ان الإصلاحات التربوية السابقة (2002, 1991, 1959) لم تهتم ولو تلميحا بتقديم تعريف للمدرسة يضمن نجاح ما ورد في فصول الإصلاح التربوي في تلك الفترات. حيث غاب تعريف دقيق للمدرسة وربما كان غيابه او تغييبه من اهم أسباب الفشل الجزئي لكل الإصلاحات التربوية السابقة والتي لم تتمكن من استشراف التغيرات التي طرأت على المجتمع التونسي والتحولات الاقتصادية التي ساهمت في تشكّلها الاحداث الاقتصادية العالمية
فأي مدرسة يريد المجتمع التونسي اليوم؟ وهل تساهم دمقرطة المدرسة في تطوير اسالبها وأدواتها لنشأة فرد صالح للمجتمع، سواء كان المحلي او الدولي؟
اعتبارا للتغيرات العميقة والسريعة التي عرفها المجتمع التونسي مدفوعة بحركية سياسية كان أساسها ادخال تحوير كلّي على النمط المجتمعي لتونس خدمة لرؤية سياسية فان وظيفةً المدرسة في الشكل العام كان من الضدروري ان تعرف هي نفسها تحولات تجعلها في مستوى ما يتطلبه المجتمع وقادرة على استيعاب التحولات العميقة محليا ودوليا
وإذا ما اعتبرنا ان التربية فعل مؤسساتي فما هو أولا تعريف " االمدرسة" على اعتبارها مؤسسة تتوسط العلاقة التفاعلية بين العائلة و المجتمع
مؤسستيا المدرسة هي احدى الأدوات الضرورية لدى السلطة السياسية من اجل، أولا، بناء سياسة عامة للدولة وثانيا من اجل تمرير المشروع السياسي الى المجتمع الذي سيعمل بدوره على تطبيق فصوله.
من زاوية نظر المجتمع فان المدرسة هي رابط الصلة بين الاسرة كنواة أساسية للمجتمع وبين المجتمع، الذي هو نتاج تفرعات الاسرة ومنتوجها في شكله العام. كما تلعب المدرسة حسب هذا التعريف دور المكمّل لدور الاسرة كما تساهم في انجاز ما عجزت عن القيام به كإطار مجتمعي ضيق يخضع لضوابط أُسرية وقواعد ملزمة أحد من مجال حرية التحرك ضمنه. وحسب نفس التعريف فان المدرسة تعمل على بناء الفرد القادر على الانخراط في مجتمعه والمساهمة في رقيّه فهي من أهم أدوات التنشئة الاجتماعية المنظمة والمهنية لشباب متسلح بموروث ثقافي وعٌرف مجتمعي متأصّل في سلوكياته الفردية والجمعيّة. في كلي التعريفين، وفي قراءة بسيطة لتعريف المدرسة مجتمعيا وسياسيا يتأكد ان المدرسة لها دور ثانوي وظيفي من اجل بلوغ هدف خارجي رَسمت ملامحه عناصر خارجة عن المدرسة سواء كانت الاسرة او المجتمع.
اجتماعيا
ثقافيا المدرسة تشكل في حد ذاتها مجتمعا ثقافيا متميزا ومنفردا عن المجتمع العام الذي نشأت فيه ويتمثل دورها في تدريب الشباب والأطفال على الانصهار في مجتمع موحّد انطلاقا من الاختلافات التي تميز بعضهم عن بعض
اما اقتصاديا فان المدرسة تعتبر الإطار الأفضل من اجل الاستثمار في رأس المال البشري بهدف انتاج معارف ومهارات قادرة على خلق فضاء الاستثماري. تمثل المدرسة الفضاء المكاني والزماني الضروري لكل من الاسرة والمجتمع حتى تستثمر في المادة الخام التي يمثلها الطفل قبل دخوله الى وحدة الإنتاج المحتمعبة ذات الأهداف الاستثمارية اقتصاديا واجتماعيا
أما المقاربة النفسية والاجتماعية فتعتبر ان المدرسة تخضع بالأساس الى الإطار الذي ستتكفل نيابة عنه بتنفيذ الرؤية وبلوغ الأهداف المرسومة أساسا خارج اسوارها فهي عموما تعتبر أداة تنفيذ ووحدة انتاج وليست إطار تخطيط وتخضع عموما الى التغييرات المجتمعية وتطور الدخل الخام والمعارف والعرف الاجتماعي ونفسية المجتمع ومؤشرات التنمية والوضع الاقتصادي والخط السياسي حسب متغير الديمقراطية.
