إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في ذكرى الجلاء.. "من أبطال معركة بنزرت الخالدة " الشهيد محمد الحبيب الذوادي

 

المعركة التي كانت بنزرت ساحة لها هي أهم مواجهة بين الشعب والجيش التونسي الحديث العهد بالتأسيس من جهة وبين الجيش الفرنسي بكل قطاعاته البحرية والجوية والبرية

بقلم : الحبيب الذوادي(*)

لقد واكبت بنزرت تاريخ تونس السياسي الحديث إذ أخذت قسطها الوافر في تاريخ الحركة الوطنية ، وحرصت أن تكون دوما منطلقا للشرارات الأولى في معارك شعبنا ضد الحماية الفرنسية التي اتجهت عن طريق البر في ماي 1881 إلى احتلال بنزرت ، وما أن أشرف اليوم الخامس من ماي من تلك السنة حتى كان آلاف الجنود قد وطأت أقدامهم أرض بنزرت لأهمية استراتيجيتها العسكرية لدى الجانب الفرنسي ، الشيء الذي دفع الإقامة العامة الفرنسية لاحقا إلى عقد اتفاقية خاصة ببنزرت في مارس 1942 و التي تم تقديمها للباي لإمضائها بحيث اعتبرت بنزرت حينها و منشأتها العسكرية والإقليمية منطقة خارجة عن التراب التونسي واعتبارها ولاية بحرية فرنسية .

 لقد واكبت بنزرت مختلف المحطات النضالية ضد المستعمر الفرنسي الغاشم بفضل صمود أبنائها خصوصا في مواجهات سنوات 1952-1954 بعد تخلي بورقيبة عن الخيار السلمي في الكفاح ضد العدو، ورغم حصول تونس على استقلالها في 20/03/1956 حرصت فرنسا في المقابل على إبقاء جيشها بعدة مناطق بالبلاد التونسية ، خصوصا بمنطقة رمادة التي عرفت مواجهات مسلحة يومي 24 و25 ماي 1958 وبشمال البلاد ورغم اعتراف فرنسا بالسيادة التونسية على بنزرت إلا أنها رفضت التفاوض حول نظام القاعدة العسكرية (الجوية البحرية) لأهمية موقعها الاستراتيجي إلى حين تحديد وضعها النهائي مغتنمة إياها للقيام بعمليات حربية ضد الجزائر التي تصاعدت ثورتها ضد فرنسا بتتالي انتصاراتها، فاستغل بورقيبة هذه الظرفية الإقليمية خصوصا من خلال اعتبار الجزائر قاعدة خلفية على المستوى السياسي بتواجد حكومتها المؤقتة بتونس، وقيام العدو الفرنسي بالهجوم على ساقية سيدي يوسف في 08/02/1958 وسقوط العديد من الشهداء التونسيين والجزائريين لخوض معركة الجلاء وذلك بعد أن أعلن الديوان السياسي للحزب الدستوري يوم 04/07/1961 عن فشل المفاوضات حول جلاء قاعدة بنزرت من طرف الجيش الفرنسي، بعد انطلاق العدو في 30/06/1961 في توسعة المطار العسكري بثكنة سيدي أحمد لتقوم قوات الجيش الوطني التونسي للتصدي لهذه الأشغال وإعادة الأسلاك الحديدية إلى مكانها الطبيعي، تلاها عملية التعبئة الشعبية انطلاقا من 05/07/1961 من خلال إيفاد المتطوعين من الشباب والكشافة ، والمقاومين إلى بنزرت وذلك على اثر إعلان شارل ديغول يوم 05/07/1961 رسميا عدم استعداد فرنسا للتفاوض حول الانسحاب من بنزرت التي تعتبرها ولاية بحرية فرنسية .

انطلقت المعركة يوم 19/07/1961 بين الجيشين التونسي والفرنسي، إضافة لعديد المتطوعين التونسيين مسلحين بكثير من الحماس وقليل من العتاد ، ودامت المعركة 4 أيام تبين من خلالها عدم جاهزية الجنود التونسيون من وجهة نظر عسكرية أثناء مواجهته أسطول من حاملات الطائرات الفرنسية ، وتمكنت القوات الفرنسية من احتلال جزء كبير من المدينة بعد أن تحولت المواجهات لحرب شوارع بعد إعلان بورقيبة في 14/07/1961 بدء معركة الجلاء ببنزرت .

