ؟ قال: إن مربّيتي مبشّرة يهودية jewish anagellist من الحبشة وتعلّقت بها منذ الصغر".
وعلى نقيض هذا الموقف المهزوز يقول الكاتب Edwy Plenel رئيس ومدير نشرية Médiapart في مداخلة تلفزيونية ببرنامج "في الهواء الطلق" يوم 27 أكتوبر 2023: "لا نُصلح جريمة بمظلمة وإسرائيل بُنيت على مظلمة تاريخية. إنه من الحقارة أن تعجز فرنسا عن طلب وقف للنار". وفي لقاء تلفزيوني صرّح الوزير الأول الفرنسي الأسبق Dominique de Villepin: "ليس هنالك حل سحري للنزاع، يجب إعادة الأرض المُستعمرة لأصحابها. فرنسا غادرت الجزائر وكان فيها مليون مستوطن وعلى إسرائيل أن تفعل بالمثل".
وكشف الصحفي البلجيكي Michel Collon لمنصة إعلام عن تقرير داخلي كتبه الوزير الأول البريطاني Henry Campbell-Bannerman سنة 1907 ظل محفوظا في السرّية المطلقة أكثر من مائة عام ولم يُتح للباحثين إلا مؤخرا. ويبيّن التقرير الغاية الحقيقية من إنشاء دولة إسرائيل ونيّة بريطانيا المبيّتة في السيطرة على الثروات الاقتصادية للشرق العربي.
"إن الشعوب العربية الإسلامية التي تتحكم في مناطق شاسعة غنية بموارد معروفة أو خفية وتقع في ملتقى طرق التجارة العالمية تمثّل تهديدا لأوروبا وعائقا أمام نموّها. إنها تستطيع إن أرادت أن تؤلّف دولة واحدة قد تصبح قوة عالمية. وإذا اعتبرنا الأمور بكل جدية يجب علينا أن نزرع جسما غريبا في قلب هذه الأمة كي نمنعها أن تتوحّد وذلك بإنهاك قواها في حروب لا تنتهي. يجب إنشاء دولة حاجزة بفلسطين فيها حضور أجنبي قوي ومؤثر تكون معادية لجيرانها ومتضامنة مع البلدان الأوروبية وفي خدمة مصالحها".
وبالرغم من المواقف الغربية الجريئة في منصات التواصل والمظاهرات العارمة التي تجوب مدن العالم وشوارعها وانكشاف الملفّات الدفينة يطل علينا "محلل سياسي" في فضائية عربية ليتبجح: "حماس هي المتسببة في ما يجري بغزة وقد أعطت لإسرائيل شرعيّة القتل والتدمير" وكأن لسان حاله يقول: ليستسلم هؤلاء مثلما استسلمنا وليُأكلوا مثلما أُكل الثور الأبيض من قبلهم.
لكن قصيدة الشاعر توفيق زياد التي ينادي فيها أبناء فلسطين ويفتخر بصمودهم في وجه الاحتلال الصهيوني لا تزال تصدح في الأرجاء وتحثهم على الثبات والمقاومة:
أناديكم / أشدّ على أياديكم
أبوس الأرض تحت نِعالِكم / وأقول أفديكم
وأهديكم ضَيا عيني / ودفءَ القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا / نصيبي من مآسيكم