عاد من جديد الجدل جول الجمعيات والعلاقة "المشبوهة" بين دورها المدني والسياسي وأدوارها الجزبية "المقنعة" والإيديولوجية والاتجار بالقضايا خاصة في ظل الطفرة التي عرفها عدد الجمعيات في بلادنا في مرحلة ما بعد 2011 مستفيدة من المناخ السياسي والقانوني الجديد بعد أن نص المرسوم 88 الصادر في 2011، باقتراح من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، المتعلق بتنظيم الجمعيات وذلك بعد إلغاء نظام الترخيص من وزارة الداخلية والاعتماد على نظام الإعلام فقط لدى رئاسة الحكومة، وما وفره من هامش من الحرية وتغييب للرقابة باعتبار أن الفصل الأول من هذا المرسوم ينص على "يضمن هذا المرسوم حرية تأسيس الجمعيات والانضمام إليها والنشاط في إطارها وإلى تدعيم دور منظمات المجتمع المدني وتطويرها والحفاظ على استقلاليتها".
وينص الفصل السادس من نفس المرسوم على أنه "يحجر على السلطات العمومية عرقلة نشاط الجمعيات أو تعطيله بصفة مباشرة أو غير مباشرة". ليساهم المناخ السياسي القائم في العشرية الماضية، وما سجله من انفتاح الحكومات المتعاقبة على مكونات المجتمع المدني من تطور وتشابك بين الهياكل المدنية وغيرها إضافة إلى التداخل في الأدوار بين السياسي والمدني والحزبي وغيرها وغياب الرقابة في انحراف بعض الجمعيات عن دورها المدني بعد أن وجدت أبواب دخول المال الأجنبي مفتوحة على مصراعيها، وفق ما أكدته تقارير محكمة المحاسبات.
فتح ملف الجمعيات بشكل رسمي
يأتي ذلك في ظل المعطيات الرسمية الجديدة المتعلقة بملف الجمعيات. إذ بينت المعطيات التي كشفت عنها مديرة ديوان رئيس الحكومة، سامية الشرفي قدور، فيما يتعلق بالإجراءات الأخيرة الخاصة بالجمعيات في تونس، في سياق إجابتها على أسئلة النواب وملاحظاتهم خلال أشغال الجلسة العامة المخصّصة للنظر في مهمة رئاسة الحكومة من مشروع ميزانية الدولة لسنة 2024، بالبرلمان مساء أول أمس، أن فتح ملف الجمعيات بشكل رسمي في هذه المرحلة وبعد طول انتظار ومطالب عديد الجهات، من شأنه أن يلعب دوره في الكشف عن عديد الملفات الأخرى المتشابكة والتي ظلت معلقة وأخرى متروكة بين رفوف أجهزة القضاء، إلى حد هذه المرحلة على غرار ملف الاغتيالات السياسية والإرهاب الذي أودى بحياة عدد كبير من أبناء المؤسستين الأمنية والعسكرية إضافة إلى ملف تسفير الشباب إلى بؤر التوتر والإرهاب التي راح ضحيتها الآلاف من التونسيين وغيرها من الملفات والقضايا الأخرى في علاقة بما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي.
ولعل ما يؤشر لأهمية فتح هذا الملف وكشف خفاياه وتشابك الأهداف والأدوار والمهام والأجندات بين المدني والسياسي والاجتماعي لهذه الجمعيات، هو ما تضمنته التقارير التي قدمتها محكمة المحاسبات في الغرض في فترة ما بعد 2017 والمراحل التي سبقت وتلت المحطات الانتخابية الرئاسية والتشريعية. فضلا عما أثارته مسألة التمويلات الأجنبية للجمعيات من جدل واستنكار من قبل عدة جهات في تونس، وتعالت هذه المطالب خلال النصف الثاني من العشرية الماضية على اعتبار أن بعض الجمعيات بدا واضحا دورها كبوابة للإرهاب والجريمة المنظمة ولتنفيذ أجندات أجنبية وأخرى دخيلة منها تغيير النمط المجتمعي.