بخصوص معركة بنزرت يرى عديد المؤرخين والمناضلين الذين عايشوا أحداث المعركة أنها كانت سياسية الدوافع وكانت معركة بورقيبة لعدم استعداده حينها لتأجيلها نظرا لحالة الحماس الشعبي، نجح في تحقيق عديد المكاسب نتيجة استغلاله لظرفية تاريخية و داخلية وإقليمية ، عالمية ، تجلت بالخصوص من خلال عدم استجابته لدعوة الرئيس الفرنسي حينها في اجتماعهما في مدينة رامبوي الفرنسية بالتريث لفترة زمنية، قناعة من فرنسا بأن بقاءها في المستعمرات أصبح بدون جدوى، إضافة إلى الظرف العالمي المتميز بانتصار حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا، بحيث قام بورقيبة حينها بمغامرة محسوبة رغم الخسائر البشرية ، وأمكن لتونس إجلاء الجيش الفرنسي عن بنزرت في 15/10/1963، بعد تمكنها من تحقيق انجاز باهر على المستوى الدولي، بانتصار العالم لتونس حينها بعد أن تم عرض قضية بنزرت على مجلس الأمن الذي أصدر قرار إيقاف القتال حينها لهول المعركة في 22/07/1961، وإدانة العدوان يوم 23/08/1961 بعد نجاح الدبلوماسية التونسية في حشد الري العالمي لصفها خصوصا بعد انعقاد مؤتمر باندونغ المنادي بضرورة تصفية الاستعمار 1955 فنتيجة ما سبق ذكره أمكن لبورقيبة من إعادة رسم صورته كأحد زعماء التحرر في العالم ، حينما خرج من موقع الولاء لفرنسا الذي وضعه فيه خصومه على الساحة العربية والدولية بقيامه بعمل قوي يجدد شرعيته كمعاد للاستعمار، بعد أن أصبحت قضية الجلاء شرطا من شروط الحكومة التونسية لا بد من تحقيقه خصوصا بعد رفض فرنسا الدخول في مفاوضات حول بنزرت، تكمن على إثرها من تدعيم حكمه الفردي خصوصا بعد إجهاضه لانقلاب عسكري سنة 1962، وإعلانه سياسة الحزب الواحد الذي كان يقود مسيرة البلاد في جل الأصعدة ، والتي عرفت بدورها نجاحات وإخفاقات تعرض لها العديد من السياسيين والمؤرخين لكشف مسيرة نضال وحكم أول رئيس للجمهورية التونسية .

في حين يرى شق آخر من المؤرخين ، والذين عايشوا تلك المعركة أنها جسدت طموح التونسيون في الاستشهاد والبذل والتضحية رغم المعادلة المفقودة فكانت معركة شعب وليس معركة بورقيبة، ومما لا شك فيه أن المعركة التي كانت مدينة بنزرت ساحة لها صائفة 1961 هي أهم مواجهة بين الشعب التونسي والجيش التونسي الحديث العهد بالتأسيس من جهة وبين الجيش الفرنسي بكل قطاعاته البحرية والجوية والبرية ، وهي حرب من قبيل وشاكلة حرب المجازر والإبادة وتركت أثرا عميقا في الضمير الوطني التونسي وفي الذاكرة الجماعية وسمة لا تمحى.

حين نلتفت إلى قائمة الأبطال التي أنجبتهم بنزرت خلال معركتها الطاحنة التي امتدت 4 أيام بلياليها (19 جويلية 1961 -22 جويلية 1961 ) بعد إدانة العدوان الفرنسي من طرف الأمم المتحدة حين نظرها في قضية بنزرت نجد من بين أبطالها العديد من وجوه الجهة الذين دافعوا بكل شراسة خلال تلك المعركة عن الأرض والحق، منهم الشهيد المربي محمد الحبيب الذوادي الذي يعد من أبطال معركة الجلاء الخالدة حين كان يهيب بالجموع إلى الميدان بتاريخ 22/07/1961 لصد هجومات العدو الغاشم فقدت والدته بصرها حال سماعها خبر استشهاده في المعركة ، وكتب شقيقه رشيد الذوادي في مؤلفه "بنزرت أرض البطولات" حين تناوله بالحديث عنه "بأن الشهيد أدى واجبه على أكمل وجه إلى أن استشهد حرقا بالنبالم حذو السجن المدني ببنزرت، حيث كانت جثته إحدى الجثث المحروقة الأربعة التي وجدت هناك".

