لقد كان من الأجدر منذ عشرات السنين مراجعة الاتفاقيات غير العادلة او حتى وقفها وإنقاذ عملتنا الصعبة المهربة منا شبه قصريا بناء على اتفاق سامي مدمّر أمضيناه بأيدينا
بقلم المنصف شطورو
باحث في الاقتصاد
من الواضح والجلي انه منذ سنه 2011 لم تستطع الحكومات المتعاقبة إيجاد حلول للمسألة الاقتصادية للجمهورية التونسية ويمكن فهم ذلك ان كل هذه الحكومات لم يكن لها ما يكفي من العلوم الاقتصادية لتفهم أسباب الداء ووجودها سجينة ومحنّطة في نظرة اقتصادية يمينية ليبرالية إمبريالية لا تدرك ولا تعترف لا بحقيقة الشعوب وفروقها ولا بضرورة سلطة الدولة العميقة على الاقتصاد... من مدير مؤسسة أصبح رئيسا للحكومة مثله مثل بائع بنزين لا يقطن في تونس أو من مستشار زراعي للحكومة الفدرالية الأمريكية كلّهم ليسوا رجال دولة على حد السواء... أناس جاءوا من البعيد ومن العدم لا يعرفون الشعب "التحتاني" الصغير ولا اقتصاده ولا المبادئ العامة للاقتصاد ونماذجه ومنظوماته وغياب تام للنظرة الاستشرافية وجهل بأعمدة الاقتصاد صناعيا كان أو ماركتينا أو فيوداليا..ما هو الحل اليوم على المستوى المتوسّط والطويل ؟هذه نظرتي للأشياء..
وعليه سنحاول إضفاء مسميات وتفسيرات عن ما يخرم الاقتصاد التونسي منذ بداية رئاسة زين العابدين بن علي الى يوم الناس هذا ومنها مثلا النسبة الفائدية المديرية المركّبة للبنك المركزي ونتائجها على الاقتصاد والمجتمع والتضخم المالي والقروض بصفة عامة وخاصة قروض السكن واستقلالية الاقتصاد والأثمان والفواتير والاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي لسنه 1995 والقانون عدد 64 لسنه 1991 والنصوص التطبيقية التي تلته وانسحاب الدولة من حراسة الاقتصاد الى حد الاستقالة وعدة مواضيع أخرى...
الخطة الهيكلية لتعديل الاقتصاد واتفاقيه 1995 مع الاتحاد الأوروبي
لا يخفى عن الجميع انه بداية من التسعينات قامت الحكومة التونسية بفتح الاقتصاد مع الاتحاد الاوروبي وكان الاتحاد الاوروبي وقتها هو النصوح الاقتصادي للرئيس بن علي وتم على حسب ذلك تقسيط الدول الأوروبية ومستعمراتها إلى دول مختصه في القطاعات الأول منها والثاني والثالث مما يعني تباعا القطاع الفلاحي ثم القطاع الصناعي ثم قطاع الخدمات... تم توكيل تونس وقتها على قطاع الخدمات واستبعادها عن القطاع الفلاحي والصناعي وكانت تلك من أكبر الأخطاء الاستراتيجية ولكن اقتصاديين وقتها لم يروا الخطر وموازاة لذلك تم إنشاء القانون عدد 64 لسنه 1991 وكان ذلك انتحار الدولة حيث جعل هذا القانون الاقتصاد حرا والأسعار مفتوحة دون ضرورة الرجوع الى السلطة التقديرية لقوّة الدولة في حين أنه في ايام الرئيس بورقيبة كان للدولة نظرة عن كل الأسعار ابتداء من المواد الأساسية وصولا حتى الى لمجة "الكسكروت" وكانت الدولة حينها حريصة على هذه المواضيع بيد حديدية لا تترك مجالا لاجتهاد المواطن او التاجر والبائع او رجل الاعمال... كما أن اتفاقيه 1995 مع الاتحاد الأوروبي بخلاف أنها صنفت بلادنا كقطر مختص في الخدمات وفسخت بذلك كل أمل في تحسين قوّتنا الاقتصادية عن طريق القطاع الصناعي وهي نظرة المستعمر للمستعمر والذي لن يقبل أبدا أن يتحول المستعمر الى قطاع اقتصادي صناعي مستقل ولذلك كانت اتفاقيه 1995 مع أوروبا تجعل السلع الأوروبية تدخل القطر التونسي دون حراسة ودون حدود مما جعلنا في هذه البلاد نشتري من أوروبا كل ما نحتاج اليه وكل ما لا نحتاج اليه من زيت زيتون إسباني وجبن فرنسي وشوكولاتة عالية الطراز وملابس داخليه نسائية عالية الجودة من الدونتال والاورقونزا وغيرها من الأقمشة الرفيعة والموز والفواكه الاستوائية والسجائر العالمية والأحذية والملابس الرياضية الخ... ولسنا في حاجة إليها، هذا دون الحديث عن السلع التركية التي تدخل بلادنا كالمصفاة و"افرح ياشعب و غني"، وفي المقابل وعكس الاتفاق مع أوروبا لا تستطيع تونس إلا بشق الأنفس بيع سلعها الى الاتحاد الاوروبي وهو خرق صارخ الى نص الاتفاقية و لقد كان من الأجدر منذ عشرات السنين خلت مراجعة هذه الاتفاقية غير العادلة او حتى قطعها بصفة جلية أو بصفة صامتة وإنقاذ عملتنا الصعبة المهربة منا شبه قصريا بناء على اتفاق سامي مدمّر أمضيناه بأيدينا...
