نشدُّ على قلوب الشّعب الفلسطيني الأبيّ وأياديهم، ذلك الشّعب الّذي أعاد لنا الثّقة وبثَّ فينا الرّوح وأعاد لنا الحياة بعد أن ظنّنا أنّها لن تعود
ناهد بن سيدهم
بداية من العام 1936 إلى حدود العام 1946 وقعت عشرات المجازر،إلى أن توالت السّنون،تساقطت الضحيّة واحدة تلو الأخرى والمغتصبون كثر، حتّى يومنا هذا تعاقبت المجازر مجزرة تلو الأخرى،وهدفها الإبادة الجماعيّة، لشعب صاحب حقّ، في صالح أقليّةٍ منتهكةٍ لحقٍّ،والعالم فيه من ساند وفيه من عارض وآخر أيّد، كلّ على شاكلته ينتصر ويشرّع، والضحيّة الشّعب الفلسطيني، المنفّذ مختلف العصابات اليهوديّة مثل Like etzel, Lehi, Haganah, Irgun, Palmach…، هذا ولم ينشأ آن ذاك الكيان الغاصب بعد، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، على العكس من ذلك، فقد تكلّل الإرهاب المدلّل بإنشاء دولة له، واستهلّ عام 1948 بمذبحة الدوايمة عدد الضّحايا فيها بلغ أكثر من500 فلسطيني مدني، المنفّذ العصابات الصهيونيّة، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، ففي العام نفسه وقعت مذبحة أخرى بدير ياسين والضّحايا أكثر من 360 فلسطيني مدني، والمنفّذ مجموعتا Perpetrators Et Irgun الصهويونيّتان. هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، ففي نفس العام أيضًا، وقعت مذبحة الطنطورة، بلغ عدد الضّحايا فيها أكثر من 200 فلسطيني مدني، والمنفّذ Perpetrators, Alexandroni Brigade Of The IsraeliArmy. هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، ففي عام 1953 وقعت مذبحة قرية قبيا الّتي تجاوز عدد الضّحايا فيها أكثر من 70 فلسطينيا مدنيا، والمنفّذ القوّات الخاصّة للجيش الإسرائيلي، وفي عام 1956 مذبحة قرية قلقيليا طالت أكثر من 70 ضحيّة فلسطينيّة، والمنفّذ مجموعة من المستوطنين والجيش الإسرائيلي، وقد تتالت المجازر في نفس العام بأحداث خان يونس تجاوز عدد الضّحايا فيها أكثر من 520 فلسطينيا مدنيا اُعدموا، أمّا في عام 1996 وقعت مجزرة قانا الضّحايا بلغ عددهم أكثر من 120 لبنانيّا مدنيّا، المنفّذ الجيش الاسرائيلي، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، ففي عام 2008 وقعت مجزرة حرب غزّة تجاوز عدد الضّحايا أكثر من 1450 فلسطينيّا مدنيّا من بينهم أكثر من 400 طفل، والمنفّذ الجيش الإسرائيلي، وفي عام 2014 مجزرة غزّة كان عدد الضّحايا فيها يتجاوز 2350 فلسطينيا يضمّ أكثر من 580 طفلا، والمنفّذ الجيش الإسرائيلي، فضلاً عن آلاف الشّهداء خلال فترات الانتفاضة المتقطّعة وعشرات المجازر الّتي لم نذكرها... فهل استجاب الرّأي العام الإنسانيّ والعالمي لإيقاف هذه المجازر المتكرّرة؟ لا، أمّا في عام 2023 شاهدناعمليّة طوفان الأقصى كان عدد الضّحايا فيها يتجاوزون 1200 إسرائيليّ بين عسكريّ ومستوطن، والمنفّذ الفلسطينيّون أصحاب الأرض المحاصرون منذ سنين في هذه البقعة الجغرافيّة الصّغيرة، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ العالميّ؟ نعم، فقد انفجر حزنًا وتضامنًا واستنكارًا على ما جرى للكيان الصّهيوني -المحتلّ البريء- وعلى ما ذاقه من بعض ما أذاقه لأصحاب الأرض طوال عقود.
