إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أيعجز التونسيون عن القيام باحتجاجات ثقافية ضد فرنسا والغرب؟

 

 

يتجلى قصور البلديات في حماية اللغة العربية في كتابة اللافتات في الفضاء العام في الشوارع والمراكز التجارية والطرقات وغيرها حيث تغتصب اللغة الفرنسية المكانة الأولى فيها

أ.محمود الذوادي - عالم الاجتماع

تفيد الملاحظات أن الشعب التونسي يندد بالموقف الغربي العدائي ضد كفاح الفلسطينيين في غزة ضد الاحتلال الإسرائيلي. فقد تعرّى الوجه الحقيقي للغرب في تعامله مع حقوق الفلسطينيين في كفاحهم ضد الاحتلال الصهيوني لنيل استقلالهم وتأسيس دولتهم في الضفة الغربية وغزة. فالمساندة التونسية قوية للشعب الفلسطيني من القمة والقاعدة ومن بينهما. هناك سلوكيات احتجاجية ثقافية سهلة وسلمية يستطيع جميع التونسيات والتونسيات الجديين في موقفهم القيام بها، كما يقدر المجتمع ومؤسساته على فعل ذلك. لذا يطرح المقال مستويين للاحتجاج على سياسات الغرب المساندة للكيان الصهيوني. والاحتجاجات الرمزية قد يكون تأثيرها أقوى من تأثير المظاهرات والوسائل العنيفة.

وسائل الاحتجاج لدى الموطنين

  فكتابة المواطنات والمواطنين التونسيين لشيكاتهم البنكية بالحروف العربية فقط ونطق الأرقام باللغة العربية فقط والاحتجاج على كل لا فتة مكتوبة باللغة الفرنسية فقط وتحاشي استعمال الكلمات والجمل الفرنسية في الحديث اليومي هي بعض السلوكيات الفردية البسيطة التي تصبح احتجاجا جماعيا بالغ الأهمية على فرنسا ليس على المدى القصير فحسب أثناء الحرب في غزة وإنما على المدى الطويل بالنسبة لتحرير التونسيات والتونسيين من الاستلاب اللغوي ورتق تصدّع الهوية العربية المرتبكة لكثير منهم. فهذه التغييرات اللغوية لصالح اللغة الوطنية/ العربية هي ضمان لكسب رهان مناعة السيادة الوطنية في المجتمع التونسي. يُجمع أهل الذكر بهذا الصدد على الأولوية الكبرى بالنسبة لتمسك المجتمعات بلغاتها لأن من يخسر لغته يكتب غيره مسيرة مستقبله. وهذا ما يعبر عنه هؤلاء بقولهم: فشعب دون لغته الأصلية ما هو إلا نصف أمة. فيجب، إذن، على الأمة حماية لغتها أكثر من حمايتها لأراضيها إذ اللغة أمتن وأقوى حاجز حام لهويتها وحدودها من الغابات والجبال والأنهار والبحار.

وسائل احتجاج المجتمع ومؤسساته :

1-المجتمع التونسي وحقوقه اللغوية

 فمشروعية احتجاجات التونسيات والتونسيين على استعمال لغة المستعمر لا تأتي فقط من موقف فرنسا المتحيز بالكامل إلى المحتل الصهيوني بل تأتي أيضا بقوة من موقف الدفاع عن حقوق المجتمع التونسي في استعمال لغته الوطنية/العربية. مع الأسف، فمنذ

