بسبب مشاكل الهجرة أصبحت أوروبا تعاني من صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي أصبحت تحكم الآن في كل من إيطاليا وهولاندا والنمسا والمجر وبولونيا والسويد
بقلم د. الصحراوي قمعون
صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة
يبدو أن أوروبا لها استعجال وتصميم على مزيد إشعال نار الحرب على حدودها في أوكرانيا أكثر من استعدادها للمساهمة في تحقيق التنمية والتشغيل وتثبيت السكان المهاجرين نحوها في مكان إقامتهم ببلدانهم جنوبي المتوسط والصحراء .
فها هي عشرات مليارات اليورو ومختلف أنواع الأسلحة تتدفق على أوكرانيا من دول أوروبا لمزيد إشعال لهيب الحرب وقطع الطريق على كل مبادرة سلمية هناك، في حين لازال الاتفاق الذي وقعته مفوضية الاتحاد الأوروبي مع تونس المجاورة ، يراوح مكانه منذ أكثر من شهرين على توقيعه في تونس في جويلية الماضي ولم تحصل تونس على أي مليم من الربع مليار يورو الموعودة لها مقابل إحكام حراسة حدودها مع الضفة الشمالية من جهة جزيرة لامبيدوزة، بؤرة الهجرة السرية نحو ايطاليا ومنها إلى فرنسا وأوروبا لتغذية سوق الشغل الرخيص. بل إن الاتفاق المذكور أصبح مجال مزايدات سياسوية ومساومات بين الكتل السياسية لأقصى اليمين وأقصى اليسار داخل البرلمان الأوروبي وبين بعض البلدان والحكومات الأوروبية نفسها التي لا تريد أن يطبق هذا الاتفاق الذي صيغ "على عجل" حسب رأيها وجري ببادرة من رئيسة الحكومة الايطالية المنتمية إلي أقصى اليمين المنبوذ في أوروبا اليسارية واليمينية المعتدلة والمفروض مقاطعته حسب هؤلاء . وينبه مناوئو رئيسة وزراء ايطاليا ميلوني أنه لا يجب أن تصبح القوي اليمينية المتطرفة صاحبة المبادرة في مؤسسات الاتحاد، بل يجب عزلها داخل الاتحاد وخارجه.
ورغم أن الاتفاق المبرم مع تونس هو لصالح أوروبا أكثر من تونس لأنه يفتح الباب أمام شراكة استراتيجية في مجال التنمية الاقتصادية والطاقة المتجددة التي بحاجة إليها أوروبا تعويضا للغاز الروسي، إلى جانب رفع مستوى التعاون في إدارة الحدود وعمليات البحث والإنقاذ لضحايا الهجرة السرية في عرض البحر . ولكن أعضاء في البرلمان الأوروبي المعارضين لتونس السيادية ولإيطاليا أقصى اليمين، يربطون بين الهجرة السرية وضرورة احترام هذا الاتفاقية مقتضيات الديمقراطية وسيادة القانون، حسب بعض أعضاء البرلمان الأوروبي المعادين للموقعين الثلاثة على الاتفاقية وهي تونس وايطاليا ومفوضية الاتحاد في بروكسال .
وتجد تونس نفسها في وضع لا تحسد عليها بسبب صعوبة أوضاعها الاقتصادية وبسبب الانقسام حولها داخل الاتحاد الاوروبي والتوظيف السياسي لملف الهجرة السرية من طرف جميع الفرقاء الأوروبيين داخل البرلمان الأوروبي وداخل المفوضية التي هي الجهاز التنفيذي برئاسة الالمانية اورسولا فان دير لاين التي تنتمي إلى الديمقراطية المسيحية لحزب المستشارة السابقة أنجيلا ميركيل وكانت وزيرة دفاع في حكومتها . ولها قضية اتهامات قضائية بتضارب مصالح مورط فيها زوجها في احدى صفقات المفوضية الأوروبية التي ترأسها، وهو موضوع محل تحقيقات استقصائية للصحافة الالمانية المناوئة لها.
