واليوم يتجدد سيناريو الزوال الحتمي التاريخي مع كيان استعماري تبقى العنصرية هي السمة البارزة فيه
بقلم د. الصحراوي قمعون
صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة
في الكتاب الذي أصدره هذا العام 2023 الصحفي والكاتب الفرنسي الإسرائيلي مراسل الصحافة الفرنسية في إسرائيل شارْل أنْدِيرْلاَنْ بعنوان "إسرائيل واحتضار ديمقراطية " نبه إلى المخاطر التي تحيق بمستقبل ووجود إسرائيل، بعد الصعود الانتحاري لأقصي اليمين الديني اليهودي العنصري إلى سدة الحكم مع بنيامين ناتنياهو.
وكتب العديد من الإعلاميين والمثقفين الإسرائيليين مقالات في الصحافة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة نبهوا فيها إلى أن إسرائيل تعيش أزمة التمزق الداخلي وبوادر حرب أهلية مدمرة قادمة في المستقبل المنظور، بعد ان ظلت متماسكة في وحدة تبدو صماء في مواجهة الأعداء من الدول العربية المجاورة وفي مواجهة الشعب الفلسطيني الذي أفتكت منه أراضيه وظل يقاوم قرابة القرن من الزمن دون أن يعتريه اليأس أو الفتور إلى اليوم.
لقد كشفت هذه الكتابات عودة الوعي للكثيرين داخل إسرائيل بشأن حقيقة هذا الكيان الذي أصبحت تشقه خلافات ومشاكل عميقة متصلة بعنصرية المجتمع الإسرائيلي بين مختلف مكوناته القادمة من كل القارات بثقافات متناقضة لا تجمع بينهم غير الفكرة اليهودية بتأسيس كيان ليهود الشتات الذين عانوا منه ، رغم اندماجهم على مدى التاريخ في مجتمعات الإقامة ، إضافة إلى شراهة وجشع الحصول على أراض مجانية في فلسطين للاستيلاء عليها وطرد سكانها ومالكيها، كما جرى مع معمري الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس والمغرب، الذين اضطروا في النهاية أمام مقاومة حركة التحرير الوطنية إلى ترك تلك المستوطنات والعودة من حيث أتوا، بعد قرن وثلاثين سنة من الاستعمار المباشر في الجزائر.
واليوم يتجدد سيناريو الزوال الحتمي التاريخي مع كيان استعماري تبقى العنصرية هي السمة البارزة فيه ، حسب المؤرخين وعلماء الاجتماع . وتجد العنصرية الإسرائيلية نفسها شائعة ليس فقط حيال الأجانب وأصحاب الديانات الأخرى، بل بين أبناء الديانة اليهودية من يهود "السيفارديم" المطرودين مع المسلمين من الأندلس ويهود "الأشكيناز" المهاجرين من أوروبا وأمريكا وأسيا، وهم في أعلى الترتيب وأصحاب النفوذ السياسي والإعلامي والاقتصادي. وفي أسفل الترتيب الاجتماعي يوجد يهود الفلاشا من أثيوبيا الحبشة سابقا.
وعلى مدى السنين اهترأت الصورة الوردية التي أراد مؤسسو الدولة العبرية أن ينشروها في العالم منذ عام 1948. وظهرت في السنوات الأخيرة للعلن الخلافات والانقسامات العميقة صلب المجتمع الإسرائيلي بوصول اليمين الديني المتطرف إلى سدة الحكم وتكريسه مقومات المجتمع العنصري بطبعه.