ويذكر أن مديرة ديوان رئيس الحكومة أعلنت أنه تم ضبط 272 جمعية مشبوهة تم اتخاذ الإجراءات الواجبة ضدها إلى غاية اليوم، بعد تصنيف تونس بالقائمة السوداء من طرف مجموعة العمل المالي وبالقائمة الرمادية من طرف منظمة الشفافية الدولية. وأوضحت في نفس المناسبة أن الإدارة بادرت بطلب تعليق نشاط 266 جمعية من جملة الجمعيات المشبوهة الـ272، صدرت أذون بتعليق نشاط 182 منها، ورفض طلب تعليق نشاط 25 جمعية.
وأضافت الشرفي أنه تم طلب الإذن بحل 176 جمعية، قضائيا، صدرت أحكام بحل 69 منها وتم رفض طلب حل 57. وأضافت في سياق متصل، "أن ارتفاع التمويل الأجنبي للجمعيات يتأتى من تضاعف عددها خلال العشرية الأخيرة، وهو الأمر الناتج عن غياب نص قانوني يضع سقفا لتلك التدفقات المالية الخارجية".
طفرة غير مسبوقة
بلغ عدد الجمعيات الناشطة المعلن عنها رسميا في تونس إلى غاية النصف الأول من العام الجاري، 24803 جمعية تونسية إضافة إلى 216 جمعية أجنبية باختلاف اختصاصاتها والمنتشرة في كامل جهات الجمهورية، وذلك وفق ما نشره مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات التابع لرئاسة الحكومة على موقعه الالكتروني في ماي الماضي. تتصدرها من حيث العدد الجمعيات الثقافية بـ 4957 جمعية تليها الجمعيات الناشطة في المدارس في المرتبة الثانية بـ 4588، فالجمعيات الرياضية التي يبلغ عددها3181 جمعية، و2756 جمعية خيرية اجتماعية، فيما بلغ أدنها الجمعيات النسائية بـ 216 جمعية.
أزمة الرقابة على التمويل الأجنبي
أكدت عديد الجهات على أن الرقابة على التمويل الأجنبي للجمعيات في تونس تعد أزمة ومعضلة كان لها تأثير في تعاطي القضاء والمؤسسات الرسمية المختصة مع ملف الجمعيات، رغم التقارير المتواترة لمحكمة المحاسبات التي تبين وتسجل وجود تجاوزات واخلالات في مستوى الجمعيات خاصة في علاقة بحصول بعضها على تمويلات أجنبية كبيرة وتوظيفها لغايات حزبية وانتخابية بالأساس فضلا عن توظيف تلك التمويلات التي تتم في إطار التعاون الدولي، لتنفيذ أجندات كانت لها تداعيات سلبية على الوضع المعيشي والاجتماعي والأمني والثقافي والسياسي في تونس خلال عشرية ما بعد ثورة 2011. لكن في المقابل لم يتم الحسم في تلك الملفات لعدة أسباب لعل من أبرزها أن البيانات التي وفرها البنك المركزي للمحكمة غير قابلة للاستغلال باعتبار أن بعض الجمعيات تلجأ في كل مرة إلى اعتماد تسجيل أو اسم بطريقة فيها تخفي على غرار استعمال جزء من اسم أو بعض الحروف من الجمعية أو رموز وأرقام غير مكتملة. خاصة أنه لا يملك المعطيات المتعلقة بالتمويلات الأجنبية التي مرت عبر خمس بنوك تونسية وبرر البنك المركزي عجزه ذاك بوقوف أسباب تقنية وراء المسألة .
الأمر الذي صعب مهمة الحسم في مثل تلك الملفات، فضلا عن تعمد بعض الجمعيات الإخلال بالقانون المعمول به أثناء الحصول على تمويل أجنبي وذلك بإعلام الجهات المعنية برئاسة الحكومة أو عبر الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام. وقد تضمن تقرير دائرة المحاسبات عدد 32 لسنة 2021 أنه تم اكتشاف 566 جمعية تلقى تمويلات أجنبية في حدود 31 مليارا ولم تعلم الكتابة العامة للحكومة بحصولها على تمويل أجنبي، وأن 1385 جمعية انتفعت بتمويلات أجنبية، منها 45جمعية استأثرت بـ56٪ من التمويلات، وأنه تم اكتشاف دخول 78 مليارا من تمويلات أجنبية لجمعيات تونسية في سنة 2018 فقط، وأن 70 جمعية تلقت تمويلات أمريكية بقيمة 11 مليون دولار في إطار التعاون الدولي والدولة لا تعلم عنها شيئا في ظل غياب تنسيق بين الوزارات والمؤسسات والهياكل المعنية لمتابعة برامج التعاون الدولي في تلك المرحلة من قبل وزارة الشؤون الخارجية ووزارة التعاون الدولي والمصالح المعنية بذلك في رئاسة الحكومة والبنك المركزي ليساهم تشتت المعلومة في "تعويم" العملية رغم خطورتها.