سياسة الخوصصة و التفويت في المرفق العمومي واستقالة الدولة
ودون أن نغرق كثيرا في تاريخ اقتصادنا بداية من سنة 1985 إلى ما بعد ذلك حين بدأت الدولة إعادة النظر في سياستها الاقتصادية ومفهوم الدولة ومرفقها العمومي وإعادة هيكلته عن طريق عديد النصوص القانونية، وكان ذلك بداية نهاية الدولة الحريصة وبداية الانحلال الاقتصادي والذي تحوّل شيئا فشيئا تحت حرص المؤسسات الربحية وهدفها الربح دون النظر إلى احتياج المواطن الصغير... بدأ ذلك عن طريق برنامجي التعديل الهيكلي الأول والثاني، الأول تحت رعاية مؤسسات "بروتن وود" سنة 86 والثاني تحت رعاية الاتحاد الأوروبي و"البيرد" سنوات 94 و 95... وخلاصة القول أن ذلك التوجه جعل القطاع الخاص يهيمن على القطاع العمومي دون إعطاء التدابير والحقوق اللازمة للمواطن كما أن القطاع العمومي لميرد ولم يستطع أيضا الدخول في منافسة لبداهة الرؤية والإرادة في كنس وتهميش المرفق العمومي ولكن لماذا ؟ ما الذي وقع؟ ما وقع هو أن الاقتصاديين اليمينيين و الليبراليين والنيوليبراليين أخذوا مقاليد الحكم في القصر ومن ثم تباعا في الوزارة الأولى وبعدها في الإدارة وحتى في كليات الاقتصاد حين كان الأساتذة يعلّمون طلابهم -بكل حسن نية- أن اتفاقية 1995 هي أحسن نص تعاقدي وقع توقيعه بعد اتفاق الاستقلال وأن تونس ستصبح جنة على وجه الأرض.. هل كنا فعلا في حاجة أن نصبح جنة على الأرض أو فقط أن نحسّن عيشنا حسب قدراتنا وإرادتنا ؟ هل كنا فعلا من السذاجة إلى هذا الحد لكي نأمن أن الاتحاد الأوروبي سيجعلنا جنة مثله مثل إنقلترا وقطر ودبي ؟ وهاهي نتيجة لعبة "البوكر" التي لعبناها !! لم نستطع لا التقدم ولا الرجوع مثلنا مثل مقاتلي غزوة أحد حينما فشلوا، من استهتارهم بنصائح النبي، ولم يروا الخطر قادما إليهم.. والخلاصة أن توجه الخوصصة لم يكن متوازنا وأعطى قيمة لأشياء ثم غيّب أشياء بسياسة المكيالين وحيث أدت هذه السياسة إلى دخول الاتحاد الأوروبي في أعماق الدولة ثم إعطاء الأهمية المطلقة إلى القطاع الخدماتي وتهميش الفلاحة والصناعة ذلك تباعا إلى التفويت في القطاع العمومي وابتعاد الدولة عن المواطن وتحرير الأسعار وجعلها تحت إرادة المستثمرين والتجار مع كل ضيق وقصر نظرهم ممــا أدى قطعا وحتما ودون مفاجئة إلى غلاء المعيشة في مرحلة أولى ثم التضخّم المالي المعكوس الذي نعاني منه اليوم في مرحلة ثانية... أما ما يقوم به البنك المركزي اليوم ومنذ حوالي عشر سنوات ومع كل محافظيه الذين مروا في زيادة النسبة الفائدية موهمين أنفسهم أنهم سيحدّون من التضخّم وكانت النتيجة –كما يعلم الجميع- فاشلة وقد كان من الأجدر للبنك المركزي ووزراء المالية والاقتصاديين التابعين أن يقوموا بقليل من المجهود والتفكير وضبط النفس ويحوّلوا نظرهم إلى حرية الأسعار وهي أصل الداء في التضخّم وليس العكس... ولا ندري فعلا أين يعيش هؤلاء الناس وأين قاموا بدراسة علوم الاقتصاد والمحاسبة ؟ كما لا نعرف أين يرون الكم الهائل من العملة المتداولة في حين يتألّم التونسي لخلاص مائه وكهربائه وسكنه وطعامه ودراسة أبنائه كما نتساءل فعلا وبكل غرابة هل يعملون لفائدة تونس أو لفائدة أوروبا !!!
الاختصاص في القطاع الخدماتي و إقصاء القطاع الفلاحي و الصناعي و استقرار الأسعار
لقد قام كل كبار علماء الاقتصاد العالميين وهم على سبيل الذكر ولا الحصر: سميث، ريكاردو، ساي، ملطوس، ماركس، كينز، شمبتر، سمير أمين وغيرهم على النظر أن القطاعين الفاعلين القادرين على خلق الثروة و من ثم النمو الاقتصادي والناتج الخام هما الفلاحة والصناعة في حين أن الخدمات لا تعدو إلا أن تكون حزاما انتقاليا للعملة(Courroie de transmission ) ليس إلا، وكانت النتيجة أننا غرقنا في وعاء رملي يمتص عملتنا الصعبة ولا يرجعها بل أكثر من ذلك أنه لا يسمح لنا إنصافا واعتدالا أن نضع أيدينا على عملة الدول الأوروبية شريكتنا بخلاف أنه لن يسمح لنا أبدا بالوصول إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وأظن أن ما عشناه خلال صائفتي 22 و 23 لا يجعل مجالا للشك في ذلك... "بضاعتنا ردت إلينا" و "حصدنا ما زرعنا" ومن ينسى أنه أيام حكم النهضة وتحت حكومات كفاءات بائع البنزين والمستشار الزراعي الأمريكي قمنا ببيع الماشية إلى الجزائر وغيرها ثم تألّمنا وتفاجأنا عندما لم نجد حليبا في السوق لأطفالنا..(وهي حماقة لم تقم بها حتى قريش قبل نزول الرسالة ولم يكن لهم وقتها كليات اقتصاد) وللتاريخ فقد كان جمعة أول وزير فتح باب رفع الأسعار بطريقة صاروخية ورفع الدعم بصمت ولم نعد نستطع منذ ذلك إلى إيقاف "الفيضان"...