وفي عام 2023 وقعت حرب إبادة على غزّة والضّحايا تجاوز عددهم 1500 فلسطيني أغلبهم نساء وأطفال ومازالت المجازر مستمرّة إلى حدّ الآن، والمنفّذ واحد الجيش الإسرائيلي، والغاية إبادة شعب بأكمله، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ والعالميّ؟ نعم تحرّك، دعمًا وتعاطفًا مع الإسرائيليّين أو مطالبين بوقف الحرب والسّلام، لأنّهم اُنزعجوا من هذه المشاهد المفجعة.
نداء:يا أهل الإنسانيّة، يا مشاهير، يا مؤثّرين، يا رسل الإنسانيّة والسّلام على مواقع التّواصل الاجتماعيّ...وأنتم تعيشون حياتكم بشكل طبيعي وترون غزّة بأطفالها ونساءها وشبابها تُباد ... عن أيّ إنسانيّة تتكلّمون؟
باعتبارنا نحن العرب المسلمون إلى جانب الشّعب الفلسطيني، ندعو كلّ الضّمائر الحيّة في العالم، إلى الوقوف إلى جانب هذا الشّعب والتّضامن معه، كما نطالب العالم المتحضّر والمجتمع الدّولي بالنّظر بعين العقل والحكمة في أطول احتلالٍ عرفه التّاريخ الحديث، وأن نعرّفهم بأنّ هذا الاحتلال هو وصمة عارٍ في جبين الإنسانيّة والمجتمع الدّولي الّذي يكيل بمكيالين ولا يعرف سوى الازدواجيّة في المعايير، كما نشدُّ على قلوب الشّعب الفلسطيني الأبيّ وأياديهم، ذلك الشّعب الّذي أعاد لنا الثّقة وبثَّ فينا الرّوح وأعاد لنا الحياة بعد أن ظنّنا أنّها لن تعود مرّة أخرى.
يوميّات طفل فلسطيني:
لم يكن قد ظفِر بقسطٍ من النّوم في اللّيلة الماضية، فقد ظلّ مُسْهِدًا اللّيل بطوله يحرس عائلته، مترقّبًاحدوث أيّ هولٍ من أهوال الأسلحة المدمّرة أن تطاله هو وعائلته، بعد أن استولى عليه القهر والغضب. على الرّغم من أنّه مازال طفلاً، إلاّأنّه تصالح مع فكرة الموت في سنٍّ مبكّرٍ للغايةِ، كان يترقبّه، ينتظره، يحسب الدّقائق والثّواني لقدومه، ليس خوفًا منه، وإنّما خوفًا على فقدان أحبابه،ومع ذلك مكث يرتقب حدوثه، حتّى ظلّ قابعًا في سجنه المعتم لأيّام وليالي متتالية لم يذق فيها طعم النّوم أو راحة البال، حتمًا لقد تسلّل الخوف إلى قلبه حتّى استفحل فيه وتمكّن منه، وهو قابع على هذه الحال وفي غفلة منه رأى نورًا ساطعًا قادمًا نحوه، ظنّ للحظةٍ أنّ الشّمس تشرق، لكن فجأة لمع خيطً في لون الزّئبق حاملاً دخّانًا معتمًا، نزل كالصّاعقة عليه وعلى من معه، ظلّ يزحف ويزحف، دون أن تمتصّه الأرض أو تبتلعه، ثم التوى واُختفى بحركةٍ حادّةٍ، سريعةٍ، غير مرتقبةٍ... تفتّت إلى شظايا متطايرة تنتشر في كلّ مكان، أصبح ذلك الطّفل فتاتًا في لمحة عين...