"أبارتهيد" عنصري إسرائيلي
وكان الوزير الأول الحالي بنيامين ناتنياهو، وهو من "الآباء المدمّرين"، خلفا "للآباء المؤسّسين"، هو اللاعب السياسي الأكبر خلال العقود الأخيرة. وقد لعب على أوتار الطابع اليهودي للدولة الصهيونية، وأقر قوانين عدة في هذا السياق، منها قانون عام 2018 ، الذي يؤكد الطابع اليهودي للدولة ويرفض باقي المكونات بمن فيهم السكان العرب الأصليون لما قبل 1948 ، مشكلا بذلك نظام ميز عنصري يذكر العالم بنظام الميز العنصري "أبارتهيد" الذي كان سائدا في جنوب إفريقيا، التي كانت حليفة لإسرائيل خلال العشريات الأخيرة قبل سقوط حكم العنصريين ووصول الزعيم نلسون مانديلا الوطني إلى الحكم وقطعه العلاقة مع الكيان العنصري الإسرائيلي.
وطوال سنوات حكمه الطويلة، أمعن ناتنياهو في محاولاته إضفاء الطابع الديني على الدولة بعقده تحالفات مع كتل برلمانية يمينية متطرفة تجمع بينهم شرور العنصرية وكره الأخر والحقد الديني المتأصل في النفوس المريضة. وقد أصبح بذلك رهينة في أيديهم ولمعتقداتهم وتوجهاتهم الداعية إلي تغيير طبيعة الدولة ومؤسساتها عبر إضعاف الجهاز القضائي والمحكمة العليا التي تتمتع بمكانة أولى في النظام السياسي الإسرائيلي . وكان الهدف من ذلك تطويع القضاء الذي يلاحق ناتنياهو وعائلته والمقربين منه المتنفذين والمتهمين بعدة قضايا فساد وتبييض أموال ومحسوبية وفضائح أخلاقية.
وقد تبني نانتنياهو هذا النهج وشرع في تغيير تركيبة السلطات من أجل تقوية سلطات البرلمان أمام جهاز القضاء المتغوّل . وكان من نتيجة ذلك اندلاع احتجاجات شعبية واسعة النطاق وصفها البعض بأنها "صورة متأخرة من الربيع العربي"، وبأنها "الربيع العبري الحقيقي بعد فشل الربيع العَرَبي العِبْري الغَرْبي"، إثر خمود نار ثورات عام 2011 في العالم العربي وتحولها إلى رماد.
وكانت مطالب المحتجين الإسرائيليين خلال صائفة 2023 القائظة في تل أبيب تطالب بإسقاط نظام ناتنياهو بنفس الشعار الذي أطلقه باعثو الثورات العربية وعرابوها من أبناء وأصدقاء إسرائيل مثل "الفيلسوف المزعوم" الناشط الفرنسي برنار هنري ليفي . وبدا للبعض أن تلك الشعارات التدْميرية التي زرعوها في الشوارع العربية قد ارتدت عليهم في شوارع تل أبيب وعسقلان. وبدا للبعض الأخر أن ناتنياهو بدأ في تفكيك الدولة الإسرائيلية الباغية ومقوماتها وهيكلتها "الديمقراطية" القائمة على النمط الأوروبي الأمريكي الذي عرفت به منذ التأسيس والاغتصاب . وهي المقولة المزعومة التي جعلت الإسرائيليين يتبجحون يوميا بأنهم الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط ، حسب زعمهم. وقالت إحدى الصحف المعارضة لنتنياهو ، إن هذا الأخير قد صاحب وطبّع وجالس بعض قادة المنطقة فاصطبغ بالطابع السلطوي الاستبدادي السائد في منطقة الشرق الأوسط، فأصبح منهم وإليهم، يغدق على بعضهم هدايا صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات الاقراضية الفاعلة في العالم . بل إن كثيرا من المثقفين والجامعيين الإسرائيليين كتبوا مقالات وافتتاحيات في صحف أوروبية مثل "لوموند" الفرنسية اعتبروا فيها ان "الحلم بإسرائيل ديمقراطية ومنفتحة زال" عندهم. ولهذا لم يبق لهم غير مغادرتها ، بعد أن أصبحت تحكمها السباع المتوحشة وزبانية الجماعات اليهودية المتطرفة، وأزلام ناتنياهو.