وبين تقرير محكمة المحاسبات أيضا أن الجهات الرسمية وتحديدا وزارة الشؤون الخارجية لا تتوفر على البيانات الخاصة بالتمويلات التي تحصلت عليها الجمعيات التونسية في إطار اتفاقيات التعاون الدولي التي تولت الوزارة إبرامها في تلك المرحلة مع كل من المانيا وتركيا وقطر. كما لا يتوفر لدى هذه الوزارة معطيات حول البرامج ذات العلاقة بتمويل الجمعيات والتي تنفذها وكالات منظمة الأمم المتحدة رغم أن الأمر الحكومي عدد 770 لسنة 2018 المنظم للوزارة كلّف إحدى إداراتها صراحة بمتابعة وتنسيق المسائل التي تهم هذه المنظمة وهيئاتها وبرامجها ووكالاتها المختصة.
ورغم التنبيهات والمبادرات التي تم اتخذها من قبل الجهات الرسمية في فترات سابقة لمعالجة ملف التمويل الأجنبي للجمعيات ومن ورائها دعم بعض الجهات السياسية خاصة أن تقارير محكمة المحاسبات أكدت ذلك من خلال ما تم كشفه من دعم مالي أجنبي لنبيل القروي في الانتخابات الرئاسية 2019 والدعم الذي وفرته الجمعيات لحركة النهضة وغيرها من الجهات السياسية خلال العشرية الماضية، إلا أن دخول الجهات الرسمية مرحلة الإجراءات العملية في التعاطي مع هذا الملف من شانه أن يساهم في إعادة تنظيم العمل الجمعياتي والمدني لاسيما في ظل تمسك رئيس الجمهورية قيس سعيد بذلك وانطلاق التداول في مشروع قانون جديد قد يتم الحسم فيه قريبا.
نزيهة الغضباني
تونس – الصباح
عاد من جديد الجدل جول الجمعيات والعلاقة "المشبوهة" بين دورها المدني والسياسي وأدوارها الجزبية "المقنعة" والإيديولوجية والاتجار بالقضايا خاصة في ظل الطفرة التي عرفها عدد الجمعيات في بلادنا في مرحلة ما بعد 2011 مستفيدة من المناخ السياسي والقانوني الجديد بعد أن نص المرسوم 88 الصادر في 2011، باقتراح من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، المتعلق بتنظيم الجمعيات وذلك بعد إلغاء نظام الترخيص من وزارة الداخلية والاعتماد على نظام الإعلام فقط لدى رئاسة الحكومة، وما وفره من هامش من الحرية وتغييب للرقابة باعتبار أن الفصل الأول من هذا المرسوم ينص على "يضمن هذا المرسوم حرية تأسيس الجمعيات والانضمام إليها والنشاط في إطارها وإلى تدعيم دور منظمات المجتمع المدني وتطويرها والحفاظ على استقلاليتها".
وينص الفصل السادس من نفس المرسوم على أنه "يحجر على السلطات العمومية عرقلة نشاط الجمعيات أو تعطيله بصفة مباشرة أو غير مباشرة". ليساهم المناخ السياسي القائم في العشرية الماضية، وما سجله من انفتاح الحكومات المتعاقبة على مكونات المجتمع المدني من تطور وتشابك بين الهياكل المدنية وغيرها إضافة إلى التداخل في الأدوار بين السياسي والمدني والحزبي وغيرها وغياب الرقابة في انحراف بعض الجمعيات عن دورها المدني بعد أن وجدت أبواب دخول المال الأجنبي مفتوحة على مصراعيها، وفق ما أكدته تقارير محكمة المحاسبات.
