إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ملفات "الصباح": المجازر الصهيونية.. تاريخ الدم!

 

تونس– الصباح

وكأن الدم الفلسطيني لا ثمن له..، وكأن الدم العربي لا ثمن له..،وكأن الكيان الصهيوني فوق كل القوانين البشرية..، وكأنه فوق القانون والشرعية الدولية، فمهما يرتكب هذا الكيان من جرائم حرب ضدّ الانسانية ومن ابادة جماعية ومن فظاعات فانه ينجح في النهاية في الافلات من العقاب ومن الإدانة القضائية..، عشرات الجرائم والمجازر ارتكبها في انحاء متفرّقة من العالم ولكن جنرالات جيشه والمسؤولين المباشرين على هذه الجرائم لم تطلهم يوما يد العدالة ولم يمثلوا أمام أي محكمة لمحاسبتهم عمّا اقترفوه في حق الابرياء والعزل على كل شبر من الأراضي المحتلة وفي مخيمات اللاجئين وخيام الشتات وفي البلدان التي احتمى بها قادة المقاومة الفلسطينية.

مجازر دموية عبر تاريخ طويل من الصراع ومنذ النكبة، من دير ياسين، مرورا بمجازر اللد وخان يونس وحي الشجاعية وصبرا وشاتيلا وقانا وغيرها من المجازر وصولا الى مجزرة مستشفى المعمداني في غزة مؤخرا، والتي حدثت أمام أنظار العالم حيث قُصف المستشفى الذي كان يضم مرضى ومصابين جراء الغارات الوحشية على القطاع ليسقط أكثر من 500 شهيد دون أي إدانة دولية قضائية لهذه الجريمة السافرة التي أسقطت القناع على العالم الغربي وأظهرت الى أي مدى يكيل بمكيالين في حماية حقوق الإنسان..

ولم تتوقّف جرائم الكيان الصهيوني على الداخل الفلسطيني بل لاحق القيادة الفلسطينية واغتال جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد، رموز هذه المقاومة في أماكن متفرقة من العالم ومنها تونس، التي نفّذ فيها الكيان المحتل مجزرة حمام الشط أواخر الثمانينات في عملية الساق الخشبية، أين امتزج الدم التونسي بالدم الفلسطيني في عملية بشعة نفذها جيش طيران الاحتلال في واقعة لم تمح إلى الآن من أذهان التونسيين.

 كما تم تنفيذ عمليتي اغتيال الأولى ذهب ضحيتها خليل الوزير المُكنى بأبي جهاد وهو أحد مؤسسي حركة فتح، وأبرز قيادات المقاومة وتمت عملية الاغتيال في منزله بضاحية سيدي بوسعيد والى اليوم يتفاخر الكيان الصهيوني بكل صلف بأن عملية الاغتيال كانت من أهم عمليات الاغتيال التي نُفّذت خارج الاراضي المحتلة، واعادت الموساد الكرة مرة اخرى عند اغتيالها للمهندس التونسي محمد الزواوي في 2016 بمدينة صفاقس، والزواوي هو الذي صنع مسيرات الابابيل التي استعملتها حماس مؤخرا لدحر العدوان الصهيوني على غزة .

وإضافة إلى المجازر والعمليات الدموية، للكيان تاريخ أسود في تنفيذ الاغتيالات لشخصيات عربية وقيادات المقاومة ولكن كل تلك الجرائم تواجه بصمت من المجتمع الدولي الذي استطاع معاقبة النازيين على جرائمهم، ولكنه لم يعاقب يوما الكيان الصهيوني وضرب بعرض الحائط كل المبادئ والقوانين والعهود والمواثيق الدولية التي تكرست بعد محكمة نورنبيرغ والمحكمة الجنائية الدولية.

وهنا لابد من طرح سؤال أساسي لماذا لم تتم ادانة الكيان جرّاء هذه الجرائم، فهل ذلك بسبب القوانين والقوى العظمى المنحازة للكيان والمتستّرة على جرائمه، أم بسبب التقصير في تفعيل الاجراءات التي يضمنها القانون الدولي لمعاقبة اسرائيل على جرائمها، وهل أن هذا التقصير نابع بالأساس من إذعان الدول العربية وخوفها من مواجهة الكيان؟

في هذه الملف سنحاول الاجابة عن كل هذه الأسئلة، وسنسلّط الضوء مجدّدا على التاريخ الدموي للكيان المحتل وما ارتكبه من مذابح ومجازر شكلت ذاكرة سوداء كانت وصمة عار في جبين الانسانية ولا يمكن للبشرية أن تنسى تلك الجرائم والفظاعات .

ملف من إعداد : منية العرفاوي

 

مجزرة حمام الشط : القضية تنزف على أرض تونسية

في صباح ذلك اليوم الاوّل من أكتوبر 1985 استفاق العالم على عملية قصف وحشية نفّذتها ثماني طائرات من سلاح الجو الاسرائيلي على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في مدينة حمام الشط.. وابل من القنابل، انتهى بسقوط 68 شهيدا وأكثر من 100 جريح، بين فلسطينيين وتونسيين بالإضافة إلى تدمير مقر القيادة بالكامل ومنازل لمدنيين في المنطقة.

وحسب التقرير الرسمي الذي تقدمت به، آنذاك، تونس الى الأمين العام للأمم المتحدة فان تلك الغارة الجوية انتهت باستشهاد 50 فلسطينيا و18 تونسيا و100 جريح، كما قدرت السلطات التونسية وقتها الخسائر  في الملف الذي قدمته للأمين العام للأمم المتحدة بـ)5.821.485( دينارا تونسيا أي ما يناهز وقتها 8.5 ملايين دولار، والى اليوم تعتبر غارة حمام الشط من أعنف الضربات التي تلقتها منظمة التحرير الفلسطينية، فلو نجحت الغارة لتمكّن وقتها الكيان الصهيوني من نسف كل القيادة العسكرية الفلسطينية من الوجود ودفعة واحدة.

وأتت عملية »الساق الخشبية «  كما سمتها »اسرائيل «  بعد انتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينيةعام 1982 للاستقرار في تونس إثر الاجتياح الصهيوني للبنان، وقد تم الاختيار وقتها على اقامة القيادات الفلسطينية بمدينة حمام الشط الواقعة بالضاحية الجنوبية للعاصمة. وفي صيف 1985 صدر قرار إسرائيلي بتصفية كل القادة الفلسطينيين وتسخير كل الوسائل لذلك..، وفي ذلك اليوم الذي تمت فيه الغارة تسرّبت معلومات سرية ودقيقة قبل ذلك للكيان الصهيوني،تؤكد انه سيكون هناك اجتماع للقيادة العامة بمدينة حمام الشط وأن كل قيادات المنظمة وعلى رأسها الرئيس الراحل ياسر عرفات ستكون حاضرة. ولكن لقاء ذلك اليوم تأجل لمساء اليوم ذاته لأن بعض القيادات تأخرت في الحضور إلى تونس، وغادر عرفات يومها قاعة اللقاء في اللحظات الاخيرة قبل شنّ الهجوم الغادر والعنيف حيث تم قصف المقر بستة صواريخ دمرت المكان بالكامل وسوّته بالأرض.

وبعد تلك العملية البشعة والمنتهكة للسيادة التونسية، نجح النظام التونسي بقيادة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في انتزاع اعتراف مجلس الأمن والولايات المتحدة وإدانتهما للجريمة الإسرائيلية، والإقرار بحق تونس في التعويضات وذلك بعد أن هدد بورقيبة بقطع العلاقات الديبلوماسية مع الولايات المتحدة إذا ما استعملت حقّ "الفيتو" ولم تتم إدانة إسرائيل في مجلس الأمن.

ورغم ذلك لم تتوقف عربدة الكيان الصهيوني على الارض التونسية حيث بعد عملية "الساق الخشبية" نجحت الموساد في اغتيال القيادي في حركة فتح خليل الوزير أو جهاد، وبعد عقود وفي السنوات الاخيرة نجح الموساد أيضا في اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري .

مجزرة المعمداني : جريمة ضدّ الانسانية عرّت الغرب !

بعد عمليات قصف مركّز على غزة، استمر لأيام وبشكل كثيف ووحشي، تفاجأ العالم، بتنفيذ الكيان الصهيوني لأبشع مجازره على الإطلاق منذ مجزرة دير ياسين سنة 1948، وذلك عندما قصف طيران جيش الاحتلال مستشفى المعمداني في غزة أين كان يحتمي مئات المدنيين المهجرين والهاربين من القصف المستمر لليوم الحادي عشر، بالإضافة إلى سقوط عشرات من الجرحى والأطباء والمسعفين.

مذبحة حقيقية انتهت باستشهاد 500 فلسطيني حسب إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع..، بعد الغارة كان المشهد مروّعا في محيط المستشفى حيث تناثرت أشلاء الشهداء والجرحى في كل مكان وبدت الجثث ممزقة ومحترقة بالكامل..، كانت المشاهد بشعة وقاتلة للضمير الإنساني ولدول العالم التي وقف بعضها مصدوما في حين سارع حلفاء الكيان الصهيوني من الدول الغربية للبحث عن تعلات وأكاذيب لإخفاء بشاعة الجريمة.

