إنهم يكذبون ويعرفون جيدا أنهم يكذبون.. تزدحم مواقع التواصل الاجتماعي بالصور والفيديوهات والتعاليق العابرة للحدود تضامنا مع الشعب الفلسطيني ومع أهالي غزة التي تواجه حرب إبادة مفتوحة.. ورغم القيود المفروضة في أحيان كثيرة على الفايسبوك لمنع نشر الصور التي تكشف الوجه الدموي للاحتلال فإن حركة النبض الفايسبوكي استمرت دون هوادة واستمر معها رفع الراية الفلسطينية وترويج صور المجازر اليومية للأطفال ضحايا محرقة العصر ..
هناك حقيقة لا يمكن إسقاطها وهي أنه منذ اللحظات الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة السجينة على خلفية طوفان الأقصى التي هزت كيان الاحتلال بمختلف أجهزته الأمنية والاستخباراتية وهي انسياق مختلف وسائل الإعلام في الغرب، الأمريكية والأوروبية منها، في حملة ممنهجة للترويج للرواية الإسرائيلية وتبني القراءة الإسرائيلية والتعاطي مع ما يحدث من خلال العين الإسرائيلية في نسف لكل المعايير الأخلاقية الموضوعية المهنية للرسالة الإعلامية وما تفترضه من نزاهة حتى لا نقول من حياد في التعاطي مع جريمة القرن ..
قد لا نبالغ إذا اعتبرنا أن اللعبة الإعلامية اتضحت منذ الساعات الأولى وبعد تجرؤ وزير الحرب الإسرائيلي على التصريح أمام العالم وخلال اجتماع في القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي بأنه أمر بفرض حصار كامل على غزة. لن يكون هناك كهرباء ولا طعام. فالأمر يتعلق على حد تعبيره بمقاتلة "الحيوانات البشرية" تصريح يعكس لا عقلية الاحتلال الذي لم يسع مطلقا لإخفاء صفته العنصرية ولكن ليسقط القناع عن الإعلام الغربي والانسياق وراء خطاب تحريضي غير مسبوق.. وهو خطاب أعاد الى الأذهان ما كان يحدث في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في أمريكا وأوروبا من استعراض للبشر السود في أقفاص، في الدول الاستعمارية ليتفرج عليها البيض والصور موثقة وهناك متاحف للغرض وبعض القوى مثل بلجيكا حاولت التكفير عن هذا الجرم وأقامت نصبا للضحايا لكونغوليين.. فلا غرابة إذن أن يستوحي قادة الاحتلال الإسرائيلي من تلك الصور ما يجسدونه، وإن اختلفت الطرق، على الفلسطينيين ..
المشهد الثاني ويتعلق بتصريح خطير للرئيس الأمريكي عن قطع المقاومة الفلسطينية لرؤوس الأطفال لتخرج لاحقا مراسلة شبكة "سي إن إن" سارة سيدنر وتعتذر عن عن ترويجها ونشرها الرواية التي تبناها الجيش الإسرائيلي والرئيس الأمريكي حول مشاهد مزعومة لـ"أطفال مقطوعي الرؤوس" في مستوطنة كفار عزة. وكتبت على حسابها في موقع التواصل الاجتماعي "إكس": قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إنهم يؤكدون أن حماس قطعت رؤوس الأطفال. لكن اليوم تقول السلطات الإسرائيلية إنها لا تستطيع تأكيد المعلومات المتعلقة بالأطفال مقطوعي الرؤوس. يجب أن أكون أكثر حذرا في ما يتعلق بالصياغة في المستقبل.. وأنا أعتذر"..
ولو حاولنا رصد مختلف التصريحات الإعلامية العنصرية لتعذر علينا ذلك، لكثرتها. ولكن يبقى في خطاب الرئيس بايدن ما يمكن اعتباره تجاوزا لكل خطوط اللياقة السياسية والديبلوماسية وانساقا الى الانحياز الأعمى الذي ولئن كان مألوفا كلما تعلق الأمر بالحليف الإسرائيلي فإنه اتصف هذه المرة بعدوانية شخصية مطلقة بما يجعل الإدارة الأمريكية في تعزيزها للقدرات العسكرية الإسرائيلية وتعجيلها بإرسال اكبر بارجة حربية لها الى المتوسط شريكا في المجزرة المفتوحة، حتى أن وزير خارجيتها بلينكين اعتبر خلال زيارته الى تل أبيب أنه لم يأت كمسؤول فحسب ولكنه جاء كيهودي يدعم حكومة نتنياهو وهذا أيضا في إصرار على منح الصراع وهو صراع عنوانه الاحتلال غير الشرعي الى صراع ديني لإظهار الإسرائيليين واليهود كضحايا ملاحقين من العرب والمسلمين في العالم.. وطبعا لم يخرج الرئيس الفرنسي ماكرون عن هذا التوجه بل إن فرنسا التي حاربت النازيين ورفعت ميثاق الحريات والدفاع عن الحقوق منعت المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين.. طبعا الأمثلة كثيرة ومتعددة من لندن الى ألمانيا وكندا مع تواتر الدعوات لقطع المساعدات عن الفلسطينيين ..
