إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

صمتا.. هنا فلسطين

 بقلم: محمد القرفي

 نشرنا مقالا  في "الزمان" اللندنية عام 1998 بعنوان "إدمان" إثر إذاعة حوار تلفزيوني مع الكاتب الفنلندي هاري موليش الذي قدّم نفسه أنه من أم يهودية ورأينا اليوم بعد ربع قرن من كتابته أنه يستحق الاستذكار في ظل ما يجري من أحداث. وقال هذا المفكر العبقري بكل وقاحة: أعطوا كل عربي سيارة مرسيدس وثلاجة وإنترنت تنتهِ حربهم مع اليهود (كذا) واختزل بهذا التعبير آلام العرب وقضاياهم المصيرية في هذه المصنوعات الثلاثة وربما منعه الحياء المصطنع أن يضيف: زيدوهم نوعا من الشراب ونساء جميلات تأمنوا شرهم إلى يوم يبعثون.

لقد حق للغرب اليوم أن يختزل ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا في حاجيات محدودة يجود بها علينا حين يشاء، وبمقدار. فقد استطاع بجرة قلم أن يعزلنا عن تاريخنا القريب والبعيد وأن يمحو من ذاكرتنا معالم النخوة والاعتزاز وأن يكرّس فينا عقدة ذنبه لندفع فاتورة أخطائه حتى صرنا نتحاشى ذكر رموزنا البطولية ونردد أشعارنا الوطنية بالمناسبة، وتحت العباءة رفقا بحساسيته المرهفة وخوفا من غضبه المُجْهِز. وإذا اقتضى الأمر نكرّم أمواتهم الصهاينة بأموالنا ونئد أحياءنا بأموالهم لنؤكد لهم ولحُماتهم أننا نحبهم حبا جما وملتزمون بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته خيارا استراتيجيا ولو على رقابنا.

سيد درويش ارتبط بثورة 1919 المصرية وهتف الشعب معه ملء الروح والقلب (بلادي لك حبي وفؤادي) في زمن كان رصاص البريطانيين يُزرع مجانا في صدور المتظاهرين كما يُرش الماء في حدائق الباشوات. روائع الأخوين الرحباني ارتبطت بتاريخنا الحديث بدءا من النكبة حتى كل الانتكاسات الرهيبة ورافقتنا نصف قرن -ولا تزال- طودا شامخا تقرع أجراسه (الآن الآن وليس غدا) فتعيد الأمل إلى النفوس حين يكون اليأس قد أماتها. أناشيد الثورة المصرية التي هدهدت أحلامنا وأيقظت سباتنا صرخةً للحق (يا ويل عدو الدار) في وجه المغتصبين فرفع العربي رأسه بعد أن كان مطأطأ تحت أقدام الإقطاع والاستعمار. وحتى وإن لم تحقق كل الغايات، فذلك أضعف الإيمان.

كل هذه الأعمال الكبيرة الخالدات وغيرها مما يعسر حصرها في الأقطار العربية أصبحت اليوم كمثل الزوايا والتكايا، قبورا وتوابيت تُزار عند النكبة أو للترحم على أرواح الشهداء -بمن فيهم الأحياء- الذين أضاعوا الرشاد في ساحة النضال، وما أقصر العمر حتى نضيعه في النضال!

هذه العبر صارت اليوم لا تعنينا في شيء وصارت صور القمع والإرهاب التي تمارس ضد شعبنا العربي في فلسطين وفي كل مكان وصور الأطفال والنساء الذين يموتون يوميا من وباء الأسلحة التي جُرّبت فيهم فصحّت طبَقا إلزاميا نلتهمه مع وجباتنا اليومية على موائد الإفطار والغداء والعشاء مشدوهين أمام مغنطيس فضائياتنا الفضفاضة وهي تقدمها بابتسامة حرفية باهتة وتشفعها بالمقابلات الرياضية واستعراضات الموضة.. وحالة الطقس اليوم وغدا إن شاء الله.

