نشير أولا أننا نسَبْنا خطأ ملكية مجلة "الراديو والسينما" التي أنشئت عام 1938 إلى الأديب نور الدين بن محمود أول مذيع براديو تونس عند إحداثها والحال أن المدير المسؤول وصاحب الامتياز يدعى محيي الدين بن عيسى كما هو مثبت على الغلاف وكذلك في جدول المنشورات الصحفية الذي وضعه عمر بن ڤَفصيّة في كتابه "أضواء على تاريخ الصحافة التونسية" 1860-1970. ويبدو أن صاحب المجلة كان يمتلك الرخصة القانونية ويصرف على إصدارها ولا علاقة له بالكتابة لأننا لم نجد له أثرا خارج هذا الإطار. أما بن محمود فهو خرّيج جامعة بوردو وحاصل على ليسانس الآداب، بدأ نشاطه الصحفي مبكّرا فأصدر جريدة "المروج" وترأس تحرير مجلة "الأفكار" وهو لم يتجاوز العشرين من عمره الشيء الذي يؤهله للإشراف على التحرير.
قبل انطلاق الإذاعة الحكومية ببضعة أشهر (17 جوان 1935) كانت محطة بنزرت للإذاعة العربية التي أسسها جورج سولي Georges Solet قد بدأت إرسالها بعدُ لتغطي الجزء الشمالي من البلاد بما في ذلك العاصمة وتبث برامجها لمدة ثلاث ساعات على فترتين تحتوى على نشرة الأخبار وأحوال الطقس والموسيقى المسجلة على أسطوانات. وبعد إنشاء الإذاعة الرسمية توقّفت مدة ثم عادت لتقدم حصة واحدة كل أسبوع تدوم ساعة ونصف. ووقع الاختيار على مساء الخميس وهو يوم لا تبث فيه محطة تونس البريدية فيتسنى بذلك الاستماع إلى ثلاث حفلات متتالية كل أسبوع: إذاعة مساء الأربعاء والجمعة من محطة تونس والخميس من محطة بنزرت. لكنها لم تعمر طويلا لأن صاحبها أعلن في نوفمبر 1938 أنه مضطر لإغلاق المحطة بسبب العجز المالي الكبير الذي تواجهه.
دخل المذياع حياة التونسيين ليغير نمط عيشهم داخل البيوت ويضفي حميمية أكثر على العلاقات العائلية وأرسى عادات جديدة للاجتماع ما كانت لتوجد لولا الراديو فتابعوا بالخصوص تغيّر الذائقة الموسيقية وتحوّلها من التقليدي العتيق إلى الحديث المتحرر. لكن الأهم هو أن ذلك التحول ما كان ليتم لو لم يكن وراء الميكروفون مبدعون ذوو ثقافة متميزة وفكر وفي كواليس المحطات شخصيات تخطط وتبرمج وتأذن بالبث.
فالدور الذي لعبه مصطفى بوشوشة مثلا في تهذيب الذوق العام لما أشرف على قسم الموسيقى عند تأسيس محطة تونس الرسمية كان دورا هاما جدا باعتبار تكوينه الفني في التصوير الفوتوغرافي وممارسته العزف على العود والكمان والبيانو كهاوٍ ذوّاق يتمتع بحس فني عال. فهو نجل علي بوشوشة (1859-1917) خرّيج المدرسة الصادقية ومؤسس جريدة الحاضرة (1888) أتم دراسته العليا بإنجلترا وأقام مدة في تركيا حيث تزوّج سيدة من عائلة عريقة زرعت في ابنها تذوّق الفنون الجميلة. وقد حرص بوشوشة أن يعرّف التونسيين بمؤلفات أساطين الموسيقى والغناء في الشرق عن طريق ما كان يقتنيه للإذاعة من أسطوانات وأن يفرض على المغنين تجديد برامجهم الموسيقية في كل حفلة يقدمونها.