كل هذه العوامل والعناصر المذكورة سابقا لا تحدد فقط وبصفة خارجية تعريف المدرسة وأدوارها، بل وتسرّب افكارها ورؤاها الاجتماعية والاقتصادية والاستثمارية وغيرها على العملية التربوية كفعل بيداغوجي خاص بالمدرسة وحدها دون أي متخلات خارجية
طبعا لا يفوتنا هنا ان نذكر ان المدرسة ما هي الا أحد مكونات منظومة شاملة متداخلة العناصر وهي المنظومة التربوية. هذه النظرة المنظومية «systémique» تفسر كل ما سبق من تعدد تعريفات المدرسة حسب نوعية وجودة المنتج المستهدف.
اما المقاربة بيداغوجية تعتبر ان المدرسة تبقى في منأى من كل العوامل الخارجية، ليس من ناحية التفاعلات المتبادلة، ولكن من ناحية التداخل في العملية البيداغوجية التربوية التي تبقى عملية تقنية خالصة تسمح ببناء شخصية الطفل علميا عبر وسائل بيداغوجية تبدأ من فضاء المدرسة والقسم الى بقية الوسائل المتاحة للمعلم
هذه المقاربة الداخلية التقنية تعتبر ان المدرسة مجموعة مركبة من أدوات علمية ووقت وفضاء وانسان وعلوم تتكفل بخلق التفاعل والتشارك بين الأطفال وربط الصلة بينهم فيما بينهم وأيضا بينهم وبين محيطهم القريب من فضاء وعلوم واهداف داخلية
من خلال هذا التعريف فان المدرسة ما هي الا اختراع او "صناعة" بمعنى انها ليست كيان طبيعيا كما المجتمع ومختلف مؤسساته مثل الاسرة ويختلف دورها التربوي التعليمي عن العملية التربوية والتعليمية " الطبيعية " والغير مؤسسة التي تقوم بها " الحياة " في مفهومها الشامل (الطبيعة والتفاعلات المجتمعية والاسرة ومختلف تمظهرات التعامل الإنساني والتعامل مع بقية عناصر المحيط البيئي).
إذا ما اعتبرنا ان طبيعة الانسان البدائية او الفطرية تعتبره كائن دون هدف واضح وان المدرسة هي من يخلق داخله تلك التوجهات التي " يختارها" لنفسه وهي بالأساس اختيارات محددة من طرف العناصر الخارجية المذكورة سابقا اجتماعية او اقتصادية او سياسية واستثمارية وغيرها .
هذه الفرضية الأخيرة حول تعريف بسيط للمدرسة، ولكنه عميق تعتبر المدرسة الإطار الذي يفرض فيه المجتمع اعتمادا على صورة مثالية للشخص المثقف والمتعلم قواعد ومعايير (دينية وثقافية وعلمية)
التربية او البيداغوجيا في مفهومها الواسع هي بالأساس فن جعل المدرسة ممكنة، مدرسة هي بالضرورة الإطار الذي يمكن من تحويل الزمن الحر للطفل الى فضاء والى مادة
بيداغوجيا للمدرسة وظائف متعددة ترتكز على ان في المدرسة الكل " تلميذ" سواء كان الطفل او المربي او الاسرة وحتى المجتمع. المدرسة في شكلها الوظيفي تقطع مع التعاطي " المعتاد " حسب قواعد العرف المجتمعي مثلا مع المحتوى التعليمي (معارف مهارات الخ) المعروض على تلميذ داخل اسوار قلعته الخاصة. المدرسة تتكفل بخلق " الزمن الحر" للطفل من خلال تحويل الزمن الى فضاء ومادة. للمدرسة القدرة على تحويل ما هو متاح امام العقل البشري الى محتوى علمي عمومي ومدرسي. المدرسة تعمل على تجميع تركيز الطفل حول عملية واحدة ومحتوى خاص في استثمار لارتباط الطفل بعالمه (محيطه عموما) وأيضا بملكة الاستكشاف. المدرسة تعمل على فصل الطفل عن الاسرة فهو داخلها) أي المدرسة( ليس طفلا او قاصرا، بل هو تلميذ، هو شخص كامل الحقوق وله الحق في ان يكون تلميذا بعيدا عن سلطة العائلة و اعرافها و موروثها و العبء الذي تحمله و ربما تمثله على عاتق طفل كل ما يحتاج هو ان يكون تلميذا يمثل نفسه و يعمل على بناء معارفه الخاصة بعيدا عن أي سلطة مهما كانت أهدافها.