أما فيما يخص القطاع الصناعي فهو نفس نمط القطاع الفلاحي حيث يمكن بداية برمجة توجه صناعي ذاتي يربح لنا عملتنا الصعبة من أوروبا وباقي الشركاء ونبتعد بذلك عن شهية الصقور الرابضة لنا في كل ركن وفي كل قطر وحتى وإن ذهبنا للبحث عن الشراكة لدى الصين وكوريا الجنوبية وتايوان فعلاقتنا مع الاتحاد الأوروبي ليست عقد زواج وعملنا مع الصين ليس قضية زناء بين رجل وامرأة... وقد انتظرنا أوروبا منذ 1995 ولم نر أي مصلحة اقتصادية إلا في الشوكلاطة والجبن والملابس الداخلية.
بالرجــوع إلى مبادئ الاقتصــاد المــــالي والتفكير "الكيــنزي" في الأطروحة المــالية لتعديل الســـوق نجد أن ضخ كتلة مــالية في الســوق وفي الحياة اليومية لبلاد، لابد أن يعــادلهــا خلق متكافئ للإنتاج والثروة ممــا ينتج عنه أن وسائل التعديل وتحقيق استقرار في الاقتصاد يبدأ باستقرار الأسعار. والمتغير الرئيسي لتحقيق هذا الهدف هنــا هو زيادة أو نقصان معدل الفائدة عن طريق خلق الثروة والإنتاج وتدّخل الدولة عند الحاجة وليس من العدم ونعني بذلك تدخلها في الأسعار عندما ترى الخطر وليس بمجرد مقرّرات ذات ستة أشهر بل بقوانين دوام كما يقول الرئيس بورقيبة، دولة صلبة وليس دولة ناعمة ورخوة تسير حسب أهواء الرأسماليين مهما كانوا وأين كانوا في داخل وخارج الجمهورية بما فيهم أساتذة ومستشاري الاقتصاد الذين باعوا ذمّتهم وبلادهم في التسعينات إلى المحرقة للحصول في المقابل على قليل من الشكلاطة والموز والملابس النسائية الداخلية في حين لا يستطيع التونسي شراء زيت لأبنائه في بلاد الزيت ولا أرزا ولا حليبا... ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك والشرطــان الأساسيان لنجاح المعادلة غير متوفرين: فمن جهة نجد الأسعار غير مستقرة من يوم إلى يوم ومن جهة أخرى نجد أن خلق الثروة والنمو في البلاد قد تقهقر...ومن هنــا وقع تحطيم السلسلة عن طريق الكتلة المــالية والتحرير الفاحش وخسرت البلاد نتيجة لذلك أقوى سبلهــا لحل المشكل. فهل لا زلنا بعد كل هذا ننظر إلى اتفاقية 1995 مثلما نظرنا إليها في ذلك الوقت حين كان اقتصاديو درجة ثالثة يوهمون عسكريا بالرفاهة مثله مثل الرئيس الأميركي هوفر حين كان يقول "اشتروا اشتروا فإن الرخاء ينتظرنا في ركن الطريق "... ونعرف نتيجة ذلك والتي أدت إلى أكبر أزمة اقتصادية اكتسحت أقوى دولة في العالم وتجاهلت القطاع الفلاحي والصناعي وعوّلت على الخدمات ( رغم أنه لم يكن السبب الوحيد)...
المصيبة الاقتصادية التونسية القادمة : السكن والمــاء
تباعا لمسلسل مصاعب الاقتصاد التونسي سنمر إلى مشكل السكن ملكية وكراء... و ليس هنالك الكثير مما يقال فالمشكل واضح والحل أوضح ولكننا لازلنا لم نرى الأزمة قادمة... و يبقى التعديل عن طريق القانون وإبعاد الصقور الماليين مقاولون كانوا أو بنوكا بما فيه البنك المركزي والقيام بحملة توعية لدي الحكومة والمجلس النيابي والمجالس الجهوية والجماعات المحلية والمواطنين على حد السواء... إن إرساء قوانين واضحة المعالم حول السكن والكراء سيعطي علامة قوية أن السكن هو حق دستوري مضمون.. و لن يضمنه إلا قوانين تعديلية صارمة. ولو تبعنا فلسفة التشريع الفرنسي وفقه القضاء لرأينا أن فرنسا مثلا تضمن حق الملكية عن طريق البنوك بنص قانوني يجعل للبنوك مسؤولية في منح قروض دون فائدة لشراء السكن الأول أو لبنائه وهو قانون وقع إرساؤه حديثا لأن الدولة الفرنسية تدرك جليا أنه من واجب البنك الدخول في الدورة الاقتصادية والدور الاجتماعي المناط إليه لدى المواطن النشط من وجهة نظر أن البنك والدولة تحمل مسؤولية المواطن والاقتصاد وليس العكس... كما أن الجماعات المحلية لابد أن تراجع شروط رخص البناء وأن تقف على هذه الشروط المجحفة في اكتساب مساحة دنيا بــ 250 و 200 متر مربع للموافقة على رخص البناء.. وهل لازال التونسي يتحمّل شراء متر مربع ثمنه يتراوح بين 800 و1000 دينار في حين أنه يتحصّل على راتب بسيط وفي أحسن الأحوال متوسّط هذا علاوة على أن السلطة العامة من وزارة تجهيز وجماعات محلية استقالت من هذه المسؤولية المزعجة بدون حل ولم يبق لهم إلا نصح العائلات بالذهاب في السكن في الشاطئ أو في عرض البحر...