ومن النوادر التي دوّنها عبد المجيد الشابي أنه كان يذيع حفلة مباشرة من الأستوديو لمطرب أجاد تقليد تانغو "سهرت منه الليالي" لمحمد عبد الوهاب فهتف إلى المحطة أحد المستمعين محتجا على خطأ المذيع الذي أعلن عن غناء مباشر للمطرب التونسي عوض الإعلان عن أسطوانة محمد عبد الوهاب. ورغم تأكيد المذيع على أن تلك هي الحقيقة فإن المستمع لم يصدّق وأغلق الخط غاضبا.
وللإشارة فإن الملحن الشاذلي أنور هو المعني بهذه الواقعة. فقد اشتهر في تلك الفترة بإجادته تقليد الموسيقار المصري وسجّل له البشير الرصايصي صاحب شركة "أم الحْسَن" مجموعة من أغاني محمد عبد الوهاب تعطّل استيراد أسطواناتها بسبب الحرب وظلت محجوزة في الميناء باليونان. كان الرصايصي وكيلا حصريا لشركة "بيضافون" المنتجة لأسطوانات عبد الوهاب واكتشف عن طريق الصدفة أن الشاذلي الذي كان يشتغل عنده يعزف على العود ويقلّد عبد الوهاب في خلوته فاستغلّه لتعويض خسارة الصفقة التجارية.
كانت الحصة الغنائية بالإذاعة تُسمى حفلة يقدمها مباشرة من الأستوديو مطرب أو مطربة صحبة تخت قليل العدد مثلما يتبيّن من الصورة الرفقة (1938)، ونرى فيها جلوسا محمد الجبوزي بالقانون وعلي السريتي بالعود تتوسطهما النجمة حسيبة رشدي ويقف وراءهم عازف الكمان ورئيس التخت محمد التريكي وإلى يساره أحمد الڤابسي بالرق فأحمد الساحلي بالدربكة وفي أقصى اليمين عبد المجيد الشابي المذيع بمحطة تونس البريدية.
ويبدو لنا أن اختصار عدد الموسيقيين ليس بسبب ضيق المكان فحسب بل لبساطة المادة الموسيقية والتي تقتصر على الأغاني الخفيفة (الطقاطق) من النمط الشعبي السائد.
(يتبع)
نشير أولا أننا نسَبْنا خطأ ملكية مجلة "الراديو والسينما" التي أنشئت عام 1938 إلى الأديب نور الدين بن محمود أول مذيع براديو تونس عند إحداثها والحال أن المدير المسؤول وصاحب الامتياز يدعى محيي الدين بن عيسى كما هو مثبت على الغلاف وكذلك في جدول المنشورات الصحفية الذي وضعه عمر بن ڤَفصيّة في كتابه "أضواء على تاريخ الصحافة التونسية" 1860-1970. ويبدو أن صاحب المجلة كان يمتلك الرخصة القانونية ويصرف على إصدارها ولا علاقة له بالكتابة لأننا لم نجد له أثرا خارج هذا الإطار. أما بن محمود فهو خرّيج جامعة بوردو وحاصل على ليسانس الآداب، بدأ نشاطه الصحفي مبكّرا فأصدر جريدة "المروج" وترأس تحرير مجلة "الأفكار" وهو لم يتجاوز العشرين من عمره الشيء الذي يؤهله للإشراف على التحرير.
قبل انطلاق الإذاعة الحكومية ببضعة أشهر (17 جوان 1935) كانت محطة بنزرت للإذاعة العربية التي أسسها جورج سولي Georges Solet قد بدأت إرسالها بعدُ لتغطي الجزء الشمالي من البلاد بما في ذلك العاصمة وتبث برامجها لمدة ثلاث ساعات على فترتين تحتوى على نشرة الأخبار وأحوال الطقس والموسيقى المسجلة على أسطوانات. وبعد إنشاء الإذاعة الرسمية توقّفت مدة ثم عادت لتقدم حصة واحدة كل أسبوع تدوم ساعة ونصف. ووقع الاختيار على مساء الخميس وهو يوم لا تبث فيه محطة تونس البريدية فيتسنى بذلك الاستماع إلى ثلاث حفلات متتالية كل أسبوع: إذاعة مساء الأربعاء والجمعة من محطة تونس والخميس من محطة بنزرت. لكنها لم تعمر طويلا لأن صاحبها أعلن في نوفمبر 1938 أنه مضطر لإغلاق المحطة بسبب العجز المالي الكبير الذي تواجهه.