مجزرة المعمداني البشعة أسقطت ورقة التوت بشكل نهائي عن كل أطروحات ومقولات الغرب بشأن حقوق الإنسان والكرامة البشرية، وكل الدول الأوروبية ومعها الولايات المتحدة الأمريكية انحازت إلى الكيان الصهيوني وتحاول التغطية على جريمته.

بداية النكبة:من ينسى مجزرة دير ياسين؟

في عام 1948 ومع بداية تثبيت الصهيونية كتيار محتّل للأراضي الفلسطينية قررت العصابات الصهيونية التي انتشرت في كافة فلسطين، إخلاء كل القرى الفلسطينية وذلك باستعمال سياسة الترهيب والترويع للسكان الفلسطينيين ودفعهم قسرا إلى النزوح والتهجير نحو دول الجوار، وكانت دير ياسين من بين القرى التي روع سكانها، حيث كانت بتاريخ 9 أفريل 1948 على موعد تاريخي مع ابشع مجزرة نفذها الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

تسللت في فجر ذلك اليوم العصابات الصهيونية الدموية إلى القرية وقتلت في غضون عدة ساعات ما بين 250 و300 فلسطيني في عملية وحشية انتهت بتهجير جميع سكان القرية دير ياسين الذين كان عددهم قبل المجزرة يزيد على 600، وتحوّل بعد ذلك اسم القرية إلى مستوطنة »جعفات شاؤول « ونفّذ المذبحة  مجموعتا الإرجونوشتيرن الصهيونيتان، والى اليوم تعدّ مجزرة دير ياسين أبشع جريمة ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في صفوف المدنيين والأطفال والنساء والشيوخ في القرية الفلسطينية الواقعة غربي القدس، حيث تراوح تقدير عدد الضحايا بين 250 و360 حسب المصادر العربية والفلسطينية. وتمثلت وقائع المذبحة وفق المصادر التاريخية في انقضاض المهاجمين، تسبقهم سيارة مصفّحة على القرية ولكنهم فوجئوا بمقاومة أهالي القرية وطلبوا المساعدة من قيادة »الهاجاناه «  في القدس وجاءت التعزيزات، وتم الهجوم باستعمال مكثف للنار والرصاص على القرويين دون تمييز بين رجل أو طفل أو امرأة. ولم تكتف العناصر اليهودية المسلحة من إراقة الدماء في القرية، بل أخذوا عددا من القرويين الأحياء بالسيارات واستعرضوهم في شوارع الأحياء اليهودية وسط هتافات اليهود، في انتهاك وضيع لجميع المواثيق والأعراف الدولية حيث جرت أبشع أنواع التعذيب.

وقد سبق الهجوم على دير ياسين تطورات سياسية وعسكرية كان لها تأثير كبير في مسار الأحداث. فبعد صدور قرار التقسيم في نوفمبر 1947 وخلال الأشهر التي سبقت نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين في ماي 1948، اشتعلت الحرب في فلسطين ووصل التنافس العسكري إلى ذروته بين منظمة الهاغاناه من جهة ومنظمتي الإرجونوشتيرن من جهة أُخرى وكانت الأولى تمثل التيار العمالي بقيادة دافيد بن غوريون، بينما كانت الأُخريان تمثلان التيار اليميني بتعاليم فلاديمير جابوتنسكي، وكان أبرز قادته مناحم بيغين.. وأفظع ما حصل أن هذا التنافس كان بتنفيذ العمليات الارهابية ضد الفلسطينيين والتباري حول من كان أكثر وحشية وكانت القدس والقرى المجاورة لها ساحة لهذه الاعمال الوحشية بالنظر إلى أهمية المكان رمزيا وتاريخيا ودينيا وسياسيا واستراتيجيا.

 وبعد مذبحة دير ياسين، استوطن اليهود القرية وفي عام 1980 أعاد اليهود البناء في القرية فوق أنقاض المباني الأصلية وأسموا الشوارع بأسماء مقاتلين الإرجون الذين نفّذوا المذبحة دون أن يحرّك المجتمع الدولي ساكنا..

مذبحة خان يونس : إعدامات في ساحات عامة..

قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، سنة 1956، وهو ما مثل تهديدامباشرا للقوى الكبرى في العالم، على رأسهم فرنسا وبريطانيا. وانتهزت إسرائيل الفرصة لتحقيق مطامعها باحتلال سيناء، وهو ما انتهى بتشكيل تحالف ثلاثي بين كل من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا الذين شنوا عدوانهم على مصر بشكل موحد. وقادت إسرائيل وفرنسا وبريطانيا عمليات عسكرية في مدن القناة، حيث اشتبك معها الجيش المصري والفدائيون. وفي نوفمبر من نفس العام أصدرت الأمم المتحدة قرار وقف إطلاق النار. وعقب ذاك أطلقت القوات الإسرائيلية عملية توغل واسعة في غزة زعمت أن الهدف منها تعقب فدائيين فلسطينيين شاركوا في حرب السويس إلى جانب مصر. وواجه سكان بلدة خان يونس هذه العملية بمقاومة شديدة، وردا على ذلك قصفت القوات الإسرائيلية المدنيين بالمدفعية وجالت دوريات الجيش الإسرائيلي في أزقة البلدة، تطالب الشباب والرجال من عمر 16 إلى 50 سنة بالخروج، ثم جرى إعدامهم ميدانيا بشكل جماعي. وأحصت المصادر الفلسطينية سقوط نحو 520 ضحية جراء المذبحة، سواء عبر الإعدامات الميدانية أو في القصف العشوائي الجوي أو البحري.

العصف المأكول ومذبحة حي الشجاعية

في 2014 شنت قوات الاحتلال الصهيوني عملية عسكرية واسعة على قطاع غزة وأطلقت على تلك العملية الوحشية اسم »الجرف الصامد « وردت المقاومة على هذه الهجمة بعملية »العصف المأكول « وتزامنت هذه العملية مع شهر رمضان ولكن دون مراعاة لأي مقدسات او لروحانيات شهر الصيام، قصف الكيان وكما يحصل اليوم بالقطاع بشكل وحشي، حيث شن الطيران العسكري الإسرائيلي قصفا عشوائيا على حي الشجاعية وسط غزة، ليسقط عشرات الشهداء وأغلبهم نساء وأطفال .وقدرت وزارة الصحة الفلسطينية وقتها عدد الضحايا بـ74 شخصا، بينهم 14 امرأة وأربعة مسنين و17 طفلا، أصغرهم يبلغ من العمر عامين. واستمرت حرب 2014 لنحو 51 يوما، فيما اعتبر أطول وأعنف عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، وأسفر عن استشهاد 2139 وجرح 11128 مواطنا فلسطينيا.

صبرا وشاتيلا .. مجزرة ستلاحق بالعار الضمير الإنساني العالمي !

ربما لم يشهد العصر الحديث مجزرة في حجم ووحشية مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبها الجيش الصهيوني وما يسمّى بجيش لبنان الجنوبي والقوات اللبنانية وهي الجناح العسكري لحزب الكتائب، ضد اللاجئين الفلسطينيين في مخيم صبرا وشاتيلا، ووحدثت بين 16 و18 سبتمبر 1982 إثر اجتياح بيروت.

ارتكب مجزرة صبرا وشاتيلا حزب الكتائب اللبناني المسيحي "القوات اللبنانية" بقيادة إيلي حبيقة، وجيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، والجيش الصهيوني بقيادة أرييل شارون. وجيش لبنان الجنوبي
تم تأسيسه عام 1976 على يد أفراد من الجيش اللبناني في مدينة مرجعيون جنوب لبنان. وكان أغلب أعضائه من اللبنانيين المسيحيين الذين كانت لهم مشاكل مع فصائل من المقاومة الفلسطينية التي سيطرت على جنوب لبنان في ذلك الحين، وهرب أغلب عناصره إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000. ورغم أن مجزرة صبرا وشاتيلا لم تكن أول مجازر الاحتلال بحق الفلسطينيين ولا الأخيرة، فقد سبقتها مجازر الطنطورة وقبية ودير ياسين وتلتها مذبحة مخيم جنين ومجازر منسية أخرى في غزة والضفة الغربية، لكن بشاعة ووحشية المجزرة جعلت هذه المجزرة علامة فارقة في الضمير الفلسطيني والدولي.

والي اليوم، ما زالت صور عشرات الجثث المتناثرة في أزقة مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين في لبنان والمنازل المدمرة والأشلاء وبرك الدم التي تطفو فوقها أطراف الأطفال المبتورة، حاضرة بكامل تفاصيلها الدقيقة في ذاكرة كل أحرار العالم من المناصرين للقضية، حيث يصفها البعض بأن هذه المذبحة هي"الأبشع في التاريخ الإنساني" وصنفت منظمة »هيومن رايتس ووتش «  ما حدث في صبرا وشاتيلا ضمن "جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية".