هكذا هي حياة ذلك الطّفل الّتي انتهت قبل أن تبدأ، حاله حال أبناء شعبه الآخرين. الّذين ما يكادون يعتادون على مكان حتّى ينتقلون إلى مكان آخر، أو حتّى ينتقلون إلى الحياة الآخرة.هذا حقًّا لأمر خانق جدًّا، إنّك لا تستطيع أن تتخيّل ماذا تفعل الحرب بهذا الشّعب... ينامون ويستيقظون على أصواتِ صراخِ أقرانهم، وطلقات بنادق، ووقع أقدام العدوّ، ومشاهدة شظايا موتاهم تلوح في كلّ مكان، حتّى رائحة الدّماء آلفوها واٌعتادوا عليها من كثرة ما تعايشوا مع الجثث ونقلها ودفنها.
إذن، لحساب من كانت هذه التّضحية الّتي تبلغ حدّالاستشهاد؟ ومن الّذي يستفيد من استمرارها؟ من الّذي يستفيد من بقاء كلّ هؤلاء الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال بكل مالهم من إنسانية ووداعة، ضحايا للسّخرية والاضطهاد على مرّ العصور؟ ولماذا لماذا لا نقول للعدوان الظّالم: "كفى... عودوا إلى صوابكم... لا تتشبّثوا بأصلكم، ولا تسيروا معًا كالقطيع. تفرّقوا، امتزجوا بالنّاس جميعًا، أنتم أوّل بني إسرائيل في العالم، وخيرتهم. أنتم ضحايا أنفسكم...ويقودكم إلى ذلك أضعف عناصركم وأسوؤها".
لا يمكن إذن لهذا العدوان الأخرق حافي القدمين، المشوّه أن يبيد أمّةً صمدت لسنوات عدّة من دون تخاذلٍ وتراجع... لا يمكن ذلك بأي شكل من الأشكال.
رسالة موجّهة إلى الشّبيبة والجيل الصّاعد: الغارق في السّخافة والاستهلاك اللاّواعي لوسائل التّواصل الاجتماعي الّتي عملت طيلة سنين مضت على طمس هويّتهم وتجريدهم من ثقافتهم وعرقهم الممتدّة إلى حضارات عريقة لا تنالها شعوب أخرى إلّا خلسةً وانتهاكًا وسلبًا، يا من تتنافسون على شهوات الحياة الدّنيا من دون إدراك لآخرة، يا من تتمايلون وتتراقصون في شاشاتكم العلنيّة العالميّة دون حياءٍأو خجلٍ، غافلين عن قضيّتكم الأسمى والأهم وهي "القضيّة الفلسطينيّة"؛ قضيّة أمّة لن تتكرّر أبدًا قيمةً وأهميّةً ومكيالًا، قضيّةً تحكي عن قصّة نضال أمّة أبت الذلّ والخنوع، قضيّةً تروي كفاح شعبٍ صمد أمام ويلات الغطرسة والظّلم حتّى أرهقه الثّقل ونال منه التّعب وأصابه الهوان.
فرجاء منكم الالتفات إلى قضايا إنسانيّة أهم من الدّردشة والرّقص على شاشات وسائل التّواصل الاجتماعي.
وفي الختام ما عسانا نقول غير أنّ النّور والتحرّر اللّذين كانا من المرتقب أن يجيئا في أعقاب الحرب، لم يجيئا بالنّصر، إلّا أنّه كانت ثمّة بارقة من الحريّة تلوح في الجوّ خلال هذه السّنوات التّالية للحرب، والّتي تحمل المعنى التّاريخي الأوحد لتلك السّنين.
فنحن نعي تمامًا بأنّ الحرب ماهي إلّا فرصةلاختبار عواطف الآخرين وإنسانيّتهم، وماهي إلّا درس يعلّم الإنسانيّة جمعاء بأنّه في داخل كلّ منّا إنسان وليس جماد؛ يحسّ بأخيه الإنسان، يشعر بما يمرّ به من ظرف، يتألّم لألمه، يدمع لحزنه، يفرح أيضًا لفرحه، هذا هو الإنسان الحقيقي... لذا لا ننسى أنّ كلّ ما يجمع بيننا في هذه الحياة الدّنيا هو الإنسانيّة مهما اختلفنا في الدّين والعرق واللّون والثّقافة... لذا رجاء أوقفوا هذه المهزلة، رجاء...