الواقع أنه برغم قوة الآلة الدعائية الإسرائيلية ومعها الآلة الدعائية للغرب فان ما يحدث في غزة كان حاضرا في الإعلام العربي وفي كثير من الفضائيات التي اتصفت بالحرفية وتعاطت مع محرقة غزة بجرأة ورفضت الرواية المزيفة التي تصادر الحقيقة وتقتل الصحفيين لمنع اطلاع العالم عما يحدث من تصفية للفلسطينيين.. الأكيد، ورغم الحملات الإعلامية الممنهجة، أن هناك تحولا طفيفا في قراءة ومتابعة الأحداث وأن هناك أصوات داخل وخارج أوروبا وحتى إسرائيل تقدم رواية مختلفة وتتحدث عن جذور الصراع وهو الاحتلال ..بعض الأنباء تؤكد أن المعركة الإعلامية لا تزال في بدايتها وأن هناك قدرة على قلب المعادلة.. صحيح أن هناك بعض العواصم الأوروبية وهي قليلة رفضت الانسياق وراء الرواية الإسرائيلية ورفضت قطع المساعدات عن الفلسطينيين.. وفي إيرلندا يقول رئيس الوزراء الايرلندي ليو فرادكار إن إسرائيل تمارس عقابا جماعيا في غزة، وليس لها الحق في انتهاك القانون الدولي..
في اسبانيا رفضت الحكومة الاسبانية قطع المساعدات عن الفلسطينيين ودفعت الاتحاد الأوروبي للتراجع عن قراراته.. النرويج بدورها اعتمدت سياسة إنسانية مختلفة وأعلنت رفضها سياسة العقوبات الجماعية على الفلسطينيين وهي من أكثر الأطراف الحاضرة في غزة بأطبائها وفرق المتطوعين لديها والنرويج لم تتوقف عن محاولاتها فتح طريق امن لإيصال المساعدات الى غزة..
هناك خيط رفيع من الضوء في نهاية النفق والرواية الإسرائيلية ليست وحدها في المشهد ولا يمكن أن تسود، إنهم يكذبون ويعرفون أنهم يكذبون لأنهم بكل بساطة لا يجرؤون على الاعتراف بأن الأمر يتعلق بجريمة الاحتلال ..
آسيا العتروس
إنهم يكذبون ويعرفون جيدا أنهم يكذبون.. تزدحم مواقع التواصل الاجتماعي بالصور والفيديوهات والتعاليق العابرة للحدود تضامنا مع الشعب الفلسطيني ومع أهالي غزة التي تواجه حرب إبادة مفتوحة.. ورغم القيود المفروضة في أحيان كثيرة على الفايسبوك لمنع نشر الصور التي تكشف الوجه الدموي للاحتلال فإن حركة النبض الفايسبوكي استمرت دون هوادة واستمر معها رفع الراية الفلسطينية وترويج صور المجازر اليومية للأطفال ضحايا محرقة العصر ..
هناك حقيقة لا يمكن إسقاطها وهي أنه منذ اللحظات الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة السجينة على خلفية طوفان الأقصى التي هزت كيان الاحتلال بمختلف أجهزته الأمنية والاستخباراتية وهي انسياق مختلف وسائل الإعلام في الغرب، الأمريكية والأوروبية منها، في حملة ممنهجة للترويج للرواية الإسرائيلية وتبني القراءة الإسرائيلية والتعاطي مع ما يحدث من خلال العين الإسرائيلية في نسف لكل المعايير الأخلاقية الموضوعية المهنية للرسالة الإعلامية وما تفترضه من نزاهة حتى لا نقول من حياد في التعاطي مع جريمة القرن ..
قد لا نبالغ إذا اعتبرنا أن اللعبة الإعلامية اتضحت منذ الساعات الأولى وبعد تجرؤ وزير الحرب الإسرائيلي على التصريح أمام العالم وخلال اجتماع في القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي بأنه أمر بفرض حصار كامل على غزة. لن يكون هناك كهرباء ولا طعام. فالأمر يتعلق على حد تعبيره بمقاتلة "الحيوانات البشرية" تصريح يعكس لا عقلية الاحتلال الذي لم يسع مطلقا لإخفاء صفته العنصرية ولكن ليسقط القناع عن الإعلام الغربي والانسياق وراء خطاب تحريضي غير مسبوق.. وهو خطاب أعاد الى الأذهان ما كان يحدث في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في أمريكا وأوروبا من استعراض للبشر السود في أقفاص، في الدول الاستعمارية ليتفرج عليها البيض والصور موثقة وهناك متاحف للغرض وبعض القوى مثل بلجيكا حاولت التكفير عن هذا الجرم وأقامت نصبا للضحايا لكونغوليين.. فلا غرابة إذن أن يستوحي قادة الاحتلال الإسرائيلي من تلك الصور ما يجسدونه، وإن اختلفت الطرق، على الفلسطينيين ..