 وتفاصيل العملية وفق المصادر التاريخية تشير الى دخول 3 فرق تابعة لميشيات القوات والكتائب قادها إيلي حبيقة إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا، تحت ذريعة البحث عن 1500 مسلح فلسطيني. وطوّقت القوات الصهيونية بقيادة شارون  الموقع مع إنارته ليلا بالقنابل المضيئة لتسهيل مهمة القتلة بعيدا عن أنظار العالم ووسائل الإعلام، ويتحدث البعض أن أرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك اعتلى سطح مبنى إحدى السفارات العربية المطلة  على المخيم، للإشراف بنفسه على مراقبة مجريات المجزرة.

وبدأت مقدمات المجزرة  عندما تقدمت القوات الإسرائيلية المحمية بغطاء جوي كثيف إلى داخل العاصمة بيروت بعد أن غادرها مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية، ونشرت عشرات الدبابات على أطراف مخيم صبرا وشاتيلا وحاصرت المخيم، وذلك إثر اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل يوم 14 سبتمبر 1982. وعلى مدار 3 أيام بلياليها، ارتكبت المجموعات الانعزالية والجنود الإسرائيليون مذابح بشعة ضد أهالي المخيم العزل، استخدموا فيها الرشاشات والمسدسات والسكاكين والسواطير. ونقل شهود عايشوا المجزرة مشاهد لحوامل بقرت بطونهن وألقيت جثثهن في أزقة المخيم، وأطفال قطعت أطرافهم، وعشرات الأشلاء والجثث المشوهة التي تناثرت في الشوارع وداخل المنازل المدمرة، كما اقتادوا ممرضين وأطباء من مستشفى عكا إلى وجهات أخرى حيث تمت تصفيتهم. وتشير التقديرات إلى سقوط قتلى يقدّر عددهم بين 700 و5 آلاف. ولكن الرقم الذي يبدو أقرب إلى الدقة من بين مجمل ما نشر هو ما توصلت إليه الباحثة الفلسطينية بيان نويهض الحوت، ونشرته في كتابها »صبرا وشتيلا-سبتمبر 1982"،  حيث قدّرت عدد القتلى بـ1300 شخص على الأقل، واستندت في ذلك إلى مقارنة 17 قائمة لأسماء الضحايا ومصادر أخرى.

مجزرة قاناإدانة أممية وصمت دولي مخجل !

وقعت تفاصيل المجزرة المروعة يوم 18 أفريل 1996، بمركز قيادة الكتيبة التابعة للأمم المتحدة في قانا، حيث شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي قصفا مدفعيا، في إطار عدوان »عناقيد الغضب « وفق التسمية الصهيونية، الذي كان قد انطلق قبل ذلك بنحو أسبوع. وجراء القصف الإسرائيلي المتواصل لجأ أهالي بلدة قانا، إلى مقر لقوات الطوارئ الدولية الأممية (يونيفيل)، ظنا منهم أن الكيان الصهيوني لن يقصفه، باعتبار أنه مقر أممي محمي بموجب القوانين والمواثيق والأعراف الدولية.

لكن يد العدوان الصهيوني اختارت أن لا تراعي حرمة أعراف ولا قوانين دولية، وقصفت قوات الاحتلال مقر الكتيبة التابعة لقوة الأمم المتحدة في لبنان واستشهد ما يزيد عن الـ 106 من المدنيين الأبرياء وأصيب نحو 150 شخصا بجروح وإعاقات وإصابات بدنية ونفسية متفاوتة الخطورة.

وكان جيش الاحتلال يعلم علم اليقين بوجود المدنيين من الاطفال والنساء في المقر ولكنه قام بقصفه وارتكاب المجزرة الجماعية البشعة، وأعلن كعادة اليهود في الكذب والتضليل والاجرام انهم اخطأوا بالتصويب لعدم وجود طائرة استطلاع لتحديد اهداف المدفعية بدقة. لكن فاجأهم أحد عناصر قوات الطوارئ الدولية الذي صور شريط فيديو يظهر القذائف وهي تنفجر، بينما كانت طائرة استطلاع تابعة لجيش الاحتلال تحلق في الجو. وفنّد بذلك ادعاءات شمعون بيريز رئيس وزراء كيان العدو الصهيوني آنذاك عندما قال أن "إن الجيش الإسرائيلي لم يكن على علم بوجود مدنيين في مقر الامم المتحدة". وقد أجرى الجنرال فرانك فان كابين المستشار العسكري في الأمم المتحدة تحقيقا رسميا في موقع المجزرة ورفعه إلى الأمين العام للأمم المتحدة في حينه، بطرس غالي جاء فيه »استحالة أن يكون قصف القاعدة التابعة لليونيفيل في قانا نتيجة خطأ تقني أو إجرائي فادح كما ادعى ذلك مسؤولون في الجيش الإسرائيلي"، كما أجرت عدة منظمات عالمية مهتمة بحقوق الإنسان تحقيقات حول المجزرة، وخلصت كلها إلى ترجيح أن يكون القصف متعمدا وليس نتيجة الخطأ التقني الذي ادعاه الكيان الصهيوني.

وقد مارست ادارة الرئيس الأمريكي كلينتون آنذاك ضغوطا هائلة على الامين العام للأمم المتحدة بطرس غالي كي لا ينشر التقرير الاممي، ولكنه أصر على نشره حيث كشف التقرير بوضوح تام عن معرفة وعلم "اسرائيل" بوجود المدنيين في مقر اليونيفيل، وأنها دمرته عن عمد وسبق اصرار وليس عن طريق الخطأ كما زعمت.

ورغم ذلك وجّهت الجمعية العامة للأمم المتحدة  صفعة قوية للرئيس الأمريكي كلينتون وأقرت في أفريل 1996 بان الأعمال التي قامت بها إسرائيل خلال الحرب العدوانية التي اشعلتها في جنوب لبنان تشكل انتهاكا فاضحا للقوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين خلال الحرب.

ولكن رغم ذلك لم تعاقب محكمة الجنايات الدولية الكيان المجرم وافلت أغلب المسؤولين عن المذبحة من العقاب .

الجمعي القاسمي لـ"الصباح"المجازر والمذابح جزء من العقيدة الصهيونية دينيا وعسكريا !

بعد مجزرة قانا نشر الإعلامي والخبير في الشأن السياسي الدولي جمعي القاسمي، مقالا تحت عنوان »مجزرة قانا.. وفي اليوم السابع لم يرتح الربّ « وكان ذلك المقال قراءة عميقة في تلك المجزرة التي سبقتها مجازر وتلتها مجازر أفظع دون أن يعقب ذلك أي إدانة دولية أو تجريم للفعل المشين ..

وحول سياسية المذابح والمجازر التي يعتمدها الكيان الصهيوني منذ النكبة بكل وحشية، يقول الجمعي القاسمي في هذا التصريح الذي خصّ به»الصباح«: »في البداية لابد من التأكيد أن شلال الدم الفلسطيني والعربي أيضا ما زال متواصلا، وأقول العربي لأن هناك مجازر تم تنفيذها في لبنان ومصر إلى جانب الأراضي التونسية..، وهذه المجازر هي جزء من العقيدة الصهيونية، الدينية والعسكرية والتي ترى أنه بقدر ما تسفك دماء الأبرياء وبكل وحشية بقدر ما تكون قادرا على إدخال الفزع في قلوب أصحاب القضية وطمس الحق الفلسطيني والعربي في وطن محرّر عاصمته القدس. وهذا كله يندرج في إطار الإبقاء على المشروع الصهيوني في المنطقة ككل وليس في فلسطين فقط حيث انه من المفارقات أن المجتمع الدولي والأمم المتحدة، يعترف بإسرائيل كدولة ولكن دون أن يضع لها حدودا، لأن العقيدة الصهيونية تسعى لتأسيس كيانها من النهر إلى النهر أي من دجلة إلى النيل، وانطلاقا من هذه العقيدة، المجازر تعتبر وسيلة لتثبيت ذلك الكيان الذي يريدونه، وذلك ببث اكبر قدر من الترويع والرعب وقد نجحت هذه الخطة في انتزاع اعتراف عربي بهذا الكيان من خلال اتفاقيات السلام والتطبيع بفعل الوقع الوحشي لكل تلك المجازر التي أهانت الإنسانية في عمقها بداية من دير ياسين وصولا إلى مستشفى المعمداني مرورا بصبرا وشاتيلا وبحر البقر بمصر وحمام الشط بتونس، وكل تلك المجازر المترامية في بلدان عربية مختلفة تجاوزت حدود فلسطين المحتلة، وهذه المجازر الوحشية لا بد من التوقف أمامها وإبرازها أمام الضمير العالمي الذي ما زال فيه الغرب يكيل بمكيالين".