أما فيما يخص سوق الكراء فهو سوق مهمّش كليا دون قوانين ولا مجلّة ترتيبية بل فقط بعقود عن طريق القانون العام مما يرجعنا إلى معضلة الحلقة المفرغة للعرض والطلب ويجعل المالكين أصحاب السلطة الوحيدة في تقرير الأسعار ودائما تحت تهميش كامل للسلطة التقديرية للدولة... ولكي نرجع مرّة أخري إلى القانون الفرنسي فإن سوق الكراء ليست سوقا مجرّدة من القوانين والتراتيب حيث يخضع إلى أسعار دنيا وقصوى حسب المكان والمنطقة والمساحة الخارجية والمساحة المسكونة ورقاء المسكن وفخامته بالإضافة إلى القدرة الشرائية وقدرة خلاص العائلة الساكنة.. وإن كان هذا المثال صعبا على التوخي في بدايتها نظرا لحداثة الفكرة فإننا نستطيع تفسير أن حرية صاحب السكن تقف عندما تتعدى على حرية الساكن وخاصة أن العقود تتم حسب تشاركيه التراضي وليس بتراضي من طرف واحد كما أنه يمكننا تفسير هذا المفهوم الجديد بأن صاحب سيارة مثلا –رغم ملكيته للسيارة- لا يعطيه الحق لأن يذهب للطريق العام ويسحق بها المترجلين والدراجين والأطفال والحيوانات تحت الحجة الواهية أنه المالك...وكل هذه الانزلاقات واللامبالاة و الهراء الاقتصادي هي فعيل بداية سنوات الثمانينات بعد ذهاب نويرة و نظراته الاقتصادية والتي تركت المقاليد تهرب منها تحت رعاية مبدأ اقتصاد "دعه يفعل، دعه يمر" والمضحك في الأمر أن الدولة التي خلقت هذه القاعدة ندمت وتراجعت عنها بسبب تناقضاتها الهيكلية رغم قوتها الكاسحة و بقينا وغرقنا نحن فيها... مع وزرائنا العباقرة الذين ورّدناهم من وراء البحار..وخلاصة القول أننا إن لم نبدأ في القلق منذ اليوم على مشكل السكن والكراء فإننا سنجد، بعد عشر سنوات، مواطنين يعيشون تحت خيام في الشاطئ وفي الطريق العام. أما فيما يخص الماء وأزمة الماء الصالح للشراب فإنه بعد ما رأيناه صائفة 22 ثم صائفة 23 فإننا نشجع على بداية تركيز مشروعين جليلي الشأن لطالما تحدثت عنهما النهضة دون أن تبدأ فيهما قيد أنملة بخلاف الصور والمخططات المعمارية: المشروع الأول هو تحلية ماء البحر والمشروع الثاني هو إعادة استغلال المياه المستعملة بعد التصفية وضخها لفائدة القطاع الفلاحي، هذا دون نسيان إعادة تهيئة هذا القطاع وتشجيعه على أقصى الحدود للذهاب نحو الاكتفاء الذاتي على الأقل محدودا بالأمن الغذائي.
هذه باقتضاب أول الإصلاحات الجوهرية التي علينا البدء فيها منذ اليوم والله الموفق... عاشت تونس... عاشت الجمهورية.
