إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الناشط السياسي قيس القروي لـ"الصباح": لا منافس لقيس سعيد في الانتخابات الرئاسية 2024

تونس – الصباح

عبر الناشط السياسي قيس القروي عن تفاؤله بمستقبل الوضع في تونس في ظل الإرادة السياسية الموجودة في مستوى أعلى هرم السلطة والأفكار والأهداف التي تنبني عليها الجمهورية الجديدة. في المقابل أكد أن سبب البطء وتعطل "عجلة" سير المسار يعود إلى أزمة "الثقة" و"عطالة" السلطة التنفيذية وعدم وجود حكومة وزراء في مستوى المرحلة والمسار. وانتقد القروي بصفته أيضا أحد مهندسي مشروع الرئيس قيس سعيد وأعضاء الحملة التفسيرية لمشروعه، أداء الوزراء الذين وصفهم بـ"موظفين" دون مبادرات تذكر. وبين في حديثه لـ"الصباح"، مدى أهمية الديمقراطية التشاركية وعلاقة ذلك بالبناء القاعدي كأحد الخطوط العريضة لمشروع سعيد. وفسر سبب رفض رئيس الجمهورية لمطالب التفاوض والحوار مع الأحزاب والمنظمات والهياكل القطاعية. وتطرق إلى فلسفة المسار في علاقة بالواقع والمواطنين والأحزاب والدولة والأولويات الإصلاحية. كما تطرق إلى جملة من المسائل الأخرى في الحوار التالي:

                          حاورته: نزيهة الغضباني

  • لكل مرحلة سياسية رموزها و"ناسها" فمن هم رموز هذه المرحلة في تونس اليوم؟

-حاليا من هو موجود في الصورة هو قيس سعيد رئيس الجمهورية وحده. لذلك فهو رمز ورجل تونس "الجديدة" وصاحب المشروع الذي يعمل ويشرف على تنفيذه.

  • من هم مهندسو هذا المشروع إذن؟

-صحيح أن العمود الفقري لهذا المشروع عدد قليل ممن هندسوا تفاصيله وأهدافه التي انطلقت منذ اعتصام المصير سنة 2012، حيث تقاطعنا عند جملة من الأهداف أذكر من أبرزهم إلى جانب قيس سعيد كل من سنية الشربطي وشهاب المكي وجمال المقدمي ومجموعة أخرى ممن لا يريدون الظهور في الصورة.

  • هل يعني أن هذه المجموعة قد تلتقي في "جسم" سياسي يكون حزاما خاصة أنك قادم من تجارب حزبية سابقة؟

-هذا أمر مستبعد جدا، ملثما قلت نحن لا نؤمن بالأحزاب. صحيح أني خضت تجارب حزبية سابقة تعلمت منها الكثير رغم قصر التجربة، بعد أن انطلقت من المؤتمر من أجل الجمهورية واستقلت بعد أن تم اختيار منصف المرزوقي رئيسا للجمهورية وبعث لنا برسالة من قرطاج عن طريق عماد الدايمي طلب منا تنفيذ كل تريده وتطلبه حركة النهضة. فالتحقت بحركة وفاء مع كل من عبد الرؤوف العيادي وفريقه لكن وجدت أنه لم يتغير شيء فغادرت الحياة الحزبية بعد أن عرفت وتأكدت أن90 % من المنتمين للأحزاب انتهازيون بخلاف المندسين.

ففي تقديري يمكن للدولة اليوم أن تقوم بدورها في تأطير وتثقيف الشباب وتكريس ثقافة المواطنة والتعايش مع الآخر المختلف بما يجعلنا في غنى عن الأجسام الوسيطة وهذا من شأنه أن يحدث فرزا في الأحزاب والسياسيين لتبقى منها الأحزاب السياسية الصرفة وأصحاب الأفكار السياسية الذين يمارسون السياسية للسياسة وليس الحزب من أجل السلطة فقط.