وأصبح كثيرون يعتقدون أن أفاق العيش في هذا الكيان تبدو صعبة، بعد أن تحول إلي كيان غاصب ليس فقط للأرض الفلسطينية، بل للقيم اليهودية الاندماجية المعتدلة التي سمحت لليهود بالعيش في وفاق مع الآخرين في دول الشتات عبر العالم، فإذا بتأسيس إسرائيل كدولة، يتحول إلي كابوس مزعج يتقاتل فيه أبناء إسرائيل وكنعان من عناصر الجيش (تساهال) مع عناصر المستوطنين المسلحين بأفضل الأسلحة، وتنقسم فيه إسرائيل إلى أمة مشلولة، فقدت هويتها الأصيلة المجمعة لفكرة الشتات، وقد نجت من "المحرقة" و"الهولوكوسْت" و"البوغْرومْ" المجزرة في أوروبا على يد النازيين، فإذا الناجون من تلك المحرقة ينفذون يوميا "محرقة" و"هولوكوسْتًا" و"بوغْرُومًا" غاشما ضد شعب فلسطيني أعزل تفتك أراضيه ويهجر أهله ويقتل مقاوموه . هكذا ضربت في مقتل تلك الفكرة الصهيونية التي بنيت عليها الدولة الإسرائيلية عام 1948 دعايتها المضللة، لكنها سرعان ما بدت أملا خلبا، وفشلت، بعد سبعين سنة من الإنشاء والحياة المليئة بالحصار والمقاطعة والعدوانية والتوسع على حساب أصحاب الأرض . بل إن سكانها من الرعيل الأول فقدوا تلك الجذوة التأسيسية للكيان الذي تصدع وتحول لدى هؤلاء ولدى الجيل الجديد من الاسرائيليين إلى كيان عبثي لا يستحق الاندفاع والتضحية بالنفس من أجل مشروع هوية تحول إلى تقاتل واحتراب بين الإسرائيليين من مختلف الأقليات المعزولة أو من الأغلبيات العنصرية المهيمنة.
زلزال في تل أبيب
هكذا فقدت إسرائيل تلك القوة التي واجهت بها العرب في عدة حروب كلاسيكية للجيوش وأخرى غير تقليدية مع المقاومة اللبنانية . ولكن الجميع كان في تل أبيب يتأفف من تردي الأوضاع في البلاد التي أصبحت مصدر صداع وخوف لساكنيها وحراسها وجيشها الذي تعب من المواجهات والحروب الداخلية مع شعب فلسطيني مقاوم أعزل سليل أبناء الجبّارين، وضاق ذرعا من الحروب الخارجية . وهو جيش مهزوم من مواجهة النساء والأطفال في الأراضي المحتلة، أصبح يرغب في الراحة والنوم والاحتفال الصاخب حد الثمالة بيوم الكيبور وعيد الغفران حتى الصباح .
في كل تلك الظروف الاحتفالية ونوم الجنود والمستوطنين وكل المصالح الحيوية للدولة الشرق أوسطية المتراخية ، فاجأهم وفاجأ العالم هجوم "طوفان الأقصى" لأول مرة في تاريخ إسرائيل فجر يوم 7 أكتوبر 2023 بضربة قاصمة مباغتة وسريعة من "الحرب الخاطفة" التي يطلق عليها جنرالات الألمان في الحرب العالمية الثانية " بْلِيْتْز كْرِيغِي" التي تعودت إسرائيل نفسها أن تربح بها الحروب التي شنتها ضد الفلسطينيين وضد دول الطوق العربي حولها .
وأحدث الهجوم الصاعق الخاطف "زلزالا في تل أبيب"، لازالت ارتداداته مستمرة ،تهاوت فيه أسطورة "إسرائيل التي لا تقهر" زعما وكذبا وتضليلا .