وكانت تونس تعول على الاتفاق مع أوروبا في انتظار اتفاق مازال غير مضمون مع صندوق النقد الولي لارتباطه بشروط قاسية للإصلاح الهيكلي للاقتصاد ولصندوق التعويض للمواد الغذائية الأساسية والمحروقات والتي قد تكون لها ارتدادات اجتماعية عنيفة لا تقدر تونس على مواجهتها في فترة صعبة وسابقة لانتخابات عامة قادمة السنة المقبلة 2024، رئاسية وأخرى للغرفة الثانية لبرلمان الجهات والاقاليم وأخرى للبلديات .
الهجرة السرية وصراع اللوبيات داخل البرلمان الأوروبي
وداخل المجلس الأوروبي والمفوضية الاوروبية تتسابق المواقف حول العديد من ملفات التعاون والهجرة والعقوبات ضد العديد من الدول المرشحة لذلك والمعتبرة غير ديمقراطية بما فيه الكفاية في البرلمان الأوروبي . ولا تريد حكومة وسط اليمين المحافظة في ألمانيا مثلا أن تعطي هدية إلى اليمين المتطرف الحاكم في إيطاليا وهو يناور بالتنسيق مع تونس، والحال أن ألمانيا ممول الاتحاد الاوروبي وقاطرته، هي في حالة مواجهة ليمينها المتطرف النازي "حزب البديل" ، الذي يترصد الفرص الانتخابية ليقفز إلى المرتبة الثانية، وربما الأولى إسوة بشقيقه الفرنسي الجبهة الوطنية لمارين لوبان، الذي يتهيأ لاحتلال المركز الأول في الانتخابات القادمة، مستغلا الحصيلة الهزيلة للرئيس مانويل ماكرون وتفاقم المعارضة الشعبية له . ورغم صداقتها لتونس ومشاركتها في مجهود التنمية فيها إلى اليوم فإن حكومة برلين لا تنظر بعين الرضا للثالوث اليميني والمتطرف الذي زار تونس ووقع الاتفاقية الإستراتيجية ويضم رئيسة الحكومة الإيطالية جيورجيا ميلوني (يمين متطرف) ومارك روتر، رئيس وزراء هولاندة (يمين متطرف ) ورئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فان دير لاين (يمين معتدل ميّال إلى التطرف لحزب الديمقراطية المسيحية)
إنها معارك المعتدلين مع المتطرفين داخل الولايات الاوروبية، وجدت تونس نفسها فيها بفعل الجوار وهي محشورة بين المطرقة والسندان مع شريك قديم وتقليدي يمثل ثمانين بالمائة من مبادلاتها التجارية والبشرية معه ولا تستطيع منه الفكاك .
صعود التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا
وبسبب مشاكل الهجرة أصبحت أوروبا تعاني من صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي أصبحت تحكم الآن في كل من إيطاليا وهولاندا والنمسا والمجر وبولونيا والسويد ، هذا البلد اللطيف الذي سقط في أتون التطرف، وهو البلد الاسكندينافي ، الذي جاء بجائزة نوبل للسلام وكان أيقونة الحرية والسلام والتسامح البشري والحياد الكامل منذ قرنين وطوال الحرب العالمية الثانية وما تلاها زمن حكم الاشتراكيين الديمقراطيين خاصة مع زعيمهم الانساني أولف بالمة . وقد تحول هذا البلد المسالم المثالي إلى بلد يسكنه الحقد ويحكم فيه تكتل من قوى اليمين العنصري المتطرف الذي لا يجد فيه حرجا بعض المتطرفين من تنظيم مهرجان كل يوم جمعة يتم فيه إحراق مصحف القرآن في جنون شعبوي وهستيريا جماعية ملتهبة في بلد الثلج والصقيع وفي بلاد جُبل ساكنوها على احترام الأجنبي وإغاثة الملهوف وتقديم اللجوء بسخاء وكرم حاتم الطائي لكل الهاربين من جحيم الحروب الأهلية في الشرق الأوسط وإفريقيا وكل اللاجئين من اضطهاد الأنظمة السياسية والعرقية في بلدانهم عبر العالم.