ويضيف الجمعي القاسمي : »ما هو ثابت تاريخيا أن الكيان الصهيوني القائم الآن هو قائم على أشلاء الأبرياء وليس هناك وسيلة من المواجهة إلا بالنار، لأن العدو الصهيوني أثبت في أكثر من مرة أنه يخشى هذا الأسلوب ويخاف الخسائر البشرية لاعتبارات معينة وربما عكس المقاومة التي ترى في المواجهة مجدا وشهادة، وبالتالي هناك المجازر أداة واضحة منصوص عليها بشكل صريح في العقيدة الصهيونية، السياسية والعسكرية، وفي حالات الضعف أو الفشل يتم تفعيلها بكل وحشية لتغطية عن الارتباك والعجز، ولكن اللافت أن غالبية هذه المجازر كانت دائما مرتبطة بالتواجد الأمريكي، فكما قصف مستشفى المعمداني ساعات قبل وصول بايدن لتل أبيب، في مذبحة قانا كانت أيضا وقتها كونداليزا رايس في زيارة للمنطقة لتهدئة الأوضاع".

وردّا على سؤال لمحدّثنا لما لم تتم إدانة الكيان الصهيوني دوليا بسبب هذه المجازر قال القاسمي »الشرعية الدولية والتي أوافق الرئيس قيس سعيد عند قوله إن هذه الشرعية لم تعد لها شرعية، لأن هذه الشرعية هي شرعية المنتصر كُتبت بعد الحرب العالمية الثانية وفق رؤية المنتصرين وبمنطق أنا صاحب هذه النصوص بإمكاني فرضها هنا ورفضها هناك ونحن أمامها مجرد ضعفاء مجبرين على الانخراط في مشروع هذه الشرعية المختل أصلا وذلك لعوامل ذاتية أساسها، إننا نحن كعرب لم نستطع التقاط المحطات الكبرى في تاريخ القضية وانصعنا لاتفاقيات السلام الواهم، وعوامل موضوعية منها تقاعس الأطراف المعنية والرسمية في الصراع في القيام بواجبها بالتوجّه مثلا إلى محكمة الجنايات الدولية وفضح تلك الممارسات الوحشية وهنا أقصد سلطة أوسلو التي لم تتقدم بأي ملف كطرف متضرر من الصراع ومن هذه الوحشية رغم المجهودات الكبيرة التي بذلها نشطاء وجمعيات، رغم أن الذهاب اليوم إلى هذه المحكمة قد يحقق نتائج وينتزع إدانة خاصة وأن مواقف رئيسها معروفة ولكن سلطة أوسلو لم تبادر في هذا الاتجاه، وهذا ما يضعف الحق في انتزاع إدانة دولية للكيان الصهيوني بسبب هذه المجازر خاصة وأن التقاضي أمام محكمة الجنايات الدولية لا يمكن أن يتم إلا إذا كان للمتقاضي مصلحة من ذلك وكان طرفا أساسيا في النزاع كسلطة رام الله مثلا".

وفي ختام اللقاء قال الجمعي أنه ستكون هناك متغيرات دولية وإقليمية إذا استمرت الحرب على هذا النسق ولكنه يخشى أن لا تحمي موازين القوى اليوم الحق الفلسطيني وأن تنقض أطراف على الأمر بهدف تذويب القضية وفق مشروع اكبر بات مفضوحا اليوم .

أستاذ العلاقات الدولية منتصر الشريف لـ»الصباح«تونس يمكنها أن تتقدم بشكوى أمام الجنايات الدولية ضد إسرائيل بتهمة تنفيذ جرائم حرب في غزة !

يُطرح دائما السؤال وبشكل متكرر..، لماذا لا يُعاقب هذا الكيان المارق ولا تتم إدانته دوليا أو النظر في جرائمه من طرف محكمة الجنايات الدولية، رغم أنه ينّفذ كل مرة جريمة إبادة وجريمة ضدّ الإنسانية..، يتكرّر السؤال مع كل مجزرة ينّفذها الكيان الصهيوني في كل شبر من أرض فلسطين المحتّلة وعلى مرّ تاريخ الصراع أو في كل منطقة عربية نفّذها فيها هذا الكيان جريمة أو مجزرة سواء في لبنان أو مصر أو في تونس بعد اعتداء حمام الشط.. ولكن لا إجابة مقنعة.. لأن الجميع يطالب بالإدانة ولا أحد يسعى بجدية لانتزاع هذه الإدانة وفق الشرعية الدولية.

سنحاول الإجابة عن هذا السؤال من الناحية القانونية ووفق منطوق القانون الدولي وذلك مع أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سوسة والخبير في القانون الدولي، منتصر الشريف، الذي قال في تصريح لـ»الصباح«:»في البداية وحتى تكون المصطلحات واضحة عندما نريد أن نسعى إلى الإدانة يجب استعمال مصطلح جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم إبادة، ولا نستعمل مصطلح مذبحة ومجزرة لأن هذه المصطلحات ليست قانونية، وثانيا يجب أن نفهم الميكانيزمات التي يشتغل بها القانون الدولي الذي يطبّق بين دول ويختلف عن القوانين الوطنية، ففي القوانين دائما هناك سلطة عليا لإنفاذ القوانين ولكن في المجتمع الدولي ليس هناك سلطة عليا لتنفيذ القانون الدولي بل الدول هي التي تنفّذ هذا القانون.. يعني أن أي دولة يمكن أن تنّفذ العقوبات التي نصّ عليها القانون الدولي على أي دولة رأت أنها تخرق هذا القانون..، فهل سعت مثلا الدول العربية ووفق الإمكانيات والعقوبات التي يتيحها القانون الدولي إلى معاقبة إسرائيل..، أبدا لم تفعل".

ويضيف الأستاذ منتصر الشريف: »هناك عقوبات ينص عليها القانون الدولي وكان يمكن لأي دولة عربية تطبيقها على إسرائيل، مثل الحصار الاقتصادي أو طرد وسحب السفراء بالنسبة للدول التي لها علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، أو منع تصدير أو توريد بعض المنتوجات الإسرائيلية.. هناك إمكانيات لمعاقبة إسرائيل ومحاصرتها دوليا، وبالتالي هنا المشكلة ليست في القانون الدولي بل في الدول العربية الخائفة من استغلال العقوبات التي يتيحها القانون الدولي". 

الأستاذ منتصر الشريف أشار أيضا إلى مثال قانون تجريم التطبيع الذي هو بصدد المناقشة اليوم في البرلمان حيث قال : »قبل الدخول في قانون تجريم التطبيع هل تعلمون أن تونس في منظومتها القانونية لا تملك نصّا قانونيا يجرّم جرائم الحرب يعني مثلا يمكن لأي مجرم حرب إسرائيلي الدخول إلى تونس دون تجريم.. وحتى بقية المنظومات القانونية العربية لا توجد بها نصوص تعاقب مجرمي الحرب.. قد يبدو هذا تفصيلا للبعض ولكنه في جوهر العقوبات التي كانت يمكن تفعيلها ومحاصرة إسرائيل من خلالها..، مثلا عكس القانون البلجيكي الذي يدين جرائم الحرب وارييل شارون ظل لسنوات غير قادر على مغادرة تل أبيب بسبب إدانته على خلفية جريمة صبرا وشاتيلا..، حتى البلدان الأوروبية تفعّل ذات الإجراءات ضد فلاديمير بوتين الذي لا يستطيع مغادرة موسكو بشكل آمن بسبب الحرب الأوكرانية ولتفعيل إجراءات القانون الدولي ضدّه.. يعني هنا المشكلة في الدول العربية وليس القانون الدولي وصمتها عن تفعيل هذه الإجراءات هي خوفها من الولايات المتحدة الأمريكية".

وعن التطورات الميدانية اليوم على جبهة الصراع بين المقاومة والكيان المحتّل والمساندة العربية للقضية الفلسطينية، يقول الأستاذ منتصر الشريف: »مسيرات المساندة مهمة ولكن غير كافية لأنها لا تتيح أدوات لمعاقبة إسرائيل والعقاب هو الأمر الوحيد الذي يترك أثرا ويغيّر من وقائع، أنا لطلبتي كنت أشبه الأمر بمن يملك بندقية وهجم عليه أسد وطرحه أرضا لأنه ببساطة لم يستعمل البندقية للدفاع عن نفسه، وهنا القانون الدولي كالبندقية تماما يجب استعمالها وقلب المعادلة من خلالها، أنت حرفيا تملك ترسانة قوانين يمكن أن تردع إسرائيل حتى دون الدخول معها في حرب.. تونس اليوم عضو في محكمة الجنايات الدولية ويمكنها بذلك التقدّم بشكاية للمدّعي العام بالمحكمة حول وجود جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزّة وهي جرائم بادية للعيان ومؤيداتها واضحة وهنا المدّعي العام سيثير تحقيقا في هذه الجرائم ويمكن أن ننتزع إدانة في هذا السياق ووقتها سيفكّر المسؤولين الإسرائيليين ألف مرة قبل التفكير في مغادرة إسرائيل « .