ذلك المربي الذي لمع برهة من الزمن المولود في مدينة بنزرت في 04/06/1938"بحي الرابع الجديد" تلقى تعليمه الابتدائي بمدرستها القرآنية، ثم التحق بالتعليم الزيتوني في أكتوبر 1951 فأحرز "الأهلية" سنة 1955 وعلى "التحصيل" سنتي 1958 و1959، كما تحصل على الجزء الأول من "العالمية في الآداب " سنة 1960، إثرها باشر مهنة التعليم بعد أن تم تعيينه معلما بمنطقة "شواش" من ولاية باجة في أوائل 1961 ، وأدى واجبه الى نهاية السنة الدراسية، وبرجوعه آنذاك إلى مسقط رأسه مدينة بنزرت التحق بأبطال معركة بنزرت دفاعا عن الحق والأرض واستشهد فيها في 22/07/1961 كما تم ذكره أنفا .

باحث ونشاط في الحقل الجمعياتي

بمدينة بنزرت

في ذكرى الجلاء

"من أبطال معركة بنزرت الخالدة " الشهيد محمد الحبيب الذوادي

بقلم : الحبيب الذوادي(*) (2/2)

يعتبر المربي محمد الحبيب الذوادي من رجال التعليم الشبان الذين ساهموا مساهمة فعالة ومجدية في النشاطات الاجتماعية في البلاد ، فوجدناه طاقة ثرية يعمل في كل الوجهات بكل إتقان وإخلاص في سبيل المبادئ التي يعتز بها كل أبي صادق، فعمل في كثير من منظمات الشباب و الثقافة و الرياضة حينها ، مثل الشبيبة الدستورية ، ونادي المراسلة، ومصائف الشباب، والكشافة التونسية وشعبة الطلبة، واتحاد الطلبة... ونظرا لما امتاز به من جدية في العمل واستقامة في السلوك، وقع إسناده الأمانة المالية في كل من شعبة الطلبة بتونس وفرع الزيتونة لاتحاد الطلبة خلال سنوات 1956 و1960 فهو في جميع المهمات التي تحملها اشتهر بالحزم والعمل الدائب، والإقدام والصراحة والحزم.

كان هذا المربي إلى جانب ما تقدم ذكره ومنذ أيام تعلمه شغوف بمطالعة الكتب الأدبية ، والفلسفية والعلمية... معجبا بطه حسين، نجيب محفوظ والشابي، فكان من شباب بنزرت المثقف ومن الذين ساهموا في تنشيط الميدان الثقافي طوال سنوات 1952-1953-1954 ضمن الأنشطة الثقافية التي تبنتها "جمعية الشبيبة الزيتونية ببنزرت" منذ تأسيسها في جانفي 1949 بما كان ينشره من مقالات ودراسات في جريدتها الأسبوعية "صدى الشبيبة الزيتونية "علاوة على تردده على كثير من الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية بتونس مثل "الراشدية" و"الخلدونية" ونادي المراسلة .

إلى جانب ما تقدم كان الشهيد محمد الحبيب الذوادي شغوفا بالشعر، مغرما بالقصة ، وقد ترك لنا عددا لا بأس به من الآثار الأدبية، التي تدل على محاولات ناجحة بالنسبة إلى سنه، و يتمثل معظمه في مجموعة من المقالات، والقصص القصيرة تحدث فيها الأديب القصاص محمد منصور في مقال نشره في جريدة الصباح التونسية في الصفحة الثقافية بتاريخ 15/01/1961 حيث قال " و للشهيد محمد الحبيب الذوادي نشاط أدبي لا بأس به رغم صغر سنه ، يبشر بارها مات نحو المستقبل مرموق يبدو هذا النشاط في أقاصيص ومسرحيات تركها ، بعضها مخطوط مثل قصة "بطولة امرأة" التي تصور بطولة امرأة الجزائرية، وتنوه بمشاركتها الفعالة في إذكاء الثورة ، وقصة "تضحية وإخلاص" وهي قصة وطنية أهداها الشهيد الى كل عربي يعمل مخلصا من أجل حرية العرب تم نشرها بجريدة "العمل التونسية " في 12/10/1961، إضافة لقصة 'ماجنته امرأة أب 'والتي نشرت بجريدة العمل التونسية في 25/10/1961 وقصة "السجين " وقصة "الشباب الغريب" فالقصة في نظر الشهيد عموما لم تكن إلا وسيلة لإصلاح المجتمع، وتهيئة للحياة المثلى التي ينشدها الأحرار، لذلك رأيناه يستوحي موضوعاته من وقائع الحياة المثالية ويرسم مشاهد الحب والشقاء وما تسببه فوضى الأخلاق من فواجع وماسي.