ولازالت الهجرة السرية تمثل بؤرة توتر ومزايدات تغذيها السياسات الخاصة للبلدان المصدرة لها والبلدان المستقبلة لها من أجل مواصلة استغلال اليد العاملة الرخيصة لجحافل العاملين في الاقتصاد الموازي الأوروبي، في مواجهة تنافسية الهند والصين بشكل يصبح حضور اليد العاملة السرية بدون أوراق عنصر تنافسية اقتصادية كما هو الحال في اقتصاديات ايطاليا واسبانيا وفرنسا الموازية التي يقول الخبراء إن انتعاشتها النسبية يعود إلى الكلفة المتدنية فيها لليد العاملة المهاجرة بدون أوراق.
نحو سياسة هجرة نموذجية
إن المطلوب اليوم، ضمانا للمستقبل، هو التوصل العملي إلي عقد اتفاق شراكة متجددة مع دول الطوق البحري الجنوبي لأوروبا من أجل تنظيم التدفقات من اليد العاملة الماهرة المطلوبة في أوروبا بفعل التهرم السكاني الأوروبي وتواصل الحيوية الصناعية والفلاحية والخدمات فيها، وذلك عبر اتفاقيات تشغيل بعقود محترمة، يسبقها تكوين في بلاد المنشإ في المهنة المطلوبة وفي اللغة من أجل خلق فضاء إقامة شرعية من صيغة "شنغان اثنين" أو "بْلَاصْ"، يضع حدا للاستغلال الإقتصادي والسياسي لهذا الملف وللمتاجرة بأحلام ألاف وملايين الشباب الجنوبي، ممن يلقون بأنفسهم إلى الهلاك بركوب قوارب الموت والغرق كما نشاهده يوميا لعشرات القوارب المنطلقة من تركيا ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، بحثا عن إلْدُورَادُو، وجنة النعيم الخُلَّب.
وكانت تونس ودول الجوار الاورو متوسطي طبقت تجربة في بداية الالفية الحالية عام 2005 عقدت فيها اتفاقيات هجرة منظمة مع كل من ايطاليا وفرنسا وسمحت للكثيرين بتنظيم عملية الهجرة إلي ايطاليا وفرنسا والعمل هناك بعقود تشغيل تحفظ كرامة العاملين وتيسر اندماجهم في الحياة هناك مع إرسال جانب من أموالهم إلي البلد الأصلي، مما خلق ديناميكية اقتصادية وتعاملية مربحة لضفتي المتوسط، وهو الأمر الذي يجب أن تركز عليه مفوضية الاتحاد الأروبي لوقف التدفق الفوضوي لجحافل المهاجرين من شمال افريقيا ومن جنوب الصحراء الافريقية . وهو الحل المتاح حتى يتم نزع فتيل هذه الحرب المعلنة بمأسيها البشرية والاجتماعية وكل محاولات التوظيف السياسي لورقة الهجرة والمهجرين إلى جانب اللوبيات والشعبويات السياسية من مختلف الاتجاهات داخل أوروبا نفسها التي تبقى المتمعشة الكبرى للهجرة اللاإنسانية والتهجير القسري من قبل الحكومات أو الميليشيلات أو الشبكات الإجرامية في بلدان التدفق الذي ترك الموضوع يراوح مكانه ويجري توظيفه من الجميع كل حسب هواه ومصالحه، في حين تتواصل جحافل الموتي الذين يلفظهم البحر كل يوم جثثا هامدة دون هوية يتم دفنهم في مقابر جماعية في مشاهد تمثل قمة الماساة الانسانية، في عالم يردد شعارات المساواة والعدالة والكرامة واحترام حقوق الإنسان الأساسية.