  • أين تضع ما يقوم به قيس سعيد اليوم؟

-أعتقد أن الطبقة السياسية اليوم لم تفهم سعيد بعد، فهو "ما يعملش السياسية" وبعيد كل البعد عن ذلك وما يقوم به إنما هو تطبيق لقناعاته وأفكاره. ولو كان يقوم بالسياسة مثلما يعتقد البعض لقبل التفاوض مع المنظمات الوطنية بما فيها الاتحاد العام التونسي للشغل والأحزاب.

  • بم تفسر رفض أغلب الطبقة السياسية والمدنية والهياكل القطاعية لهذا المشروع الذي يظل ضبابيا وغير واضح المعالم بعد رغم أنك كنت أحد أعضاء الحملة التفسيرية أثناء الحملة الانتخابية لسعيد وبعد فوزه في الرئاسية؟

-ليس هناك مشروع جاهز إلى حد الآن، ولكن فلسفة هذا المشروع تنبني على البناء القاعدي والديمقراطية التشاركية التي تجعل المواطن شريكا في الحكم من خلال دوره الرقابي ومشاركته المباشرة في اختيار من يمثله في المجالس المحلية والجهوية وصولا إلى البرلمان ومجلس الأقاليم والجهات. وحاليا بدأت تظهر أولويات هذا المشروع والمضي في تنفيذها من خلال تأكيدات رئيس الجمهورية منها مكافحة الفساد و"تنظيف" الإدارة واستقلالية القضاء والعدل وفي المستوى الاقتصادي هناك توجه لمراجعة بعض المنظومات بدءا بالبنك المركزي مرورا بالقوانين الاستثمارية والمالية وغيرها.

  • بم تفسر سبب بطء "عجلة" المسار بعد أكثر من عامين؟

-أعتقد أن حقيقة البطء في عمل السلطة التنفيذية وعدم القدرة على تكريس فلسلفة مسار ما بعد 25 جويلية 2021 رغم مسك رئيس الجمهورية بكل السلط يعود إلى أزمة الثقة التي تخيم على الجميع في الدولة. لأن المشكل في تونس منذ عقود عندما غرسوا في أذهان الجميع أن الفرد يكون ذو وجهين أو منافق ومتسلق لكي يحقق أهدافه، لذلك سعيد ليس له ثقة في الطبقة السياسية.

  • تُجمع عديد الجهات على أن الديمقراطيات تُبنى على الأحزاب لكن إلى أيّ مدى تعتقد أن فلسفة إلغاء الأجسام الوسيطة تكون ناجعة لتأسيس نظام ديمقراطي؟

-ليس هناك إلغاء للأجسام الوسيطة في سياسة الدولة اليوم ولكن ببساطة لولا المال ما كان هناك أحزاب لها عمق شعبي ثم أن هناك عوامل وإجراءات جديدة أدت بشكل أو بآخر إلى تراجع الأحزاب عن المشهد العام. ولو كانت هناك أحزاب لها عمق شعبي لشاركت في الانتخابات. إلا أنها اختارت الانسحاب وعدم المشاركة في انتخابات تقوم على الأفراد خوفا من سقوطها وفشلها المدوي وفقدان القواعد الشعبية.

  • هل تعتبر أن حركة النهضة التي كانت حاضرة بقوة في برلمانات العشرية الماضية والفاعلة في منظومة الحكم ومواقع القرار تفتقد للعمق الشعبي؟

-تبين أن كل المشهد السياسي والمنظومة القائمة بما في ذلك نتائج صناديق الاقتراع كانت مدفوعة الثمن. ويكفي التذكير أنه حسب الأرقام الرسمية فإن عددا ممن انتخبوا نواب حركة النهضة في 2019 كانوا في حدود خمسة آلاف. وأغلبهم عبر شراء الأصوات في حين لم تستطع الحركة والجبهة التي تكونها بمعية أحزاب وجهات أخرى جمع هذا العدد في مسيرة أو تحرك في مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021. لذلك أعتقد أن تونس ستعيش أزمة بعد 2029.