________________________________________________
النصوص القانونية المعنية
- قانون عدد 9 لسنة 1989 متعلق بالمساهمات والمنشآت العمومية
- قانون عدد 64 لسنة 1991 يتعلق بالمنافسة والأسعار
- أمر عدد 270 لسنة 1996 يتعلق بضبط مشمولات وزارة التنمية الاقتصادية
- أمر عدد 410 لسنة 1997 يتعلق بضبط تركيبة وتسيير لجنة التطهير وإعادة هيكلة المنشآت ذات المساهمات العمومية وتركيبة ومشمولات اللجنة الفنية للخوصصة
- أمر عدد 2280 لسنة 2000 يتعلّق بضبط طرق تعيين وشروط تأجير مصفّيي المؤسّسات والمنشآت العموميّة والمنشآت ذات المساهمات العموميّة
- أمر عدد 2130 لسنة 2002 مؤرخ في 30 سبتمبر 2002 يتعلق بإلحاق هياكل تابعة لوزارة التنمية الاقتصادية سابقا بالوزارة الأولى
________________________________________________
* نسبة الفائدة يوم تحرير هذا بتاريخ 6 نوفمبر 23 هي 8 % وهي نسبة عالية رهيبة جدا حيث أن النسبة إن بدأت تفوق 4 % تصبح مقلقة وخطرة
لقد كان من الأجدر منذ عشرات السنين مراجعة الاتفاقيات غير العادلة او حتى وقفها وإنقاذ عملتنا الصعبة المهربة منا شبه قصريا بناء على اتفاق سامي مدمّر أمضيناه بأيدينا
بقلم المنصف شطورو
باحث في الاقتصاد
من الواضح والجلي انه منذ سنه 2011 لم تستطع الحكومات المتعاقبة إيجاد حلول للمسألة الاقتصادية للجمهورية التونسية ويمكن فهم ذلك ان كل هذه الحكومات لم يكن لها ما يكفي من العلوم الاقتصادية لتفهم أسباب الداء ووجودها سجينة ومحنّطة في نظرة اقتصادية يمينية ليبرالية إمبريالية لا تدرك ولا تعترف لا بحقيقة الشعوب وفروقها ولا بضرورة سلطة الدولة العميقة على الاقتصاد... من مدير مؤسسة أصبح رئيسا للحكومة مثله مثل بائع بنزين لا يقطن في تونس أو من مستشار زراعي للحكومة الفدرالية الأمريكية كلّهم ليسوا رجال دولة على حد السواء... أناس جاءوا من البعيد ومن العدم لا يعرفون الشعب "التحتاني" الصغير ولا اقتصاده ولا المبادئ العامة للاقتصاد ونماذجه ومنظوماته وغياب تام للنظرة الاستشرافية وجهل بأعمدة الاقتصاد صناعيا كان أو ماركتينا أو فيوداليا..ما هو الحل اليوم على المستوى المتوسّط والطويل ؟هذه نظرتي للأشياء..
وعليه سنحاول إضفاء مسميات وتفسيرات عن ما يخرم الاقتصاد التونسي منذ بداية رئاسة زين العابدين بن علي الى يوم الناس هذا ومنها مثلا النسبة الفائدية المديرية المركّبة للبنك المركزي ونتائجها على الاقتصاد والمجتمع والتضخم المالي والقروض بصفة عامة وخاصة قروض السكن واستقلالية الاقتصاد والأثمان والفواتير والاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي لسنه 1995 والقانون عدد 64 لسنه 1991 والنصوص التطبيقية التي تلته وانسحاب الدولة من حراسة الاقتصاد الى حد الاستقالة وعدة مواضيع أخرى...
الخطة الهيكلية لتعديل الاقتصاد واتفاقيه 1995 مع الاتحاد الأوروبي
لا يخفى عن الجميع انه بداية من التسعينات قامت الحكومة التونسية بفتح الاقتصاد مع الاتحاد الاوروبي وكان الاتحاد الاوروبي وقتها هو النصوح الاقتصادي للرئيس بن علي وتم على حسب ذلك تقسيط الدول الأوروبية ومستعمراتها إلى دول مختصه في القطاعات الأول منها والثاني والثالث مما يعني تباعا القطاع الفلاحي ثم القطاع الصناعي ثم قطاع الخدمات... تم توكيل تونس وقتها على قطاع الخدمات واستبعادها عن القطاع الفلاحي والصناعي وكانت تلك من أكبر الأخطاء الاستراتيجية ولكن اقتصاديين وقتها لم يروا الخطر وموازاة لذلك تم إنشاء القانون عدد 64 لسنه 1991 وكان ذلك انتحار الدولة حيث جعل هذا القانون الاقتصاد حرا والأسعار مفتوحة دون ضرورة الرجوع الى السلطة التقديرية لقوّة الدولة في حين أنه في ايام الرئيس بورقيبة كان للدولة نظرة عن كل الأسعار ابتداء من المواد الأساسية وصولا حتى الى لمجة "الكسكروت" وكانت الدولة حينها حريصة على هذه المواضيع بيد حديدية لا تترك مجالا لاجتهاد المواطن او التاجر والبائع او رجل الاعمال... كما أن اتفاقيه 1995 مع الاتحاد الأوروبي بخلاف أنها صنفت بلادنا كقطر مختص في الخدمات وفسخت بذلك كل أمل في تحسين قوّتنا الاقتصادية عن طريق القطاع الصناعي وهي نظرة المستعمر للمستعمر والذي لن يقبل أبدا أن يتحول المستعمر الى قطاع اقتصادي صناعي مستقل ولذلك كانت اتفاقيه 1995 مع أوروبا تجعل السلع الأوروبية تدخل القطر التونسي دون حراسة ودون حدود مما جعلنا في هذه البلاد نشتري من أوروبا كل ما نحتاج اليه وكل ما لا نحتاج اليه من زيت زيتون إسباني وجبن فرنسي وشوكولاتة عالية الطراز وملابس داخليه نسائية عالية الجودة من الدونتال والاورقونزا وغيرها من الأقمشة الرفيعة والموز والفواكه الاستوائية والسجائر العالمية والأحذية والملابس الرياضية الخ... ولسنا في حاجة إليها، هذا دون الحديث عن السلع التركية التي تدخل بلادنا كالمصفاة و"افرح ياشعب و غني"، وفي المقابل وعكس الاتفاق مع أوروبا لا تستطيع تونس إلا بشق الأنفس بيع سلعها الى الاتحاد الاوروبي وهو خرق صارخ الى نص الاتفاقية و لقد كان من الأجدر منذ عشرات السنين خلت مراجعة هذه الاتفاقية غير العادلة او حتى قطعها بصفة جلية أو بصفة صامتة وإنقاذ عملتنا الصعبة المهربة منا شبه قصريا بناء على اتفاق سامي مدمّر أمضيناه بأيدينا...