بسبب مشاكل الهجرة أصبحت أوروبا تعاني من صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي أصبحت تحكم الآن في كل من إيطاليا وهولاندا والنمسا والمجر وبولونيا والسويد
بقلم د. الصحراوي قمعون
صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة
يبدو أن أوروبا لها استعجال وتصميم على مزيد إشعال نار الحرب على حدودها في أوكرانيا أكثر من استعدادها للمساهمة في تحقيق التنمية والتشغيل وتثبيت السكان المهاجرين نحوها في مكان إقامتهم ببلدانهم جنوبي المتوسط والصحراء .
فها هي عشرات مليارات اليورو ومختلف أنواع الأسلحة تتدفق على أوكرانيا من دول أوروبا لمزيد إشعال لهيب الحرب وقطع الطريق على كل مبادرة سلمية هناك، في حين لازال الاتفاق الذي وقعته مفوضية الاتحاد الأوروبي مع تونس المجاورة ، يراوح مكانه منذ أكثر من شهرين على توقيعه في تونس في جويلية الماضي ولم تحصل تونس على أي مليم من الربع مليار يورو الموعودة لها مقابل إحكام حراسة حدودها مع الضفة الشمالية من جهة جزيرة لامبيدوزة، بؤرة الهجرة السرية نحو ايطاليا ومنها إلى فرنسا وأوروبا لتغذية سوق الشغل الرخيص. بل إن الاتفاق المذكور أصبح مجال مزايدات سياسوية ومساومات بين الكتل السياسية لأقصى اليمين وأقصى اليسار داخل البرلمان الأوروبي وبين بعض البلدان والحكومات الأوروبية نفسها التي لا تريد أن يطبق هذا الاتفاق الذي صيغ "على عجل" حسب رأيها وجري ببادرة من رئيسة الحكومة الايطالية المنتمية إلي أقصى اليمين المنبوذ في أوروبا اليسارية واليمينية المعتدلة والمفروض مقاطعته حسب هؤلاء . وينبه مناوئو رئيسة وزراء ايطاليا ميلوني أنه لا يجب أن تصبح القوي اليمينية المتطرفة صاحبة المبادرة في مؤسسات الاتحاد، بل يجب عزلها داخل الاتحاد وخارجه.
ورغم أن الاتفاق المبرم مع تونس هو لصالح أوروبا أكثر من تونس لأنه يفتح الباب أمام شراكة استراتيجية في مجال التنمية الاقتصادية والطاقة المتجددة التي بحاجة إليها أوروبا تعويضا للغاز الروسي، إلى جانب رفع مستوى التعاون في إدارة الحدود وعمليات البحث والإنقاذ لضحايا الهجرة السرية في عرض البحر . ولكن أعضاء في البرلمان الأوروبي المعارضين لتونس السيادية ولإيطاليا أقصى اليمين، يربطون بين الهجرة السرية وضرورة احترام هذا الاتفاقية مقتضيات الديمقراطية وسيادة القانون، حسب بعض أعضاء البرلمان الأوروبي المعادين للموقعين الثلاثة على الاتفاقية وهي تونس وايطاليا ومفوضية الاتحاد في بروكسال .
وتجد تونس نفسها في وضع لا تحسد عليها بسبب صعوبة أوضاعها الاقتصادية وبسبب الانقسام حولها داخل الاتحاد الاوروبي والتوظيف السياسي لملف الهجرة السرية من طرف جميع الفرقاء الأوروبيين داخل البرلمان الأوروبي وداخل المفوضية التي هي الجهاز التنفيذي برئاسة الالمانية اورسولا فان دير لاين التي تنتمي إلى الديمقراطية المسيحية لحزب المستشارة السابقة أنجيلا ميركيل وكانت وزيرة دفاع في حكومتها . ولها قضية اتهامات قضائية بتضارب مصالح مورط فيها زوجها في احدى صفقات المفوضية الأوروبية التي ترأسها، وهو موضوع محل تحقيقات استقصائية للصحافة الالمانية المناوئة لها.