  • ماذا تقصد؟

-أعتقد أنه ليس هناك منافس لقيس سعيد في الانتخابات الرئاسية 2024. لكن هذه المرحلة ليس هناك أسماء سياسية قادرة على البروز والإقناع وشد الرأي العام بعيدا عن لعبة المال. لذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب خروج جيل جديد من القادة السياسيين.

  • هل تعني أن القيادات أو الرموز السياسية القديمة لم يعد لها وزن أو مكانة في المرحلة الجديدة؟

-في الحقيقة لا أعني إلغاء القادة السياسيين القدامى من المرحلة القادمة لكن المهمة سوف لن تكون سهلة في ظل عدم قيام هؤلاء بالمراجعات المطلوبة بعد أن عاد الجميع في هذه المرحلة إلى نقطة الصفر وظلوا يتحركون في نفس الحلقة. فهل يعقل أن هناك من يتصدروا المشهد يطالبون بالتداول على السلطة والديمقراطية في حين أنهم يتربعون على "أحزابهم" لأكثر من أربعة أو ثلاثة عقود؟!

  • بم تفسر ذلك؟

-لأن هناك هوة كبيرة بين النخبة والمواطن. فالأولى لها فسلفتها وأفكارها ومرجعياتها وكل ذلك لا يلامس المواطن عمليا على غرار السلفية والشيوعية والماركسية والقومية العربية. ثم أن جل الأحزاب إن لم تكن كل الطبقة السياسية لا تعمل ميدانيا على نحو يمكنها من تكوين قواعد والقيام بالتأطير لغرس الانتماء الوطني والحزبي على اعتبار أن الحزب مدرسة للتكوين وخلق الأفكار والعمق الشعبي وتكتفي في أنشطتها بالبيانات والتحركات أو الندوات الصحفية بل كانت تتعامل مع الوضع بمنطق الغنيمة وقوة رأس المال. والحقيقة أن هذه الطبقة بينت أن لها مشكل شخصي مع سعيد وليس مع أفكاره ثم إن الشارع التونسي ليس غبيا ولا تنطلي عليه مثل هذه الحقائق وحملات الشيطنة. لذلك لم يستجيب لدعواتها للتحرك ضده رغم الصعوبات والأزمات والتردي غير المسبوق للأوضاع. لأنه مؤمن أن هناك إرادة سياسية في الدولة اليوم.

  • لكن أغلب الانتقادات سواء من المعارضة الموسعة أو تحفظات الداعمين للمسار تذهب إلى عكس ذلك خاصة أمام التباين بين ما يُقال وما هو موجود على أرض الواقع أنهكته الأزمات في ظل غياب الحلول، أليس كذلك؟

-كلنا نتعامل مع المرحلة بتحفظ لأنه ليس هناك مساندة في المطلق كما ليس هناك معارضة ورفض في المطلق أيضا لأن هناك أهداف لكننا نختلف في رؤيتنا لطريقة الوصول إليها هذا كل ما في الأمر. أقول نعم هناك إرادة سياسية قوية وهادفة في أعلى هرم السلطة. ثم أن كثرة المطبات والصعوبات مقابل وجود وزراء بعضهم يعمل عكس ما يدعو له رئيس الجمهورية لم يقدموا بعد أكثر من سنتين أي مبادرة أو مشروع يذكر وكانوا أقرب إلى موظفين بامتيازات كبيرة فضلا عن وجود تعيينات تعوزها الكفاءة المطلوبة في ظل دور التعيينات والانتماءات للأحزاب والأجندات التي تكبل الإدارات والمؤسسات العمومية، كلها عوامل حالت دون المضي سريعا في تنفيذ المشروع. فالحديث عن الجمهورية الجديدة في أبهى تجلياتها ونتائج هذه المنظومة المنتظرة لا يمكن قبل سنة ونصف من انطلاق عمل الغرفة النيابية الثانية أي بعد تركيز مجلس الأقاليم والجهات وتغيير الحكومة.