والذين تغنوا بفلسطين وبقضايانا المصيرية صاروا مشبوهين، منبوذين، كمن ارتكب إثما أو اقترف جرما، وفي أحسن الحالات مثاليين متخلفين عن مسار التاريخ الحديث كما تراه عيون عمياء تلبس نظارات العمالة. ومرة قال لنا أحد هؤلاء، ممن ركبوا حصان السياسة بدون سرج: إن بعض الموسيقيين العرب تجاوزتهم الأحداث ولم يتفطنوا بعد أننا نعيش عصر السلم وأن كل أناشيد الحماسة والعروبة يجب أن تركن في مخازن التاريخ. إنه لمن المضحك حقا أن يرددوا اليوم (أصبح عندي الآن بندقية) أو (عاش الفن حضارة يبنيها الفنان) أو (انهض للثورة والثار)، نحن بحاجة إلى الضحك من الأعماق والفرفشة المنعشة حتى نبني الإنسان العربي الحديث! (انتهى المصدر المشبوه).

ولقد تفشى هذا الرأي المهزوز كالنار في الهشيم بدعم أكيد من أشباه الموسيقيين العرب، المخدرين بأموال البؤساء، الخادمين لكل سلطان وجاه، المتربصين لامتطاء القضايا المصيرية بدعوى التعاطف الإنساني وجمع التبرعات الخيرية. فحتى الأناشيد الوطنية التي يضعونها اليوم صارت تُدق على الوحدة ونص وتولول فيها زغاريد الأعراس، أو بكائيات تزيد الهم غما، وهي في شكلها العام لا تختلف عن القوالب التي يستعملونها في غير هذا المجال. أما الأغاني التي توقظ المشاعر الوطنية حقا وتحدد القضية هدفا فقد صارت أعمالا نخبوية نادرة تحفظ ولا يقاس عليها ويُستنجد بها قسرا لضرورة المتابعة الظرفية.

فما من مصيبة إلا وترى الذين كانوا بالأمس يلهبون المطاعم والملاهي الليلية وينتشون بأموال السكارى على موائد اللئام قد لبسوا ثوب الحداد وتمنطقوا بالسواد ووضعوا الكوفية والعُقال وتجندوا صفوفا ليعلنوها مناحة يستدرون بها بكاء القابعين في بيوتهم، العاجزين عن استدراك كرامتهم المهدورة، وكأن البكاء صك على بياض لتوبة موقوتة يغسلون بها خياناتهم ويشترون بها الجماهير بعد أن باعوها على طاولة الانبطاح والتملق، أو رتق لثوب الكرامة المقعور بعهرهم وعمالتهم. وفي غفلة من الزمن تتحول الأمة إلى مجموعة ندابات محترفات يتمرغن على أعتاب الأسياد عسى يفزن برضاهم المقيت، ولا الضالين، آمين. وما أن تمر الزوبعة حتى يتغير اللِبس ويعود اللُبس في انتظار مصيبة أخرى يجددون فيها البيعة للنواح ويضمنون مستقبلهم، وهكذا دواليك إلى أن ترث إسرائيل فلسطين ومن عليها.

صمتا يا هؤلاء. فلسطين ليست في حاجة إلى عويلكم ولا شعبها في حاجة إلى غنائكم المحبط للعزائم ولا شهداؤها في حاجة إلى بكائكم، ليست في حاجة إلى الولائم التي تقيمونها على نخبها ولا لبعض الديانق التي تتبرعون بها من مال المغيّبين ولا لرسائلكم المضحكة المبكية التي تبعثون بها إلى أصحابكم من بني صهيون.

إنها في حاجة لكي تكفوا عن النعيق، أن تستكينوا إلى صمتكم المعتاد، أن تركنوا إلى بيوتكم المكيفة، أن تهنئوا في نعيم خوفكم، فلفلسطين رجال تعلموا أن النضال في الميدان ولا يمارس بالمناسبة وأن السلم لا تأتي بدون حرب وأن الحرب سجال لا يخوضها سوى من تهيّأ لها.