 لقد تمجدت بنزرت بالعبيد من الوجوه الأخرى الذين دافعوا بكل شراسة خلال تلك المعركة عن الأرض والحق من بينهم المناضل الوطني الحبيب طليبة (1925-2012) والذي يعتبر من رموز نضال جهة بنزرت ولعب دورا مهما في الكفاح التحريري وفي معركة بنزرت أبلى البلاء الحسن وجرح خلالها ، وعلى اثر الاستقلال تحمل العديد المسؤوليات كعضو في المجلس القومي التأسيسي سنة 1957، وانتخب في عهد الزعيم الراحل أحمد بن صالح أمينا عاما مساعدا للاتحاد العام التونسي للشغل فالرجل كان سياسيا و نقابيا بامتياز تحدث عن مسيرة الرجل الأستاذ رشيد الذوادي في مؤلفه تحت عنوان "الحبيب طليبة ذاكرة وطن" الذي تم طبعه سنة 2016 حيث تضمن هذا المؤلف شهادات لعديد الشخصيات الوطنية من بينها الزعيم أحمد بن صالح والأستاذ الشاذلي القليبي والسيد نورالدين حشاد بخصوص مسيرة هذا المناضل السياسي والنقابي بامتياز .

الدكتور رشيد التراس يعتبر من أبطال معركة الجلاء الخالدة، حيث كانت معركة بنزرت حلقة من حلقات مسيرته بعد أن حملته القيادة السياسية آنذاك وخلال ترأسه لبلدية بنزرت آنذاك بقيادة مظاهرة 18/08/1961 التي تناقلتها عديد من وسائل الإعلام العالمية ، وباتت مدينة بنزرت حينها قلعة نضال بعد مضي شهر من وقف إطلاق النار وقبل نظر مجلس الأمن في قضية بنزرت في أواخر أوت 1961 وإدانته للعدوان من المنظمة الأممية وناضل بعد استقلال بلادنا في الميدان الاجتماعي والثقافي وتم تأبينه اثر وفاته في 10/04/2017 من طرف رفيق دربه الأستاذ رشيد الذوادي، ولجهة بنزرت عديد الوجوه الاخرى المشاركة في المعركة منهم: الحبيب حنيني -على بن سالم -حمادي التراس -قدور بن يشرط -الحبيب الحداد-رشيد الذوادي -علي الكعبي -حمادي بوزيان-الحبيب النوري -محمد صالح البراطلي -صالح الحمدي -يوسف اللزام -محمد بالكاهية -مختار بن سعيد....وأظرابهم .

ونؤكد اليوم أن أبطال معركة الجلاء هم كل التونسيين بمختلف فئاتهم من قوات عسكرية وقوات حرس الوطني وقيادة سياسية ومواطنين، إلا أن نصيب التفوق في هذه المعركة كان لقوات الحرس الوطني التي ساهمت في تكبيد العدو خسائر فادحة في العدة والعتاد، يليها في سلم الانتصار الدبلوماسية التونسية التي نجحت في حشد الري العام الدولي لنصرة قضية التحرر الوطني التونسي الكامل وبذلك سيبقى تاريخ 15/10/1963 خالدا في الذاكرة الوطنية حيث خضع جيش المستعمر للهزيمة ضد مقاومة تونسية ابية .