 

ملفات "الصباح":  المجازر الصهيونية.. تاريخ الدم!

 

تونس– الصباح

وكأن الدم الفلسطيني لا ثمن له..، وكأن الدم العربي لا ثمن له..،وكأن الكيان الصهيوني فوق كل القوانين البشرية..، وكأنه فوق القانون والشرعية الدولية، فمهما يرتكب هذا الكيان من جرائم حرب ضدّ الانسانية ومن ابادة جماعية ومن فظاعات فانه ينجح في النهاية في الافلات من العقاب ومن الإدانة القضائية..، عشرات الجرائم والمجازر ارتكبها في انحاء متفرّقة من العالم ولكن جنرالات جيشه والمسؤولين المباشرين على هذه الجرائم لم تطلهم يوما يد العدالة ولم يمثلوا أمام أي محكمة لمحاسبتهم عمّا اقترفوه في حق الابرياء والعزل على كل شبر من الأراضي المحتلة وفي مخيمات اللاجئين وخيام الشتات وفي البلدان التي احتمى بها قادة المقاومة الفلسطينية.

مجازر دموية عبر تاريخ طويل من الصراع ومنذ النكبة، من دير ياسين، مرورا بمجازر اللد وخان يونس وحي الشجاعية وصبرا وشاتيلا وقانا وغيرها من المجازر وصولا الى مجزرة مستشفى المعمداني في غزة مؤخرا، والتي حدثت أمام أنظار العالم حيث قُصف المستشفى الذي كان يضم مرضى ومصابين جراء الغارات الوحشية على القطاع ليسقط أكثر من 500 شهيد دون أي إدانة دولية قضائية لهذه الجريمة السافرة التي أسقطت القناع على العالم الغربي وأظهرت الى أي مدى يكيل بمكيالين في حماية حقوق الإنسان..

ولم تتوقّف جرائم الكيان الصهيوني على الداخل الفلسطيني بل لاحق القيادة الفلسطينية واغتال جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد، رموز هذه المقاومة في أماكن متفرقة من العالم ومنها تونس، التي نفّذ فيها الكيان المحتل مجزرة حمام الشط أواخر الثمانينات في عملية الساق الخشبية، أين امتزج الدم التونسي بالدم الفلسطيني في عملية بشعة نفذها جيش طيران الاحتلال في واقعة لم تمح إلى الآن من أذهان التونسيين.

 كما تم تنفيذ عمليتي اغتيال الأولى ذهب ضحيتها خليل الوزير المُكنى بأبي جهاد وهو أحد مؤسسي حركة فتح، وأبرز قيادات المقاومة وتمت عملية الاغتيال في منزله بضاحية سيدي بوسعيد والى اليوم يتفاخر الكيان الصهيوني بكل صلف بأن عملية الاغتيال كانت من أهم عمليات الاغتيال التي نُفّذت خارج الاراضي المحتلة، واعادت الموساد الكرة مرة اخرى عند اغتيالها للمهندس التونسي محمد الزواوي في 2016 بمدينة صفاقس، والزواوي هو الذي صنع مسيرات الابابيل التي استعملتها حماس مؤخرا لدحر العدوان الصهيوني على غزة .

وإضافة إلى المجازر والعمليات الدموية، للكيان تاريخ أسود في تنفيذ الاغتيالات لشخصيات عربية وقيادات المقاومة ولكن كل تلك الجرائم تواجه بصمت من المجتمع الدولي الذي استطاع معاقبة النازيين على جرائمهم، ولكنه لم يعاقب يوما الكيان الصهيوني وضرب بعرض الحائط كل المبادئ والقوانين والعهود والمواثيق الدولية التي تكرست بعد محكمة نورنبيرغ والمحكمة الجنائية الدولية.

وهنا لابد من طرح سؤال أساسي لماذا لم تتم ادانة الكيان جرّاء هذه الجرائم، فهل ذلك بسبب القوانين والقوى العظمى المنحازة للكيان والمتستّرة على جرائمه، أم بسبب التقصير في تفعيل الاجراءات التي يضمنها القانون الدولي لمعاقبة اسرائيل على جرائمها، وهل أن هذا التقصير نابع بالأساس من إذعان الدول العربية وخوفها من مواجهة الكيان؟

في هذه الملف سنحاول الاجابة عن كل هذه الأسئلة، وسنسلّط الضوء مجدّدا على التاريخ الدموي للكيان المحتل وما ارتكبه من مذابح ومجازر شكلت ذاكرة سوداء كانت وصمة عار في جبين الانسانية ولا يمكن للبشرية أن تنسى تلك الجرائم والفظاعات .

ملف من إعداد : منية العرفاوي

 

مجزرة حمام الشط : القضية تنزف على أرض تونسية

في صباح ذلك اليوم الاوّل من أكتوبر 1985 استفاق العالم على عملية قصف وحشية نفّذتها ثماني طائرات من سلاح الجو الاسرائيلي على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في مدينة حمام الشط.. وابل من القنابل، انتهى بسقوط 68 شهيدا وأكثر من 100 جريح، بين فلسطينيين وتونسيين بالإضافة إلى تدمير مقر القيادة بالكامل ومنازل لمدنيين في المنطقة.

وحسب التقرير الرسمي الذي تقدمت به، آنذاك، تونس الى الأمين العام للأمم المتحدة فان تلك الغارة الجوية انتهت باستشهاد 50 فلسطينيا و18 تونسيا و100 جريح، كما قدرت السلطات التونسية وقتها الخسائر  في الملف الذي قدمته للأمين العام للأمم المتحدة بـ)5.821.485( دينارا تونسيا أي ما يناهز وقتها 8.5 ملايين دولار، والى اليوم تعتبر غارة حمام الشط من أعنف الضربات التي تلقتها منظمة التحرير الفلسطينية، فلو نجحت الغارة لتمكّن وقتها الكيان الصهيوني من نسف كل القيادة العسكرية الفلسطينية من الوجود ودفعة واحدة.

وأتت عملية »الساق الخشبية «  كما سمتها »اسرائيل «  بعد انتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينيةعام 1982 للاستقرار في تونس إثر الاجتياح الصهيوني للبنان، وقد تم الاختيار وقتها على اقامة القيادات الفلسطينية بمدينة حمام الشط الواقعة بالضاحية الجنوبية للعاصمة. وفي صيف 1985 صدر قرار إسرائيلي بتصفية كل القادة الفلسطينيين وتسخير كل الوسائل لذلك..، وفي ذلك اليوم الذي تمت فيه الغارة تسرّبت معلومات سرية ودقيقة قبل ذلك للكيان الصهيوني،تؤكد انه سيكون هناك اجتماع للقيادة العامة بمدينة حمام الشط وأن كل قيادات المنظمة وعلى رأسها الرئيس الراحل ياسر عرفات ستكون حاضرة. ولكن لقاء ذلك اليوم تأجل لمساء اليوم ذاته لأن بعض القيادات تأخرت في الحضور إلى تونس، وغادر عرفات يومها قاعة اللقاء في اللحظات الاخيرة قبل شنّ الهجوم الغادر والعنيف حيث تم قصف المقر بستة صواريخ دمرت المكان بالكامل وسوّته بالأرض.

وبعد تلك العملية البشعة والمنتهكة للسيادة التونسية، نجح النظام التونسي بقيادة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في انتزاع اعتراف مجلس الأمن والولايات المتحدة وإدانتهما للجريمة الإسرائيلية، والإقرار بحق تونس في التعويضات وذلك بعد أن هدد بورقيبة بقطع العلاقات الديبلوماسية مع الولايات المتحدة إذا ما استعملت حقّ "الفيتو" ولم تتم إدانة إسرائيل في مجلس الأمن.

ورغم ذلك لم تتوقف عربدة الكيان الصهيوني على الارض التونسية حيث بعد عملية "الساق الخشبية" نجحت الموساد في اغتيال القيادي في حركة فتح خليل الوزير أو جهاد، وبعد عقود وفي السنوات الاخيرة نجح الموساد أيضا في اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري .

مجزرة المعمداني : جريمة ضدّ الانسانية عرّت الغرب !

بعد عمليات قصف مركّز على غزة، استمر لأيام وبشكل كثيف ووحشي، تفاجأ العالم، بتنفيذ الكيان الصهيوني لأبشع مجازره على الإطلاق منذ مجزرة دير ياسين سنة 1948، وذلك عندما قصف طيران جيش الاحتلال مستشفى المعمداني في غزة أين كان يحتمي مئات المدنيين المهجرين والهاربين من القصف المستمر لليوم الحادي عشر، بالإضافة إلى سقوط عشرات من الجرحى والأطباء والمسعفين.

مذبحة حقيقية انتهت باستشهاد 500 فلسطيني حسب إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع..، بعد الغارة كان المشهد مروّعا في محيط المستشفى حيث تناثرت أشلاء الشهداء والجرحى في كل مكان وبدت الجثث ممزقة ومحترقة بالكامل..، كانت المشاهد بشعة وقاتلة للضمير الإنساني ولدول العالم التي وقف بعضها مصدوما في حين سارع حلفاء الكيان الصهيوني من الدول الغربية للبحث عن تعلات وأكاذيب لإخفاء بشاعة الجريمة.