  • أشرت في سياق حديثك إلى تغيير الحكومة هل تتحدث من منطلق دراية بالأمر باعتبارك قريبا من كواليس السلطة ودوائر القرار أم هو مجرد طلب؟

-هو مجرد طلب لا غير، لأني مثلما أسلفت الذكر اعتبر أن تونس اليوم تتطلب حكومة في مستوى تحديات المرحلة وهذا ما تفتقده حكومة ما بعد 25 جويلية 2021.

  • انتقادات عديدة توجه إلى سياسة هذه المرحلة التي تنبني على "الانتماء للمسار ودعمه" في تعيين الوزراء وفي الوزارات والمؤسسات والمنشآت العمومية ومختلف هياكل الدولة المحلية والجهوية والوطنية باسم "الانسجام" على اعتبار أن ذلك يعيد إلى الأذهان الحزب الواحد والانتماء الواحد هل تشاطر هذا الرأي؟

-في الحقيقة أبناء المسار الحقيقيين الذين تم تعيينهم إلى حد الآن بين 15 و20 والرقم صغير جدا مقارنة بما هو موجود. وفي تقديري هناك وظائف سياسية مثل الولاة يجب أن تكون لأبناء المسار والمؤمنين بأفكار المشروع فيما الوظائف التقنية يجب أن تكون لأهل الاختصاص. ولكن لا أنكر أن الانتهازيين ممن ارتموا في "موائد" حزبية وأجندات أخرى كثيرون. وكثيرون من هؤلاء ينسبون أنفسهم للمسار. وأنا ألوم رئيس الجمهورية لأنه لم يعين أبناء المسار.

  • نعود للحديث عن المعارضة بجميع أطيافها، فرغم خوضها لأشكال التحرك المختلفة في إطار مناهضة المسار ولكنها فشلت فما هو تفسيرك لذلك؟

-فشل المعارضة اليوم حقيقة لا تقبل التشكيك، ويرجع ذلك إلى أن الطبقة السياسية في تونس خلال السنوات الماضية لم تراهن على العمل داخل العمق الشعبي رغم ما تمتلكه من مكاتب محلية وجهوية وداخل الأحياء والقرى فكانت أشبه بدكانين للغنيمة والانتهازيين، لذلك فشلت هذه الأحزاب في "امتحانات" القواعد الشعبية بنسبة100  %وساهم استقواء بعضها بالأجنبي بالارتماء في أحضان قوى الخارج في الإجهاز على ما تبقى لها في دوائرها الضيقة.

  • وكيف ترى الأمر بالنسبة لأحزاب ما بعد 25 جويلية 2021؟

-أغلب هذه الأحزاب انتهازية بامتياز ولا تنسجم في أفكارها وأهدافها مع الخطوط العريضة أو روح المسار. بل اختارت منهج الأحزاب القديمة التي تعتبر الوصول إلى السلطة ومواقع القرار يكون سهلا لكنها اصطدمت بواقع مختلف. لذلك فهي لن تعمر طويلا.

  • ذهبت في حديثك عن مبادئ الجمهورية الجديدة التي يسعى المسار لتكريسها والتي يمكن فيها الاستغناء عن الأحزاب، فهل الأمر نفسه بالنسبة للمنظمات وغيرها من الهياكل القطاعية والمدنية؟

-تونس لا يمكن أن تكون دون منظمات، لكن هذه المنظمات يجب أن تلتزم بدورها. فالاتحاد العام التونسي للشغل يظل المنظمة الشغيلة الكبرى في الدولة، لكن ليس من مهامه التدخل في التعيينات أو التدخل في ما هو سياسي أو الضغط على المؤسسات على غرار ما كان عليه الأمر في العشرية الماضية حيث كانت الدولة والأحزاب والطبقة السياسية برمتها ضعيفة ووجدت في الاتحاد البديل الذي ينقذها، وذلك لا ينفي أن يعطي رأيه. لذلك كل منظمة وهيكل مطالب بعدم تجاوز دوره ومهامه لأن عهد الفوضى قد انتهى.