فتح ملف الجمعيات بشكل رسمي
يأتي ذلك في ظل المعطيات الرسمية الجديدة المتعلقة بملف الجمعيات. إذ بينت المعطيات التي كشفت عنها مديرة ديوان رئيس الحكومة، سامية الشرفي قدور، فيما يتعلق بالإجراءات الأخيرة الخاصة بالجمعيات في تونس، في سياق إجابتها على أسئلة النواب وملاحظاتهم خلال أشغال الجلسة العامة المخصّصة للنظر في مهمة رئاسة الحكومة من مشروع ميزانية الدولة لسنة 2024، بالبرلمان مساء أول أمس، أن فتح ملف الجمعيات بشكل رسمي في هذه المرحلة وبعد طول انتظار ومطالب عديد الجهات، من شأنه أن يلعب دوره في الكشف عن عديد الملفات الأخرى المتشابكة والتي ظلت معلقة وأخرى متروكة بين رفوف أجهزة القضاء، إلى حد هذه المرحلة على غرار ملف الاغتيالات السياسية والإرهاب الذي أودى بحياة عدد كبير من أبناء المؤسستين الأمنية والعسكرية إضافة إلى ملف تسفير الشباب إلى بؤر التوتر والإرهاب التي راح ضحيتها الآلاف من التونسيين وغيرها من الملفات والقضايا الأخرى في علاقة بما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي.
ولعل ما يؤشر لأهمية فتح هذا الملف وكشف خفاياه وتشابك الأهداف والأدوار والمهام والأجندات بين المدني والسياسي والاجتماعي لهذه الجمعيات، هو ما تضمنته التقارير التي قدمتها محكمة المحاسبات في الغرض في فترة ما بعد 2017 والمراحل التي سبقت وتلت المحطات الانتخابية الرئاسية والتشريعية. فضلا عما أثارته مسألة التمويلات الأجنبية للجمعيات من جدل واستنكار من قبل عدة جهات في تونس، وتعالت هذه المطالب خلال النصف الثاني من العشرية الماضية على اعتبار أن بعض الجمعيات بدا واضحا دورها كبوابة للإرهاب والجريمة المنظمة ولتنفيذ أجندات أجنبية وأخرى دخيلة منها تغيير النمط المجتمعي.
ويذكر أن مديرة ديوان رئيس الحكومة أعلنت أنه تم ضبط 272 جمعية مشبوهة تم اتخاذ الإجراءات الواجبة ضدها إلى غاية اليوم، بعد تصنيف تونس بالقائمة السوداء من طرف مجموعة العمل المالي وبالقائمة الرمادية من طرف منظمة الشفافية الدولية. وأوضحت في نفس المناسبة أن الإدارة بادرت بطلب تعليق نشاط 266 جمعية من جملة الجمعيات المشبوهة الـ272، صدرت أذون بتعليق نشاط 182 منها، ورفض طلب تعليق نشاط 25 جمعية.
وأضافت الشرفي أنه تم طلب الإذن بحل 176 جمعية، قضائيا، صدرت أحكام بحل 69 منها وتم رفض طلب حل 57. وأضافت في سياق متصل، "أن ارتفاع التمويل الأجنبي للجمعيات يتأتى من تضاعف عددها خلال العشرية الأخيرة، وهو الأمر الناتج عن غياب نص قانوني يضع سقفا لتلك التدفقات المالية الخارجية".
طفرة غير مسبوقة
بلغ عدد الجمعيات الناشطة المعلن عنها رسميا في تونس إلى غاية النصف الأول من العام الجاري، 24803 جمعية تونسية إضافة إلى 216 جمعية أجنبية باختلاف اختصاصاتها والمنتشرة في كامل جهات الجمهورية، وذلك وفق ما نشره مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات التابع لرئاسة الحكومة على موقعه الالكتروني في ماي الماضي. تتصدرها من حيث العدد الجمعيات الثقافية بـ 4957 جمعية تليها الجمعيات الناشطة في المدارس في المرتبة الثانية بـ 4588، فالجمعيات الرياضية التي يبلغ عددها3181 جمعية، و2756 جمعية خيرية اجتماعية، فيما بلغ أدنها الجمعيات النسائية بـ 216 جمعية.