 الاستقلال حكمت النخب السياسية والفكرية "الحداثية" بقيادة الرئيس بورقيبة البلاد. وهي نخب يهيمن عليها الاستعمار الفرنسي اللغوي والفكري مما جعلها تتبنى سياسات لغوية تُحرم المجتمع التونسي من حقوقه في استعمال لغته الوطنية استعمالا كاملا وطبيعيا في تسيير شؤون الناس والمؤسسات في هذا المجتمع "المستقل" منذ 1956. تشير الكثير من الأحداث التونسية ضُعف الاهتمام بالأمور الوطنية وتهميشها في مجالات عديدة في المجتمع. مثلا، فتفضيل استعمال الفرنسية بدل العربية اللغة الوطنية للمجتمع التونسي في الإعلان عن نتائج امتحانات الباكلوريا وغيرها يُعتبر نفورا من رحاب الوطنية اللغوية. يجوز وصف تلك النخب التونسية بأنها تحتضن ما نسميه 'الازدواجية اللغوية الأمارة' التي تحرم تلك النخب من الوطنية اللغوية الحقيقية. أي أنهم بالتعبير الفلسفي دافعوا عن تحرير جسد المجتمع ( الاحتلال العسكري والسياسي والفلاحي) ورحبوا/يرحبون ببقاء روح المجتمع ( لغته وثقافته) مستعمَرة ومستلَبة الهوية.

 لقد أبرز مؤلف كتاب العقل العربي Raphael Patai آثار التعليم الثنائي اللغة على اللغة العربية في المجتمعات العربية كما هو الحال في التعليم الصادقي التونسي والتعليم العام بعد الاستقلال. فوجد الأعراض التالية لدى خريجيهما:

1ـ الانتماء إلى ثقافتين دون القدرة على تعريف الذات بالانتماء الكامل لأي منهما.2 ـ التذبذب المزدوج يتمثل في رغبتهم كسب علاقة حميمة كاملة مع الغرب ومع مجتمعهم في نفس الوقت دون النجاح في أي منهما.3 ـ يتصف خريجو ذلك التعليم بشخصية منفصمة ناتجة عن معايشة عاملين قويين متعاكسين: الارتباط بالثقافة العربية والانجذاب إلى الثقافة الغربية 4 ـ عداء سافر للاستعمار الفرنسي يقابله ترحيب كبير بلغته.فخريجو هاتين المدرستين أسسوا نظام تعليم تونسي يعيد إنتاج نمط تعليمهم الضعيف في الوطنية اللغوية كما يعبر عن ذلك مفهومReproduction (إعادة إنتاج أنفسهم ) في علم الاجتماع.

2-قصور البلديات في حماية اللغة العربية

كمعلم من معالم الاحتجاج على موقف فرنسا العدائي لعدالة القضية الفلسطينية، فالبلديات التونسية تستطيع المشاركة في الاحتجاج بحماس ضد فرنسا. مع الأسف، يتجلى قصور البلديات في حماية اللغة العربية في كتابة اللافتات في الفضاء العام في الشوارع والمراكز التجارية والطرقات وغيرها حيث تغتصب اللغة الفرنسية المكانة الأولى فيها رغم وجود قوانين بلدية تجبر أصحابَ تلك الأماكن بإعطاء الصدارة إلى كتابة اللافتات بالحروف العربية، بينما تتبنى البلديات سياسات لغوية في الاتجاه المعاكس تتمثل في كتابة أغلبية اللافتات بالفرنسية في مدن وقرى البلاد التونسية. تشير تلك السلوكيات اللغوية إلى أن البلديات التونسية فاقدة للوطنية اللغوية رغم أن القوانين البلدية تطالب باستعمال اللغة العربية أولا في اللافتات وبحروف كبيرة ثم ثانيا كتابتها بالفرنسية أو غيرها (عند الضرورة) تحت الكلمات العربية وبحروف صغيرة. يكثر الحديث بعد الثورة على دور المجتمع المدني في التصدي لبعض المعالم غير الوطنية وغيرها من الظواهر التي تعتدي على الجوانب المدنية للمجتمع. سألتُ المسئولين في محلات مثل المونوبري إذا كانت هناك احتجاجات من طرف المواطنين على اللافتات المكتوبة بالفرنسية فقط. فكانت الإجابات أن عدد التونسيات والتونسيين الذين قاموا بعملية الاحتجاج = صفرا/0. أي أن المجتمع المدني التونسي لا يحرك ساكنا حول موضوع مدني مائة في المائة وذي علاقة حميمة بالمواطنة اللغوية. هل سيدفع عداء فرنسا والغرب لحقوق الشعب الفلسطيني البلديات إلى الاحتجاج على الأقل بتقليص حضور الحروف الأجنبية في اللافتات في البلاد؟

3- احتجاج وزارة التربية في الميزان .