نشدُّ على قلوب الشّعب الفلسطيني الأبيّ وأياديهم، ذلك الشّعب الّذي أعاد لنا الثّقة وبثَّ فينا الرّوح وأعاد لنا الحياة بعد أن ظنّنا أنّها لن تعود
ناهد بن سيدهم
بداية من العام 1936 إلى حدود العام 1946 وقعت عشرات المجازر،إلى أن توالت السّنون،تساقطت الضحيّة واحدة تلو الأخرى والمغتصبون كثر، حتّى يومنا هذا تعاقبت المجازر مجزرة تلو الأخرى،وهدفها الإبادة الجماعيّة، لشعب صاحب حقّ، في صالح أقليّةٍ منتهكةٍ لحقٍّ،والعالم فيه من ساند وفيه من عارض وآخر أيّد، كلّ على شاكلته ينتصر ويشرّع، والضحيّة الشّعب الفلسطيني، المنفّذ مختلف العصابات اليهوديّة مثل Like etzel, Lehi, Haganah, Irgun, Palmach…، هذا ولم ينشأ آن ذاك الكيان الغاصب بعد، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، على العكس من ذلك، فقد تكلّل الإرهاب المدلّل بإنشاء دولة له، واستهلّ عام 1948 بمذبحة الدوايمة عدد الضّحايا فيها بلغ أكثر من500 فلسطيني مدني، المنفّذ العصابات الصهيونيّة، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، ففي العام نفسه وقعت مذبحة أخرى بدير ياسين والضّحايا أكثر من 360 فلسطيني مدني، والمنفّذ مجموعتا Perpetrators Et Irgun الصهويونيّتان. هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، ففي نفس العام أيضًا، وقعت مذبحة الطنطورة، بلغ عدد الضّحايا فيها أكثر من 200 فلسطيني مدني، والمنفّذ Perpetrators, Alexandroni Brigade Of The IsraeliArmy. هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، ففي عام 1953 وقعت مذبحة قرية قبيا الّتي تجاوز عدد الضّحايا فيها أكثر من 70 فلسطينيا مدنيا، والمنفّذ القوّات الخاصّة للجيش الإسرائيلي، وفي عام 1956 مذبحة قرية قلقيليا طالت أكثر من 70 ضحيّة فلسطينيّة، والمنفّذ مجموعة من المستوطنين والجيش الإسرائيلي، وقد تتالت المجازر في نفس العام بأحداث خان يونس تجاوز عدد الضّحايا فيها أكثر من 520 فلسطينيا مدنيا اُعدموا، أمّا في عام 1996 وقعت مجزرة قانا الضّحايا بلغ عددهم أكثر من 120 لبنانيّا مدنيّا، المنفّذ الجيش الاسرائيلي، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ؟ لا، ففي عام 2008 وقعت مجزرة حرب غزّة تجاوز عدد الضّحايا أكثر من 1450 فلسطينيّا مدنيّا من بينهم أكثر من 400 طفل، والمنفّذ الجيش الإسرائيلي، وفي عام 2014 مجزرة غزّة كان عدد الضّحايا فيها يتجاوز 2350 فلسطينيا يضمّ أكثر من 580 طفلا، والمنفّذ الجيش الإسرائيلي، فضلاً عن آلاف الشّهداء خلال فترات الانتفاضة المتقطّعة وعشرات المجازر الّتي لم نذكرها... فهل استجاب الرّأي العام الإنسانيّ والعالمي لإيقاف هذه المجازر المتكرّرة؟ لا، أمّا في عام 2023 شاهدناعمليّة طوفان الأقصى كان عدد الضّحايا فيها يتجاوزون 1200 إسرائيليّ بين عسكريّ ومستوطن، والمنفّذ الفلسطينيّون أصحاب الأرض المحاصرون منذ سنين في هذه البقعة الجغرافيّة الصّغيرة، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ العالميّ؟ نعم، فقد انفجر حزنًا وتضامنًا واستنكارًا على ما جرى للكيان الصّهيوني -المحتلّ البريء- وعلى ما ذاقه من بعض ما أذاقه لأصحاب الأرض طوال عقود.