أزمة الرقابة على التمويل الأجنبي
أكدت عديد الجهات على أن الرقابة على التمويل الأجنبي للجمعيات في تونس تعد أزمة ومعضلة كان لها تأثير في تعاطي القضاء والمؤسسات الرسمية المختصة مع ملف الجمعيات، رغم التقارير المتواترة لمحكمة المحاسبات التي تبين وتسجل وجود تجاوزات واخلالات في مستوى الجمعيات خاصة في علاقة بحصول بعضها على تمويلات أجنبية كبيرة وتوظيفها لغايات حزبية وانتخابية بالأساس فضلا عن توظيف تلك التمويلات التي تتم في إطار التعاون الدولي، لتنفيذ أجندات كانت لها تداعيات سلبية على الوضع المعيشي والاجتماعي والأمني والثقافي والسياسي في تونس خلال عشرية ما بعد ثورة 2011. لكن في المقابل لم يتم الحسم في تلك الملفات لعدة أسباب لعل من أبرزها أن البيانات التي وفرها البنك المركزي للمحكمة غير قابلة للاستغلال باعتبار أن بعض الجمعيات تلجأ في كل مرة إلى اعتماد تسجيل أو اسم بطريقة فيها تخفي على غرار استعمال جزء من اسم أو بعض الحروف من الجمعية أو رموز وأرقام غير مكتملة. خاصة أنه لا يملك المعطيات المتعلقة بالتمويلات الأجنبية التي مرت عبر خمس بنوك تونسية وبرر البنك المركزي عجزه ذاك بوقوف أسباب تقنية وراء المسألة .
الأمر الذي صعب مهمة الحسم في مثل تلك الملفات، فضلا عن تعمد بعض الجمعيات الإخلال بالقانون المعمول به أثناء الحصول على تمويل أجنبي وذلك بإعلام الجهات المعنية برئاسة الحكومة أو عبر الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام. وقد تضمن تقرير دائرة المحاسبات عدد 32 لسنة 2021 أنه تم اكتشاف 566 جمعية تلقى تمويلات أجنبية في حدود 31 مليارا ولم تعلم الكتابة العامة للحكومة بحصولها على تمويل أجنبي، وأن 1385 جمعية انتفعت بتمويلات أجنبية، منها 45جمعية استأثرت بـ56٪ من التمويلات، وأنه تم اكتشاف دخول 78 مليارا من تمويلات أجنبية لجمعيات تونسية في سنة 2018 فقط، وأن 70 جمعية تلقت تمويلات أمريكية بقيمة 11 مليون دولار في إطار التعاون الدولي والدولة لا تعلم عنها شيئا في ظل غياب تنسيق بين الوزارات والمؤسسات والهياكل المعنية لمتابعة برامج التعاون الدولي في تلك المرحلة من قبل وزارة الشؤون الخارجية ووزارة التعاون الدولي والمصالح المعنية بذلك في رئاسة الحكومة والبنك المركزي ليساهم تشتت المعلومة في "تعويم" العملية رغم خطورتها.
وبين تقرير محكمة المحاسبات أيضا أن الجهات الرسمية وتحديدا وزارة الشؤون الخارجية لا تتوفر على البيانات الخاصة بالتمويلات التي تحصلت عليها الجمعيات التونسية في إطار اتفاقيات التعاون الدولي التي تولت الوزارة إبرامها في تلك المرحلة مع كل من المانيا وتركيا وقطر. كما لا يتوفر لدى هذه الوزارة معطيات حول البرامج ذات العلاقة بتمويل الجمعيات والتي تنفذها وكالات منظمة الأمم المتحدة رغم أن الأمر الحكومي عدد 770 لسنة 2018 المنظم للوزارة كلّف إحدى إداراتها صراحة بمتابعة وتنسيق المسائل التي تهم هذه المنظمة وهيئاتها وبرامجها ووكالاتها المختصة.
ورغم التنبيهات والمبادرات التي تم اتخذها من قبل الجهات الرسمية في فترات سابقة لمعالجة ملف التمويل الأجنبي للجمعيات ومن ورائها دعم بعض الجهات السياسية خاصة أن تقارير محكمة المحاسبات أكدت ذلك من خلال ما تم كشفه من دعم مالي أجنبي لنبيل القروي في الانتخابات الرئاسية 2019 والدعم الذي وفرته الجمعيات لحركة النهضة وغيرها من الجهات السياسية خلال العشرية الماضية، إلا أن دخول الجهات الرسمية مرحلة الإجراءات العملية في التعاطي مع هذا الملف من شانه أن يساهم في إعادة تنظيم العمل الجمعياتي والمدني لاسيما في ظل تمسك رئيس الجمهورية قيس سعيد بذلك وانطلاق التداول في مشروع قانون جديد قد يتم الحسم فيه قريبا.