 تفيد دراساتنا للمسألة اللغوية في المجتمع التونسي أن غفلة المجتمع المدني عن أهمية اللغة الوطنية/العربية تعود أساسا إلى فقدان ما نسميه الحجر اللغوي في التعليم التونسي الذي يتمثل في تدريس كل المواد باللغة الوطنية فقط حتى نهاية التعليم الثانوي كما تفعل مثلا المجتمعات الأوروبية. وحتى تشارك وزارة التربية في الاحتجاج على تحيز فرنسا للعدو الصهيوني ينبغي على الوزارة طرح بدلين لإنهاء التدريس باللغة الفرنسية المواد العلمية في المرحلة الثانوية: 1- تدريس تلك المواد باللغة الوطنية فقط وهي السياسة اللغوية الطبيعية والوطنية في المجتمعات ذات السيادة الكاملة. 2- تدريس تلك المواد باللغة الانكليزية لغة العلوم اليوم على المستوى العالمي. وهذا البديل تتبناه مجتمعات أخرى ليس في المرحلة الثانوية فحسب وإنما في المراحل الجامعية كما هو الحال في الجزائر والمغرب وغيرهما في بعض المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء. فالمناداة بالاستقلال اللغوي لم تكن أولوية مثل الاستقلال السياسي والعسكري والفلاحي لدى النخب السياسية بقيادة الرئيس بورقيبة ومن قادوا مسيرة البلاد بعد رحيل الاستعمار الفرنسي. ويعود إهمال وتهميش أهمية الاستقلال اللغوي عند تلك النخب إلى جهل بانعكاسات تواصل الاستعمار اللغوي على النخب بكل أصنافها وعلى عامة الشعب الذي تؤثر فيه تلك النخب. وبهذا الصدد تعود جذور الرضى بحضور الاستعمار اللغوي إلى ما قبل الاستقلال. فقد أخطأ خيرُ الدين باشا في قرار التدريس باللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية بدلا عن العربية جهلا علميا (أو عمدا) منه بالآثار السلبية على اللغة العربية وهوية خريجي هذه المدرسة. لذا .يخطئ معظمُ التونسيين في الاعتقاد أن مجرد إتقان الصادقيين للغة العربية وغيرهم من خريجي المدرسة العمومية بعد الاستقلال يجعلهم يحترمونها مثل الفرنسية أو يفضلونها في الحديث والكتابة. فبورقيبة والنخب التونسية بعد الاستقلال متحيزون أكثر إلى اللغة الفرنسية. يؤكد التحليل العلمي أن السبب الأول وراء ذلك هو فقدانهم للحجر اللغوي (دراسة جميع المواد باللغة العربية حتى نهاية التعليم الثانوي). ومن ثم، فأجيال ما قبل وبعد الاستقلال في المجتمع التونسي هي أجيال مسلوبة الوطنية اللغوية بسبب فقدانها للحجر اللغوي. فوزارة التربية تطرح استشارة لإصلاح التعليم وقد كثر الحديث في الماضي ويزداد اليوم حول إصلاح المنظومة التربوية، لكن لا أحد ذكر أن الإصلاح الحقيقي لأبجدية منظومة التعليم لا يتم دون تبني الحجر اللغوي لتأصيل منظومة التربية في مجتمع يقول دستوره إن اللغة العربية هي لغته الوطنية الوحيدة .