واليوم يتجدد سيناريو الزوال الحتمي التاريخي مع كيان استعماري تبقى العنصرية هي السمة البارزة فيه
بقلم د. الصحراوي قمعون
صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة
في الكتاب الذي أصدره هذا العام 2023 الصحفي والكاتب الفرنسي الإسرائيلي مراسل الصحافة الفرنسية في إسرائيل شارْل أنْدِيرْلاَنْ بعنوان "إسرائيل واحتضار ديمقراطية " نبه إلى المخاطر التي تحيق بمستقبل ووجود إسرائيل، بعد الصعود الانتحاري لأقصي اليمين الديني اليهودي العنصري إلى سدة الحكم مع بنيامين ناتنياهو.
وكتب العديد من الإعلاميين والمثقفين الإسرائيليين مقالات في الصحافة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة نبهوا فيها إلى أن إسرائيل تعيش أزمة التمزق الداخلي وبوادر حرب أهلية مدمرة قادمة في المستقبل المنظور، بعد ان ظلت متماسكة في وحدة تبدو صماء في مواجهة الأعداء من الدول العربية المجاورة وفي مواجهة الشعب الفلسطيني الذي أفتكت منه أراضيه وظل يقاوم قرابة القرن من الزمن دون أن يعتريه اليأس أو الفتور إلى اليوم.
لقد كشفت هذه الكتابات عودة الوعي للكثيرين داخل إسرائيل بشأن حقيقة هذا الكيان الذي أصبحت تشقه خلافات ومشاكل عميقة متصلة بعنصرية المجتمع الإسرائيلي بين مختلف مكوناته القادمة من كل القارات بثقافات متناقضة لا تجمع بينهم غير الفكرة اليهودية بتأسيس كيان ليهود الشتات الذين عانوا منه ، رغم اندماجهم على مدى التاريخ في مجتمعات الإقامة ، إضافة إلى شراهة وجشع الحصول على أراض مجانية في فلسطين للاستيلاء عليها وطرد سكانها ومالكيها، كما جرى مع معمري الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس والمغرب، الذين اضطروا في النهاية أمام مقاومة حركة التحرير الوطنية إلى ترك تلك المستوطنات والعودة من حيث أتوا، بعد قرن وثلاثين سنة من الاستعمار المباشر في الجزائر.
واليوم يتجدد سيناريو الزوال الحتمي التاريخي مع كيان استعماري تبقى العنصرية هي السمة البارزة فيه ، حسب المؤرخين وعلماء الاجتماع . وتجد العنصرية الإسرائيلية نفسها شائعة ليس فقط حيال الأجانب وأصحاب الديانات الأخرى، بل بين أبناء الديانة اليهودية من يهود "السيفارديم" المطرودين مع المسلمين من الأندلس ويهود "الأشكيناز" المهاجرين من أوروبا وأمريكا وأسيا، وهم في أعلى الترتيب وأصحاب النفوذ السياسي والإعلامي والاقتصادي. وفي أسفل الترتيب الاجتماعي يوجد يهود الفلاشا من أثيوبيا الحبشة سابقا.
وعلى مدى السنين اهترأت الصورة الوردية التي أراد مؤسسو الدولة العبرية أن ينشروها في العالم منذ عام 1948. وظهرت في السنوات الأخيرة للعلن الخلافات والانقسامات العميقة صلب المجتمع الإسرائيلي بوصول اليمين الديني المتطرف إلى سدة الحكم وتكريسه مقومات المجتمع العنصري بطبعه.