مجزرة المعمداني البشعة أسقطت ورقة التوت بشكل نهائي عن كل أطروحات ومقولات الغرب بشأن حقوق الإنسان والكرامة البشرية، وكل الدول الأوروبية ومعها الولايات المتحدة الأمريكية انحازت إلى الكيان الصهيوني وتحاول التغطية على جريمته.

بداية النكبة:من ينسى مجزرة دير ياسين؟

في عام 1948 ومع بداية تثبيت الصهيونية كتيار محتّل للأراضي الفلسطينية قررت العصابات الصهيونية التي انتشرت في كافة فلسطين، إخلاء كل القرى الفلسطينية وذلك باستعمال سياسة الترهيب والترويع للسكان الفلسطينيين ودفعهم قسرا إلى النزوح والتهجير نحو دول الجوار، وكانت دير ياسين من بين القرى التي روع سكانها، حيث كانت بتاريخ 9 أفريل 1948 على موعد تاريخي مع ابشع مجزرة نفذها الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

تسللت في فجر ذلك اليوم العصابات الصهيونية الدموية إلى القرية وقتلت في غضون عدة ساعات ما بين 250 و300 فلسطيني في عملية وحشية انتهت بتهجير جميع سكان القرية دير ياسين الذين كان عددهم قبل المجزرة يزيد على 600، وتحوّل بعد ذلك اسم القرية إلى مستوطنة »جعفات شاؤول « ونفّذ المذبحة  مجموعتا الإرجونوشتيرن الصهيونيتان، والى اليوم تعدّ مجزرة دير ياسين أبشع جريمة ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في صفوف المدنيين والأطفال والنساء والشيوخ في القرية الفلسطينية الواقعة غربي القدس، حيث تراوح تقدير عدد الضحايا بين 250 و360 حسب المصادر العربية والفلسطينية. وتمثلت وقائع المذبحة وفق المصادر التاريخية في انقضاض المهاجمين، تسبقهم سيارة مصفّحة على القرية ولكنهم فوجئوا بمقاومة أهالي القرية وطلبوا المساعدة من قيادة »الهاجاناه «  في القدس وجاءت التعزيزات، وتم الهجوم باستعمال مكثف للنار والرصاص على القرويين دون تمييز بين رجل أو طفل أو امرأة. ولم تكتف العناصر اليهودية المسلحة من إراقة الدماء في القرية، بل أخذوا عددا من القرويين الأحياء بالسيارات واستعرضوهم في شوارع الأحياء اليهودية وسط هتافات اليهود، في انتهاك وضيع لجميع المواثيق والأعراف الدولية حيث جرت أبشع أنواع التعذيب.

وقد سبق الهجوم على دير ياسين تطورات سياسية وعسكرية كان لها تأثير كبير في مسار الأحداث. فبعد صدور قرار التقسيم في نوفمبر 1947 وخلال الأشهر التي سبقت نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين في ماي 1948، اشتعلت الحرب في فلسطين ووصل التنافس العسكري إلى ذروته بين منظمة الهاغاناه من جهة ومنظمتي الإرجونوشتيرن من جهة أُخرى وكانت الأولى تمثل التيار العمالي بقيادة دافيد بن غوريون، بينما كانت الأُخريان تمثلان التيار اليميني بتعاليم فلاديمير جابوتنسكي، وكان أبرز قادته مناحم بيغين.. وأفظع ما حصل أن هذا التنافس كان بتنفيذ العمليات الارهابية ضد الفلسطينيين والتباري حول من كان أكثر وحشية وكانت القدس والقرى المجاورة لها ساحة لهذه الاعمال الوحشية بالنظر إلى أهمية المكان رمزيا وتاريخيا ودينيا وسياسيا واستراتيجيا.

 وبعد مذبحة دير ياسين، استوطن اليهود القرية وفي عام 1980 أعاد اليهود البناء في القرية فوق أنقاض المباني الأصلية وأسموا الشوارع بأسماء مقاتلين الإرجون الذين نفّذوا المذبحة دون أن يحرّك المجتمع الدولي ساكنا..

مذبحة خان يونس : إعدامات في ساحات عامة..

قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، سنة 1956، وهو ما مثل تهديدامباشرا للقوى الكبرى في العالم، على رأسهم فرنسا وبريطانيا. وانتهزت إسرائيل الفرصة لتحقيق مطامعها باحتلال سيناء، وهو ما انتهى بتشكيل تحالف ثلاثي بين كل من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا الذين شنوا عدوانهم على مصر بشكل موحد. وقادت إسرائيل وفرنسا وبريطانيا عمليات عسكرية في مدن القناة، حيث اشتبك معها الجيش المصري والفدائيون. وفي نوفمبر من نفس العام أصدرت الأمم المتحدة قرار وقف إطلاق النار. وعقب ذاك أطلقت القوات الإسرائيلية عملية توغل واسعة في غزة زعمت أن الهدف منها تعقب فدائيين فلسطينيين شاركوا في حرب السويس إلى جانب مصر. وواجه سكان بلدة خان يونس هذه العملية بمقاومة شديدة، وردا على ذلك قصفت القوات الإسرائيلية المدنيين بالمدفعية وجالت دوريات الجيش الإسرائيلي في أزقة البلدة، تطالب الشباب والرجال من عمر 16 إلى 50 سنة بالخروج، ثم جرى إعدامهم ميدانيا بشكل جماعي. وأحصت المصادر الفلسطينية سقوط نحو 520 ضحية جراء المذبحة، سواء عبر الإعدامات الميدانية أو في القصف العشوائي الجوي أو البحري.

العصف المأكول ومذبحة حي الشجاعية

في 2014 شنت قوات الاحتلال الصهيوني عملية عسكرية واسعة على قطاع غزة وأطلقت على تلك العملية الوحشية اسم »الجرف الصامد « وردت المقاومة على هذه الهجمة بعملية »العصف المأكول « وتزامنت هذه العملية مع شهر رمضان ولكن دون مراعاة لأي مقدسات او لروحانيات شهر الصيام، قصف الكيان وكما يحصل اليوم بالقطاع بشكل وحشي، حيث شن الطيران العسكري الإسرائيلي قصفا عشوائيا على حي الشجاعية وسط غزة، ليسقط عشرات الشهداء وأغلبهم نساء وأطفال .وقدرت وزارة الصحة الفلسطينية وقتها عدد الضحايا بـ74 شخصا، بينهم 14 امرأة وأربعة مسنين و17 طفلا، أصغرهم يبلغ من العمر عامين. واستمرت حرب 2014 لنحو 51 يوما، فيما اعتبر أطول وأعنف عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، وأسفر عن استشهاد 2139 وجرح 11128 مواطنا فلسطينيا.

صبرا وشاتيلا .. مجزرة ستلاحق بالعار الضمير الإنساني العالمي !

ربما لم يشهد العصر الحديث مجزرة في حجم ووحشية مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبها الجيش الصهيوني وما يسمّى بجيش لبنان الجنوبي والقوات اللبنانية وهي الجناح العسكري لحزب الكتائب، ضد اللاجئين الفلسطينيين في مخيم صبرا وشاتيلا، ووحدثت بين 16 و18 سبتمبر 1982 إثر اجتياح بيروت.

ارتكب مجزرة صبرا وشاتيلا حزب الكتائب اللبناني المسيحي "القوات اللبنانية" بقيادة إيلي حبيقة، وجيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، والجيش الصهيوني بقيادة أرييل شارون. وجيش لبنان الجنوبي
تم تأسيسه عام 1976 على يد أفراد من الجيش اللبناني في مدينة مرجعيون جنوب لبنان. وكان أغلب أعضائه من اللبنانيين المسيحيين الذين كانت لهم مشاكل مع فصائل من المقاومة الفلسطينية التي سيطرت على جنوب لبنان في ذلك الحين، وهرب أغلب عناصره إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000. ورغم أن مجزرة صبرا وشاتيلا لم تكن أول مجازر الاحتلال بحق الفلسطينيين ولا الأخيرة، فقد سبقتها مجازر الطنطورة وقبية ودير ياسين وتلتها مذبحة مخيم جنين ومجازر منسية أخرى في غزة والضفة الغربية، لكن بشاعة ووحشية المجزرة جعلت هذه المجزرة علامة فارقة في الضمير الفلسطيني والدولي.

والي اليوم، ما زالت صور عشرات الجثث المتناثرة في أزقة مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين في لبنان والمنازل المدمرة والأشلاء وبرك الدم التي تطفو فوقها أطراف الأطفال المبتورة، حاضرة بكامل تفاصيلها الدقيقة في ذاكرة كل أحرار العالم من المناصرين للقضية، حيث يصفها البعض بأن هذه المذبحة هي"الأبشع في التاريخ الإنساني" وصنفت منظمة »هيومن رايتس ووتش «  ما حدث في صبرا وشاتيلا ضمن "جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية".