 

 

 

 

 

 

أيعجز التونسيون عن القيام باحتجاجات ثقافية ضد فرنسا والغرب؟

 

 

يتجلى قصور البلديات في حماية اللغة العربية في كتابة اللافتات في الفضاء العام في الشوارع والمراكز التجارية والطرقات وغيرها حيث تغتصب اللغة الفرنسية المكانة الأولى فيها

أ.محمود الذوادي - عالم الاجتماع

تفيد الملاحظات أن الشعب التونسي يندد بالموقف الغربي العدائي ضد كفاح الفلسطينيين في غزة ضد الاحتلال الإسرائيلي. فقد تعرّى الوجه الحقيقي للغرب في تعامله مع حقوق الفلسطينيين في كفاحهم ضد الاحتلال الصهيوني لنيل استقلالهم وتأسيس دولتهم في الضفة الغربية وغزة. فالمساندة التونسية قوية للشعب الفلسطيني من القمة والقاعدة ومن بينهما. هناك سلوكيات احتجاجية ثقافية سهلة وسلمية يستطيع جميع التونسيات والتونسيات الجديين في موقفهم القيام بها، كما يقدر المجتمع ومؤسساته على فعل ذلك. لذا يطرح المقال مستويين للاحتجاج على سياسات الغرب المساندة للكيان الصهيوني. والاحتجاجات الرمزية قد يكون تأثيرها أقوى من تأثير المظاهرات والوسائل العنيفة.

وسائل الاحتجاج لدى الموطنين

  فكتابة المواطنات والمواطنين التونسيين لشيكاتهم البنكية بالحروف العربية فقط ونطق الأرقام باللغة العربية فقط والاحتجاج على كل لا فتة مكتوبة باللغة الفرنسية فقط وتحاشي استعمال الكلمات والجمل الفرنسية في الحديث اليومي هي بعض السلوكيات الفردية البسيطة التي تصبح احتجاجا جماعيا بالغ الأهمية على فرنسا ليس على المدى القصير فحسب أثناء الحرب في غزة وإنما على المدى الطويل بالنسبة لتحرير التونسيات والتونسيين من الاستلاب اللغوي ورتق تصدّع الهوية العربية المرتبكة لكثير منهم. فهذه التغييرات اللغوية لصالح اللغة الوطنية/ العربية هي ضمان لكسب رهان مناعة السيادة الوطنية في المجتمع التونسي. يُجمع أهل الذكر بهذا الصدد على الأولوية الكبرى بالنسبة لتمسك المجتمعات بلغاتها لأن من يخسر لغته يكتب غيره مسيرة مستقبله. وهذا ما يعبر عنه هؤلاء بقولهم: فشعب دون لغته الأصلية ما هو إلا نصف أمة. فيجب، إذن، على الأمة حماية لغتها أكثر من حمايتها لأراضيها إذ اللغة أمتن وأقوى حاجز حام لهويتها وحدودها من الغابات والجبال والأنهار والبحار.

وسائل احتجاج المجتمع ومؤسساته :

1-المجتمع التونسي وحقوقه اللغوية

 فمشروعية احتجاجات التونسيات والتونسيين على استعمال لغة المستعمر لا تأتي فقط من موقف فرنسا المتحيز بالكامل إلى المحتل الصهيوني بل تأتي أيضا بقوة من موقف الدفاع عن حقوق المجتمع التونسي في استعمال لغته الوطنية/العربية. مع الأسف، فمنذ