وفي عام 2023 وقعت حرب إبادة على غزّة والضّحايا تجاوز عددهم 1500 فلسطيني أغلبهم نساء وأطفال ومازالت المجازر مستمرّة إلى حدّ الآن، والمنفّذ واحد الجيش الإسرائيلي، والغاية إبادة شعب بأكمله، هل تحرّك الرّأي العام الإنسانيّ والعالميّ؟ نعم تحرّك، دعمًا وتعاطفًا مع الإسرائيليّين أو مطالبين بوقف الحرب والسّلام، لأنّهم اُنزعجوا من هذه المشاهد المفجعة.
نداء:يا أهل الإنسانيّة، يا مشاهير، يا مؤثّرين، يا رسل الإنسانيّة والسّلام على مواقع التّواصل الاجتماعيّ...وأنتم تعيشون حياتكم بشكل طبيعي وترون غزّة بأطفالها ونساءها وشبابها تُباد ... عن أيّ إنسانيّة تتكلّمون؟
باعتبارنا نحن العرب المسلمون إلى جانب الشّعب الفلسطيني، ندعو كلّ الضّمائر الحيّة في العالم، إلى الوقوف إلى جانب هذا الشّعب والتّضامن معه، كما نطالب العالم المتحضّر والمجتمع الدّولي بالنّظر بعين العقل والحكمة في أطول احتلالٍ عرفه التّاريخ الحديث، وأن نعرّفهم بأنّ هذا الاحتلال هو وصمة عارٍ في جبين الإنسانيّة والمجتمع الدّولي الّذي يكيل بمكيالين ولا يعرف سوى الازدواجيّة في المعايير، كما نشدُّ على قلوب الشّعب الفلسطيني الأبيّ وأياديهم، ذلك الشّعب الّذي أعاد لنا الثّقة وبثَّ فينا الرّوح وأعاد لنا الحياة بعد أن ظنّنا أنّها لن تعود مرّة أخرى.
يوميّات طفل فلسطيني:
لم يكن قد ظفِر بقسطٍ من النّوم في اللّيلة الماضية، فقد ظلّ مُسْهِدًا اللّيل بطوله يحرس عائلته، مترقّبًاحدوث أيّ هولٍ من أهوال الأسلحة المدمّرة أن تطاله هو وعائلته، بعد أن استولى عليه القهر والغضب. على الرّغم من أنّه مازال طفلاً، إلاّأنّه تصالح مع فكرة الموت في سنٍّ مبكّرٍ للغايةِ، كان يترقبّه، ينتظره، يحسب الدّقائق والثّواني لقدومه، ليس خوفًا منه، وإنّما خوفًا على فقدان أحبابه،ومع ذلك مكث يرتقب حدوثه، حتّى ظلّ قابعًا في سجنه المعتم لأيّام وليالي متتالية لم يذق فيها طعم النّوم أو راحة البال، حتمًا لقد تسلّل الخوف إلى قلبه حتّى استفحل فيه وتمكّن منه، وهو قابع على هذه الحال وفي غفلة منه رأى نورًا ساطعًا قادمًا نحوه، ظنّ للحظةٍ أنّ الشّمس تشرق، لكن فجأة لمع خيطً في لون الزّئبق حاملاً دخّانًا معتمًا، نزل كالصّاعقة عليه وعلى من معه، ظلّ يزحف ويزحف، دون أن تمتصّه الأرض أو تبتلعه، ثم التوى واُختفى بحركةٍ حادّةٍ، سريعةٍ، غير مرتقبةٍ... تفتّت إلى شظايا متطايرة تنتشر في كلّ مكان، أصبح ذلك الطّفل فتاتًا في لمحة عين...