سياسة الخوصصة و التفويت في المرفق العمومي واستقالة الدولة
ودون أن نغرق كثيرا في تاريخ اقتصادنا بداية من سنة 1985 إلى ما بعد ذلك حين بدأت الدولة إعادة النظر في سياستها الاقتصادية ومفهوم الدولة ومرفقها العمومي وإعادة هيكلته عن طريق عديد النصوص القانونية، وكان ذلك بداية نهاية الدولة الحريصة وبداية الانحلال الاقتصادي والذي تحوّل شيئا فشيئا تحت حرص المؤسسات الربحية وهدفها الربح دون النظر إلى احتياج المواطن الصغير... بدأ ذلك عن طريق برنامجي التعديل الهيكلي الأول والثاني، الأول تحت رعاية مؤسسات "بروتن وود" سنة 86 والثاني تحت رعاية الاتحاد الأوروبي و"البيرد" سنوات 94 و 95... وخلاصة القول أن ذلك التوجه جعل القطاع الخاص يهيمن على القطاع العمومي دون إعطاء التدابير والحقوق اللازمة للمواطن كما أن القطاع العمومي لميرد ولم يستطع أيضا الدخول في منافسة لبداهة الرؤية والإرادة في كنس وتهميش المرفق العمومي ولكن لماذا ؟ ما الذي وقع؟ ما وقع هو أن الاقتصاديين اليمينيين و الليبراليين والنيوليبراليين أخذوا مقاليد الحكم في القصر ومن ثم تباعا في الوزارة الأولى وبعدها في الإدارة وحتى في كليات الاقتصاد حين كان الأساتذة يعلّمون طلابهم -بكل حسن نية- أن اتفاقية 1995 هي أحسن نص تعاقدي وقع توقيعه بعد اتفاق الاستقلال وأن تونس ستصبح جنة على وجه الأرض.. هل كنا فعلا في حاجة أن نصبح جنة على الأرض أو فقط أن نحسّن عيشنا حسب قدراتنا وإرادتنا ؟ هل كنا فعلا من السذاجة إلى هذا الحد لكي نأمن أن الاتحاد الأوروبي سيجعلنا جنة مثله مثل إنقلترا وقطر ودبي ؟ وهاهي نتيجة لعبة "البوكر" التي لعبناها !! لم نستطع لا التقدم ولا الرجوع مثلنا مثل مقاتلي غزوة أحد حينما فشلوا، من استهتارهم بنصائح النبي، ولم يروا الخطر قادما إليهم.. والخلاصة أن توجه الخوصصة لم يكن متوازنا وأعطى قيمة لأشياء ثم غيّب أشياء بسياسة المكيالين وحيث أدت هذه السياسة إلى دخول الاتحاد الأوروبي في أعماق الدولة ثم إعطاء الأهمية المطلقة إلى القطاع الخدماتي وتهميش الفلاحة والصناعة ذلك تباعا إلى التفويت في القطاع العمومي وابتعاد الدولة عن المواطن وتحرير الأسعار وجعلها تحت إرادة المستثمرين والتجار مع كل ضيق وقصر نظرهم ممــا أدى قطعا وحتما ودون مفاجئة إلى غلاء المعيشة في مرحلة أولى ثم التضخّم المالي المعكوس الذي نعاني منه اليوم في مرحلة ثانية... أما ما يقوم به البنك المركزي اليوم ومنذ حوالي عشر سنوات ومع كل محافظيه الذين مروا في زيادة النسبة الفائدية موهمين أنفسهم أنهم سيحدّون من التضخّم وكانت النتيجة –كما يعلم الجميع- فاشلة وقد كان من الأجدر للبنك المركزي ووزراء المالية والاقتصاديين التابعين أن يقوموا بقليل من المجهود والتفكير وضبط النفس ويحوّلوا نظرهم إلى حرية الأسعار وهي أصل الداء في التضخّم وليس العكس... ولا ندري فعلا أين يعيش هؤلاء الناس وأين قاموا بدراسة علوم الاقتصاد والمحاسبة ؟ كما لا نعرف أين يرون الكم الهائل من العملة المتداولة في حين يتألّم التونسي لخلاص مائه وكهربائه وسكنه وطعامه ودراسة أبنائه كما نتساءل فعلا وبكل غرابة هل يعملون لفائدة تونس أو لفائدة أوروبا !!!
الاختصاص في القطاع الخدماتي و إقصاء القطاع الفلاحي و الصناعي و استقرار الأسعار
لقد قام كل كبار علماء الاقتصاد العالميين وهم على سبيل الذكر ولا الحصر: سميث، ريكاردو، ساي، ملطوس، ماركس، كينز، شمبتر، سمير أمين وغيرهم على النظر أن القطاعين الفاعلين القادرين على خلق الثروة و من ثم النمو الاقتصادي والناتج الخام هما الفلاحة والصناعة في حين أن الخدمات لا تعدو إلا أن تكون حزاما انتقاليا للعملة(Courroie de transmission ) ليس إلا، وكانت النتيجة أننا غرقنا في وعاء رملي يمتص عملتنا الصعبة ولا يرجعها بل أكثر من ذلك أنه لا يسمح لنا إنصافا واعتدالا أن نضع أيدينا على عملة الدول الأوروبية شريكتنا بخلاف أنه لن يسمح لنا أبدا بالوصول إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وأظن أن ما عشناه خلال صائفتي 22 و 23 لا يجعل مجالا للشك في ذلك... "بضاعتنا ردت إلينا" و "حصدنا ما زرعنا" ومن ينسى أنه أيام حكم النهضة وتحت حكومات كفاءات بائع البنزين والمستشار الزراعي الأمريكي قمنا ببيع الماشية إلى الجزائر وغيرها ثم تألّمنا وتفاجأنا عندما لم نجد حليبا في السوق لأطفالنا..(وهي حماقة لم تقم بها حتى قريش قبل نزول الرسالة ولم يكن لهم وقتها كليات اقتصاد) وللتاريخ فقد كان جمعة أول وزير فتح باب رفع الأسعار بطريقة صاروخية ورفع الدعم بصمت ولم نعد نستطع منذ ذلك إلى إيقاف "الفيضان"...