 الاستقلال حكمت النخب السياسية والفكرية "الحداثية" بقيادة الرئيس بورقيبة البلاد. وهي نخب يهيمن عليها الاستعمار الفرنسي اللغوي والفكري مما جعلها تتبنى سياسات لغوية تُحرم المجتمع التونسي من حقوقه في استعمال لغته الوطنية استعمالا كاملا وطبيعيا في تسيير شؤون الناس والمؤسسات في هذا المجتمع "المستقل" منذ 1956. تشير الكثير من الأحداث التونسية ضُعف الاهتمام بالأمور الوطنية وتهميشها في مجالات عديدة في المجتمع. مثلا، فتفضيل استعمال الفرنسية بدل العربية اللغة الوطنية للمجتمع التونسي في الإعلان عن نتائج امتحانات الباكلوريا وغيرها يُعتبر نفورا من رحاب الوطنية اللغوية. يجوز وصف تلك النخب التونسية بأنها تحتضن ما نسميه 'الازدواجية اللغوية الأمارة' التي تحرم تلك النخب من الوطنية اللغوية الحقيقية. أي أنهم بالتعبير الفلسفي دافعوا عن تحرير جسد المجتمع ( الاحتلال العسكري والسياسي والفلاحي) ورحبوا/يرحبون ببقاء روح المجتمع ( لغته وثقافته) مستعمَرة ومستلَبة الهوية.

 لقد أبرز مؤلف كتاب العقل العربي Raphael Patai آثار التعليم الثنائي اللغة على اللغة العربية في المجتمعات العربية كما هو الحال في التعليم الصادقي التونسي والتعليم العام بعد الاستقلال. فوجد الأعراض التالية لدى خريجيهما:

1ـ الانتماء إلى ثقافتين دون القدرة على تعريف الذات بالانتماء الكامل لأي منهما.2 ـ التذبذب المزدوج يتمثل في رغبتهم كسب علاقة حميمة كاملة مع الغرب ومع مجتمعهم في نفس الوقت دون النجاح في أي منهما.3 ـ يتصف خريجو ذلك التعليم بشخصية منفصمة ناتجة عن معايشة عاملين قويين متعاكسين: الارتباط بالثقافة العربية والانجذاب إلى الثقافة الغربية 4 ـ عداء سافر للاستعمار الفرنسي يقابله ترحيب كبير بلغته.فخريجو هاتين المدرستين أسسوا نظام تعليم تونسي يعيد إنتاج نمط تعليمهم الضعيف في الوطنية اللغوية كما يعبر عن ذلك مفهومReproduction (إعادة إنتاج أنفسهم ) في علم الاجتماع.

2-قصور البلديات في حماية اللغة العربية

كمعلم من معالم الاحتجاج على موقف فرنسا العدائي لعدالة القضية الفلسطينية، فالبلديات التونسية تستطيع المشاركة في الاحتجاج بحماس ضد فرنسا. مع الأسف، يتجلى قصور البلديات في حماية اللغة العربية في كتابة اللافتات في الفضاء العام في الشوارع والمراكز التجارية والطرقات وغيرها حيث تغتصب اللغة الفرنسية المكانة الأولى فيها رغم وجود قوانين بلدية تجبر أصحابَ تلك الأماكن بإعطاء الصدارة إلى كتابة اللافتات بالحروف العربية، بينما تتبنى البلديات سياسات لغوية في الاتجاه المعاكس تتمثل في كتابة أغلبية اللافتات بالفرنسية في مدن وقرى البلاد التونسية. تشير تلك السلوكيات اللغوية إلى أن البلديات التونسية فاقدة للوطنية اللغوية رغم أن القوانين البلدية تطالب باستعمال اللغة العربية أولا في اللافتات وبحروف كبيرة ثم ثانيا كتابتها بالفرنسية أو غيرها (عند الضرورة) تحت الكلمات العربية وبحروف صغيرة. يكثر الحديث بعد الثورة على دور المجتمع المدني في التصدي لبعض المعالم غير الوطنية وغيرها من الظواهر التي تعتدي على الجوانب المدنية للمجتمع. سألتُ المسئولين في محلات مثل المونوبري إذا كانت هناك احتجاجات من طرف المواطنين على اللافتات المكتوبة بالفرنسية فقط. فكانت الإجابات أن عدد التونسيات والتونسيين الذين قاموا بعملية الاحتجاج = صفرا/0. أي أن المجتمع المدني التونسي لا يحرك ساكنا حول موضوع مدني مائة في المائة وذي علاقة حميمة بالمواطنة اللغوية. هل سيدفع عداء فرنسا والغرب لحقوق الشعب الفلسطيني البلديات إلى الاحتجاج على الأقل بتقليص حضور الحروف الأجنبية في اللافتات في البلاد؟

3- احتجاج وزارة التربية في الميزان .