بقلم:المازري طبقة(*)
*باحث أكاديمي في علوم التربية، مُكوّن وخبير دولي
ان الإصلاحات التربوية السابقة (2002, 1991, 1959) لم تهتم ولو تلميحا بتقديم تعريف للمدرسة يضمن نجاح ما ورد في فصول الإصلاح التربوي في تلك الفترات. حيث غاب تعريف دقيق للمدرسة وربما كان غيابه او تغييبه من اهم أسباب الفشل الجزئي لكل الإصلاحات التربوية السابقة والتي لم تتمكن من استشراف التغيرات التي طرأت على المجتمع التونسي والتحولات الاقتصادية التي ساهمت في تشكّلها الاحداث الاقتصادية العالمية
فأي مدرسة يريد المجتمع التونسي اليوم؟ وهل تساهم دمقرطة المدرسة في تطوير اسالبها وأدواتها لنشأة فرد صالح للمجتمع، سواء كان المحلي او الدولي؟
اعتبارا للتغيرات العميقة والسريعة التي عرفها المجتمع التونسي مدفوعة بحركية سياسية كان أساسها ادخال تحوير كلّي على النمط المجتمعي لتونس خدمة لرؤية سياسية فان وظيفةً المدرسة في الشكل العام كان من الضدروري ان تعرف هي نفسها تحولات تجعلها في مستوى ما يتطلبه المجتمع وقادرة على استيعاب التحولات العميقة محليا ودوليا
وإذا ما اعتبرنا ان التربية فعل مؤسساتي فما هو أولا تعريف " االمدرسة" على اعتبارها مؤسسة تتوسط العلاقة التفاعلية بين العائلة و المجتمع
مؤسستيا المدرسة هي احدى الأدوات الضرورية لدى السلطة السياسية من اجل، أولا، بناء سياسة عامة للدولة وثانيا من اجل تمرير المشروع السياسي الى المجتمع الذي سيعمل بدوره على تطبيق فصوله.
من زاوية نظر المجتمع فان المدرسة هي رابط الصلة بين الاسرة كنواة أساسية للمجتمع وبين المجتمع، الذي هو نتاج تفرعات الاسرة ومنتوجها في شكله العام. كما تلعب المدرسة حسب هذا التعريف دور المكمّل لدور الاسرة كما تساهم في انجاز ما عجزت عن القيام به كإطار مجتمعي ضيق يخضع لضوابط أُسرية وقواعد ملزمة أحد من مجال حرية التحرك ضمنه. وحسب نفس التعريف فان المدرسة تعمل على بناء الفرد القادر على الانخراط في مجتمعه والمساهمة في رقيّه فهي من أهم أدوات التنشئة الاجتماعية المنظمة والمهنية لشباب متسلح بموروث ثقافي وعٌرف مجتمعي متأصّل في سلوكياته الفردية والجمعيّة. في كلي التعريفين، وفي قراءة بسيطة لتعريف المدرسة مجتمعيا وسياسيا يتأكد ان المدرسة لها دور ثانوي وظيفي من اجل بلوغ هدف خارجي رَسمت ملامحه عناصر خارجة عن المدرسة سواء كانت الاسرة او المجتمع.
اجتماعيا
ثقافيا المدرسة تشكل في حد ذاتها مجتمعا ثقافيا متميزا ومنفردا عن المجتمع العام الذي نشأت فيه ويتمثل دورها في تدريب الشباب والأطفال على الانصهار في مجتمع موحّد انطلاقا من الاختلافات التي تميز بعضهم عن بعض
اما اقتصاديا فان المدرسة تعتبر الإطار الأفضل من اجل الاستثمار في رأس المال البشري بهدف انتاج معارف ومهارات قادرة على خلق فضاء الاستثماري. تمثل المدرسة الفضاء المكاني والزماني الضروري لكل من الاسرة والمجتمع حتى تستثمر في المادة الخام التي يمثلها الطفل قبل دخوله الى وحدة الإنتاج المحتمعبة ذات الأهداف الاستثمارية اقتصاديا واجتماعيا
أما المقاربة النفسية والاجتماعية فتعتبر ان المدرسة تخضع بالأساس الى الإطار الذي ستتكفل نيابة عنه بتنفيذ الرؤية وبلوغ الأهداف المرسومة أساسا خارج اسوارها فهي عموما تعتبر أداة تنفيذ ووحدة انتاج وليست إطار تخطيط وتخضع عموما الى التغييرات المجتمعية وتطور الدخل الخام والمعارف والعرف الاجتماعي ونفسية المجتمع ومؤشرات التنمية والوضع الاقتصادي والخط السياسي حسب متغير الديمقراطية.