"أبارتهيد" عنصري إسرائيلي
وكان الوزير الأول الحالي بنيامين ناتنياهو، وهو من "الآباء المدمّرين"، خلفا "للآباء المؤسّسين"، هو اللاعب السياسي الأكبر خلال العقود الأخيرة. وقد لعب على أوتار الطابع اليهودي للدولة الصهيونية، وأقر قوانين عدة في هذا السياق، منها قانون عام 2018 ، الذي يؤكد الطابع اليهودي للدولة ويرفض باقي المكونات بمن فيهم السكان العرب الأصليون لما قبل 1948 ، مشكلا بذلك نظام ميز عنصري يذكر العالم بنظام الميز العنصري "أبارتهيد" الذي كان سائدا في جنوب إفريقيا، التي كانت حليفة لإسرائيل خلال العشريات الأخيرة قبل سقوط حكم العنصريين ووصول الزعيم نلسون مانديلا الوطني إلى الحكم وقطعه العلاقة مع الكيان العنصري الإسرائيلي.
وطوال سنوات حكمه الطويلة، أمعن ناتنياهو في محاولاته إضفاء الطابع الديني على الدولة بعقده تحالفات مع كتل برلمانية يمينية متطرفة تجمع بينهم شرور العنصرية وكره الأخر والحقد الديني المتأصل في النفوس المريضة. وقد أصبح بذلك رهينة في أيديهم ولمعتقداتهم وتوجهاتهم الداعية إلي تغيير طبيعة الدولة ومؤسساتها عبر إضعاف الجهاز القضائي والمحكمة العليا التي تتمتع بمكانة أولى في النظام السياسي الإسرائيلي . وكان الهدف من ذلك تطويع القضاء الذي يلاحق ناتنياهو وعائلته والمقربين منه المتنفذين والمتهمين بعدة قضايا فساد وتبييض أموال ومحسوبية وفضائح أخلاقية.
وقد تبني نانتنياهو هذا النهج وشرع في تغيير تركيبة السلطات من أجل تقوية سلطات البرلمان أمام جهاز القضاء المتغوّل . وكان من نتيجة ذلك اندلاع احتجاجات شعبية واسعة النطاق وصفها البعض بأنها "صورة متأخرة من الربيع العربي"، وبأنها "الربيع العبري الحقيقي بعد فشل الربيع العَرَبي العِبْري الغَرْبي"، إثر خمود نار ثورات عام 2011 في العالم العربي وتحولها إلى رماد.
وكانت مطالب المحتجين الإسرائيليين خلال صائفة 2023 القائظة في تل أبيب تطالب بإسقاط نظام ناتنياهو بنفس الشعار الذي أطلقه باعثو الثورات العربية وعرابوها من أبناء وأصدقاء إسرائيل مثل "الفيلسوف المزعوم" الناشط الفرنسي برنار هنري ليفي . وبدا للبعض أن تلك الشعارات التدْميرية التي زرعوها في الشوارع العربية قد ارتدت عليهم في شوارع تل أبيب وعسقلان. وبدا للبعض الأخر أن ناتنياهو بدأ في تفكيك الدولة الإسرائيلية الباغية ومقوماتها وهيكلتها "الديمقراطية" القائمة على النمط الأوروبي الأمريكي الذي عرفت به منذ التأسيس والاغتصاب . وهي المقولة المزعومة التي جعلت الإسرائيليين يتبجحون يوميا بأنهم الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط ، حسب زعمهم. وقالت إحدى الصحف المعارضة لنتنياهو ، إن هذا الأخير قد صاحب وطبّع وجالس بعض قادة المنطقة فاصطبغ بالطابع السلطوي الاستبدادي السائد في منطقة الشرق الأوسط، فأصبح منهم وإليهم، يغدق على بعضهم هدايا صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات الاقراضية الفاعلة في العالم . بل إن كثيرا من المثقفين والجامعيين الإسرائيليين كتبوا مقالات وافتتاحيات في صحف أوروبية مثل "لوموند" الفرنسية اعتبروا فيها ان "الحلم بإسرائيل ديمقراطية ومنفتحة زال" عندهم. ولهذا لم يبق لهم غير مغادرتها ، بعد أن أصبحت تحكمها السباع المتوحشة وزبانية الجماعات اليهودية المتطرفة، وأزلام ناتنياهو.