أما فيما يخص القطاع الصناعي فهو نفس نمط القطاع الفلاحي حيث يمكن بداية برمجة توجه صناعي ذاتي يربح لنا عملتنا الصعبة من أوروبا وباقي الشركاء ونبتعد بذلك عن شهية الصقور الرابضة لنا في كل ركن وفي كل قطر وحتى وإن ذهبنا للبحث عن الشراكة لدى الصين وكوريا الجنوبية وتايوان فعلاقتنا مع الاتحاد الأوروبي ليست عقد زواج وعملنا مع الصين ليس قضية زناء بين رجل وامرأة... وقد انتظرنا أوروبا منذ 1995 ولم نر أي مصلحة اقتصادية إلا في الشوكلاطة والجبن والملابس الداخلية.
بالرجــوع إلى مبادئ الاقتصــاد المــــالي والتفكير "الكيــنزي" في الأطروحة المــالية لتعديل الســـوق نجد أن ضخ كتلة مــالية في الســوق وفي الحياة اليومية لبلاد، لابد أن يعــادلهــا خلق متكافئ للإنتاج والثروة ممــا ينتج عنه أن وسائل التعديل وتحقيق استقرار في الاقتصاد يبدأ باستقرار الأسعار. والمتغير الرئيسي لتحقيق هذا الهدف هنــا هو زيادة أو نقصان معدل الفائدة عن طريق خلق الثروة والإنتاج وتدّخل الدولة عند الحاجة وليس من العدم ونعني بذلك تدخلها في الأسعار عندما ترى الخطر وليس بمجرد مقرّرات ذات ستة أشهر بل بقوانين دوام كما يقول الرئيس بورقيبة، دولة صلبة وليس دولة ناعمة ورخوة تسير حسب أهواء الرأسماليين مهما كانوا وأين كانوا في داخل وخارج الجمهورية بما فيهم أساتذة ومستشاري الاقتصاد الذين باعوا ذمّتهم وبلادهم في التسعينات إلى المحرقة للحصول في المقابل على قليل من الشكلاطة والموز والملابس النسائية الداخلية في حين لا يستطيع التونسي شراء زيت لأبنائه في بلاد الزيت ولا أرزا ولا حليبا... ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك والشرطــان الأساسيان لنجاح المعادلة غير متوفرين: فمن جهة نجد الأسعار غير مستقرة من يوم إلى يوم ومن جهة أخرى نجد أن خلق الثروة والنمو في البلاد قد تقهقر...ومن هنــا وقع تحطيم السلسلة عن طريق الكتلة المــالية والتحرير الفاحش وخسرت البلاد نتيجة لذلك أقوى سبلهــا لحل المشكل. فهل لا زلنا بعد كل هذا ننظر إلى اتفاقية 1995 مثلما نظرنا إليها في ذلك الوقت حين كان اقتصاديو درجة ثالثة يوهمون عسكريا بالرفاهة مثله مثل الرئيس الأميركي هوفر حين كان يقول "اشتروا اشتروا فإن الرخاء ينتظرنا في ركن الطريق "... ونعرف نتيجة ذلك والتي أدت إلى أكبر أزمة اقتصادية اكتسحت أقوى دولة في العالم وتجاهلت القطاع الفلاحي والصناعي وعوّلت على الخدمات ( رغم أنه لم يكن السبب الوحيد)...
المصيبة الاقتصادية التونسية القادمة : السكن والمــاء
تباعا لمسلسل مصاعب الاقتصاد التونسي سنمر إلى مشكل السكن ملكية وكراء... و ليس هنالك الكثير مما يقال فالمشكل واضح والحل أوضح ولكننا لازلنا لم نرى الأزمة قادمة... و يبقى التعديل عن طريق القانون وإبعاد الصقور الماليين مقاولون كانوا أو بنوكا بما فيه البنك المركزي والقيام بحملة توعية لدي الحكومة والمجلس النيابي والمجالس الجهوية والجماعات المحلية والمواطنين على حد السواء... إن إرساء قوانين واضحة المعالم حول السكن والكراء سيعطي علامة قوية أن السكن هو حق دستوري مضمون.. و لن يضمنه إلا قوانين تعديلية صارمة. ولو تبعنا فلسفة التشريع الفرنسي وفقه القضاء لرأينا أن فرنسا مثلا تضمن حق الملكية عن طريق البنوك بنص قانوني يجعل للبنوك مسؤولية في منح قروض دون فائدة لشراء السكن الأول أو لبنائه وهو قانون وقع إرساؤه حديثا لأن الدولة الفرنسية تدرك جليا أنه من واجب البنك الدخول في الدورة الاقتصادية والدور الاجتماعي المناط إليه لدى المواطن النشط من وجهة نظر أن البنك والدولة تحمل مسؤولية المواطن والاقتصاد وليس العكس... كما أن الجماعات المحلية لابد أن تراجع شروط رخص البناء وأن تقف على هذه الشروط المجحفة في اكتساب مساحة دنيا بــ 250 و 200 متر مربع للموافقة على رخص البناء.. وهل لازال التونسي يتحمّل شراء متر مربع ثمنه يتراوح بين 800 و1000 دينار في حين أنه يتحصّل على راتب بسيط وفي أحسن الأحوال متوسّط هذا علاوة على أن السلطة العامة من وزارة تجهيز وجماعات محلية استقالت من هذه المسؤولية المزعجة بدون حل ولم يبق لهم إلا نصح العائلات بالذهاب في السكن في الشاطئ أو في عرض البحر...