وكانت تونس تعول على الاتفاق مع أوروبا في انتظار اتفاق مازال غير مضمون مع صندوق النقد الولي لارتباطه بشروط قاسية للإصلاح الهيكلي للاقتصاد ولصندوق التعويض للمواد الغذائية الأساسية والمحروقات والتي قد تكون لها ارتدادات اجتماعية عنيفة لا تقدر تونس على مواجهتها في فترة صعبة وسابقة لانتخابات عامة قادمة السنة المقبلة 2024، رئاسية وأخرى للغرفة الثانية لبرلمان الجهات والاقاليم وأخرى للبلديات .
الهجرة السرية وصراع اللوبيات داخل البرلمان الأوروبي
وداخل المجلس الأوروبي والمفوضية الاوروبية تتسابق المواقف حول العديد من ملفات التعاون والهجرة والعقوبات ضد العديد من الدول المرشحة لذلك والمعتبرة غير ديمقراطية بما فيه الكفاية في البرلمان الأوروبي . ولا تريد حكومة وسط اليمين المحافظة في ألمانيا مثلا أن تعطي هدية إلى اليمين المتطرف الحاكم في إيطاليا وهو يناور بالتنسيق مع تونس، والحال أن ألمانيا ممول الاتحاد الاوروبي وقاطرته، هي في حالة مواجهة ليمينها المتطرف النازي "حزب البديل" ، الذي يترصد الفرص الانتخابية ليقفز إلى المرتبة الثانية، وربما الأولى إسوة بشقيقه الفرنسي الجبهة الوطنية لمارين لوبان، الذي يتهيأ لاحتلال المركز الأول في الانتخابات القادمة، مستغلا الحصيلة الهزيلة للرئيس مانويل ماكرون وتفاقم المعارضة الشعبية له . ورغم صداقتها لتونس ومشاركتها في مجهود التنمية فيها إلى اليوم فإن حكومة برلين لا تنظر بعين الرضا للثالوث اليميني والمتطرف الذي زار تونس ووقع الاتفاقية الإستراتيجية ويضم رئيسة الحكومة الإيطالية جيورجيا ميلوني (يمين متطرف) ومارك روتر، رئيس وزراء هولاندة (يمين متطرف ) ورئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فان دير لاين (يمين معتدل ميّال إلى التطرف لحزب الديمقراطية المسيحية)
إنها معارك المعتدلين مع المتطرفين داخل الولايات الاوروبية، وجدت تونس نفسها فيها بفعل الجوار وهي محشورة بين المطرقة والسندان مع شريك قديم وتقليدي يمثل ثمانين بالمائة من مبادلاتها التجارية والبشرية معه ولا تستطيع منه الفكاك .
صعود التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا
وبسبب مشاكل الهجرة أصبحت أوروبا تعاني من صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي أصبحت تحكم الآن في كل من إيطاليا وهولاندا والنمسا والمجر وبولونيا والسويد ، هذا البلد اللطيف الذي سقط في أتون التطرف، وهو البلد الاسكندينافي ، الذي جاء بجائزة نوبل للسلام وكان أيقونة الحرية والسلام والتسامح البشري والحياد الكامل منذ قرنين وطوال الحرب العالمية الثانية وما تلاها زمن حكم الاشتراكيين الديمقراطيين خاصة مع زعيمهم الانساني أولف بالمة . وقد تحول هذا البلد المسالم المثالي إلى بلد يسكنه الحقد ويحكم فيه تكتل من قوى اليمين العنصري المتطرف الذي لا يجد فيه حرجا بعض المتطرفين من تنظيم مهرجان كل يوم جمعة يتم فيه إحراق مصحف القرآن في جنون شعبوي وهستيريا جماعية ملتهبة في بلد الثلج والصقيع وفي بلاد جُبل ساكنوها على احترام الأجنبي وإغاثة الملهوف وتقديم اللجوء بسخاء وكرم حاتم الطائي لكل الهاربين من جحيم الحروب الأهلية في الشرق الأوسط وإفريقيا وكل اللاجئين من اضطهاد الأنظمة السياسية والعرقية في بلدانهم عبر العالم.