 وتفاصيل العملية وفق المصادر التاريخية تشير الى دخول 3 فرق تابعة لميشيات القوات والكتائب قادها إيلي حبيقة إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا، تحت ذريعة البحث عن 1500 مسلح فلسطيني. وطوّقت القوات الصهيونية بقيادة شارون  الموقع مع إنارته ليلا بالقنابل المضيئة لتسهيل مهمة القتلة بعيدا عن أنظار العالم ووسائل الإعلام، ويتحدث البعض أن أرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك اعتلى سطح مبنى إحدى السفارات العربية المطلة  على المخيم، للإشراف بنفسه على مراقبة مجريات المجزرة.

وبدأت مقدمات المجزرة  عندما تقدمت القوات الإسرائيلية المحمية بغطاء جوي كثيف إلى داخل العاصمة بيروت بعد أن غادرها مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية، ونشرت عشرات الدبابات على أطراف مخيم صبرا وشاتيلا وحاصرت المخيم، وذلك إثر اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل يوم 14 سبتمبر 1982. وعلى مدار 3 أيام بلياليها، ارتكبت المجموعات الانعزالية والجنود الإسرائيليون مذابح بشعة ضد أهالي المخيم العزل، استخدموا فيها الرشاشات والمسدسات والسكاكين والسواطير. ونقل شهود عايشوا المجزرة مشاهد لحوامل بقرت بطونهن وألقيت جثثهن في أزقة المخيم، وأطفال قطعت أطرافهم، وعشرات الأشلاء والجثث المشوهة التي تناثرت في الشوارع وداخل المنازل المدمرة، كما اقتادوا ممرضين وأطباء من مستشفى عكا إلى وجهات أخرى حيث تمت تصفيتهم. وتشير التقديرات إلى سقوط قتلى يقدّر عددهم بين 700 و5 آلاف. ولكن الرقم الذي يبدو أقرب إلى الدقة من بين مجمل ما نشر هو ما توصلت إليه الباحثة الفلسطينية بيان نويهض الحوت، ونشرته في كتابها »صبرا وشتيلا-سبتمبر 1982"،  حيث قدّرت عدد القتلى بـ1300 شخص على الأقل، واستندت في ذلك إلى مقارنة 17 قائمة لأسماء الضحايا ومصادر أخرى.

مجزرة قاناإدانة أممية وصمت دولي مخجل !

وقعت تفاصيل المجزرة المروعة يوم 18 أفريل 1996، بمركز قيادة الكتيبة التابعة للأمم المتحدة في قانا، حيث شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي قصفا مدفعيا، في إطار عدوان »عناقيد الغضب « وفق التسمية الصهيونية، الذي كان قد انطلق قبل ذلك بنحو أسبوع. وجراء القصف الإسرائيلي المتواصل لجأ أهالي بلدة قانا، إلى مقر لقوات الطوارئ الدولية الأممية (يونيفيل)، ظنا منهم أن الكيان الصهيوني لن يقصفه، باعتبار أنه مقر أممي محمي بموجب القوانين والمواثيق والأعراف الدولية.

لكن يد العدوان الصهيوني اختارت أن لا تراعي حرمة أعراف ولا قوانين دولية، وقصفت قوات الاحتلال مقر الكتيبة التابعة لقوة الأمم المتحدة في لبنان واستشهد ما يزيد عن الـ 106 من المدنيين الأبرياء وأصيب نحو 150 شخصا بجروح وإعاقات وإصابات بدنية ونفسية متفاوتة الخطورة.

وكان جيش الاحتلال يعلم علم اليقين بوجود المدنيين من الاطفال والنساء في المقر ولكنه قام بقصفه وارتكاب المجزرة الجماعية البشعة، وأعلن كعادة اليهود في الكذب والتضليل والاجرام انهم اخطأوا بالتصويب لعدم وجود طائرة استطلاع لتحديد اهداف المدفعية بدقة. لكن فاجأهم أحد عناصر قوات الطوارئ الدولية الذي صور شريط فيديو يظهر القذائف وهي تنفجر، بينما كانت طائرة استطلاع تابعة لجيش الاحتلال تحلق في الجو. وفنّد بذلك ادعاءات شمعون بيريز رئيس وزراء كيان العدو الصهيوني آنذاك عندما قال أن "إن الجيش الإسرائيلي لم يكن على علم بوجود مدنيين في مقر الامم المتحدة". وقد أجرى الجنرال فرانك فان كابين المستشار العسكري في الأمم المتحدة تحقيقا رسميا في موقع المجزرة ورفعه إلى الأمين العام للأمم المتحدة في حينه، بطرس غالي جاء فيه »استحالة أن يكون قصف القاعدة التابعة لليونيفيل في قانا نتيجة خطأ تقني أو إجرائي فادح كما ادعى ذلك مسؤولون في الجيش الإسرائيلي"، كما أجرت عدة منظمات عالمية مهتمة بحقوق الإنسان تحقيقات حول المجزرة، وخلصت كلها إلى ترجيح أن يكون القصف متعمدا وليس نتيجة الخطأ التقني الذي ادعاه الكيان الصهيوني.

وقد مارست ادارة الرئيس الأمريكي كلينتون آنذاك ضغوطا هائلة على الامين العام للأمم المتحدة بطرس غالي كي لا ينشر التقرير الاممي، ولكنه أصر على نشره حيث كشف التقرير بوضوح تام عن معرفة وعلم "اسرائيل" بوجود المدنيين في مقر اليونيفيل، وأنها دمرته عن عمد وسبق اصرار وليس عن طريق الخطأ كما زعمت.

ورغم ذلك وجّهت الجمعية العامة للأمم المتحدة  صفعة قوية للرئيس الأمريكي كلينتون وأقرت في أفريل 1996 بان الأعمال التي قامت بها إسرائيل خلال الحرب العدوانية التي اشعلتها في جنوب لبنان تشكل انتهاكا فاضحا للقوانين الدولية المتعلقة بحماية المدنيين خلال الحرب.

ولكن رغم ذلك لم تعاقب محكمة الجنايات الدولية الكيان المجرم وافلت أغلب المسؤولين عن المذبحة من العقاب .

الجمعي القاسمي لـ"الصباح"المجازر والمذابح جزء من العقيدة الصهيونية دينيا وعسكريا !

بعد مجزرة قانا نشر الإعلامي والخبير في الشأن السياسي الدولي جمعي القاسمي، مقالا تحت عنوان »مجزرة قانا.. وفي اليوم السابع لم يرتح الربّ « وكان ذلك المقال قراءة عميقة في تلك المجزرة التي سبقتها مجازر وتلتها مجازر أفظع دون أن يعقب ذلك أي إدانة دولية أو تجريم للفعل المشين ..

وحول سياسية المذابح والمجازر التي يعتمدها الكيان الصهيوني منذ النكبة بكل وحشية، يقول الجمعي القاسمي في هذا التصريح الذي خصّ به»الصباح«: »في البداية لابد من التأكيد أن شلال الدم الفلسطيني والعربي أيضا ما زال متواصلا، وأقول العربي لأن هناك مجازر تم تنفيذها في لبنان ومصر إلى جانب الأراضي التونسية..، وهذه المجازر هي جزء من العقيدة الصهيونية، الدينية والعسكرية والتي ترى أنه بقدر ما تسفك دماء الأبرياء وبكل وحشية بقدر ما تكون قادرا على إدخال الفزع في قلوب أصحاب القضية وطمس الحق الفلسطيني والعربي في وطن محرّر عاصمته القدس. وهذا كله يندرج في إطار الإبقاء على المشروع الصهيوني في المنطقة ككل وليس في فلسطين فقط حيث انه من المفارقات أن المجتمع الدولي والأمم المتحدة، يعترف بإسرائيل كدولة ولكن دون أن يضع لها حدودا، لأن العقيدة الصهيونية تسعى لتأسيس كيانها من النهر إلى النهر أي من دجلة إلى النيل، وانطلاقا من هذه العقيدة، المجازر تعتبر وسيلة لتثبيت ذلك الكيان الذي يريدونه، وذلك ببث اكبر قدر من الترويع والرعب وقد نجحت هذه الخطة في انتزاع اعتراف عربي بهذا الكيان من خلال اتفاقيات السلام والتطبيع بفعل الوقع الوحشي لكل تلك المجازر التي أهانت الإنسانية في عمقها بداية من دير ياسين وصولا إلى مستشفى المعمداني مرورا بصبرا وشاتيلا وبحر البقر بمصر وحمام الشط بتونس، وكل تلك المجازر المترامية في بلدان عربية مختلفة تجاوزت حدود فلسطين المحتلة، وهذه المجازر الوحشية لا بد من التوقف أمامها وإبرازها أمام الضمير العالمي الذي ما زال فيه الغرب يكيل بمكيالين".