أما فيما يخص سوق الكراء فهو سوق مهمّش كليا دون قوانين ولا مجلّة ترتيبية بل فقط بعقود عن طريق القانون العام مما يرجعنا إلى معضلة الحلقة المفرغة للعرض والطلب ويجعل المالكين أصحاب السلطة الوحيدة في تقرير الأسعار ودائما تحت تهميش كامل للسلطة التقديرية للدولة... ولكي نرجع مرّة أخري إلى القانون الفرنسي فإن سوق الكراء ليست سوقا مجرّدة من القوانين والتراتيب حيث يخضع إلى أسعار دنيا وقصوى حسب المكان والمنطقة والمساحة الخارجية والمساحة المسكونة ورقاء المسكن وفخامته بالإضافة إلى القدرة الشرائية وقدرة خلاص العائلة الساكنة.. وإن كان هذا المثال صعبا على التوخي في بدايتها نظرا لحداثة الفكرة فإننا نستطيع تفسير أن حرية صاحب السكن تقف عندما تتعدى على حرية الساكن وخاصة أن العقود تتم حسب تشاركيه التراضي وليس بتراضي من طرف واحد كما أنه يمكننا تفسير هذا المفهوم الجديد بأن صاحب سيارة مثلا –رغم ملكيته للسيارة- لا يعطيه الحق لأن يذهب للطريق العام ويسحق بها المترجلين والدراجين والأطفال والحيوانات تحت الحجة الواهية أنه المالك...وكل هذه الانزلاقات واللامبالاة و الهراء الاقتصادي هي فعيل بداية سنوات الثمانينات بعد ذهاب نويرة و نظراته الاقتصادية والتي تركت المقاليد تهرب منها تحت رعاية مبدأ اقتصاد "دعه يفعل، دعه يمر" والمضحك في الأمر أن الدولة التي خلقت هذه القاعدة ندمت وتراجعت عنها بسبب تناقضاتها الهيكلية رغم قوتها الكاسحة و بقينا وغرقنا نحن فيها... مع وزرائنا العباقرة الذين ورّدناهم من وراء البحار..وخلاصة القول أننا إن لم نبدأ في القلق منذ اليوم على مشكل السكن والكراء فإننا سنجد، بعد عشر سنوات، مواطنين يعيشون تحت خيام في الشاطئ وفي الطريق العام. أما فيما يخص الماء وأزمة الماء الصالح للشراب فإنه بعد ما رأيناه صائفة 22 ثم صائفة 23 فإننا نشجع على بداية تركيز مشروعين جليلي الشأن لطالما تحدثت عنهما النهضة دون أن تبدأ فيهما قيد أنملة بخلاف الصور والمخططات المعمارية: المشروع الأول هو تحلية ماء البحر والمشروع الثاني هو إعادة استغلال المياه المستعملة بعد التصفية وضخها لفائدة القطاع الفلاحي، هذا دون نسيان إعادة تهيئة هذا القطاع وتشجيعه على أقصى الحدود للذهاب نحو الاكتفاء الذاتي على الأقل محدودا بالأمن الغذائي.
هذه باقتضاب أول الإصلاحات الجوهرية التي علينا البدء فيها منذ اليوم والله الموفق... عاشت تونس... عاشت الجمهورية.
________________________________________________
النصوص القانونية المعنية
- قانون عدد 9 لسنة 1989 متعلق بالمساهمات والمنشآت العمومية
- قانون عدد 64 لسنة 1991 يتعلق بالمنافسة والأسعار
- أمر عدد 270 لسنة 1996 يتعلق بضبط مشمولات وزارة التنمية الاقتصادية
- أمر عدد 410 لسنة 1997 يتعلق بضبط تركيبة وتسيير لجنة التطهير وإعادة هيكلة المنشآت ذات المساهمات العمومية وتركيبة ومشمولات اللجنة الفنية للخوصصة
- أمر عدد 2280 لسنة 2000 يتعلّق بضبط طرق تعيين وشروط تأجير مصفّيي المؤسّسات والمنشآت العموميّة والمنشآت ذات المساهمات العموميّة
- أمر عدد 2130 لسنة 2002 مؤرخ في 30 سبتمبر 2002 يتعلق بإلحاق هياكل تابعة لوزارة التنمية الاقتصادية سابقا بالوزارة الأولى
________________________________________________
* نسبة الفائدة يوم تحرير هذا بتاريخ 6 نوفمبر 23 هي 8 % وهي نسبة عالية رهيبة جدا حيث أن النسبة إن بدأت تفوق 4 % تصبح مقلقة وخطرة