كل هذه العوامل والعناصر المذكورة سابقا لا تحدد فقط وبصفة خارجية تعريف المدرسة وأدوارها، بل وتسرّب افكارها ورؤاها الاجتماعية والاقتصادية والاستثمارية وغيرها على العملية التربوية كفعل بيداغوجي خاص بالمدرسة وحدها دون أي متخلات خارجية
طبعا لا يفوتنا هنا ان نذكر ان المدرسة ما هي الا أحد مكونات منظومة شاملة متداخلة العناصر وهي المنظومة التربوية. هذه النظرة المنظومية «systémique» تفسر كل ما سبق من تعدد تعريفات المدرسة حسب نوعية وجودة المنتج المستهدف.
اما المقاربة بيداغوجية تعتبر ان المدرسة تبقى في منأى من كل العوامل الخارجية، ليس من ناحية التفاعلات المتبادلة، ولكن من ناحية التداخل في العملية البيداغوجية التربوية التي تبقى عملية تقنية خالصة تسمح ببناء شخصية الطفل علميا عبر وسائل بيداغوجية تبدأ من فضاء المدرسة والقسم الى بقية الوسائل المتاحة للمعلم
هذه المقاربة الداخلية التقنية تعتبر ان المدرسة مجموعة مركبة من أدوات علمية ووقت وفضاء وانسان وعلوم تتكفل بخلق التفاعل والتشارك بين الأطفال وربط الصلة بينهم فيما بينهم وأيضا بينهم وبين محيطهم القريب من فضاء وعلوم واهداف داخلية
من خلال هذا التعريف فان المدرسة ما هي الا اختراع او "صناعة" بمعنى انها ليست كيان طبيعيا كما المجتمع ومختلف مؤسساته مثل الاسرة ويختلف دورها التربوي التعليمي عن العملية التربوية والتعليمية " الطبيعية " والغير مؤسسة التي تقوم بها " الحياة " في مفهومها الشامل (الطبيعة والتفاعلات المجتمعية والاسرة ومختلف تمظهرات التعامل الإنساني والتعامل مع بقية عناصر المحيط البيئي).
إذا ما اعتبرنا ان طبيعة الانسان البدائية او الفطرية تعتبره كائن دون هدف واضح وان المدرسة هي من يخلق داخله تلك التوجهات التي " يختارها" لنفسه وهي بالأساس اختيارات محددة من طرف العناصر الخارجية المذكورة سابقا اجتماعية او اقتصادية او سياسية واستثمارية وغيرها .
هذه الفرضية الأخيرة حول تعريف بسيط للمدرسة، ولكنه عميق تعتبر المدرسة الإطار الذي يفرض فيه المجتمع اعتمادا على صورة مثالية للشخص المثقف والمتعلم قواعد ومعايير (دينية وثقافية وعلمية)
التربية او البيداغوجيا في مفهومها الواسع هي بالأساس فن جعل المدرسة ممكنة، مدرسة هي بالضرورة الإطار الذي يمكن من تحويل الزمن الحر للطفل الى فضاء والى مادة
بيداغوجيا للمدرسة وظائف متعددة ترتكز على ان في المدرسة الكل " تلميذ" سواء كان الطفل او المربي او الاسرة وحتى المجتمع. المدرسة في شكلها الوظيفي تقطع مع التعاطي " المعتاد " حسب قواعد العرف المجتمعي مثلا مع المحتوى التعليمي (معارف مهارات الخ) المعروض على تلميذ داخل اسوار قلعته الخاصة. المدرسة تتكفل بخلق " الزمن الحر" للطفل من خلال تحويل الزمن الى فضاء ومادة. للمدرسة القدرة على تحويل ما هو متاح امام العقل البشري الى محتوى علمي عمومي ومدرسي. المدرسة تعمل على تجميع تركيز الطفل حول عملية واحدة ومحتوى خاص في استثمار لارتباط الطفل بعالمه (محيطه عموما) وأيضا بملكة الاستكشاف. المدرسة تعمل على فصل الطفل عن الاسرة فهو داخلها) أي المدرسة( ليس طفلا او قاصرا، بل هو تلميذ، هو شخص كامل الحقوق وله الحق في ان يكون تلميذا بعيدا عن سلطة العائلة و اعرافها و موروثها و العبء الذي تحمله و ربما تمثله على عاتق طفل كل ما يحتاج هو ان يكون تلميذا يمثل نفسه و يعمل على بناء معارفه الخاصة بعيدا عن أي سلطة مهما كانت أهدافها.