ويضيف الجمعي القاسمي : »ما هو ثابت تاريخيا أن الكيان الصهيوني القائم الآن هو قائم على أشلاء الأبرياء وليس هناك وسيلة من المواجهة إلا بالنار، لأن العدو الصهيوني أثبت في أكثر من مرة أنه يخشى هذا الأسلوب ويخاف الخسائر البشرية لاعتبارات معينة وربما عكس المقاومة التي ترى في المواجهة مجدا وشهادة، وبالتالي هناك المجازر أداة واضحة منصوص عليها بشكل صريح في العقيدة الصهيونية، السياسية والعسكرية، وفي حالات الضعف أو الفشل يتم تفعيلها بكل وحشية لتغطية عن الارتباك والعجز، ولكن اللافت أن غالبية هذه المجازر كانت دائما مرتبطة بالتواجد الأمريكي، فكما قصف مستشفى المعمداني ساعات قبل وصول بايدن لتل أبيب، في مذبحة قانا كانت أيضا وقتها كونداليزا رايس في زيارة للمنطقة لتهدئة الأوضاع".

وردّا على سؤال لمحدّثنا لما لم تتم إدانة الكيان الصهيوني دوليا بسبب هذه المجازر قال القاسمي »الشرعية الدولية والتي أوافق الرئيس قيس سعيد عند قوله إن هذه الشرعية لم تعد لها شرعية، لأن هذه الشرعية هي شرعية المنتصر كُتبت بعد الحرب العالمية الثانية وفق رؤية المنتصرين وبمنطق أنا صاحب هذه النصوص بإمكاني فرضها هنا ورفضها هناك ونحن أمامها مجرد ضعفاء مجبرين على الانخراط في مشروع هذه الشرعية المختل أصلا وذلك لعوامل ذاتية أساسها، إننا نحن كعرب لم نستطع التقاط المحطات الكبرى في تاريخ القضية وانصعنا لاتفاقيات السلام الواهم، وعوامل موضوعية منها تقاعس الأطراف المعنية والرسمية في الصراع في القيام بواجبها بالتوجّه مثلا إلى محكمة الجنايات الدولية وفضح تلك الممارسات الوحشية وهنا أقصد سلطة أوسلو التي لم تتقدم بأي ملف كطرف متضرر من الصراع ومن هذه الوحشية رغم المجهودات الكبيرة التي بذلها نشطاء وجمعيات، رغم أن الذهاب اليوم إلى هذه المحكمة قد يحقق نتائج وينتزع إدانة خاصة وأن مواقف رئيسها معروفة ولكن سلطة أوسلو لم تبادر في هذا الاتجاه، وهذا ما يضعف الحق في انتزاع إدانة دولية للكيان الصهيوني بسبب هذه المجازر خاصة وأن التقاضي أمام محكمة الجنايات الدولية لا يمكن أن يتم إلا إذا كان للمتقاضي مصلحة من ذلك وكان طرفا أساسيا في النزاع كسلطة رام الله مثلا".

وفي ختام اللقاء قال الجمعي أنه ستكون هناك متغيرات دولية وإقليمية إذا استمرت الحرب على هذا النسق ولكنه يخشى أن لا تحمي موازين القوى اليوم الحق الفلسطيني وأن تنقض أطراف على الأمر بهدف تذويب القضية وفق مشروع اكبر بات مفضوحا اليوم .

أستاذ العلاقات الدولية منتصر الشريف لـ»الصباح«تونس يمكنها أن تتقدم بشكوى أمام الجنايات الدولية ضد إسرائيل بتهمة تنفيذ جرائم حرب في غزة !

يُطرح دائما السؤال وبشكل متكرر..، لماذا لا يُعاقب هذا الكيان المارق ولا تتم إدانته دوليا أو النظر في جرائمه من طرف محكمة الجنايات الدولية، رغم أنه ينّفذ كل مرة جريمة إبادة وجريمة ضدّ الإنسانية..، يتكرّر السؤال مع كل مجزرة ينّفذها الكيان الصهيوني في كل شبر من أرض فلسطين المحتّلة وعلى مرّ تاريخ الصراع أو في كل منطقة عربية نفّذها فيها هذا الكيان جريمة أو مجزرة سواء في لبنان أو مصر أو في تونس بعد اعتداء حمام الشط.. ولكن لا إجابة مقنعة.. لأن الجميع يطالب بالإدانة ولا أحد يسعى بجدية لانتزاع هذه الإدانة وفق الشرعية الدولية.

سنحاول الإجابة عن هذا السؤال من الناحية القانونية ووفق منطوق القانون الدولي وذلك مع أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سوسة والخبير في القانون الدولي، منتصر الشريف، الذي قال في تصريح لـ»الصباح«:»في البداية وحتى تكون المصطلحات واضحة عندما نريد أن نسعى إلى الإدانة يجب استعمال مصطلح جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم إبادة، ولا نستعمل مصطلح مذبحة ومجزرة لأن هذه المصطلحات ليست قانونية، وثانيا يجب أن نفهم الميكانيزمات التي يشتغل بها القانون الدولي الذي يطبّق بين دول ويختلف عن القوانين الوطنية، ففي القوانين دائما هناك سلطة عليا لإنفاذ القوانين ولكن في المجتمع الدولي ليس هناك سلطة عليا لتنفيذ القانون الدولي بل الدول هي التي تنفّذ هذا القانون.. يعني أن أي دولة يمكن أن تنّفذ العقوبات التي نصّ عليها القانون الدولي على أي دولة رأت أنها تخرق هذا القانون..، فهل سعت مثلا الدول العربية ووفق الإمكانيات والعقوبات التي يتيحها القانون الدولي إلى معاقبة إسرائيل..، أبدا لم تفعل".

ويضيف الأستاذ منتصر الشريف: »هناك عقوبات ينص عليها القانون الدولي وكان يمكن لأي دولة عربية تطبيقها على إسرائيل، مثل الحصار الاقتصادي أو طرد وسحب السفراء بالنسبة للدول التي لها علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، أو منع تصدير أو توريد بعض المنتوجات الإسرائيلية.. هناك إمكانيات لمعاقبة إسرائيل ومحاصرتها دوليا، وبالتالي هنا المشكلة ليست في القانون الدولي بل في الدول العربية الخائفة من استغلال العقوبات التي يتيحها القانون الدولي". 

الأستاذ منتصر الشريف أشار أيضا إلى مثال قانون تجريم التطبيع الذي هو بصدد المناقشة اليوم في البرلمان حيث قال : »قبل الدخول في قانون تجريم التطبيع هل تعلمون أن تونس في منظومتها القانونية لا تملك نصّا قانونيا يجرّم جرائم الحرب يعني مثلا يمكن لأي مجرم حرب إسرائيلي الدخول إلى تونس دون تجريم.. وحتى بقية المنظومات القانونية العربية لا توجد بها نصوص تعاقب مجرمي الحرب.. قد يبدو هذا تفصيلا للبعض ولكنه في جوهر العقوبات التي كانت يمكن تفعيلها ومحاصرة إسرائيل من خلالها..، مثلا عكس القانون البلجيكي الذي يدين جرائم الحرب وارييل شارون ظل لسنوات غير قادر على مغادرة تل أبيب بسبب إدانته على خلفية جريمة صبرا وشاتيلا..، حتى البلدان الأوروبية تفعّل ذات الإجراءات ضد فلاديمير بوتين الذي لا يستطيع مغادرة موسكو بشكل آمن بسبب الحرب الأوكرانية ولتفعيل إجراءات القانون الدولي ضدّه.. يعني هنا المشكلة في الدول العربية وليس القانون الدولي وصمتها عن تفعيل هذه الإجراءات هي خوفها من الولايات المتحدة الأمريكية".

وعن التطورات الميدانية اليوم على جبهة الصراع بين المقاومة والكيان المحتّل والمساندة العربية للقضية الفلسطينية، يقول الأستاذ منتصر الشريف: »مسيرات المساندة مهمة ولكن غير كافية لأنها لا تتيح أدوات لمعاقبة إسرائيل والعقاب هو الأمر الوحيد الذي يترك أثرا ويغيّر من وقائع، أنا لطلبتي كنت أشبه الأمر بمن يملك بندقية وهجم عليه أسد وطرحه أرضا لأنه ببساطة لم يستعمل البندقية للدفاع عن نفسه، وهنا القانون الدولي كالبندقية تماما يجب استعمالها وقلب المعادلة من خلالها، أنت حرفيا تملك ترسانة قوانين يمكن أن تردع إسرائيل حتى دون الدخول معها في حرب.. تونس اليوم عضو في محكمة الجنايات الدولية ويمكنها بذلك التقدّم بشكاية للمدّعي العام بالمحكمة حول وجود جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزّة وهي جرائم بادية للعيان ومؤيداتها واضحة وهنا المدّعي العام سيثير تحقيقا في هذه الجرائم ويمكن أن ننتزع إدانة في هذا السياق ووقتها سيفكّر المسؤولين الإسرائيليين ألف مرة قبل التفكير في مغادرة إسرائيل « .