كثيرون هم الذين يظنّون أنّ التعاطف التونسي مع القضية الفلسطينية هو حديث العهد وأنّ تحرّك الشعب التونسي لنصرة الفلسطينيين كان مع استقلال البلاد، والحقيقة غير ذلك تماما.
وهذه المساندة لم تقتصر على التظاهر والتنديد والشجب وإنّما بالنضال المسلّح المباشر الذي من شأنه أن يرفع معنويات الشعب الفلسطيني، حيث امتزجت الدماء التونسية والفلسطينية منذ قيام دولة الكيان الصهيوني سنة 1948.
أتذكّر جيّدا أنّ والدي الطّاهر بن عمّار رحمه الله قد زاره في سنة 1959 بمنزلنا برأس الدّرب جماعة من المناضلين المقاومين وتجاذبوا أطراف الحديث وكُنتُ حاضرا وأنا في سنّ الرابعة عشرة من عمري، أدرس بالمدرسة الصادقية، واستمعت الى حديثهم الذي تعلّق بالقضية الفلسطينية، وكان من بين المقاومين أتذكّر جيّدا لزهر الشرايطي الذي أعرفه، فقد كان يزور والدي من حين لآخر وذكروا أنّه في سنة 1948 حين إعلان قيام الكيان الصهيوني الغريب على أرض فلسطين قد قَدِمت مجموعة من الوطنيين المتحمّسين للقضية والغيورين على إخوانهم الذين تعرضوا للقهر من قِبَلِ الغَرْب الاستعماري وذَكَرُوا كيف عَرَضُوا على الطّاهر بن عمّار عزمهم على الالتحاق بالمقاومة في فلسطين وطلبوا منه المساندة والمساعدة على تنفيذ ما هم عازمون عليه وذكروا أنّهم ذهبوا عن طريق البرّ عبر ليبيا ومصر وكان عددهم يتجاوز الألف مقاوم على ما أَتَذّكر، وسمعتهم يتوجهون إلى والدي بالشكر على مُساعدته لهم ولاسيما لزهر الشرايطي الذي سمعته يذكر وصول التونسيين إلى فلسطين ومساهمتهم في المقاومة ضدّ العدو الغاشم، ومنهم من تُوفي واستشهد هناك، ومنذ قيام الكيان الغَرِيب في أرض فلسطين امتزجت الدماء التونسية بالدماء الفلسطينية، ومنذ ذلك التاريخ كانت ولا تزال القضيّة الفلسطينية في صميم الاهتمامات التونسيّة.
والشعب التونسي منذ ذلك التّاريخ وإلى الآن وغدا يُمَيِّزُ بين اليهود وبين الصهاينة، فاليهود يعيشون بيننا منذ قرون ويُمارسونُ طُقوسهم بكلّ حرية وأمان ولهم مَعابِدهم ومتاجرهم وليس هنالك مشاكل، بل وهم تونسيون يعتنقون الديانة اليهودية، ومنهم من شارك في الحركة الوطنية، فعلى سبيل الذّكر وليس الحصر فمنذ 1920 كان في الوفد الذي ألّفه الحزب الدستوري بقيادة الطّاهر بن عمّار الأستاذ "إيلي زارح"، وذلك لتقديم مطالب إصلاحيّة تونسيّة للحكومة الفرنسيّة وفي حكومة الطّاهر بن عمّار الثانية (17 سبتمبر 1955-11 أفريل 1956) كان الأستاذ العميد "أَلْبار بَسِيس" وزيرا للتهيئة العمرانية وفي المجلس التأسيسي كان هنالك في سنة 1956 نائبان عن الجالية اليهودية التونسية وهما الأستاذ " أْلْبار بَسِيس " و"أندري باروش"، وفي الحكومة الأولى التي ترأسها الزعيم الحبيب بورقيبة كان أحد كتّاب الدولة آنذاك "أندري باروش "، وكلّ ذلك يدلّ على أن التَّمْييز بين اليهود كأصحاب ديانة سماوية والصهاينة كَتَوجّه سِياسي استعماري متطرّف هذا التمييز قائم في العقليّة والثقافة التونسية، فحذار من الخلط فلا مجال للوقوع في فخّ هذا الخلط البغيض.