صمتا.. هنا فلسطين

 بقلم: محمد القرفي

 نشرنا مقالا  في "الزمان" اللندنية عام 1998 بعنوان "إدمان" إثر إذاعة حوار تلفزيوني مع الكاتب الفنلندي هاري موليش الذي قدّم نفسه أنه من أم يهودية ورأينا اليوم بعد ربع قرن من كتابته أنه يستحق الاستذكار في ظل ما يجري من أحداث. وقال هذا المفكر العبقري بكل وقاحة: أعطوا كل عربي سيارة مرسيدس وثلاجة وإنترنت تنتهِ حربهم مع اليهود (كذا) واختزل بهذا التعبير آلام العرب وقضاياهم المصيرية في هذه المصنوعات الثلاثة وربما منعه الحياء المصطنع أن يضيف: زيدوهم نوعا من الشراب ونساء جميلات تأمنوا شرهم إلى يوم يبعثون.

لقد حق للغرب اليوم أن يختزل ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا في حاجيات محدودة يجود بها علينا حين يشاء، وبمقدار. فقد استطاع بجرة قلم أن يعزلنا عن تاريخنا القريب والبعيد وأن يمحو من ذاكرتنا معالم النخوة والاعتزاز وأن يكرّس فينا عقدة ذنبه لندفع فاتورة أخطائه حتى صرنا نتحاشى ذكر رموزنا البطولية ونردد أشعارنا الوطنية بالمناسبة، وتحت العباءة رفقا بحساسيته المرهفة وخوفا من غضبه المُجْهِز. وإذا اقتضى الأمر نكرّم أمواتهم الصهاينة بأموالنا ونئد أحياءنا بأموالهم لنؤكد لهم ولحُماتهم أننا نحبهم حبا جما وملتزمون بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته خيارا استراتيجيا ولو على رقابنا.

سيد درويش ارتبط بثورة 1919 المصرية وهتف الشعب معه ملء الروح والقلب (بلادي لك حبي وفؤادي) في زمن كان رصاص البريطانيين يُزرع مجانا في صدور المتظاهرين كما يُرش الماء في حدائق الباشوات. روائع الأخوين الرحباني ارتبطت بتاريخنا الحديث بدءا من النكبة حتى كل الانتكاسات الرهيبة ورافقتنا نصف قرن -ولا تزال- طودا شامخا تقرع أجراسه (الآن الآن وليس غدا) فتعيد الأمل إلى النفوس حين يكون اليأس قد أماتها. أناشيد الثورة المصرية التي هدهدت أحلامنا وأيقظت سباتنا صرخةً للحق (يا ويل عدو الدار) في وجه المغتصبين فرفع العربي رأسه بعد أن كان مطأطأ تحت أقدام الإقطاع والاستعمار. وحتى وإن لم تحقق كل الغايات، فذلك أضعف الإيمان.

كل هذه الأعمال الكبيرة الخالدات وغيرها مما يعسر حصرها في الأقطار العربية أصبحت اليوم كمثل الزوايا والتكايا، قبورا وتوابيت تُزار عند النكبة أو للترحم على أرواح الشهداء -بمن فيهم الأحياء- الذين أضاعوا الرشاد في ساحة النضال، وما أقصر العمر حتى نضيعه في النضال!

هذه العبر صارت اليوم لا تعنينا في شيء وصارت صور القمع والإرهاب التي تمارس ضد شعبنا العربي في فلسطين وفي كل مكان وصور الأطفال والنساء الذين يموتون يوميا من وباء الأسلحة التي جُرّبت فيهم فصحّت طبَقا إلزاميا نلتهمه مع وجباتنا اليومية على موائد الإفطار والغداء والعشاء مشدوهين أمام مغنطيس فضائياتنا الفضفاضة وهي تقدمها بابتسامة حرفية باهتة وتشفعها بالمقابلات الرياضية واستعراضات الموضة.. وحالة الطقس اليوم وغدا إن شاء الله.