وأصبح كثيرون يعتقدون أن أفاق العيش في هذا الكيان تبدو صعبة، بعد أن تحول إلي كيان غاصب ليس فقط للأرض الفلسطينية، بل للقيم اليهودية الاندماجية المعتدلة التي سمحت لليهود بالعيش في وفاق مع الآخرين في دول الشتات عبر العالم، فإذا بتأسيس إسرائيل كدولة، يتحول إلي كابوس مزعج يتقاتل فيه أبناء إسرائيل وكنعان من عناصر الجيش (تساهال) مع عناصر المستوطنين المسلحين بأفضل الأسلحة، وتنقسم فيه إسرائيل إلى أمة مشلولة، فقدت هويتها الأصيلة المجمعة لفكرة الشتات، وقد نجت من "المحرقة" و"الهولوكوسْت" و"البوغْرومْ" المجزرة في أوروبا على يد النازيين، فإذا الناجون من تلك المحرقة ينفذون يوميا "محرقة" و"هولوكوسْتًا" و"بوغْرُومًا" غاشما ضد شعب فلسطيني أعزل تفتك أراضيه ويهجر أهله ويقتل مقاوموه . هكذا ضربت في مقتل تلك الفكرة الصهيونية التي بنيت عليها الدولة الإسرائيلية عام 1948 دعايتها المضللة، لكنها سرعان ما بدت أملا خلبا، وفشلت، بعد سبعين سنة من الإنشاء والحياة المليئة بالحصار والمقاطعة والعدوانية والتوسع على حساب أصحاب الأرض . بل إن سكانها من الرعيل الأول فقدوا تلك الجذوة التأسيسية للكيان الذي تصدع وتحول لدى هؤلاء ولدى الجيل الجديد من الاسرائيليين إلى كيان عبثي لا يستحق الاندفاع والتضحية بالنفس من أجل مشروع هوية تحول إلى تقاتل واحتراب بين الإسرائيليين من مختلف الأقليات المعزولة أو من الأغلبيات العنصرية المهيمنة.
زلزال في تل أبيب
هكذا فقدت إسرائيل تلك القوة التي واجهت بها العرب في عدة حروب كلاسيكية للجيوش وأخرى غير تقليدية مع المقاومة اللبنانية . ولكن الجميع كان في تل أبيب يتأفف من تردي الأوضاع في البلاد التي أصبحت مصدر صداع وخوف لساكنيها وحراسها وجيشها الذي تعب من المواجهات والحروب الداخلية مع شعب فلسطيني مقاوم أعزل سليل أبناء الجبّارين، وضاق ذرعا من الحروب الخارجية . وهو جيش مهزوم من مواجهة النساء والأطفال في الأراضي المحتلة، أصبح يرغب في الراحة والنوم والاحتفال الصاخب حد الثمالة بيوم الكيبور وعيد الغفران حتى الصباح .
في كل تلك الظروف الاحتفالية ونوم الجنود والمستوطنين وكل المصالح الحيوية للدولة الشرق أوسطية المتراخية ، فاجأهم وفاجأ العالم هجوم "طوفان الأقصى" لأول مرة في تاريخ إسرائيل فجر يوم 7 أكتوبر 2023 بضربة قاصمة مباغتة وسريعة من "الحرب الخاطفة" التي يطلق عليها جنرالات الألمان في الحرب العالمية الثانية " بْلِيْتْز كْرِيغِي" التي تعودت إسرائيل نفسها أن تربح بها الحروب التي شنتها ضد الفلسطينيين وضد دول الطوق العربي حولها .
وأحدث الهجوم الصاعق الخاطف "زلزالا في تل أبيب"، لازالت ارتداداته مستمرة ،تهاوت فيه أسطورة "إسرائيل التي لا تقهر" زعما وكذبا وتضليلا .