 تفيد دراساتنا للمسألة اللغوية في المجتمع التونسي أن غفلة المجتمع المدني عن أهمية اللغة الوطنية/العربية تعود أساسا إلى فقدان ما نسميه الحجر اللغوي في التعليم التونسي الذي يتمثل في تدريس كل المواد باللغة الوطنية فقط حتى نهاية التعليم الثانوي كما تفعل مثلا المجتمعات الأوروبية. وحتى تشارك وزارة التربية في الاحتجاج على تحيز فرنسا للعدو الصهيوني ينبغي على الوزارة طرح بدلين لإنهاء التدريس باللغة الفرنسية المواد العلمية في المرحلة الثانوية: 1- تدريس تلك المواد باللغة الوطنية فقط وهي السياسة اللغوية الطبيعية والوطنية في المجتمعات ذات السيادة الكاملة. 2- تدريس تلك المواد باللغة الانكليزية لغة العلوم اليوم على المستوى العالمي. وهذا البديل تتبناه مجتمعات أخرى ليس في المرحلة الثانوية فحسب وإنما في المراحل الجامعية كما هو الحال في الجزائر والمغرب وغيرهما في بعض المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء. فالمناداة بالاستقلال اللغوي لم تكن أولوية مثل الاستقلال السياسي والعسكري والفلاحي لدى النخب السياسية بقيادة الرئيس بورقيبة ومن قادوا مسيرة البلاد بعد رحيل الاستعمار الفرنسي. ويعود إهمال وتهميش أهمية الاستقلال اللغوي عند تلك النخب إلى جهل بانعكاسات تواصل الاستعمار اللغوي على النخب بكل أصنافها وعلى عامة الشعب الذي تؤثر فيه تلك النخب. وبهذا الصدد تعود جذور الرضى بحضور الاستعمار اللغوي إلى ما قبل الاستقلال. فقد أخطأ خيرُ الدين باشا في قرار التدريس باللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية بدلا عن العربية جهلا علميا (أو عمدا) منه بالآثار السلبية على اللغة العربية وهوية خريجي هذه المدرسة. لذا .يخطئ معظمُ التونسيين في الاعتقاد أن مجرد إتقان الصادقيين للغة العربية وغيرهم من خريجي المدرسة العمومية بعد الاستقلال يجعلهم يحترمونها مثل الفرنسية أو يفضلونها في الحديث والكتابة. فبورقيبة والنخب التونسية بعد الاستقلال متحيزون أكثر إلى اللغة الفرنسية. يؤكد التحليل العلمي أن السبب الأول وراء ذلك هو فقدانهم للحجر اللغوي (دراسة جميع المواد باللغة العربية حتى نهاية التعليم الثانوي). ومن ثم، فأجيال ما قبل وبعد الاستقلال في المجتمع التونسي هي أجيال مسلوبة الوطنية اللغوية بسبب فقدانها للحجر اللغوي. فوزارة التربية تطرح استشارة لإصلاح التعليم وقد كثر الحديث في الماضي ويزداد اليوم حول إصلاح المنظومة التربوية، لكن لا أحد ذكر أن الإصلاح الحقيقي لأبجدية منظومة التعليم لا يتم دون تبني الحجر اللغوي لتأصيل منظومة التربية في مجتمع يقول دستوره إن اللغة العربية هي لغته الوطنية الوحيدة .