والذين تغنوا بفلسطين وبقضايانا المصيرية صاروا مشبوهين، منبوذين، كمن ارتكب إثما أو اقترف جرما، وفي أحسن الحالات مثاليين متخلفين عن مسار التاريخ الحديث كما تراه عيون عمياء تلبس نظارات العمالة. ومرة قال لنا أحد هؤلاء، ممن ركبوا حصان السياسة بدون سرج: إن بعض الموسيقيين العرب تجاوزتهم الأحداث ولم يتفطنوا بعد أننا نعيش عصر السلم وأن كل أناشيد الحماسة والعروبة يجب أن تركن في مخازن التاريخ. إنه لمن المضحك حقا أن يرددوا اليوم (أصبح عندي الآن بندقية) أو (عاش الفن حضارة يبنيها الفنان) أو (انهض للثورة والثار)، نحن بحاجة إلى الضحك من الأعماق والفرفشة المنعشة حتى نبني الإنسان العربي الحديث! (انتهى المصدر المشبوه).

ولقد تفشى هذا الرأي المهزوز كالنار في الهشيم بدعم أكيد من أشباه الموسيقيين العرب، المخدرين بأموال البؤساء، الخادمين لكل سلطان وجاه، المتربصين لامتطاء القضايا المصيرية بدعوى التعاطف الإنساني وجمع التبرعات الخيرية. فحتى الأناشيد الوطنية التي يضعونها اليوم صارت تُدق على الوحدة ونص وتولول فيها زغاريد الأعراس، أو بكائيات تزيد الهم غما، وهي في شكلها العام لا تختلف عن القوالب التي يستعملونها في غير هذا المجال. أما الأغاني التي توقظ المشاعر الوطنية حقا وتحدد القضية هدفا فقد صارت أعمالا نخبوية نادرة تحفظ ولا يقاس عليها ويُستنجد بها قسرا لضرورة المتابعة الظرفية.

فما من مصيبة إلا وترى الذين كانوا بالأمس يلهبون المطاعم والملاهي الليلية وينتشون بأموال السكارى على موائد اللئام قد لبسوا ثوب الحداد وتمنطقوا بالسواد ووضعوا الكوفية والعُقال وتجندوا صفوفا ليعلنوها مناحة يستدرون بها بكاء القابعين في بيوتهم، العاجزين عن استدراك كرامتهم المهدورة، وكأن البكاء صك على بياض لتوبة موقوتة يغسلون بها خياناتهم ويشترون بها الجماهير بعد أن باعوها على طاولة الانبطاح والتملق، أو رتق لثوب الكرامة المقعور بعهرهم وعمالتهم. وفي غفلة من الزمن تتحول الأمة إلى مجموعة ندابات محترفات يتمرغن على أعتاب الأسياد عسى يفزن برضاهم المقيت، ولا الضالين، آمين. وما أن تمر الزوبعة حتى يتغير اللِبس ويعود اللُبس في انتظار مصيبة أخرى يجددون فيها البيعة للنواح ويضمنون مستقبلهم، وهكذا دواليك إلى أن ترث إسرائيل فلسطين ومن عليها.

صمتا يا هؤلاء. فلسطين ليست في حاجة إلى عويلكم ولا شعبها في حاجة إلى غنائكم المحبط للعزائم ولا شهداؤها في حاجة إلى بكائكم، ليست في حاجة إلى الولائم التي تقيمونها على نخبها ولا لبعض الديانق التي تتبرعون بها من مال المغيّبين ولا لرسائلكم المضحكة المبكية التي تبعثون بها إلى أصحابكم من بني صهيون.

إنها في حاجة لكي تكفوا عن النعيق، أن تستكينوا إلى صمتكم المعتاد، أن تركنوا إلى بيوتكم المكيفة، أن تهنئوا في نعيم خوفكم، فلفلسطين رجال تعلموا أن النضال في الميدان ولا يمارس بالمناسبة وأن السلم لا تأتي بدون حرب وأن الحرب سجال لا يخوضها سوى من تهيّأ لها.