فالصهاينة الذين يُشَيْطنون الشعب الفلسطيني عن طريق الإعلام الموجّه القصد منه مُغالطة الرأي العام العالمي، فالتاريخ لا ينبغي أن يكون الابن اللَّقيط للأساطير الكاذبة، فالمقاومون ليسوا إرهابيين، ولهم الحق كلّ الحق في الدفاع عن وطنهم السَّليب واسترجاعه من العدو المغتصب، ومن الواجب علينا أن نكنّ لهم كل الاحترام والتّقدير، فهم ضَحَايا الاستعمار الغاشِم والقهر وانخرام موازين القوى وأرض فلسطين للفلسطينيين وليست للإسرائيليين .
أمَا آن لهذا الجرح المفتوح منذ سنة 1948 وهذه القنبلة الموقوتة التي زرعها الغرب أن نجد لها حلاّ ولا يكون ذلك في رأينا إلاّ بندوة عالمية تشارك فيها كلّ القوى بما في ذلك الصّين لنجد حلا جذريّا وآنيا وإنسانيا لهذه المُعضلة التي ظلّت بؤرة توتّر وظلم.. أما آن للقهر أن ينتهيَ وللعدوان أن يزولَ، فالله سبحانه خلقنا لنعيش في أمن وسلام، وثقافتنا ثقافة حياة ووِئام، ونحن دائما إلى جانب الضحايا والمستضعفين والعدل ولسنا أبدا من أنصار البغاة والظالمين، وهذا من ثوابت الشعب التونسي، هذا الشعب الأبّي، الذي ساند و يساند الشعب الفلسطيني كما ساند وأعان الشعب الجزائري الشقيق في معركته ضدّ الظلم والطغيان بالسّلاح والرجال والشهداء الأبرار.
وعلى شبابنا التونسي أن يعلم أنّ له في تاريخنا الحديث ما يمكن أن يفتخروا به، فلهم في آبائهم أمثلة يمكن الاقتداء بهم والسّير على منوالهم في المواقف والعمل الجاد الذي من الواجب أن يكتسب صبغة القداسة للرّفع من شأن تونس اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وإعلاء رايتها بين الأمم.
بقلم: الشّاذلي بن عمّار
كثيرون هم الذين يظنّون أنّ التعاطف التونسي مع القضية الفلسطينية هو حديث العهد وأنّ تحرّك الشعب التونسي لنصرة الفلسطينيين كان مع استقلال البلاد، والحقيقة غير ذلك تماما.
وهذه المساندة لم تقتصر على التظاهر والتنديد والشجب وإنّما بالنضال المسلّح المباشر الذي من شأنه أن يرفع معنويات الشعب الفلسطيني، حيث امتزجت الدماء التونسية والفلسطينية منذ قيام دولة الكيان الصهيوني سنة 1948.
أتذكّر جيّدا أنّ والدي الطّاهر بن عمّار رحمه الله قد زاره في سنة 1959 بمنزلنا برأس الدّرب جماعة من المناضلين المقاومين وتجاذبوا أطراف الحديث وكُنتُ حاضرا وأنا في سنّ الرابعة عشرة من عمري، أدرس بالمدرسة الصادقية، واستمعت الى حديثهم الذي تعلّق بالقضية الفلسطينية، وكان من بين المقاومين أتذكّر جيّدا لزهر الشرايطي الذي أعرفه، فقد كان يزور والدي من حين لآخر وذكروا أنّه في سنة 1948 حين إعلان قيام الكيان الصهيوني الغريب على أرض فلسطين قد قَدِمت مجموعة من الوطنيين المتحمّسين للقضية والغيورين على إخوانهم الذين تعرضوا للقهر من قِبَلِ الغَرْب الاستعماري وذَكَرُوا كيف عَرَضُوا على الطّاهر بن عمّار عزمهم على الالتحاق بالمقاومة في فلسطين وطلبوا منه المساندة والمساعدة على تنفيذ ما هم عازمون عليه وذكروا أنّهم ذهبوا عن طريق البرّ عبر ليبيا ومصر وكان عددهم يتجاوز الألف مقاوم على ما أَتَذّكر، وسمعتهم يتوجهون إلى والدي بالشكر على مُساعدته لهم ولاسيما لزهر الشرايطي الذي سمعته يذكر وصول التونسيين إلى فلسطين ومساهمتهم في المقاومة ضدّ العدو الغاشم، ومنهم من تُوفي واستشهد هناك، ومنذ قيام الكيان الغَرِيب في أرض فلسطين امتزجت الدماء التونسية بالدماء الفلسطينية، ومنذ ذلك التاريخ كانت ولا تزال القضيّة الفلسطينية في صميم الاهتمامات التونسيّة.