ولازالت الهجرة السرية تمثل بؤرة توتر ومزايدات تغذيها السياسات الخاصة للبلدان المصدرة لها والبلدان المستقبلة لها من أجل مواصلة استغلال اليد العاملة الرخيصة لجحافل العاملين في الاقتصاد الموازي الأوروبي، في مواجهة تنافسية الهند والصين بشكل يصبح حضور اليد العاملة السرية بدون أوراق عنصر تنافسية اقتصادية كما هو الحال في اقتصاديات ايطاليا واسبانيا وفرنسا الموازية التي يقول الخبراء إن انتعاشتها النسبية يعود إلى الكلفة المتدنية فيها لليد العاملة المهاجرة بدون أوراق.
نحو سياسة هجرة نموذجية
إن المطلوب اليوم، ضمانا للمستقبل، هو التوصل العملي إلي عقد اتفاق شراكة متجددة مع دول الطوق البحري الجنوبي لأوروبا من أجل تنظيم التدفقات من اليد العاملة الماهرة المطلوبة في أوروبا بفعل التهرم السكاني الأوروبي وتواصل الحيوية الصناعية والفلاحية والخدمات فيها، وذلك عبر اتفاقيات تشغيل بعقود محترمة، يسبقها تكوين في بلاد المنشإ في المهنة المطلوبة وفي اللغة من أجل خلق فضاء إقامة شرعية من صيغة "شنغان اثنين" أو "بْلَاصْ"، يضع حدا للاستغلال الإقتصادي والسياسي لهذا الملف وللمتاجرة بأحلام ألاف وملايين الشباب الجنوبي، ممن يلقون بأنفسهم إلى الهلاك بركوب قوارب الموت والغرق كما نشاهده يوميا لعشرات القوارب المنطلقة من تركيا ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، بحثا عن إلْدُورَادُو، وجنة النعيم الخُلَّب.
وكانت تونس ودول الجوار الاورو متوسطي طبقت تجربة في بداية الالفية الحالية عام 2005 عقدت فيها اتفاقيات هجرة منظمة مع كل من ايطاليا وفرنسا وسمحت للكثيرين بتنظيم عملية الهجرة إلي ايطاليا وفرنسا والعمل هناك بعقود تشغيل تحفظ كرامة العاملين وتيسر اندماجهم في الحياة هناك مع إرسال جانب من أموالهم إلي البلد الأصلي، مما خلق ديناميكية اقتصادية وتعاملية مربحة لضفتي المتوسط، وهو الأمر الذي يجب أن تركز عليه مفوضية الاتحاد الأروبي لوقف التدفق الفوضوي لجحافل المهاجرين من شمال افريقيا ومن جنوب الصحراء الافريقية . وهو الحل المتاح حتى يتم نزع فتيل هذه الحرب المعلنة بمأسيها البشرية والاجتماعية وكل محاولات التوظيف السياسي لورقة الهجرة والمهجرين إلى جانب اللوبيات والشعبويات السياسية من مختلف الاتجاهات داخل أوروبا نفسها التي تبقى المتمعشة الكبرى للهجرة اللاإنسانية والتهجير القسري من قبل الحكومات أو الميليشيلات أو الشبكات الإجرامية في بلدان التدفق الذي ترك الموضوع يراوح مكانه ويجري توظيفه من الجميع كل حسب هواه ومصالحه، في حين تتواصل جحافل الموتي الذين يلفظهم البحر كل يوم جثثا هامدة دون هوية يتم دفنهم في مقابر جماعية في مشاهد تمثل قمة الماساة الانسانية، في عالم يردد شعارات المساواة والعدالة والكرامة واحترام حقوق الإنسان الأساسية.