هكذا هي حياة ذلك الطّفل الّتي انتهت قبل أن تبدأ، حاله حال أبناء شعبه الآخرين. الّذين ما يكادون يعتادون على مكان حتّى ينتقلون إلى مكان آخر، أو حتّى ينتقلون إلى الحياة الآخرة.هذا حقًّا لأمر خانق جدًّا، إنّك لا تستطيع أن تتخيّل ماذا تفعل الحرب بهذا الشّعب... ينامون ويستيقظون على أصواتِ صراخِ أقرانهم، وطلقات بنادق، ووقع أقدام العدوّ، ومشاهدة شظايا موتاهم تلوح في كلّ مكان، حتّى رائحة الدّماء آلفوها واٌعتادوا عليها من كثرة ما تعايشوا مع الجثث ونقلها ودفنها.
إذن، لحساب من كانت هذه التّضحية الّتي تبلغ حدّالاستشهاد؟ ومن الّذي يستفيد من استمرارها؟ من الّذي يستفيد من بقاء كلّ هؤلاء الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال بكل مالهم من إنسانية ووداعة، ضحايا للسّخرية والاضطهاد على مرّ العصور؟ ولماذا لماذا لا نقول للعدوان الظّالم: "كفى... عودوا إلى صوابكم... لا تتشبّثوا بأصلكم، ولا تسيروا معًا كالقطيع. تفرّقوا، امتزجوا بالنّاس جميعًا، أنتم أوّل بني إسرائيل في العالم، وخيرتهم. أنتم ضحايا أنفسكم...ويقودكم إلى ذلك أضعف عناصركم وأسوؤها".
لا يمكن إذن لهذا العدوان الأخرق حافي القدمين، المشوّه أن يبيد أمّةً صمدت لسنوات عدّة من دون تخاذلٍ وتراجع... لا يمكن ذلك بأي شكل من الأشكال.
رسالة موجّهة إلى الشّبيبة والجيل الصّاعد: الغارق في السّخافة والاستهلاك اللاّواعي لوسائل التّواصل الاجتماعي الّتي عملت طيلة سنين مضت على طمس هويّتهم وتجريدهم من ثقافتهم وعرقهم الممتدّة إلى حضارات عريقة لا تنالها شعوب أخرى إلّا خلسةً وانتهاكًا وسلبًا، يا من تتنافسون على شهوات الحياة الدّنيا من دون إدراك لآخرة، يا من تتمايلون وتتراقصون في شاشاتكم العلنيّة العالميّة دون حياءٍأو خجلٍ، غافلين عن قضيّتكم الأسمى والأهم وهي "القضيّة الفلسطينيّة"؛ قضيّة أمّة لن تتكرّر أبدًا قيمةً وأهميّةً ومكيالًا، قضيّةً تحكي عن قصّة نضال أمّة أبت الذلّ والخنوع، قضيّةً تروي كفاح شعبٍ صمد أمام ويلات الغطرسة والظّلم حتّى أرهقه الثّقل ونال منه التّعب وأصابه الهوان.
فرجاء منكم الالتفات إلى قضايا إنسانيّة أهم من الدّردشة والرّقص على شاشات وسائل التّواصل الاجتماعي.
وفي الختام ما عسانا نقول غير أنّ النّور والتحرّر اللّذين كانا من المرتقب أن يجيئا في أعقاب الحرب، لم يجيئا بالنّصر، إلّا أنّه كانت ثمّة بارقة من الحريّة تلوح في الجوّ خلال هذه السّنوات التّالية للحرب، والّتي تحمل المعنى التّاريخي الأوحد لتلك السّنين.
فنحن نعي تمامًا بأنّ الحرب ماهي إلّا فرصةلاختبار عواطف الآخرين وإنسانيّتهم، وماهي إلّا درس يعلّم الإنسانيّة جمعاء بأنّه في داخل كلّ منّا إنسان وليس جماد؛ يحسّ بأخيه الإنسان، يشعر بما يمرّ به من ظرف، يتألّم لألمه، يدمع لحزنه، يفرح أيضًا لفرحه، هذا هو الإنسان الحقيقي... لذا لا ننسى أنّ كلّ ما يجمع بيننا في هذه الحياة الدّنيا هو الإنسانيّة مهما اختلفنا في الدّين والعرق واللّون والثّقافة... لذا رجاء أوقفوا هذه المهزلة، رجاء...