*باحث ونشاط في الحقل الجمعياتي

بمدينة بنزرت

 

 

 

في ذكرى الجلاء..   "من أبطال معركة بنزرت الخالدة " الشهيد محمد الحبيب الذوادي

 

المعركة التي كانت بنزرت ساحة لها هي أهم مواجهة بين الشعب والجيش التونسي الحديث العهد بالتأسيس من جهة وبين الجيش الفرنسي بكل قطاعاته البحرية والجوية والبرية

بقلم : الحبيب الذوادي(*)

لقد واكبت بنزرت تاريخ تونس السياسي الحديث إذ أخذت قسطها الوافر في تاريخ الحركة الوطنية ، وحرصت أن تكون دوما منطلقا للشرارات الأولى في معارك شعبنا ضد الحماية الفرنسية التي اتجهت عن طريق البر في ماي 1881 إلى احتلال بنزرت ، وما أن أشرف اليوم الخامس من ماي من تلك السنة حتى كان آلاف الجنود قد وطأت أقدامهم أرض بنزرت لأهمية استراتيجيتها العسكرية لدى الجانب الفرنسي ، الشيء الذي دفع الإقامة العامة الفرنسية لاحقا إلى عقد اتفاقية خاصة ببنزرت في مارس 1942 و التي تم تقديمها للباي لإمضائها بحيث اعتبرت بنزرت حينها و منشأتها العسكرية والإقليمية منطقة خارجة عن التراب التونسي واعتبارها ولاية بحرية فرنسية .

 لقد واكبت بنزرت مختلف المحطات النضالية ضد المستعمر الفرنسي الغاشم بفضل صمود أبنائها خصوصا في مواجهات سنوات 1952-1954 بعد تخلي بورقيبة عن الخيار السلمي في الكفاح ضد العدو، ورغم حصول تونس على استقلالها في 20/03/1956 حرصت فرنسا في المقابل على إبقاء جيشها بعدة مناطق بالبلاد التونسية ، خصوصا بمنطقة رمادة التي عرفت مواجهات مسلحة يومي 24 و25 ماي 1958 وبشمال البلاد ورغم اعتراف فرنسا بالسيادة التونسية على بنزرت إلا أنها رفضت التفاوض حول نظام القاعدة العسكرية (الجوية البحرية) لأهمية موقعها الاستراتيجي إلى حين تحديد وضعها النهائي مغتنمة إياها للقيام بعمليات حربية ضد الجزائر التي تصاعدت ثورتها ضد فرنسا بتتالي انتصاراتها، فاستغل بورقيبة هذه الظرفية الإقليمية خصوصا من خلال اعتبار الجزائر قاعدة خلفية على المستوى السياسي بتواجد حكومتها المؤقتة بتونس، وقيام العدو الفرنسي بالهجوم على ساقية سيدي يوسف في 08/02/1958 وسقوط العديد من الشهداء التونسيين والجزائريين لخوض معركة الجلاء وذلك بعد أن أعلن الديوان السياسي للحزب الدستوري يوم 04/07/1961 عن فشل المفاوضات حول جلاء قاعدة بنزرت من طرف الجيش الفرنسي، بعد انطلاق العدو في 30/06/1961 في توسعة المطار العسكري بثكنة سيدي أحمد لتقوم قوات الجيش الوطني التونسي للتصدي لهذه الأشغال وإعادة الأسلاك الحديدية إلى مكانها الطبيعي، تلاها عملية التعبئة الشعبية انطلاقا من 05/07/1961 من خلال إيفاد المتطوعين من الشباب والكشافة ، والمقاومين إلى بنزرت وذلك على اثر إعلان شارل ديغول يوم 05/07/1961 رسميا عدم استعداد فرنسا للتفاوض حول الانسحاب من بنزرت التي تعتبرها ولاية بحرية فرنسية .

انطلقت المعركة يوم 19/07/1961 بين الجيشين التونسي والفرنسي، إضافة لعديد المتطوعين التونسيين مسلحين بكثير من الحماس وقليل من العتاد ، ودامت المعركة 4 أيام تبين من خلالها عدم جاهزية الجنود التونسيون من وجهة نظر عسكرية أثناء مواجهته أسطول من حاملات الطائرات الفرنسية ، وتمكنت القوات الفرنسية من احتلال جزء كبير من المدينة بعد أن تحولت المواجهات لحرب شوارع بعد إعلان بورقيبة في 14/07/1961 بدء معركة الجلاء ببنزرت .