المشهد الثاني ويتعلق بتصريح خطير للرئيس الأمريكي عن قطع المقاومة الفلسطينية لرؤوس الأطفال لتخرج لاحقا مراسلة شبكة "سي إن إن" سارة سيدنر وتعتذر عن عن ترويجها ونشرها الرواية التي تبناها الجيش الإسرائيلي والرئيس الأمريكي حول مشاهد مزعومة لـ"أطفال مقطوعي الرؤوس" في مستوطنة كفار عزة. وكتبت على حسابها في موقع التواصل الاجتماعي "إكس": قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إنهم يؤكدون أن حماس قطعت رؤوس الأطفال. لكن اليوم تقول السلطات الإسرائيلية إنها لا تستطيع تأكيد المعلومات المتعلقة بالأطفال مقطوعي الرؤوس. يجب أن أكون أكثر حذرا في ما يتعلق بالصياغة في المستقبل.. وأنا أعتذر"..
ولو حاولنا رصد مختلف التصريحات الإعلامية العنصرية لتعذر علينا ذلك، لكثرتها. ولكن يبقى في خطاب الرئيس بايدن ما يمكن اعتباره تجاوزا لكل خطوط اللياقة السياسية والديبلوماسية وانساقا الى الانحياز الأعمى الذي ولئن كان مألوفا كلما تعلق الأمر بالحليف الإسرائيلي فإنه اتصف هذه المرة بعدوانية شخصية مطلقة بما يجعل الإدارة الأمريكية في تعزيزها للقدرات العسكرية الإسرائيلية وتعجيلها بإرسال اكبر بارجة حربية لها الى المتوسط شريكا في المجزرة المفتوحة، حتى أن وزير خارجيتها بلينكين اعتبر خلال زيارته الى تل أبيب أنه لم يأت كمسؤول فحسب ولكنه جاء كيهودي يدعم حكومة نتنياهو وهذا أيضا في إصرار على منح الصراع وهو صراع عنوانه الاحتلال غير الشرعي الى صراع ديني لإظهار الإسرائيليين واليهود كضحايا ملاحقين من العرب والمسلمين في العالم.. وطبعا لم يخرج الرئيس الفرنسي ماكرون عن هذا التوجه بل إن فرنسا التي حاربت النازيين ورفعت ميثاق الحريات والدفاع عن الحقوق منعت المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين.. طبعا الأمثلة كثيرة ومتعددة من لندن الى ألمانيا وكندا مع تواتر الدعوات لقطع المساعدات عن الفلسطينيين ..
الواقع أنه برغم قوة الآلة الدعائية الإسرائيلية ومعها الآلة الدعائية للغرب فان ما يحدث في غزة كان حاضرا في الإعلام العربي وفي كثير من الفضائيات التي اتصفت بالحرفية وتعاطت مع محرقة غزة بجرأة ورفضت الرواية المزيفة التي تصادر الحقيقة وتقتل الصحفيين لمنع اطلاع العالم عما يحدث من تصفية للفلسطينيين.. الأكيد، ورغم الحملات الإعلامية الممنهجة، أن هناك تحولا طفيفا في قراءة ومتابعة الأحداث وأن هناك أصوات داخل وخارج أوروبا وحتى إسرائيل تقدم رواية مختلفة وتتحدث عن جذور الصراع وهو الاحتلال ..بعض الأنباء تؤكد أن المعركة الإعلامية لا تزال في بدايتها وأن هناك قدرة على قلب المعادلة.. صحيح أن هناك بعض العواصم الأوروبية وهي قليلة رفضت الانسياق وراء الرواية الإسرائيلية ورفضت قطع المساعدات عن الفلسطينيين.. وفي إيرلندا يقول رئيس الوزراء الايرلندي ليو فرادكار إن إسرائيل تمارس عقابا جماعيا في غزة، وليس لها الحق في انتهاك القانون الدولي..
في اسبانيا رفضت الحكومة الاسبانية قطع المساعدات عن الفلسطينيين ودفعت الاتحاد الأوروبي للتراجع عن قراراته.. النرويج بدورها اعتمدت سياسة إنسانية مختلفة وأعلنت رفضها سياسة العقوبات الجماعية على الفلسطينيين وهي من أكثر الأطراف الحاضرة في غزة بأطبائها وفرق المتطوعين لديها والنرويج لم تتوقف عن محاولاتها فتح طريق امن لإيصال المساعدات الى غزة..
هناك خيط رفيع من الضوء في نهاية النفق والرواية الإسرائيلية ليست وحدها في المشهد ولا يمكن أن تسود، إنهم يكذبون ويعرفون أنهم يكذبون لأنهم بكل بساطة لا يجرؤون على الاعتراف بأن الأمر يتعلق بجريمة الاحتلال ..