     الناشط السياسي قيس القروي لـ"الصباح":  لا منافس لقيس سعيد في الانتخابات الرئاسية 2024

تونس – الصباح

عبر الناشط السياسي قيس القروي عن تفاؤله بمستقبل الوضع في تونس في ظل الإرادة السياسية الموجودة في مستوى أعلى هرم السلطة والأفكار والأهداف التي تنبني عليها الجمهورية الجديدة. في المقابل أكد أن سبب البطء وتعطل "عجلة" سير المسار يعود إلى أزمة "الثقة" و"عطالة" السلطة التنفيذية وعدم وجود حكومة وزراء في مستوى المرحلة والمسار. وانتقد القروي بصفته أيضا أحد مهندسي مشروع الرئيس قيس سعيد وأعضاء الحملة التفسيرية لمشروعه، أداء الوزراء الذين وصفهم بـ"موظفين" دون مبادرات تذكر. وبين في حديثه لـ"الصباح"، مدى أهمية الديمقراطية التشاركية وعلاقة ذلك بالبناء القاعدي كأحد الخطوط العريضة لمشروع سعيد. وفسر سبب رفض رئيس الجمهورية لمطالب التفاوض والحوار مع الأحزاب والمنظمات والهياكل القطاعية. وتطرق إلى فلسفة المسار في علاقة بالواقع والمواطنين والأحزاب والدولة والأولويات الإصلاحية. كما تطرق إلى جملة من المسائل الأخرى في الحوار التالي:

                          حاورته: نزيهة الغضباني

  • لكل مرحلة سياسية رموزها و"ناسها" فمن هم رموز هذه المرحلة في تونس اليوم؟

-حاليا من هو موجود في الصورة هو قيس سعيد رئيس الجمهورية وحده. لذلك فهو رمز ورجل تونس "الجديدة" وصاحب المشروع الذي يعمل ويشرف على تنفيذه.

  • من هم مهندسو هذا المشروع إذن؟

-صحيح أن العمود الفقري لهذا المشروع عدد قليل ممن هندسوا تفاصيله وأهدافه التي انطلقت منذ اعتصام المصير سنة 2012، حيث تقاطعنا عند جملة من الأهداف أذكر من أبرزهم إلى جانب قيس سعيد كل من سنية الشربطي وشهاب المكي وجمال المقدمي ومجموعة أخرى ممن لا يريدون الظهور في الصورة.

  • هل يعني أن هذه المجموعة قد تلتقي في "جسم" سياسي يكون حزاما خاصة أنك قادم من تجارب حزبية سابقة؟

-هذا أمر مستبعد جدا، ملثما قلت نحن لا نؤمن بالأحزاب. صحيح أني خضت تجارب حزبية سابقة تعلمت منها الكثير رغم قصر التجربة، بعد أن انطلقت من المؤتمر من أجل الجمهورية واستقلت بعد أن تم اختيار منصف المرزوقي رئيسا للجمهورية وبعث لنا برسالة من قرطاج عن طريق عماد الدايمي طلب منا تنفيذ كل تريده وتطلبه حركة النهضة. فالتحقت بحركة وفاء مع كل من عبد الرؤوف العيادي وفريقه لكن وجدت أنه لم يتغير شيء فغادرت الحياة الحزبية بعد أن عرفت وتأكدت أن90 % من المنتمين للأحزاب انتهازيون بخلاف المندسين.

ففي تقديري يمكن للدولة اليوم أن تقوم بدورها في تأطير وتثقيف الشباب وتكريس ثقافة المواطنة والتعايش مع الآخر المختلف بما يجعلنا في غنى عن الأجسام الوسيطة وهذا من شأنه أن يحدث فرزا في الأحزاب والسياسيين لتبقى منها الأحزاب السياسية الصرفة وأصحاب الأفكار السياسية الذين يمارسون السياسية للسياسة وليس الحزب من أجل السلطة فقط.