بخصوص معركة بنزرت يرى عديد المؤرخين والمناضلين الذين عايشوا أحداث المعركة أنها كانت سياسية الدوافع وكانت معركة بورقيبة لعدم استعداده حينها لتأجيلها نظرا لحالة الحماس الشعبي، نجح في تحقيق عديد المكاسب نتيجة استغلاله لظرفية تاريخية و داخلية وإقليمية ، عالمية ، تجلت بالخصوص من خلال عدم استجابته لدعوة الرئيس الفرنسي حينها في اجتماعهما في مدينة رامبوي الفرنسية بالتريث لفترة زمنية، قناعة من فرنسا بأن بقاءها في المستعمرات أصبح بدون جدوى، إضافة إلى الظرف العالمي المتميز بانتصار حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا، بحيث قام بورقيبة حينها بمغامرة محسوبة رغم الخسائر البشرية ، وأمكن لتونس إجلاء الجيش الفرنسي عن بنزرت في 15/10/1963، بعد تمكنها من تحقيق انجاز باهر على المستوى الدولي، بانتصار العالم لتونس حينها بعد أن تم عرض قضية بنزرت على مجلس الأمن الذي أصدر قرار إيقاف القتال حينها لهول المعركة في 22/07/1961، وإدانة العدوان يوم 23/08/1961 بعد نجاح الدبلوماسية التونسية في حشد الري العالمي لصفها خصوصا بعد انعقاد مؤتمر باندونغ المنادي بضرورة تصفية الاستعمار 1955 فنتيجة ما سبق ذكره أمكن لبورقيبة من إعادة رسم صورته كأحد زعماء التحرر في العالم ، حينما خرج من موقع الولاء لفرنسا الذي وضعه فيه خصومه على الساحة العربية والدولية بقيامه بعمل قوي يجدد شرعيته كمعاد للاستعمار، بعد أن أصبحت قضية الجلاء شرطا من شروط الحكومة التونسية لا بد من تحقيقه خصوصا بعد رفض فرنسا الدخول في مفاوضات حول بنزرت، تكمن على إثرها من تدعيم حكمه الفردي خصوصا بعد إجهاضه لانقلاب عسكري سنة 1962، وإعلانه سياسة الحزب الواحد الذي كان يقود مسيرة البلاد في جل الأصعدة ، والتي عرفت بدورها نجاحات وإخفاقات تعرض لها العديد من السياسيين والمؤرخين لكشف مسيرة نضال وحكم أول رئيس للجمهورية التونسية .

في حين يرى شق آخر من المؤرخين ، والذين عايشوا تلك المعركة أنها جسدت طموح التونسيون في الاستشهاد والبذل والتضحية رغم المعادلة المفقودة فكانت معركة شعب وليس معركة بورقيبة، ومما لا شك فيه أن المعركة التي كانت مدينة بنزرت ساحة لها صائفة 1961 هي أهم مواجهة بين الشعب التونسي والجيش التونسي الحديث العهد بالتأسيس من جهة وبين الجيش الفرنسي بكل قطاعاته البحرية والجوية والبرية ، وهي حرب من قبيل وشاكلة حرب المجازر والإبادة وتركت أثرا عميقا في الضمير الوطني التونسي وفي الذاكرة الجماعية وسمة لا تمحى.

حين نلتفت إلى قائمة الأبطال التي أنجبتهم بنزرت خلال معركتها الطاحنة التي امتدت 4 أيام بلياليها (19 جويلية 1961 -22 جويلية 1961 ) بعد إدانة العدوان الفرنسي من طرف الأمم المتحدة حين نظرها في قضية بنزرت نجد من بين أبطالها العديد من وجوه الجهة الذين دافعوا بكل شراسة خلال تلك المعركة عن الأرض والحق، منهم الشهيد المربي محمد الحبيب الذوادي الذي يعد من أبطال معركة الجلاء الخالدة حين كان يهيب بالجموع إلى الميدان بتاريخ 22/07/1961 لصد هجومات العدو الغاشم فقدت والدته بصرها حال سماعها خبر استشهاده في المعركة ، وكتب شقيقه رشيد الذوادي في مؤلفه "بنزرت أرض البطولات" حين تناوله بالحديث عنه "بأن الشهيد أدى واجبه على أكمل وجه إلى أن استشهد حرقا بالنبالم حذو السجن المدني ببنزرت، حيث كانت جثته إحدى الجثث المحروقة الأربعة التي وجدت هناك".