دخل المذياع حياة التونسيين ليغير نمط عيشهم داخل البيوت ويضفي حميمية أكثر على العلاقات العائلية وأرسى عادات جديدة للاجتماع ما كانت لتوجد لولا الراديو فتابعوا بالخصوص تغيّر الذائقة الموسيقية وتحوّلها من التقليدي العتيق إلى الحديث المتحرر. لكن الأهم هو أن ذلك التحول ما كان ليتم لو لم يكن وراء الميكروفون مبدعون ذوو ثقافة متميزة وفكر وفي كواليس المحطات شخصيات تخطط وتبرمج وتأذن بالبث.
فالدور الذي لعبه مصطفى بوشوشة مثلا في تهذيب الذوق العام لما أشرف على قسم الموسيقى عند تأسيس محطة تونس الرسمية كان دورا هاما جدا باعتبار تكوينه الفني في التصوير الفوتوغرافي وممارسته العزف على العود والكمان والبيانو كهاوٍ ذوّاق يتمتع بحس فني عال. فهو نجل علي بوشوشة (1859-1917) خرّيج المدرسة الصادقية ومؤسس جريدة الحاضرة (1888) أتم دراسته العليا بإنجلترا وأقام مدة في تركيا حيث تزوّج سيدة من عائلة عريقة زرعت في ابنها تذوّق الفنون الجميلة. وقد حرص بوشوشة أن يعرّف التونسيين بمؤلفات أساطين الموسيقى والغناء في الشرق عن طريق ما كان يقتنيه للإذاعة من أسطوانات وأن يفرض على المغنين تجديد برامجهم الموسيقية في كل حفلة يقدمونها.
ومن النوادر التي دوّنها عبد المجيد الشابي أنه كان يذيع حفلة مباشرة من الأستوديو لمطرب أجاد تقليد تانغو "سهرت منه الليالي" لمحمد عبد الوهاب فهتف إلى المحطة أحد المستمعين محتجا على خطأ المذيع الذي أعلن عن غناء مباشر للمطرب التونسي عوض الإعلان عن أسطوانة محمد عبد الوهاب. ورغم تأكيد المذيع على أن تلك هي الحقيقة فإن المستمع لم يصدّق وأغلق الخط غاضبا.
وللإشارة فإن الملحن الشاذلي أنور هو المعني بهذه الواقعة. فقد اشتهر في تلك الفترة بإجادته تقليد الموسيقار المصري وسجّل له البشير الرصايصي صاحب شركة "أم الحْسَن" مجموعة من أغاني محمد عبد الوهاب تعطّل استيراد أسطواناتها بسبب الحرب وظلت محجوزة في الميناء باليونان. كان الرصايصي وكيلا حصريا لشركة "بيضافون" المنتجة لأسطوانات عبد الوهاب واكتشف عن طريق الصدفة أن الشاذلي الذي كان يشتغل عنده يعزف على العود ويقلّد عبد الوهاب في خلوته فاستغلّه لتعويض خسارة الصفقة التجارية.
كانت الحصة الغنائية بالإذاعة تُسمى حفلة يقدمها مباشرة من الأستوديو مطرب أو مطربة صحبة تخت قليل العدد مثلما يتبيّن من الصورة الرفقة (1938)، ونرى فيها جلوسا محمد الجبوزي بالقانون وعلي السريتي بالعود تتوسطهما النجمة حسيبة رشدي ويقف وراءهم عازف الكمان ورئيس التخت محمد التريكي وإلى يساره أحمد الڤابسي بالرق فأحمد الساحلي بالدربكة وفي أقصى اليمين عبد المجيد الشابي المذيع بمحطة تونس البريدية.
ويبدو لنا أن اختصار عدد الموسيقيين ليس بسبب ضيق المكان فحسب بل لبساطة المادة الموسيقية والتي تقتصر على الأغاني الخفيفة (الطقاطق) من النمط الشعبي السائد.