  • أين تضع ما يقوم به قيس سعيد اليوم؟

-أعتقد أن الطبقة السياسية اليوم لم تفهم سعيد بعد، فهو "ما يعملش السياسية" وبعيد كل البعد عن ذلك وما يقوم به إنما هو تطبيق لقناعاته وأفكاره. ولو كان يقوم بالسياسة مثلما يعتقد البعض لقبل التفاوض مع المنظمات الوطنية بما فيها الاتحاد العام التونسي للشغل والأحزاب.

  • بم تفسر رفض أغلب الطبقة السياسية والمدنية والهياكل القطاعية لهذا المشروع الذي يظل ضبابيا وغير واضح المعالم بعد رغم أنك كنت أحد أعضاء الحملة التفسيرية أثناء الحملة الانتخابية لسعيد وبعد فوزه في الرئاسية؟

-ليس هناك مشروع جاهز إلى حد الآن، ولكن فلسفة هذا المشروع تنبني على البناء القاعدي والديمقراطية التشاركية التي تجعل المواطن شريكا في الحكم من خلال دوره الرقابي ومشاركته المباشرة في اختيار من يمثله في المجالس المحلية والجهوية وصولا إلى البرلمان ومجلس الأقاليم والجهات. وحاليا بدأت تظهر أولويات هذا المشروع والمضي في تنفيذها من خلال تأكيدات رئيس الجمهورية منها مكافحة الفساد و"تنظيف" الإدارة واستقلالية القضاء والعدل وفي المستوى الاقتصادي هناك توجه لمراجعة بعض المنظومات بدءا بالبنك المركزي مرورا بالقوانين الاستثمارية والمالية وغيرها.

  • بم تفسر سبب بطء "عجلة" المسار بعد أكثر من عامين؟

-أعتقد أن حقيقة البطء في عمل السلطة التنفيذية وعدم القدرة على تكريس فلسلفة مسار ما بعد 25 جويلية 2021 رغم مسك رئيس الجمهورية بكل السلط يعود إلى أزمة الثقة التي تخيم على الجميع في الدولة. لأن المشكل في تونس منذ عقود عندما غرسوا في أذهان الجميع أن الفرد يكون ذو وجهين أو منافق ومتسلق لكي يحقق أهدافه، لذلك سعيد ليس له ثقة في الطبقة السياسية.

  • تُجمع عديد الجهات على أن الديمقراطيات تُبنى على الأحزاب لكن إلى أيّ مدى تعتقد أن فلسفة إلغاء الأجسام الوسيطة تكون ناجعة لتأسيس نظام ديمقراطي؟

-ليس هناك إلغاء للأجسام الوسيطة في سياسة الدولة اليوم ولكن ببساطة لولا المال ما كان هناك أحزاب لها عمق شعبي ثم أن هناك عوامل وإجراءات جديدة أدت بشكل أو بآخر إلى تراجع الأحزاب عن المشهد العام. ولو كانت هناك أحزاب لها عمق شعبي لشاركت في الانتخابات. إلا أنها اختارت الانسحاب وعدم المشاركة في انتخابات تقوم على الأفراد خوفا من سقوطها وفشلها المدوي وفقدان القواعد الشعبية.

  • هل تعتبر أن حركة النهضة التي كانت حاضرة بقوة في برلمانات العشرية الماضية والفاعلة في منظومة الحكم ومواقع القرار تفتقد للعمق الشعبي؟

-تبين أن كل المشهد السياسي والمنظومة القائمة بما في ذلك نتائج صناديق الاقتراع كانت مدفوعة الثمن. ويكفي التذكير أنه حسب الأرقام الرسمية فإن عددا ممن انتخبوا نواب حركة النهضة في 2019 كانوا في حدود خمسة آلاف. وأغلبهم عبر شراء الأصوات في حين لم تستطع الحركة والجبهة التي تكونها بمعية أحزاب وجهات أخرى جمع هذا العدد في مسيرة أو تحرك في مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021. لذلك أعتقد أن تونس ستعيش أزمة بعد 2029.