ذلك المربي الذي لمع برهة من الزمن المولود في مدينة بنزرت في 04/06/1938"بحي الرابع الجديد" تلقى تعليمه الابتدائي بمدرستها القرآنية، ثم التحق بالتعليم الزيتوني في أكتوبر 1951 فأحرز "الأهلية" سنة 1955 وعلى "التحصيل" سنتي 1958 و1959، كما تحصل على الجزء الأول من "العالمية في الآداب " سنة 1960، إثرها باشر مهنة التعليم بعد أن تم تعيينه معلما بمنطقة "شواش" من ولاية باجة في أوائل 1961 ، وأدى واجبه الى نهاية السنة الدراسية، وبرجوعه آنذاك إلى مسقط رأسه مدينة بنزرت التحق بأبطال معركة بنزرت دفاعا عن الحق والأرض واستشهد فيها في 22/07/1961 كما تم ذكره أنفا .

باحث ونشاط في الحقل الجمعياتي

بمدينة بنزرت

في ذكرى الجلاء

"من أبطال معركة بنزرت الخالدة " الشهيد محمد الحبيب الذوادي

بقلم : الحبيب الذوادي(*) (2/2)

يعتبر المربي محمد الحبيب الذوادي من رجال التعليم الشبان الذين ساهموا مساهمة فعالة ومجدية في النشاطات الاجتماعية في البلاد ، فوجدناه طاقة ثرية يعمل في كل الوجهات بكل إتقان وإخلاص في سبيل المبادئ التي يعتز بها كل أبي صادق، فعمل في كثير من منظمات الشباب و الثقافة و الرياضة حينها ، مثل الشبيبة الدستورية ، ونادي المراسلة، ومصائف الشباب، والكشافة التونسية وشعبة الطلبة، واتحاد الطلبة... ونظرا لما امتاز به من جدية في العمل واستقامة في السلوك، وقع إسناده الأمانة المالية في كل من شعبة الطلبة بتونس وفرع الزيتونة لاتحاد الطلبة خلال سنوات 1956 و1960 فهو في جميع المهمات التي تحملها اشتهر بالحزم والعمل الدائب، والإقدام والصراحة والحزم.

كان هذا المربي إلى جانب ما تقدم ذكره ومنذ أيام تعلمه شغوف بمطالعة الكتب الأدبية ، والفلسفية والعلمية... معجبا بطه حسين، نجيب محفوظ والشابي، فكان من شباب بنزرت المثقف ومن الذين ساهموا في تنشيط الميدان الثقافي طوال سنوات 1952-1953-1954 ضمن الأنشطة الثقافية التي تبنتها "جمعية الشبيبة الزيتونية ببنزرت" منذ تأسيسها في جانفي 1949 بما كان ينشره من مقالات ودراسات في جريدتها الأسبوعية "صدى الشبيبة الزيتونية "علاوة على تردده على كثير من الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية بتونس مثل "الراشدية" و"الخلدونية" ونادي المراسلة .