والشعب التونسي منذ ذلك التّاريخ وإلى الآن وغدا يُمَيِّزُ بين اليهود وبين الصهاينة، فاليهود يعيشون بيننا منذ قرون ويُمارسونُ طُقوسهم بكلّ حرية وأمان ولهم مَعابِدهم ومتاجرهم وليس هنالك مشاكل، بل وهم تونسيون يعتنقون الديانة اليهودية، ومنهم من شارك في الحركة الوطنية، فعلى سبيل الذّكر وليس الحصر فمنذ 1920 كان في الوفد الذي ألّفه الحزب الدستوري بقيادة الطّاهر بن عمّار الأستاذ "إيلي زارح"، وذلك لتقديم مطالب إصلاحيّة تونسيّة للحكومة الفرنسيّة وفي حكومة الطّاهر بن عمّار الثانية (17 سبتمبر 1955-11 أفريل 1956) كان الأستاذ العميد "أَلْبار بَسِيس" وزيرا للتهيئة العمرانية وفي المجلس التأسيسي كان هنالك في سنة 1956 نائبان عن الجالية اليهودية التونسية وهما الأستاذ " أْلْبار بَسِيس " و"أندري باروش"، وفي الحكومة الأولى التي ترأسها الزعيم الحبيب بورقيبة كان أحد كتّاب الدولة آنذاك "أندري باروش "، وكلّ ذلك يدلّ على أن التَّمْييز بين اليهود كأصحاب ديانة سماوية والصهاينة كَتَوجّه سِياسي استعماري متطرّف هذا التمييز قائم في العقليّة والثقافة التونسية، فحذار من الخلط فلا مجال للوقوع في فخّ هذا الخلط البغيض.
فالصهاينة الذين يُشَيْطنون الشعب الفلسطيني عن طريق الإعلام الموجّه القصد منه مُغالطة الرأي العام العالمي، فالتاريخ لا ينبغي أن يكون الابن اللَّقيط للأساطير الكاذبة، فالمقاومون ليسوا إرهابيين، ولهم الحق كلّ الحق في الدفاع عن وطنهم السَّليب واسترجاعه من العدو المغتصب، ومن الواجب علينا أن نكنّ لهم كل الاحترام والتّقدير، فهم ضَحَايا الاستعمار الغاشِم والقهر وانخرام موازين القوى وأرض فلسطين للفلسطينيين وليست للإسرائيليين .
أمَا آن لهذا الجرح المفتوح منذ سنة 1948 وهذه القنبلة الموقوتة التي زرعها الغرب أن نجد لها حلاّ ولا يكون ذلك في رأينا إلاّ بندوة عالمية تشارك فيها كلّ القوى بما في ذلك الصّين لنجد حلا جذريّا وآنيا وإنسانيا لهذه المُعضلة التي ظلّت بؤرة توتّر وظلم.. أما آن للقهر أن ينتهيَ وللعدوان أن يزولَ، فالله سبحانه خلقنا لنعيش في أمن وسلام، وثقافتنا ثقافة حياة ووِئام، ونحن دائما إلى جانب الضحايا والمستضعفين والعدل ولسنا أبدا من أنصار البغاة والظالمين، وهذا من ثوابت الشعب التونسي، هذا الشعب الأبّي، الذي ساند و يساند الشعب الفلسطيني كما ساند وأعان الشعب الجزائري الشقيق في معركته ضدّ الظلم والطغيان بالسّلاح والرجال والشهداء الأبرار.
وعلى شبابنا التونسي أن يعلم أنّ له في تاريخنا الحديث ما يمكن أن يفتخروا به، فلهم في آبائهم أمثلة يمكن الاقتداء بهم والسّير على منوالهم في المواقف والعمل الجاد الذي من الواجب أن يكتسب صبغة القداسة للرّفع من شأن تونس اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وإعلاء رايتها بين الأمم.