  • ماذا تقصد؟

-أعتقد أنه ليس هناك منافس لقيس سعيد في الانتخابات الرئاسية 2024. لكن هذه المرحلة ليس هناك أسماء سياسية قادرة على البروز والإقناع وشد الرأي العام بعيدا عن لعبة المال. لذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب خروج جيل جديد من القادة السياسيين.

  • هل تعني أن القيادات أو الرموز السياسية القديمة لم يعد لها وزن أو مكانة في المرحلة الجديدة؟

-في الحقيقة لا أعني إلغاء القادة السياسيين القدامى من المرحلة القادمة لكن المهمة سوف لن تكون سهلة في ظل عدم قيام هؤلاء بالمراجعات المطلوبة بعد أن عاد الجميع في هذه المرحلة إلى نقطة الصفر وظلوا يتحركون في نفس الحلقة. فهل يعقل أن هناك من يتصدروا المشهد يطالبون بالتداول على السلطة والديمقراطية في حين أنهم يتربعون على "أحزابهم" لأكثر من أربعة أو ثلاثة عقود؟!

  • بم تفسر ذلك؟

-لأن هناك هوة كبيرة بين النخبة والمواطن. فالأولى لها فسلفتها وأفكارها ومرجعياتها وكل ذلك لا يلامس المواطن عمليا على غرار السلفية والشيوعية والماركسية والقومية العربية. ثم أن جل الأحزاب إن لم تكن كل الطبقة السياسية لا تعمل ميدانيا على نحو يمكنها من تكوين قواعد والقيام بالتأطير لغرس الانتماء الوطني والحزبي على اعتبار أن الحزب مدرسة للتكوين وخلق الأفكار والعمق الشعبي وتكتفي في أنشطتها بالبيانات والتحركات أو الندوات الصحفية بل كانت تتعامل مع الوضع بمنطق الغنيمة وقوة رأس المال. والحقيقة أن هذه الطبقة بينت أن لها مشكل شخصي مع سعيد وليس مع أفكاره ثم إن الشارع التونسي ليس غبيا ولا تنطلي عليه مثل هذه الحقائق وحملات الشيطنة. لذلك لم يستجيب لدعواتها للتحرك ضده رغم الصعوبات والأزمات والتردي غير المسبوق للأوضاع. لأنه مؤمن أن هناك إرادة سياسية في الدولة اليوم.

  • لكن أغلب الانتقادات سواء من المعارضة الموسعة أو تحفظات الداعمين للمسار تذهب إلى عكس ذلك خاصة أمام التباين بين ما يُقال وما هو موجود على أرض الواقع أنهكته الأزمات في ظل غياب الحلول، أليس كذلك؟

-كلنا نتعامل مع المرحلة بتحفظ لأنه ليس هناك مساندة في المطلق كما ليس هناك معارضة ورفض في المطلق أيضا لأن هناك أهداف لكننا نختلف في رؤيتنا لطريقة الوصول إليها هذا كل ما في الأمر. أقول نعم هناك إرادة سياسية قوية وهادفة في أعلى هرم السلطة. ثم أن كثرة المطبات والصعوبات مقابل وجود وزراء بعضهم يعمل عكس ما يدعو له رئيس الجمهورية لم يقدموا بعد أكثر من سنتين أي مبادرة أو مشروع يذكر وكانوا أقرب إلى موظفين بامتيازات كبيرة فضلا عن وجود تعيينات تعوزها الكفاءة المطلوبة في ظل دور التعيينات والانتماءات للأحزاب والأجندات التي تكبل الإدارات والمؤسسات العمومية، كلها عوامل حالت دون المضي سريعا في تنفيذ المشروع. فالحديث عن الجمهورية الجديدة في أبهى تجلياتها ونتائج هذه المنظومة المنتظرة لا يمكن قبل سنة ونصف من انطلاق عمل الغرفة النيابية الثانية أي بعد تركيز مجلس الأقاليم والجهات وتغيير الحكومة.