إلى جانب ما تقدم كان الشهيد محمد الحبيب الذوادي شغوفا بالشعر، مغرما بالقصة ، وقد ترك لنا عددا لا بأس به من الآثار الأدبية، التي تدل على محاولات ناجحة بالنسبة إلى سنه، و يتمثل معظمه في مجموعة من المقالات، والقصص القصيرة تحدث فيها الأديب القصاص محمد منصور في مقال نشره في جريدة الصباح التونسية في الصفحة الثقافية بتاريخ 15/01/1961 حيث قال " و للشهيد محمد الحبيب الذوادي نشاط أدبي لا بأس به رغم صغر سنه ، يبشر بارها مات نحو المستقبل مرموق يبدو هذا النشاط في أقاصيص ومسرحيات تركها ، بعضها مخطوط مثل قصة "بطولة امرأة" التي تصور بطولة امرأة الجزائرية، وتنوه بمشاركتها الفعالة في إذكاء الثورة ، وقصة "تضحية وإخلاص" وهي قصة وطنية أهداها الشهيد الى كل عربي يعمل مخلصا من أجل حرية العرب تم نشرها بجريدة "العمل التونسية " في 12/10/1961، إضافة لقصة 'ماجنته امرأة أب 'والتي نشرت بجريدة العمل التونسية في 25/10/1961 وقصة "السجين " وقصة "الشباب الغريب" فالقصة في نظر الشهيد عموما لم تكن إلا وسيلة لإصلاح المجتمع، وتهيئة للحياة المثلى التي ينشدها الأحرار، لذلك رأيناه يستوحي موضوعاته من وقائع الحياة المثالية ويرسم مشاهد الحب والشقاء وما تسببه فوضى الأخلاق من فواجع وماسي.

 لقد تمجدت بنزرت بالعبيد من الوجوه الأخرى الذين دافعوا بكل شراسة خلال تلك المعركة عن الأرض والحق من بينهم المناضل الوطني الحبيب طليبة (1925-2012) والذي يعتبر من رموز نضال جهة بنزرت ولعب دورا مهما في الكفاح التحريري وفي معركة بنزرت أبلى البلاء الحسن وجرح خلالها ، وعلى اثر الاستقلال تحمل العديد المسؤوليات كعضو في المجلس القومي التأسيسي سنة 1957، وانتخب في عهد الزعيم الراحل أحمد بن صالح أمينا عاما مساعدا للاتحاد العام التونسي للشغل فالرجل كان سياسيا و نقابيا بامتياز تحدث عن مسيرة الرجل الأستاذ رشيد الذوادي في مؤلفه تحت عنوان "الحبيب طليبة ذاكرة وطن" الذي تم طبعه سنة 2016 حيث تضمن هذا المؤلف شهادات لعديد الشخصيات الوطنية من بينها الزعيم أحمد بن صالح والأستاذ الشاذلي القليبي والسيد نورالدين حشاد بخصوص مسيرة هذا المناضل السياسي والنقابي بامتياز .

الدكتور رشيد التراس يعتبر من أبطال معركة الجلاء الخالدة، حيث كانت معركة بنزرت حلقة من حلقات مسيرته بعد أن حملته القيادة السياسية آنذاك وخلال ترأسه لبلدية بنزرت آنذاك بقيادة مظاهرة 18/08/1961 التي تناقلتها عديد من وسائل الإعلام العالمية ، وباتت مدينة بنزرت حينها قلعة نضال بعد مضي شهر من وقف إطلاق النار وقبل نظر مجلس الأمن في قضية بنزرت في أواخر أوت 1961 وإدانته للعدوان من المنظمة الأممية وناضل بعد استقلال بلادنا في الميدان الاجتماعي والثقافي وتم تأبينه اثر وفاته في 10/04/2017 من طرف رفيق دربه الأستاذ رشيد الذوادي، ولجهة بنزرت عديد الوجوه الاخرى المشاركة في المعركة منهم: الحبيب حنيني -على بن سالم -حمادي التراس -قدور بن يشرط -الحبيب الحداد-رشيد الذوادي -علي الكعبي -حمادي بوزيان-الحبيب النوري -محمد صالح البراطلي -صالح الحمدي -يوسف اللزام -محمد بالكاهية -مختار بن سعيد....وأظرابهم .

ونؤكد اليوم أن أبطال معركة الجلاء هم كل التونسيين بمختلف فئاتهم من قوات عسكرية وقوات حرس الوطني وقيادة سياسية ومواطنين، إلا أن نصيب التفوق في هذه المعركة كان لقوات الحرس الوطني التي ساهمت في تكبيد العدو خسائر فادحة في العدة والعتاد، يليها في سلم الانتصار الدبلوماسية التونسية التي نجحت في حشد الري العام الدولي لنصرة قضية التحرر الوطني التونسي الكامل وبذلك سيبقى تاريخ 15/10/1963 خالدا في الذاكرة الوطنية حيث خضع جيش المستعمر للهزيمة ضد مقاومة تونسية ابية .

*باحث ونشاط في الحقل الجمعياتي

بمدينة بنزرت