  • أشرت في سياق حديثك إلى تغيير الحكومة هل تتحدث من منطلق دراية بالأمر باعتبارك قريبا من كواليس السلطة ودوائر القرار أم هو مجرد طلب؟

-هو مجرد طلب لا غير، لأني مثلما أسلفت الذكر اعتبر أن تونس اليوم تتطلب حكومة في مستوى تحديات المرحلة وهذا ما تفتقده حكومة ما بعد 25 جويلية 2021.

  • انتقادات عديدة توجه إلى سياسة هذه المرحلة التي تنبني على "الانتماء للمسار ودعمه" في تعيين الوزراء وفي الوزارات والمؤسسات والمنشآت العمومية ومختلف هياكل الدولة المحلية والجهوية والوطنية باسم "الانسجام" على اعتبار أن ذلك يعيد إلى الأذهان الحزب الواحد والانتماء الواحد هل تشاطر هذا الرأي؟

-في الحقيقة أبناء المسار الحقيقيين الذين تم تعيينهم إلى حد الآن بين 15 و20 والرقم صغير جدا مقارنة بما هو موجود. وفي تقديري هناك وظائف سياسية مثل الولاة يجب أن تكون لأبناء المسار والمؤمنين بأفكار المشروع فيما الوظائف التقنية يجب أن تكون لأهل الاختصاص. ولكن لا أنكر أن الانتهازيين ممن ارتموا في "موائد" حزبية وأجندات أخرى كثيرون. وكثيرون من هؤلاء ينسبون أنفسهم للمسار. وأنا ألوم رئيس الجمهورية لأنه لم يعين أبناء المسار.

  • نعود للحديث عن المعارضة بجميع أطيافها، فرغم خوضها لأشكال التحرك المختلفة في إطار مناهضة المسار ولكنها فشلت فما هو تفسيرك لذلك؟

-فشل المعارضة اليوم حقيقة لا تقبل التشكيك، ويرجع ذلك إلى أن الطبقة السياسية في تونس خلال السنوات الماضية لم تراهن على العمل داخل العمق الشعبي رغم ما تمتلكه من مكاتب محلية وجهوية وداخل الأحياء والقرى فكانت أشبه بدكانين للغنيمة والانتهازيين، لذلك فشلت هذه الأحزاب في "امتحانات" القواعد الشعبية بنسبة100  %وساهم استقواء بعضها بالأجنبي بالارتماء في أحضان قوى الخارج في الإجهاز على ما تبقى لها في دوائرها الضيقة.

  • وكيف ترى الأمر بالنسبة لأحزاب ما بعد 25 جويلية 2021؟

-أغلب هذه الأحزاب انتهازية بامتياز ولا تنسجم في أفكارها وأهدافها مع الخطوط العريضة أو روح المسار. بل اختارت منهج الأحزاب القديمة التي تعتبر الوصول إلى السلطة ومواقع القرار يكون سهلا لكنها اصطدمت بواقع مختلف. لذلك فهي لن تعمر طويلا.

  • ذهبت في حديثك عن مبادئ الجمهورية الجديدة التي يسعى المسار لتكريسها والتي يمكن فيها الاستغناء عن الأحزاب، فهل الأمر نفسه بالنسبة للمنظمات وغيرها من الهياكل القطاعية والمدنية؟

-تونس لا يمكن أن تكون دون منظمات، لكن هذه المنظمات يجب أن تلتزم بدورها. فالاتحاد العام التونسي للشغل يظل المنظمة الشغيلة الكبرى في الدولة، لكن ليس من مهامه التدخل في التعيينات أو التدخل في ما هو سياسي أو الضغط على المؤسسات على غرار ما كان عليه الأمر في العشرية الماضية حيث كانت الدولة والأحزاب والطبقة السياسية برمتها ضعيفة ووجدت في الاتحاد البديل الذي ينقذها، وذلك لا ينفي أن يعطي رأيه. لذلك كل منظمة وهيكل مطالب بعدم تجاوز دوره ومهامه لأن عهد الفوضى قد انتهى.